مقابلة مع الكردينال روجيه اتشيغاري1987

مقابلة مع الكردينال روجيه اتشيغاري

رئيس لجنة العدل والسلام البابوية

آب- ايلول 1987 

لم أكن اضن أن الحديث مع الكرادلة في روما هو بهذه السهولة فقد تهيبت قبل أن ارفع سماعة التلفون لأدير القرص على سكرتيرة نيافته واطلب الحديث مع رئيس لجنة “العدل والسلام”. الكاردينال روجيه اتشيغاري. رئيس أساقفة مرسيليا (فرنسا) السابق. ولم يكن علي سوى أن أتلو عليها اسمي ورغبتي في لقاء نيافته.

لا تترك الخط.. برهة.في اتصال مع الكردينال

برهة.. وجاءني صوت خشن تخيلت صاحبه رجلا وقورا بثياب أسقفية حمراء. جالسا أمام طاولة محملة بالأوراق والملفات والتلفونات!.. وقدمت نفسي ومن أي بلد أنا وأعربت عن رغبتي في إجراء لقاء صحفي معه لحساب مجلة الفكر المسيحي العراقية.

         حول أي موضوع؟

         حول لجنة العدل والسلام ونشاطاتها. وحول مساعي الكرسي ألرسولي من اجل

السلام، وصدى زيارتكم للأسرى العراقيين في إيران وانطباعاتكم عن العراق حين أتيتموه ممثلا لقداسة البابا قبل عامين.

واستمهلني نيافته للعودة إلى دفتر مواعيد المكتظ –كما قال لي في التلفون– باجتماعات مع البابا ومع الكرادلة، لاسيما في هذه الأيام، لإعداد سينودس الأساقفة العام المقبل –الذي سينعقد في الخريف القادم حول دور وموقع العلمانيين في حياة الكنيسة– وضرب لي موعدا..

في اليوم المحدد   الأربعاء 24 حزيران 1987، وفي الساعة المحددة كنت أمام بوابة قصر القديس كاليستو، مقر”لجنة العدل والسلام” البابوية، بناء حجري قديم ضخم من عدة طوابق. تدخل إليه عبر فنائين، ويقع جناح “اللجنة” في الثاني منهما، فناء واسع تزينه نافورات وتماثيل رخامية لرجال كنيسة غوابر هنا وهناك، في مدخل الطابق الثاني استقبلتني سيدة تتكلم الفرنسية، ما عتمت أن قادتني عبر ممرين طويلين مزينين بصور بعض الأحبار، إلى غرفة ملاصقة لمكتب الكاردينال. وبينما انشغلت بكتاب أنيق مصور حول لقاء رؤساء الأديان في اسيزي،

متروك على الطاولة.. إذا بالكردينال يفاجئني باسما مرحبا بقامته الفارعة، وببدله بسيطة تتكون من بنطال وسترة أسودين وياقة بيضاء تحت الذقن كالتي يلبسها كهنة روما، لا شيء يميزه عن أي كاهن روماني سوى هذه السلسلة المتدلية نحو زاوية صدره اليسرى فلا ترى حتى الصليب الأسقفي المختفي في جيب قميصه الأسود. عمره؟  قد يكون نجاوز الستين بقليل. إلا أن حرارة اللقاء والضحكة العريضة والعينين الواسعتين الملتمعتين نزعت عني كل تهيب، فبادرت نيافته بان هذا اللقاء دين يستوفى إذا كنا قد تمنينا أن يتم في الموصل بالذات لدى زيارة نيافته لقطرنا. فضحك وقال منشرحا بأنه كاد يصل إلى الموصل عندما زار بعض المعسكرات قرب سامراء – ولم يخف عن إعجابه بالملوية الرائعة –

ولكن جعبتي كانت تحمل أسئلة محددة..

الفكر المسيحي: صاحب النيافة. أنت رئيس اللجنة البابوية “العدل والسلام”. وقد زرت العراق ممثلا لقداسة البابا من اجل السلام. هل  لك أن توجز لقراء “الفكر المسيحي”. – وللعراقيين عامة – أهداف “اللجنة” المذكورة؟

الكاردينال: لقد نشأت اللجنة البابوية “العدل والسلام” جوابا لطلب من المجمع

الفاتيكاني الثاني. فبعد مدلولات مستفيضة حول “حضور الكنيسة في عالم اليوم” أبدى آباء المجمع رغباهم في قيام هيئة كنسية مركزية من اجل حث الجماعة الكاثوليكية على”الإسهام في إنماء المناطق الفقيرة وإقامة العدالة الاجتماعية بين الشعوب”. ولقد تبنى البابا بولس السادس هذه الأمنية، فانشأ هذه اللجنة كواحدة من الهيئات الخدمية المركزية للكنيسة الكاثوليكية، وشاء أن يختصر هدفها ومنهاج عملها باسم معبر ذي صدى كتابي”فالعدل والسلام” –هذان الطموحان الأساسيان لكل البشرية– “يمدان الواحد يده إلى الآخر، بحسب عبارة  سفر المزامير، أي أن الواحد لا يوجد دون الآخر.

