Posted by: abu faadii | 2013/08/11

مقابلة مع قداسة زكا الأول عيواص1980

مقابلة مع قداسة مار اغناطيوس زكا الأول

ت1  1980

في 14 أيلول احتفل الكرسي الإنطاكي بتنصيب قداسة مار اغناطيوس زكا الأول عيواص بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس خلفا للبطريرك الراحل المثلث الرحمة مار يعقوب الثالث. وقد جرى تنصيبه في كاتدرائية مار جرجس بدمشق، محاطا بكافة  الأبرشيات السريانية الأرثوذكسية (22 أسقفا) وفي مقدمتهم مار باسيليوس بولس مفريان الهند وثمانية من أساقفته

وحضر الاحتفال ممثلون عن الحكومتين السورية واللبنانية ورؤساء مختلف الكنائس المسيحية  عنهم وعلى رأسهم مار اغناطيوس هزيم بطريرك إنطاكية للروم الأرثوذكس  ومار اغناطيوس انطون الثاني حائك بطريرك إنطاكية للسريان الكاثوليك والسفير البابوي في دمشق ممثلا عن قداسة البابا يوحنا بولس الثاني والأب دوبريه عن أمانة سر اتحاد المسيحيين الرومانية… فضلا عن عدد كبير من الشخصيات الدينية والسياسية.

وفي خطابه دعا قداسة البطريرك الجديد إلى التعاون والتضامن بين الكنائس المسيحية الشقيقة والى ترسيخ الأخوة المسيحية – الإسلامية، مشيدا بدور الأمة العربية وداعيا إلى وحدة الوطن العربي الكبير.

وفيما تجدد “الفكر المسيحي” تهنئاتها وتمنياتها لقداسة مار زكا الأول، يشرفها أن تنشر المقابلة  جرجس القس موسى مع قداسته قبيل مغادرته إلى مقره ألبطريركي في دمشق.

كان قداسته منشغلا بالإجابة بانكليزية صافية وهادئة إلى أسئلة مندوب وكالة الإنباء الفرنسية في بغداد عندما وافيته حسب الموعد المحدد في دار المطرانية بشارع الصناعة ببغداد، لأجري مع قداسته هذه المقابلة، قبل سفره إلى دمشق لاستلام مهام منصبه الجديد كبطريرك للكنيسة السريانية الأرثوذكسية. وقداسته صديق قديم منذ أن كان مراقبا في المجمع الفاتيكاني الثاني، وأسقفا –طالما اعتززنا بجيرته– لأبرشية الموصل، قبل أن يستلم دفة أبرشية بغداد.

أول ما يجذبك في هذا الرجل الأربعيني (مواليد 1933) ذي الأكتاف العريضة، المبني كالصخر الصوان، الواثق من نفسه، عينان ذكيتان وابتسامة عريضة تعكس وجها شابا مشرقا بالطموح والتفاؤل، تضفي إليه لحيته التمرية الكثة هالة من وقار الشيوخ. وما أن يلقاك هذا الوجه حتى يغمرك بلطف الاستقبال وحرارة الكلام فيفوت عليك فرصة التهيب في حضرته ويبعث فيك الثقة.

حييت قداسته باسم “الفكر المسيحي” –وقراؤها يذكرون اسمه أكثر من مرة من خلال حديث أو مقال ذيله لهم بتوقيعه– وأعربت عن الفرح الذي شمل الجميع، ومن سائر الطوائف، بانتخابه للكرسي الإنطاكي، فجاءت السرعة والجودة متناغمتين. وألقيت بين يديه حفنة من الأسئلة يدور محورها حول الوحدة المسيحية وسبل الوصول إلى دربها السليم:

الفكر المسيحي: ما هو مفهوم قداستكم عن الوحدة المسيحية – هل هناك صيغة أو صيغ تقترحونها لهذه الوحدة؟

