وضع السريان في العراق.محور3/ 2013

حوار مع المطران مار باسيليوس جرجس القس موسى

اجراس المشرق – المحور الثالث

وضع السريان في العراق، الهجرة والتهجير، ومقوّمات الصمود

اجراس المشرق

المحاور: أهلا بكم من جديد في “أجراس المشرق“.

سأعود أنا وإياك إلى العراق. الجميع، أعتقد، يعرف ماذا حلّ بالسريان في ما كان يسمى سابقا الأوسران أي الرها، وفي مدن الطين تلك، وأن السريان قد نزحوا. ولكن الآن في العراق، في هذا الوقت المعاصر، فعليا ومن دون “مكياج، ما هو وضعكم كسريان هناك؟

المطران قس موسى: حقيقة إذا تسمح لي أن أتجاوز السؤال بوضع كلمة مسيحيين بدل السريان في هذا الباب بالذات؛ لأن مصيرنا، مصير السريان والكلدان والأشوريين، المسيحيين عموما، وإذا انتقلنا إلى سورية وإلى لبنان، الموارنة والروم، مصير واحد. فأرجع إلى العراق، إلى حدود العراق من جديد. مصيرنا واحد في مستقبلنا

المحاور: والأرمن أيضا.

المطران قس موسى: والأرمن. توقفت لأنه من الناحية الثقافية، من الناحية السياسية

المحاور: كانوا معكم في المذابح.

المطران قس موسى: من الناحية التاريخية هناك تميّز. لكن المصير واحد. نحن عشنا قرونا طويلة في هذا البلد، العراق. هناك كنيسة سريانية، هناك كنيسة كلدانية، هناك كنيسة أشورية أو بالأحرى شرقية، ومتعايشون مع بعضنا البعض كمسيحيين. اختلاف الطقس هو اختلاف ثقافي وليس اختلافا تاريخيا. هذا الاختلاف بالنسبة للوجه الآخر أو للطرف الآخر لا ينظرون إلينا كسريان أو ككلدان أو كأشوريين إنما كمسيحيين. فوحدتنا في الدفاع عن مصيرنا وعن مستقبلنا، ووحدتنا في عيش مسيحيتنا، ووحدتنا في المطالبة بحقوقنا هي واحدة لا تختلف بين السريان والكلدان والأشوريين. اليوم، وخصوصا منذ سنة 2003، خصوصا أقول

المحاور: بعد مجيء الأميركيين.

المطران قس موسى: خصوصا بعد الاحتلال الأميركي، أرجع من بعدُ إلى المرحلة السابقة، مُنينا بنكبة وباضطهاد مباشر من فئات مختلفة، بأسماء مختلفة، بغطاءات مختلفة. النتيجة واحدة أنهم ضربوا القطيع كوحدات، كأفراد، كجماعات. كنا في السابق نقول: ضربوا مسيحيين. المسيحيون يهاجرون، المسيحيون ذاهبون. اليوم أصبحت قضية المسيحيين العراقيين قضية عالمية. وأعداد الذين تركوا العراق من المسيحيين أعداد، بالنسبة لنسبتهم وعددهم الكلي، هي نكبة. حين تفقد 50 بالمئة من شعبك مع أمل واحد بالمئة أن يعود أحد منهم فهذه نكبة كما حصل في جنوب تركيا بعد الحرب العالمية الأولى وبالأحرى في غضون الحرب العالمية الأولى. الناجون نزلوا إلى شمال سورية ثم إلى شمال العراق، إلى الموصل، إلى سنجار، المناطق هذه التي استقبلت أيضا أعدادا من جنوب تركيا. فنحن اليوم مهدّدون بالانقراض إذا لم تكن ثمة معالجة سياسية أمنية اقتصادية ثقافية وكنسية أيضا.