فهدف اللجنة يتحدد في أنها:

…      تدرس وتتعمق في القضايا التي تمس العدالة ونماء الإنسان الكامل وتضامن الشعوب، والسلام، وضمان حقوق الشخص البشري واحترامه.

…      تعكس موقف الكنيسة مما تستطيع فعله أو يجب أن تفعله أو تقوله لتنوير أولئك الذين يبحثون عن حلول لهذه المشاكل بنور الرؤية المسيحية إلى الشخص البشري والمجتمع ورغبات الله في العالم.

…      تساعد كافة أعضاء شعب الله (أساقفة وكهنة ورهبانا وعلمانيين) على اكتساب وعي أكثر فأكثر عمقا لهذه المعضلات، وتدعوهم للشهادة المسيحية وللعمل المطلوب، كل بحسب دعوته ووظيفته  الخاصة وبروح التضامن.

الفكر المسيحي: ما هي نشاطات اللجنة وما هو أسلوب عملها؟ ما هي طبيعة   علاقتها الخارجية مع القاعدة، مع مؤسسات الدولة، مع الكنائس المحلية؟ وهل ثمة صعوبات تلاقيها في عملها؟

الكاردينال: نشاطات اللجنة تأخذ اتجاهين مترابطين: الدراسة والاتصال. والدراسة التي هي المهمة الأولى للجنة تعانق حقلين متميزين: أولهما الاطلاع والإنصات إلى كل ما يجري في العالم حيث يعاش البحث اليومي عن السلام والعدالة لجميع الناس –أو حيث هو غائب– وتخص اللجنة باهتمامها المستويات ذات التأثير على مجرى الأمور وذلك من اجل إجراء التغيرات الممكنة في البني الاجتماعية. هذا الاطلاع والإنصات لابد منهما لجمع المعلومات –العالمية والمحلية– حول القضايا التي تدخل في اختصاص اللجنة، وتحصل اللجنة عليها بجهد إعلامي ووثائقي مستمر، وبدراسة التقارير العديدة واللقاءات المباشرة والأسفار…

أما  الحقل الدراسي الثاني فهو الاطلاع على تعليم الكنيسة الاجتماعي، واعني به كل هذا التقليد الكنسي الحي الذي يتغذى من الإنجيل ومن مبادئ الإيمان وخبرة الكنيسة الطويلة والشاملة في خدمة البشر.

أما في باب الاتصال، فما أن غاية اللجنة هي أن تعمل بالاتفاق مع سائر من يعملون في الكنيسة للأهداف عينها، فهي تخاطب جهات متعددة:

فمن حيث هي هيئة من هيئات الكنيسة الجامعة، تتوجه بالدرجة الأولى إلى المجالس الأسقفية والسلطة الكنسية المحلية، حيث أن الأساقفة هم المسؤولون الأولون والفاعلون عن النشاط الراعوي الاجتماعي في الكنائس الخاصة. فعن طريق هذه السلطة أو بالاتفاق معها يمكن للجنة أن تتصل بالهيئات الوطنية المختلفة، المتواجدة  أو التي أنشئت لدراسة وتنشيط الفعاليات الراعوية في الحقل الاجتماعي. مثل: لجان العدل والسلام الوطنية، لجان العمل الاجتماعي، الحركات الداعية إلى السلام أو التنمية.. الخ.

كما تقيم اللجنة علاقات مع المؤسسات والحركات الكنسية العالمية (الرهبانيات، المنظمات العلمانية) التي تعمل، بالاتحاد مع الأساقفة، لخدمة المؤمنين في التعبير عن البعد الاجتماعي لإيمانهم.

كما إننا نقيم علاقات أكثر فأكثر اتساعا مع الأوساط العلمانية، ولا سيما مع المنظمات المختصة بالتعاون بين الأشخاص والأمم لإقامة العدل والسلام والاحترام للشخص البشري على الأصعدة العالمية والإقليمية والمحلية.

وتسألني عن الصعوبات؟.. بالتأكيد أنها موجودة، ولكن الصعوبة الكبرى تأتي لربما من طبيعة المساهمة التي تبديها الكنيسة في البحث عن العدل والسلام في العالم: فالمسالة قبل كل شيء تتصل باهتداء القلب وتغيير الذهنية، بدءا من الذات، ومن ثم  في البيئة المحيطة. وإذا كالمسيحي:طلب جهدا مستمرا وبدايات متكررة فهو مشروع يحتاج إلى النفس الطويل، فمن الصعب أن يعطى الأولوية عندما تزحمك القضايا الملحة.

