حضارة التضامن.. واحترام الحياة2008

حضارة التضامن.. واحترام الحياة

كلمة الراعي لمناسبة الحملة التشرينية التي المت بمسيحيي الموصل من اسر وتهجير وقتل على الهوية

في مدينة الموصل 24/تشرين الثاني/2008

جرح عميق سيبقى أثره كالاخدود الدامل في ذاكرة الزمن هذا الذي تعرض له مسيحيو مدينة الموصل في تشرين الاول 2008: الموصل، موطن المسيحية قبل ان تتخذ اسمها العربي؛ الموصل أم الكنائس والاديرة الاربعين؛ الموصل مركز المطرانيات الاربع، والحاضنة لعدة رهبانيات نسائية ورجالية معروفة بمبراتها وخدماتها؛ الموصل العاصمة الروحية والفكرية والتاريخية لمسيحية العراق، ومهد أنجب للعراق، من بين المسيحيين، علماء ومفكرين واطباء ومهندسين وادباء ومسرحيين وشعراء ومبدعين ومؤرخين وعلماء آثار وتاريخ ومربين تتلمذ على يدهم اجيال من رجالات العراقيين والسياسيين البارزين؛ الموصل حيث انشأ المسيحيون اولى مدارس العراق ومطابعه وصحفه ومنشوراته باللغة العربية؛ الموصل حيث تتآلف وتتأخى وتوافى المسلمون والمسيحيون معا منذ اجيال، وتشاركوا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والوطنية.. بل تشابكت سواعدهم سوية للدفاع عنها منذ الغزو الفارسي الطهماسي.. هذه المدينة يدخل طارئون عليها ويستبيحون شوارعها ويهتفون بمكبرات الصوت مهددين رعاياها المسيحيين بإخلاء المدينة، ويقتلون 12 منهم على الهوية في غضون عشرة ايام، وبفجرون بيوتهم في وضح النهار، مما فجّر الهلع والرعب في قلوبهم.. وجاء هذا الهلع ليس على فراغ، بل على خلفية من الاشاعات الشريرة ومن الاختطافات ةالقتل والفديات الباهظة وتفجير الكنائس والتهديدات طيلة السنوات الماضية، واستشهاد قسس ومطران عرف بدماثة خلقه وبعلاقاته الطيبة الواسعة مع الاخوة المسلمين.. فهجرت آلاف العوائل المسيحية بيوتها في غضون ايام معدودة ولجأت مذعورة الى البلدات المسيحية المجاورة.

لن ألج في تحليل من كان او كانوا وراء هذه المؤامرة، ولن يغيّر شيئا من خطورة الحدث ما إن كانت الدوافع سياسية أم دينية متطرفة، او متداخلة. فالمصطادون في الماء العكر ما اكثرهم، وما اعكر مياه بلدنا اليوم! ليس هذا هدفي من ايقاظ ذكرى المحنة الكبرى التي تعرضنا لها، وهي جزء من محنة العراق المبتلي، وإنما أودّ تسجيل العبر التي أعطتها، مجهضة الاهداف المرسومة بإثارتها:

         العبرة الاولى: أراها في تيار التضامن الذي به استقبل ابناؤنا في البلدات المسيحية

اخوانهم الطارقين ابوابهم على حين غرة مرعوبين. لقد فتحت عوائل كثيرة قلوبها قبل بيوتها، وافردت على عجل غرفة او مشتملا او شقة اة البيت القديم لهم، وتقاسمت واياهم، لأيام، الطعام العائلي ذاته، وفتحت الكنائس والاديرة قاعاتها لايواء الوافدين. وكم اثلجت صدورنا حركة العوائل في هذه “القرى المسيحية” بما قدمته من مؤن واوان واغطية ومواد غذائية على ايدي متطوعين ومتطوعات باسم الكنيسة. فتجسد قول الرب: كنت غريبا فآويتموني، كنت جائعا فأطعمتموني…

وقد دبّ تيار التضامن هذا في مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الانسانية والسياسية.. بارك الله حضارة التضامن واحترام الحياة! ما أحلاها ةما أحوج شعب العراق إليها!

         العبرة الثانية: أراها جلية أيضا وتستحق الاعتزاز في وقفة التضامن والنخوة التي

وقفها الجيران المسلمون في المدينة إذ تقدموا لقضاء حاجات جيرانهم المسيحيين الذين لم يغادروا وتسوّقوا لهم، أيام الشدة، وانبروا لحمايتهم وحماية الدور المسيحية الفارغة من اهاليها. كما تستحق الاعتزاز كله هذه الحفاوة المضمّخة بدموع الفرح الحقيقي التي استقبل الجيران المسلمون جيرانهم المسيحيين العائدين.. فرشّوا ماء الورد وزغردوا ووزعوا الحلوى احتفاء بمقدمهم واحضروا مناسف الطعام لهم. وخطباء الجمعة من جانبهم شجبوا العملية النكراء ودعوا الى الاخوة الصفاء. عشت يا شعب الموصل المتلاحم، وعشت يا عراق إذ لا يزال الخير والبركة والاخاء بين ضلوعك! لقد اريد لها ان تكون نكبة، فكانت صحوة اجهضت الفتنة.. ووقف التلاحم الاسلامي – المسيحي ليقول: لا لن تمرّي، ولم تمرّري علينا..

         العبرة الثالثة: تحرك الدولة بكثافة، مشكورة، وان تاخر بعض الشيء، نضعه في خانة

تضامن الحكومة مع شعبها، وليس فقط مع نفسها واحزابها، والتزامها بالذود عمّن ليس لهم سوى القانون والدستور حماية، وما طمحوا سوى الى العيش بأمان وسلام وكرامة والمساهمة الفاعلة، مع كافة مواطنيهم، في بناء الوطن وسيادته على كل شبر من اراضيه، ولا يؤمنون بالعنف والارهاب، من اي وحي اتيا، طريقا الى إحقاق الحق. هذه هي حضارة الحياة!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s