المحاور: في السابق، كما يتّضح من حديثك، كان التهجير بالذبح: اذبح فتهجِّر. الآن يبدو أن التهجير بالترهيب أو أنه بالذبح أيضا؟

المطران قس موسى: أضيف إليه الترهيب والتهديد. أي أنني حين اختُطفت، أول ما فكّرت فيه: هل في الحقيقة أنا المستهدَف شخصيا؟

المحاور: أو رعيّتي؟

المطران قس موسى: أو رعيتي؟ اضرب الراعي فتتبدد الرعية. فاليوم حين تُضرب كنيسة بسيارة مفخّخة أو بهجوم مباشر، فالنتيجة الأولى ما هي؟ نتردد أو لا نذهب بعدُ إلى الكنيسة، إذا ضُربت الكنيسة. إذا عائلتان أو ثلاث أو أربع فُجّرت بيوتهم أو اختُطفوا أو قُتلوا، الباقون يحتاطون فيخرجون. فهذا ما حدث لنا في بغداد. بغداد تقريبا فرغت من مسيحييها. فاليوم لا يوجد في بغداد 15 بالمئة من المسيحيين الذين كانوا قبل عام 2003. الموصل لا يوجد فيها 30 بالمئة من المسيحيين الذين كانوا موجودين قبل 2003، مع أن الموصل تُعتبر عاصمة مسيحية للأديرة، للكنائس، للثقافة، للمطابع الأولى، المدارس الأولى، المعاهد الكهنوتية الأولى، المياتم الأولى. كل الأنشطة المسيحية الأساسية كانت في مدينة الموصل. وحتى الجاليات المسيحية إلى بغداد وإلى البصرة جذورها القريبة هي من الموصل وضواحيها.

المحاور: في عهد صدّام حسين، على الرغم من القساوة، بقي الكثير من المسيحيين في العراق. الآن في مرحلة ما بعد صدام حسين، ما بعد البعث في العراق، هل هذه الحكومات تقدّم لكم شيئا أو مساعدة للبقاء والحفاظ على حضوركم؟ أو أنه، كما قلت، قريبا قريبا بطيئا بطيئا لن يبقى؟

المطران قس موسى: أول ما قدّم لنا صدام حسين، وأول ما قدّمت لنا الحكومات المتعاقبة، غمرونا بالفلوس.

المحاور: أنتم أغنياء.

المطران قس موسى: لا تستغرب هذا. غمرونا بالفلوس. ولكن لقاء بناء كنيسة.. أنا أشكر السلطات والمسؤولين الذين يساعدوننا في ترميم كنائسنا، بالتأكيد. هذا أمر إيجابي بحد ذاته. ولكن بدلا من أن يبنوا لنا كنيسة، أريد أن يعدّلوا لنا قانونا واحدا مجحفا بحق المسيحيين.

المحاور: ألا وهو؟

المطران قس موسى: مثلا: حين يعبر أحد الأبوين إلى الإسلام لأي سبب كان، هو المسؤول عن سببه، لماذا يُحكم على الأولاد القاصرين أن يتبعوا الطرف الأفضل كما يقول القانون؟ ولماذا يكون الأفضل؟ الذي ينكر دينه هل هو الأفضل؟ الذي من أجل زواج بامرأة يخون أهله، يخون أولاده وعائلته؟

المحاور: هذا خيار ربما، ليس خيانة.

المطران قس موسى: خيار له، خيار له.

المحاور: ولكن ليس لأبنائه.

المطران قس موسى: القانون الثاني مثلا: طالب واحد مسلم في المدرسة يحق له أن يتعلم دينه رسميا، درس دين. أمّا المسيحيون فيجب أن يكونوا أكثر من 51 بالمئة على عموم المدرسة وليس حتى على عموم الصف. لماذا؟

المحاور: إذاً هناك تمييز.

المطران قس موسى: حين تأتي الحرب أو الضرائب، أنا المسيحي لا يُطلب مني. إذا كنت مسيحيا فلا تشارك في الحرب. أنت عراقي، شارك في الحرب، تلبس جندية، تدفع ضرائبك. أما في الحقوق فأنا أُسأل أنا من أي دين. هذا يستوجب إذاً من الجذور، قبل صدام، وفي وقت صدام، وفي الحكومات المتعاقبة اليوم، يجب أن تتبدّل القوانين ويجب أن يتوجه الإعلام إلى ثقافة المحبة.

المحاور: بماذا تطالبون تحديدا؟

المطران قس موسى: نطالب بحقوق متساوية.

المحاور: مواطَنة.

المطران قس موسى: مواطنة آمنة ومتساوية مع البقية. لماذا لكوني أقلية، أنا اليزيدي، أنا المسيحي، أنا الشبكي، أنا الصابئي..