البطريرك: رأينا يتلخص في تحقيق المفهوم الواحد للعقيدة المسيحية، والاتحاد في المحبة مع تنوع في الطقوس والتقاليد التي هي بدورها وليدة الحضارات المختلفة وتتأثر بها. نحن لا نرضى الوحدة ذوبان كنيسة في كنيسة، كنيسة صغيرة في كنيسة كبيرة، أو تلاشي تراث أو تقاليد خاصة، أو تنكرا لآباء الكنيسة. أما الصيغ المقترحة فهي كثيرة…

وهنا ابتسم قداسته بدهاء –وكان قد انضم ألينا نفر من ابناء الجماعة للتهنئة، فكانوا أول من أذيع نص المقابلة عليهم–  واستطرد قائلا: فلا داعي إلى إضافة صيغة جديدة عليها

فابتسمت بدوري، واعدت الكرة من جديد نحو الهدف قائلا: ولكن من بين هذه الصيغ المقترحة أيتها تفضلون؟ أجاب:

قال احد زعماء الكنائس مرة إن الكنيسة بيت كبير لأشقاء انقسموا على ذاتهم، ففصلوا هذا البيت بجدران. الوحدة تقوم بهدم هذا الجدار، ولقد آن الأوان لهدمه بمعول المحبة والانفتاح ليعود بيتا واحدا.

ولدى إصرار على جواب أوضح يرسم صيغة عملية للوحدة في منظور قداسته، قال:

أن تعود الكنيسة إلى ما كانت عليه في السابق قبل مجمع خلقيدونية من حيث

أولويات الكراسي والمناصب. المهم هو الاشتراك في مائدة المسيح الواحدة وحول المسيح. ولكن بالنسبة إلى النظام الكنسي أرى الصيغة المثلى في العودة إلى ما قبل الاختلاف، حيث كانت الكنائس تتمتع باستقلال كامل فيما بينها. وهذا يستوجب، توحيد الكنائس الشرقية ذات الشقين، واعني بذلك توحيد الكراسي أيضا.

إن أولويات مراكز الكراسي، في المفهوم التاريخي، جاءت نتيجة للمركز السياسي الذي كانت تحتله هذه المدينة أو تلك، فكانت السلطة الأولى لروما، ثم الإسكندرية.. وهكذا. ولكن لا يهمنا، من اجل وحدة الكنيسة المسيحية، الأخذ ثانية بتلك الأولويات، والعودة إلى ما كانت عليه قبل الانفصال.

أنا لا أؤمن بالمركزية. وارى إن المركزية تبدوا في الكنيسة خطرا عليها. فمثلا لو تمت المركزية كما تطلبها موسكو تجاه اسطنبول (كرسي البطريرك المسكوني) أو أثينا، لتلاشت كنيسة روسيا نظرا إلى الظروف المحلية التي تجابهها. كذلك بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية لو كان الجو السياسي في ايطاليا مشابه تجاه الفاتيكان. الكنيسة هي روح أكثر مما هي مركز. ففي هذا الإطار ندعو إلى التنسيق بين رؤساء الكنيسة، فيما  لو عدنا إلى القديم. وفي رأي: المجمع المسكوني هو الموضع الوحيد في صيغة الوحدة المنشودة  لحل المشاكل والبت فيها، وهو مكان القرار والتقرير الطبيعي.

طبعا نحتاج اليوم إلى صيغة جديدة عملية لضمان جلسات دورية منتظمة وفعالة للمجمع المسكوني، بشخص ممثلين عن الكنائس المحلية يشكلون ما يشبه لجنة مركزية دائمة على غرار ما يحدث في مجلس الكنائس العالمي، أو في إطار يشبه إطار سينودس الأساقفة العام في الكنيسة الكاثوليكية تتمثل فيه المجالس الأسقفية المحلية والكنائس البطريركية. أنا  أدعو إلى  اللامركزية، والاستقلال الذاتي.