الفكر المسيحي: هل ساهمت اللجنة فعلا وبصورة فاعلة في قضايا دولية  تخص العدل والسلام؟

الكاردينال: قد يكون من المفيد التذكير بان اللجنة هي في خدمة البابا، هذا الداعية الأكبر للعدل والسلام لكل البشرية. فهل تعلم إن الكرسي ألرسولي يتمثل سنويا في زهاء 3.. مؤتمر عالمي لإسماع صوت الكنيسة! وأسوق إليك مثالين حديثين عن مساهمات اللجنة وهما: إعداد وتنظيم يوم الأديان العالمي للصلاة من اجل السلام الذي أقيم في اسيزي في 27 ت1 1986؛ والوثيقة الدراسية حول مشكلة القروض الدولية التي نشرتها اللجنة في 27 ك2 الماضي. ففيما يخص المثال الأول نحن نعلم الصدى العالمي الذي لقي نداء البابا والجواب الايجابي الذي أبداه كثير من رؤساء الدول تجاه اقتراح البابا باقران الصلاة بيوم هدنة عالمية تتوقف فيها الصدامات المسلحة القائمة.

الفكر المسيحي: لننتقل إلى مجال أخر. زيارتك للاسرى العراقيين في إيران في نطاق المهمة السلامية التي أوكلها إليك البابا في عيد الميلاد 1985 – 1986، ماذا أعطت؟ ماذا كشفت لك؟

الكاردينال: إن لقائي مع الأسرى العراقيين سيبقى أثره حيا في قلبي، ولن استطيع أن انسي قداس الميلاد في كاتدرائية طهران، فقد شعرت يومذاك إني متحد ليس مع الأسرى وحدهم، بل مع أسرهم أيضا ومع كافة مسيحي العراق. لقد كانوا حوالي 3.. أسير جمعوا من عدة معسكرات، ولقد قرات في وجوههم وفي كلماتهم حنينهم إلى الوطن وشوقهم إلى العودة إلى عائلاتهم وأملهم بلقاء ذويهم بأسرع وقت ممكن. ولقد عبروا عن هذا الحنين وقوة الإيمان التي

تسندهم في منفاهم بالتراتيل الدينية التي رتلوها بالعربية والسورث. ولقد تقدموا جميعا من التناول.

أما بعد القداس فلقد تأثرت بالحفاوة والأمل اللذين أبداهما هؤلاء الرجال المتألمين بلقائي كممثل لقداسة البابا، فبكين عندما فكرت بأسرهم وهم منفصلون عنها، كما إني اذكر باعتزاز الهدية التي قدموها لي: وهي قماشه نقشوا عليها الآية الإنجيلية: “طوبى للرحماء فأنهم يرحمون”. هذه القماشة الثمينة أقيم عليها القداس كل يوم في معبدي الخاص، مما يجعلني اتحد يوميا بألم وأمل اولئك الأسرى بألم وأمل مسيحيي العراق بل العراقيين كلهم. كلا لنالمسيحي: اليوم أبدا..

الفكر المسيحي: ما هي انطباعاتك عن زيارتك للعراق؟ لقاءاتك مع السادة المسؤولين.. مع الكنيسة؟

·       الكاردينال: إني احتفظ بالذكرى الطيبة لتلك الزيارة القصيرة. فانا لا أنسى

ترحيب السيد الرئيس صدام حسين بممثل البابا والانفتاح الذي يتحلى به سيادته تجاه فرص السلام وتقديره لمبادرة الكرسي ألرسولي الإنسانية في زيارة أسرى الحرب. كما اذكر بارتياح بليغ لقائي مع السيد طارق عزيز وزير الخارجية. فالي المسؤولين العراقيين بالغ امتناني للحفاوة والتكريم اللذين لقيتهما، ولكل ما أبدوه نحوي من طيبة وتعاون لتسهيل مهمتي في خدمة المحبة والسلام.

أما في ما يخص كنيسة العراق، فاذكر لقائي مع الجماعة المسيحية، ولاسيما لقائي مع الكهنة والراهبات في دار السفارة البابوية في بغداد. والانطباع الذي خرجت به من هذا اللقاء هو إن هذه الكنيسة حية ومنغرزة في هذا البد وفي هذا الشعب، وإنها مهتمة جديا بخدمة الله والوطن. كما اني أرى أن هؤلاء الكهنة والراهبات هم بحاجة إلى أن تدعم جهودهم الرسولية، فهم يستحقون مثل هذا الدعم. إذ أنهم بحاجة إلى الشجاعة والرجاء للاستمرار في مهمتهم الدقيقة لخدمة الإنجيل. وانأ أعدهم بصلاتي. كما أتمنى لكنيسة العراق عموما أن تكمل رسالتها الروحية في العراق في الشهادة الحية للإنجيل وفي الحوار الأخوي مع الجماعات الدينية الأخرى.

وان كان لي من أمنية فهي أن أتعرف أكثر على هذه الكنيسة العريقة

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s