المحاور: التركماني.

المطران قس موسى: التركماني، تكون لي حقوق أقل لكوني من دين آخر. لماذا؟ اليوم يأتينا التركي ويسكن العراق فيُعتبر مواطنا عراقيا مئة بالمئة. وأنا الذي أصبح لي ألفا سنة ساكنا في العراق قبل الإسلام بـ620 سنة أُعتبر وكأنني دائما دخيل أو غريب أو موالٍ للغرب. مَن الذي استقبل الأميركيين في بغداد أو في الموصل؟ أتحدى مَن يثبت لي اسما مسيحيا واحدا. هم الوجهاء وهم القادة..

المحاور: ومنهم رؤساء عشائر.

المطران قس موسى: نعم. والذين ما زالوا يتعاملون.

المحاور: أنا هنا أريد أن أسألك أيضا في هذا الموضوع: ما هي العلاقة بينكم وبين المكونات الإسلامية في العراق؟

المطران قس موسى: هناك علاقة على ثلاثة مستويات: المستوى الشعبي، مستوى الوجهاء، ومستوى القيادات.

على مستوى الشعب: كلٌّ على دينه، وكلٌّ احترم الثاني من دون مناقشة ومن دون محاججة. اترك الإنسان على طبيعته تَرَه جيّدا صالحا. ولكن اترك مَن يغسل دماغه بتوجيهات ويعتبره كافرا، سيرتكب أكبر الجرائم وبضمير مرتاح.

المحاور: وعلى مستوى القادة؟ تفضّل.

المطران قس موسى: على مستوى الوجهاء والناس المعتبَرين في المدن، كانت ثمة زيارات متبادلة وصداقات متبادلة وحتى مصالح متبادلة. كثيرا ما يقال: خذ لك شريكا مسيحيا أمينا. وكثيرا أيضا ما كان المسيحي الذي له مشاريع واستثمار يريد أن يكون له مسلم شريكا. واحد يسند الآخر. وكان يأتينا وجهاء المدينة ويزوروننا في الأعياد والمناسبات ونذهب لزيارتهم حتى داخل البيت.

المحاور: وعلى صعيد القادة؟

المطران قس موسى: على صعيد القادة، تصريحات ليس أجمل منها. كلما تأتينا ضربة في العراق تأتي الخطابات الرسمية: أنتم لا أفضل منكم، أنتم الورود الضرورية للحديقة العراقية، أنتم قبل الإسلام، أنتم أنتم. إذاً غيّروا لنا قانونا واحدا، كما قلت، مجحفا. اعطونا برنامجا تلفزيونيا أو تربويا يدعو إلى هذه الثقافة؛ الاحترام المتبادل. هؤلاء مواطنون معكم يا جماعة، يعيشون معكم، وتبنون البلد. المسيحيون في سورية، في لبنان، في العراق، وفي الأردن وغيره، مصر كذلك، ساهموا منذ بداية الإسلام في تكوين ما نسميه الحضارة العربية الإسلامية، ثم في تشكيل القيادات أو الحكومات الوطنية. أيضا أسماء مسيحيين غير قليلة ساهموا في بناء الأوطان المعاصرة. ولعلمك، معظم مؤسسي الأحزاب القومية..

المحاور: نعم، هم مسيحيون.

المطران قس موسى: كانوا مسيحيين.

المحاور: أعزائي، عندما تأخذ العتمة المجتمعات تبدأ بنسيان تاريخها، تهمل لغتها، تسلّع موسيقاها، تهجر أشعارها، تبيع انتماءها. المشرق يحتاج إلى قراءة جديدة للتاريخ ولمكوناته وللعلاقات الناظمة في ما بين من بقوا فيه.

على أمل هذا، شكرا للمعاون البطريركي لبطريركية السريان الكاثوليك في لبنان ورئيس أساقفة الموصل سابقا المطران جرجس قس موسى على حواره معنا واستضافته لنا في كنيسة البطريركية في بيروت.

شكرا للزملاء في “الميادين” على جهودهم الأسبوعية وإنجازهم “أجراس المشرق” بكل محبة.

وـسلام عليكم وـسلام لكم

hqdefault.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s