الفكر المسيحي:  ألا ترون إن المجاملات والتصريحات الرسمية والبروتوكولات الوحدوية قد انتهى دورها الآن، ووصلنا إلى مرحلة تتطلب خطوات عملية ومبادرات أكثر جرأة؟ هل هناك خطوات وحدوية تنوون قداستكم الإقدام عليها وانتم بطريرك؟

البطريرك: نعم لقد ذهب عهد المجاملات والتصريحات الرسمية، وكلنا نتوقع خطوات عملية لأجل البدء بمسيرتنا نحو الوحدة. ولكن هذا لا يعني إننا واقفون عن الحوار. لقد ازدادت فعلا الفعاليات واللقاءات الوحدوية ما بين قادة الكنائس على مختلف تقاليدها وتسمياتها.

وما من شك إن اللقاءات الشخصية تقرب القلوب وتفتح الأذهان لتفهم العقيدة المسيحية الواحدة بمختلف مفاهيمها وتفسيراتها.

أما الخطوات العملية التي نراها ضرورية فهي، قبل كل شيء، تبادل الخبرات بين رعاة الكنيسة، وتبادل أساتذة وطلاب في الكليات اللاهوتية حتى نخلق جيلا وحدويا جديدا. لنبدى باللقاءات.

وفي ما يخصني سأتعاون، إن شاء الله مع المجمع الإنطاكي السرياني الأرثوذكسي لاتخاذ مثل هذه الخطوات، وانأ لن اتخذ أي قرار لا يتفق مع قرارات هذا المجمع. أعضاء المجمع كلهم لهم الروح الوحدوية ويهتمون بانجاز رغبة المسيح. فسنخطط سوية للمعهد اللاهوتي في العطشانة بلبنان وفي كيرالا بالهند لتبادل أساتذة وطلاب بيننا وبين الكنيسة الكاثوليكية والمعاهد البروتستنتية.

وهناك أيضا مشروع رفع الحرومات والاشتراك في الصلوات لكي يشعر الشعب بأننا واحد، ونكون حقا واحدا. الشعب متحمس للوحدة أكثر منا. القربان هو علامة الوحدة، وأمنيتنا أن نجتمع معا على مائدة الرب في مرحلة قادمة منتظرين أن تتوضح دراسات اللاهوتيين. أنا لست عاطفيا تجاه موضوع الوحدة، ولا أريد أن تولد مثل هذه العاطفة انتكاسا في دربنا. لندع الأمور الإنسانية في علاقاتنا هي التي تهيمن. الشعب سيضطر الرؤساء إلى التقارب، فالقاعدة تفعل دوما عجائب أكثر مما يفعل الرأس.

الفكر المسيحي:  هل بوسعنا أن نتفاءل بان توحيد عيد القيامة سيتم في   عهدكم، سيما وان قداسة البطريرك الراحل يعقوب الثالث قد ترك أملا جديا بهذا الشأن لدى لقائه الأخير مع قداسة البابا يوحنا بولس الثاني؟

البطريرك: قداسة البطريرك يعقوب عرض على قداسة البابا أن ينظم الشرقيون الكاثوليك إلى الأرثوذكس في الشرق الأوسط للاتفاق بأسرع وقت ممكن على تحديد يوم واحد للاحتفال بعيد القيامة، ولا باس أن يكون هذا اليوم أي يوم احد تتفق عليه الأطراف المعنية. ولقد وعد قداسة البابا بمفاتحة الكنائس الكاثوليكية الشرقية بهذا الشأن.

أنا أتمنى أن نجتمع بطاركة الشرق الأوسط وندرس هذا الموضوع. أعدكم باني سأدرس هذا الموضوع مع بقية رؤساء الطوائف المسيحية في الشرق الأوسط.

الفكر المسيحي:  ما هي حصيلة اتصالاتكم المسكونية الواسعة وقد كنتم قداستكم مراقبا في المجمع الفاتيكاني وعضوا في هيئات ومؤتمرات مسكونية عدة وعلى اتصال بعدد كبير من مسئولي وممثلي الكنائس المسيحية في الشرق والغرب؟

البطريرك: الإنسان الذي ينشا في جو مسكوني، لا بد أن يؤثر ذلك على سلوكيته وتعامله. هكذا، فالبيئة المسكونية التي عايشتها لابد أن تؤثر على طريقة إدارتي

للكنيسة وتعاملي مع الكنائس الشقيقة. هذا ما عنيته في جوابي السابق حول الوسائل الجديدة للتقارب في العلاقات بين الرؤساء والدراسات المشتركة والاجتماعات المسكونية وتبادل الخبرات الفكرية. فاسرد لك مثلا: أول من هنأني بعد انتخابي كان البطريرك هزيم  بطريرك الروم  الأرثوذكس في دمشق، حيث قال لي: نحن لسنا غرباء عن بعضنا، وكلانا عضو في مجلس الكنائس العالمي… وهذه الاجتماعات التي كنا نلتقي فيها ستؤثر حتما على علاقاتنا الجديدة وكلانا في قمة المسؤولية في كنيستينا.

الفكر المسيحي:  بعد خبرتكم الطويلة والغنية في العراق ما هي اقتراحاتكم لتعميق الصلات والتعاون بين الكنائس المسيحية في القطر. ما رأيكم في مجلس أساقفة يضم الأساقفة الأرثوذكس والكاثوليك في العراق للتنسيق والتخطيط؟

البطريرك:  بالرغم من إن السنوات الأخيرة شهدت بعض اتصالات وأوجه من التعاون بين الرؤساء، إلا أن ذلك لا يكفي. فانا أظن انه من الضروري جدا أن يقوم مجلس أساقفة في العراق يضم كل الأساقفة، الكاثوليك والأرثوذكس وأساقفة الكنيسة الشرقية الاثورية، يهتم بتنسيق العمل الراعوي وتحديد العلاقات بين الكنائس وتجديدها وتقويتها.

لقد كان جواب قداسته واضحا على اقتضابه، وجاء يؤكد من جديد، على تفضيل البطريرك زكا مبدأ الحوار الأخوي والنهج الديمقراطي في الإدارة والمعالجة واتخاذ القرار. فلم استزد. بل رحت أراقب في لحظة صمت حركة مسبحته كيف يدفع بأصابعه حباتها العسلية الواحدة نحو الأخرى، فترتطم بموسيقى وتنتظم عقدا بعد عقد لا تنفصم وحدته، طالما بقيت منشدة إلى السلك الحريري الموحد.. ثم وافيته بسؤال أخير، أردت أن يكون مسك الختام:

الفكر المسيحي: كيف تتصورون مساهمة كنيسة العراق في تطوير القطر وبناء المجتمع العراقي الجديد؟

البطريرك: الكنيسة جزء لا يتجزأ من القطر وطبيعي أن تتفاعل مع واقعه وطموحاته وتأدية دورها الفعال في خدمة هذا المجتمع. لا فقط تطالبه بحقوق بل عليها أيضا واجبات، وبمساهمتها الفعلية في بنائه وتطويره تبرهن على تمسكها بالأرض ومحبتها لوطنها، فتكون شاهدة للمسيح. على الكنيسة أن تخرج من انعزاليتها وتخلع عنها العقدة التي قد تجمد التزامها. الدين لا يمكنه أن يكون حزبيا

، فهذا لا يؤثر على التزامه بقضايا الوطن، الباب مفتوح واسعا ليتفاعل في كافة المجالات وضمن الالتزام السياسي المنظم.

وختم البطريرك الإنطاكي حديثه متمنيا أن يكون الجميع واحدا في المسيح وان لا يترددوا أمام أي تعاون يقارب القلوب ويسرع وحدة قطيع المسيح الواحد.

شكرت قداسته واعتذرت عن الوقت الذي سرقته من زائريه ومهنئيه، فابتسم وقد تجمعت حبات سبحته في قعر كفه كالعنقود، ثم ودعته لانصرف. غير إن قداسته أبى، بلطفه ودماثته، إلا أن يرافقني حتى باب المطرانية!

أجرى الحوار:

الأب جرجس القس موسى

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: