Posted by: abu faadii | 2013/08/17

تجارب يسوع لدى متى.محاضرة1992-1997

  تجارب يسوع لدى متى

ألقيت هذه الموعظة بالمناسبات التالية وكما يلي:

محاضرة (تجارب يسوع لدى متى) 

–  القيت موعظة بعنوان : تجارب يسوع لدى متى في كنيسة مار توما في الموصل

بتاريخ 1 نيسان 1994

–  في مناسبة الجمعة العظيمة في كاتدرائية الطاهرة بالموصل يوم 17 نيسان 1992

– وفي 9 نيسان من عام 1993 القيت الموعظة نفسها في كنيسة مسكنتة في الموصل

– كما والقيت نفس الموعظة بتاريخ 17/4/1992 في يوم الجمعة العظيمة في كنيسة الطاهرة بالموصل .

– والقيت محاضرة تجارب يسوع لدى متى في تلكبف ايضا في 28/3/01997

—————————-

تجارب يسوع لدى متى

يسوع المسيح!

ماذا يعني لكم هذا الاسم؟  ما الصدى الذي يتركه في نفوسنا عندما نسمعه أو نلفظه؟ ما هو المردود الفعلي الذي نستطيع اختباره اليوم في حياتنا، عن يسوع الناصري الذي نقول بأننا تلاميذه باسمه نتسمى واليه ننتمي؟

ما هي هويته؟ من هو؟

وماذا يعني لنا اليوم – وفي هذا البلد – ربط هويتنا بهويته، أي ربط مصيرنا بمصيره؟

هوية يسوع!

سأبحث عنها معكم في هذا المساء من خلال تجارب يسوع في البرية حسبما رواها الإنجيلي متى.

يسوع المسيح يجربه ابليس! ما معنى ذلك؟ وما هي الأبعاد التي يحملها النص الإنجيلي الذي ينقل ألينا هذا الفصل الحاسم من حياة يسوع؟

ملاحظة هامة: لكي نفهم جيدا معنى هذه التجارب، ولماذا نقلها الإنجيلي بالصيغة التي نقلها، لا بد أن تكون قراءتنا لها ضوء مراجعها الكتابية في العهد القديم. ذلك أن السامعين الأولين يهود متشبعون بالتوراة والأنبياء ويحسون  بصداها في نفوسهم المؤمنة. فيرى فيها المسيحيون الأولون – وهم منهم – تواصلا لوحي الله ذاته وتحقيقا في شخص معلمهم لما ورد في الكتب والأنبياء، وبذلك يرون فيه المسيح الموعود لخلاص شعبه ولخلاص العالم.

فتجارب يسوع هي تجارب المسيحيين الأولين الذين إليهم وجه متى إنجيله. وهي التجارب التي نتعرض لها اليوم، نحن أيضا. ما هي إغراءات الشيطان لنا اليوم؟ ما هي “اللاءات” التي يجب أن نواجه بها المجرب، نحن ابناء الكنيسة، اليوم، لإتباع خطى المسيح؟ ما هي العبرة أو العبر التي نتلقاها لحياتنا من تجارب يسوع؟

هذا هو الهدف من اختياري تجارب يسوع، اليوم. وسيكون حديثنا دراسة وتأملا كتابيين في آن واحد.

(1)  التجربة الأولى / ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان

(قراءة النص: متى 4: 1 – 4)

من اهتمامات متى الأساسية إعلان البشرى لليهود والمسيح يسوع،المنحدرين من أصل يهودي بان يسوع هو المسيح المنتظر، الآتي لخلاص شعبه كما جاء في الكتب.. ومن ثم خلاص العالم اجمع. لذا يهتم في التركيز على الصلة بين الكتب وما يفعله يسوع، فتردد لديه هذه العبارات “كما جاء في الكتب”، “كما قال النبي”.

ومن أوجه هذا الربط تقديمه يسوع على انه يعيش في ذاته المراحل الكبرى التي مر بها الشعب، وعلى انه هو موسى الجديد الذي يقود شعبه إلى التحرر والخلاص.

في العهد القديم، الله يخرج شعبه من عبودية مصر على يد موسى، ويقوده إلى ارض الميعاد عبر الصحراء، مدة أربعين سنة، وفي الصحراء يتعرض الشعب لتجربة الجوع، ويتمرد على إلهه – يسوع، بوصفه قائد الشعب الجديد، بل نواة الشعب الجديد، يقتاده الروح أيضا في البرية، وبعد أربعين يوما من الصوم، يخضع للتجارب ذاتها، ولكنه هو يبقى أمينا لإلهه، واضعا فيه كامل ثقته مهما كلف الأمر. وهكذا، بشخص يسوع يخرج الشعب من الصحراء منتصرا على تجاربه، بعكس المرة الأولى.

الصحراء!

الصحراء التي كانت سكنى الشيطان وارض التيه والضياع لبني إسرائيل، تصبح، بيسوع، على لسان متى، ارض الرجاء والتطهير وتجاوز الذات والنصر. في الصحراء يعد  الأنبياء رسالتهم، في الصوم والصلاة، ويمرون بالاختبار قبل جملها إلى الناس.. هكذا فعل إيليا النبي ؛ هكذا فعل موسى قبل أن يعقد الله معه على جبل سيناء:

” اذكر يا شعب

حين صعدت الجبل لآخذ لوحي العهد الذي قطعه الرب معكم، فأقمت في الجبل أربعين يوما وأربعين ليلة   ولم آكل خبزا ولم اشرب ماء.. وفي نهاية الأربعين يوما والأربعين ليلة سلم إلي الرب لوحي العهد..” (تثنية 9: 9 – 11).

وهكذا سيفعل يسوع على جبالطعام.ة، قبل أن يعقد الله به عهده الجديد مع البشرية المتجددة.

         يسوع يصوم أربعين يوما واربعين ليلة!

الصوم هو انقطاع كلي عن الطعام. إذن انقطاع عن الحياة، المادية. ويتم ذلك بدافع الإيمان. لذا فهو، أي النص الحياة، إيمان وتواضع، من حيث يصبح فعل اعتراف بان الله وحده هو سيد الحياة، ولأنه يجعل اتكال الإنسان لا على مصادره الذاتية، بل على الله. منه وحده ينتظر الحياة، لا من الطعام.

الصوم فعل مذلة، لأنه يجعل الإنسان في جوعه يشعر بالحاجة، بالفاقة. أليس انه، في الصحراء وفي حالة الجوع القصوى، يبيع كل شيء من اجل كف خبز وجرعة ماء (الجنود في الحرب).

الصوم فعل اختبار:في المشقة، في الجوع، في التألم هل تبقى أمينا لمن أحببت، للرب الذي تؤمن به؟

سفر تثنية الاشتراع يذكر الشعب باختبار الصحراء هكذا:

” اذكر كل الطريق التي سيرك الرب إلهك فيها في البرية هذه السنين الأربعين، ليذللك، ويمتحنك، فيعرف ما في قلبك هل تحفظ وصاياه أم لا”  (8:2).

هكذا، بعد أربعين يوما وأربعين ليلة من الصوم، يحس يسوع بالجوع، ويحس بأنه وحده، مهمل بين هذه الحجارة في الصحراء، فيأتي المجرب ليقول له، كما قال لأيوب في محنته: افبعد كل هذا الحرمان تبقى أمينا لإلهك؟

ماذا كان جواب يسوع؟

         ” ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”.

لنلاحظ، أن جواب يسوع يستقيه من نص تثنية الاشتراع  الذي قراناه قبل قليل: ” لذلك أجاعك الرب وأطعمك المن.. لكي يعلمك انه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الرب يحيا الإنسان”(8: 3).

وكتاب تثنية الاشتراع الذي منه يستقي متى كلمات كل هذا الحوار الذي دار بين إبليس ويسوع، هو كتاب الشريعة الثانية الذي وضع نصه بعد العودة من الجلاء، وكان الجلاء إلى غربة بابل شبه صحراء جديدة لامتحان إيمان بني إسرائيل، كما في صحراء سيناء سابقا، وتعد هذه العودة كتجديد لعهد الله مع شعبه وأمانته له إن حفظ وصاياه. هكذا يسوع يجدد العهد ويعلن أمانته الرب باسم شعبه الجديد.

         ” إن كنت ابن الله

” ابن الله”: هذه العبارة”، قبل أن نأخذها بالمعنى اللاهوتي المتداول، هي، في الكتاب المقدس، عنوان الصديق أو المرسل من قبل الله الذي يحمل كلمته إلى الناس ؛ هي عنوان المسيح المخلص الذي يجسد في ذاته هذه الكلمة الخلاقة ؛ عنوان الذي” قدسه الرب” كما جاء في إنجيل يوحنا. فدعوة إبليس هي كما لو قال ليسوع:”

إذا كنت حقا ابن الله المرسل، المسيح الآتي، ابن ألآب الحبيب.. أعط برهانا على أن الله أبوك. كما أمطر هو في الصحراء منا، حول أنت حجارة الصحراء خبزا وكل في جوعك. مارس سلطاتك. عرف بنفسك. أعلنالاستدراج:ذا كان جواب يسوع؟

         رفض الاستدراج: الكلمة الخارجة من فم الله هي طعامي، وحياتي،

وسندي، ” كلمتك مصباح لخطاياي ونور لسبيلي”” (مز 119: 105).

وما هي هذه الكلمة التي تكفيه غداءا؟

         هي الكلمة التي ملأت قلبه  غبطة وسعادة عند خروجه من الماء معتمدا قبل

أن يقتاده الروح إلى البرية، والتي ستبقى تغذيه طوال حياته: ” هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت” (متى 3: 17). يكفيه أن يعرف أن الله أبوه ويحبه. هي الأمانة المرسلة وللرسالة التي أوكلها إليه: ” مشيئة من أرسلني، أن اعمل بها: هذا هو طعامي”.

ونحن؟

         ماذا ننتظر من الله؟ خيرات؟ غنى؟ مكرمات؟ أجرا؟ زاوية مؤمنة في

الجنة؟

” الأنكم أكلتم الخبز وشبعتم تتبعوني” قال يسوع لليهود.

لا تعملوا فقط للطعام الذي يغني، بل للذي يبقى  ويعطيكم الحياة الأبدية” (يو 6: 26 – 27)..أم إننا نريده لذاته هو الذي كلمته حق وطريق وحياة:

” إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك؟”، قال بطرس في موقف إيمان عميق بالمسيح.

         هل الدين لنا بوليصة تامين على الحياة وبطاقة لاستلام المعونات من الكنيسة

؟ أم الدين فعل حب وثقة باله أب يعرف ما نحتاجه قبل طلبه: ” اطلبوا ملكوت الله وبره والباقي يعطى لكم ويزاد”.

         كلمة الله في الإنجيل، هل قراناها وتأملناها لنرى قوة الزاميتها في حياتنا

المسيحية اليومية؟

         وجه الله، في أعين الفقير والجائع، على جبين الإنسان المعذب، المكروب

.. هل اكتشفته وأحببته وأسعفته؟

         في عوزي وجوعي، وفي ثروتي وشبعي، هل ابقي أؤمن بالله وحباله؟ ما

هو الله بالنسبة لي، بالنسبة لكل واحد منا؟ وما هو الخبز الحقيقي الذي منه يتغذى إيماني وإعمالي؟

تأملوا بالثانية:لة على ضوء إجابات يسوع ذاته لإبليس المجرب: ” ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان…”

(2)  التجربة الثانية: ” لا تجرب الرب إلهك

(قراءة النص: متى4: 5- 7)

متى يضع هذه التجربة في صلة مع التجربة التي جرب بها الشعب إلهه في مسه، في الصحراء، حين عطش وتمرد على موسى وارتاب من أن يكون الرب حقا ساكنا في وسطه (خر17:1- 7). وهذه الصلة تظهر بجواب يسوع طبق ما ورد في سفر تثنية الاشتراع:” لا تجربوا الرب إلهكم، كما جربتموه في مسه (6:16).

         ففيما يحتمي الشيطان وراء كلمات المزمور 91 – وهو مزمور يشير إلى

حماية الله للصديق  والى القوة المسيحانية، نرتله في صلاة الرمش

” الشر لا ينالك ولا تدنو الضربة من خيمتك لأنه أوصى ملائكته بك ليحفظوك في جميع طرقك على أيديهم يحملونك لئلا تصطدم بحجر رجلك” (91: 1- 12).

يجاوب يسوع بنص تثنية الاشتراع الذي هو دعوة إلى أمانة الصديق لإلهه وثقة لا تخضع للشك ب هاو المساومة، مهما كانت المحنة.

         ماذا يقترح إبليس على يسوع؟

متى بوصفه هذه التجربة في أورشليم، المدينة المقدسة، وعلى جناح الهيكل، محل سكنى الله بين شعبه، ورمز قوته ورحمته اللتين تضللان الصديق المتكل على الله كالجناحين، كما ورد في المزمور نفسه الذي يستشهد به إبليس (91:4) ؛ وكذلك في تثنية الاشتراع حين يحدث موسى شعبه عن حنان الله الدائم في مسيرته الصحراوية: ” أليس الله هو أبوك الذي.. كالعقاب يبسط جناحيه فيأخذك، وعلى

ريشه يحملك”(32: 11)، هيكل الله الذي فيه يلزم أن يظهر المسيح ذاته… بهذه الاستذكارات، إذن، كأني بإبليس يقول ليسوع: ” إذا كنت حقا هذا الصديق المتكل على الله، إذا كانت رسالتك حقا أن تخلص شعبك، اظهر نفسك إذن. اظهر إن ادعاءاتك  ليست تجديفا، وتصرف وأنت واثق من نفسك: الق بنفسك من هذا الهيكل، وجناحا الله تحميك على يد الملائكة. حينذاك سيرى الجميع، وستبرهن بأنك حقا ابن الله”.

         ماذا كان جواب يسوع؟

لا نضيع وقتنا في التفكير في ما إذا كان انتقال يسوع جغرافيا من موقع إلى أخر،  ماذا كان الانتقال معنويا فقط. وإنما الذي يجب أن نتوقف لديه هو أن يسوع يجابه الشيطان ومكايده ويخرج منتصرا عليه، وأمينا لله وسط كل المحن. فهذه التجربة الثانية تضعنا إزاء موضوع الثقة بالله، وثقة يسوع بابيه لا تتزعزع؛ كلمته تكفيه، وهو لا يحتاج، كي يعرف حب الله وتأييده، أن ” يجرب” أباه، أن يطالبه “بعلاقة” حسية. أن يخلص بطريقة سحرية عن طريق المعجزة.

هذه التجربة تذكرنا أيضا بتجربة الجماهير ليسوع: ” إذا كنت أنت المسيح ابن الله، فقل لنا صراحة”(يو10: 24) ؛ ” أرنا أية” (متى 16: 1). عظيم الكهنة نفسه في المحاكمة:” استحلفك بالله الحي لتقولن هل أنت المسيح ابن الله(متى 26: 63).

أما جواب يسوع على هذه التحديات فهو دائما: أعمالي هي تشهد لي. لأني لا اعمل إلا أعمال أبي. أن اكونا مينا لأبي يكفيني شهادة”.

ولكن هذه الأمانة ستسوقه إلى الجلجلة حيث سيكون أحوج ما يكون إلى جناحي الله: ” الهي، الهي، لماذا تركتني؟” (متى27: 46 ؛ مز 22: 2). ولكن الله سيبقى صامتا.

أين بقيت رسالة يسوع؟ أين إلهه؟ فلينقذه إن كان حقا ابنه. أليس أن هذه الميتة هي برهان على انه كان يجدف في ادعاءاته النبوة لله؟

لقد قال ذلك الكتبة والشيوخ هازئين: ” اتكل على الله، فلينقذه الآن، إن كان راضيا عنه (متى27: 43). المارة يشتمونه ويهزون رؤوسهم قائلين:

” خلص نفسك إن كنت ابن الله، فانزل عن الصليب”. وكذلك عظماء الكهنة:

” خلص غيره ولا يقدر أن يخلص نفسه. لينزل الآن عن الصليب فنؤمن به”

(متى27: 39 – 42).

         ” انزل عن الصليب”!

إن هذه العبارات تعيدنا عفويا إلى عبارة إبليس: ” الق بنفسك إلى أسفل إذا كنت ابن الله”. لقد عاش يسوع على الصلالكفرة.ه الأخيرة والكبرى: كل مشروعه يبدو وكأنه ينهار، ألآب يبدو وكأنه يتركه تماما. هو الصديق يصيبه مصير الكفرة.

” يتباهى بان الله أبوه. فلننتظر هل أقواله صادقة. ولنختبر كيف تكون عاقبته. فان كان البار ابن الله فهو ينصره، وينقذه من أيدي مقاوميه. فلنمتحنه  بالشتم  والتعذيب. لكي نعرف حلمه ونختبر صبره. ولنحكم عليه بميتة عار، بما انه يقول سيأتيه العون” (حكمة2: 16 – 20).

ألا الصمت.أقوال الحكمة هذه صدى مسبقا لقصة ألام المسيح في الأناجيل؟

هذه هي ساعة الظلام. ساعة الصمت. إن التجربة الثانية هي تجربة تجاه صمت الله الرهيب إزاء محنة يسوع وعزلته في البرية، وإزاء محنته وعزلته على الصليب.

         ماذا كان جواب يسوع؟

استمر في عطائه ذاته لخلاص البشر حتى الموت والملا شاة.. رافضا الشك في ألهه وأبيه. فكان نصره الأول رفضه استدراج إبليس بالذات وبقائه في طاعة أبيه وعدم تحديه مطلقا ، وثباته في الإيمان به وبمحبته رغم قساوة الظروف، سواء في البرية، أم على الصليب. أما نصره الثاني فيتحقق عندما أقامه الله من بين الأموات. فتاتي القيامة تأييدا لكل ما قال وفعل، وبان قضيته كانت حقا قضية الله.

إن نص متى في التجربة الثانية وفي قصة موت يسوع هما صدى لبحث الجماعات المسيحية الأولى وتأملها في معاني سر حياة يسوع وموته. وعلى ضوء هذا السر صار المسيحيون يقراون تفاصيل مصيرهم. لقد شعروا، هم الذين يتبعون تعليم المسيح، إن طريقهم يمر على خطاه حتى الصليب. ” حسب التلميذ أن يكون مثل معلمه”، و” عليهم أن يكملوا في ذواتهم  ما ينقص لآلام المسيح” ويشهدوا للحياة الجديدة التي فجرها فيهم الناهض من القبر. الم يخاطب مار بولس مسيحيي قورنثية بقوله ” إننا نحن الإحياء نسلم في كل حين إلى الموت من اجل يسوع لتظهر في أجسادنا الفانية حياة يسوع أيضا”(2قور 4:11).”من أجلك نمات كل يوم” (مز)  فالتجربة الثانية تضعنا نحن أيضا أمام صمت الله إزاء محننا في الحياة وعزلتنا

في مضايقنا، سواء جاءت هذه المحن والمعانيات بسبب كوننا مسيحيين، أم من ظروف الحياة من صحة ومرض، أو بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. مثل هذه المحن تشكل (محكا لنا)، امتحانا لأمانتنا إذا ما كنا حقا صادقين في انتمائنا إلى اسم يسوع المسيح.

لنتأمل بهذا كله على ضوء محنة يسوع:

نحن امتداد له ما لم يختبره يسوع مباشرة في آلامه.. يختبره اليوم فينا… ويبقى فينا أمينا حتى الموت، لأبيه وأبينا، حتى الصليب: ” بين يديك استودع روحي”.

ولكن إن كنا امتدادا لمصيرالموت:ير يسوع كان المجد بعد الموت:

” ثقوا أالثالثة:لعالم”

(3)  التجربة الثالثة: ” للرب إلهك وحده تسجد”

(قراءة النص: متى 4:8 – 10)

مسرح هذه التجربة الثالثة جبل عال يطل على ممالك الدنيا ومجدها. وعلى هذا الجبل نرى، من جهة رجلا، هو يسوع، بالرغم من الجوع والحرمان الذي هو فيه، لا زال يدعي بان الله  أبوه وناصره، ولكن هذا الآب ساكت لا تلمس حضوره. ومن جهة أخرى، نرى مجربا، هو إبليس، يدعي بأنه مالك الدنيا ويتصرف وكأنه اله هذا العالم (2قور4:4) يخلعه لمن يشاء:

         إذا لا يأتي الله إلى نجدتك، فانا مستعد إن آتي إلى نجدتك، أنا أحميك، أنا

أعطيك السلطة والقوة والثروة لتتصرف بها على هواك. إني اسلم لك جميع ممالك الدنيا ومجدها بشرط واحد فقط: أن تعترف بي سلطانا عليك.

ما يقترحه إبله،على يسوع ليس اقل من أن يستبدل أباه به هو فيصبح، لقاء ما يغدق عليه من جاه وغنى ومكارم، شالاها بديلا له وسيدا يسجد له. عبدا وعميلا له، كما نقول اليوم.

ماذا كان جواب يسوع؟

يسوع لا فقط يرفض اقتراح إبليس، بل انه، من الدفاع ينتقل إلى الهجوم بقوله: ” اذهب عني يا شيطان، ويرفض رفضا قاطعا أن يشرك أحدا أو شيئا في عبادة الله.

فيجاوبه في بعبارة  من نص أطول من كتاب تثنية الاشتراع أيضا، نص يدافع بقوة ويدعو، من جهة إلى وحدانية الله، ويربط، من جهة أخرى، بين تكديس الثروة وعبادة الأصنام ونسيان الله. وفي هذا الربط مدلول واقعي في حياة البشر. أليس أن الأول (حب المال) يقود إلى الثاني (عبادة الأصنام) وكلاهما يزاحمان الله. النص:” وإذا دخلك الرب إلهك إلى الأرض التي اقسم لإبائك إبراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيك إياها مدنا عظيمة حسنة لم تبنها، وبيوتا مملوءة كل خير لم تملاها، وآبارا محفورة لم تحفرها، وكروما وزيتونا لم تغرسها: وإذا أكلت وشبعت فاحذر أن تنسى الرب الذي أخرجك من ارض مصر، من دار العبودية. بل الرب إلهك تتقي وإياه تعبد وباسمه تحلف” (6: 10 – 13).

الله يرفض أي إشراك معه. انه المحبين. ككل المحبين. إن هذه التجربة، تجربة التحول من ألاه مختف، روحاني، نكاد لا نلمس وجوده أو حمايته، تجربة قديمة تعرض لها بنو إسرائيل منذ الصحراء حين استبدلوا إلههم باله من صنع أيديهم، فصاغوا عجلا من ذهب نسائهم وأقاموه وسطهم أمام أعينهم وسجدوا له (خر 32: 4).

نحن أيضا كثيرا ما نتعرض لمثل هذه التجربة، فلا نشعر بالأمان مع هذا الإله البعيد الصامت، فنصوغ لنا صورة أو مفهوما عن الله على هوانا، من صنع أفكارنا، على قياساتنا. الاها تحت تصرفنا، يفكر مثلنا وينفذ إرادتنا ويخدم مصالحنا. يبغض أعدائنا ويضرب خصومنا ومنافسينا، وينتقم لنا ممن لا نحبهم. ذهبا ودولارات، أو على الأقل خبزا عندما نجوع. من دون أن نتعب نحن بشيء. وكما سجد الإسرائيليون أمام عجلهم، نسترضي، نحن أيضا هذا “الإله” الذي صنعناه بنذر أو صدقة أو صوم أو زكاة، وإذا لم نستبدل الاهنا، فنود لو “طعمناه” بمواصفات من عندنا: ليبق الله، ولكن ليكن إلى جانبي، الاها قوميا يحمي المسيحيين ويسير أمامهم ويخرجهم إلى ارض ميعاد أخرى.

نتمنى أحيانا لو بقينا جزرا منفردة مع إلهنا، تحت خيمة ظليلة واحدة كالتي أراد بطرس نصبها له وليسوع وموسى وإيليا، لا نختلط مع أقوام أخرى، ولا نتلوث بها. وننسى إننا في المجتمع كخميرة ونور، لا يخترقان الوجود ويثريانه إلا بالاندماج والعطاء الصامتين ؛ إننا حاملو رسالة المسيح إلى إخوتنا، علينا إيصالها. وتلك عملية كعملية حبة الحنطة التي لا تثمر، لا تقوم حية، إلا إذا دفنت في التربة أولا. وهذا يعني عمليا أن نقتنع من أن تجذرنا في أرضنا العراقية وتاريخنا

المشرقي العربي وحضارتنا النهرينية وتضامننا المصيري العميق مع مواطنينا، على اختلاف أديانهم وقومياتهم، مهما كانت الظروف والمعانيات، ما هو إلا وجه من أوجه أصالتنا المسيحية وقوة إيماننا وحضورنا التاريخي البعيد في هذه الأرض التي هي أرضنا كما هي لغيرنا. ومن هنا فقط تنطلق كنيستنا نحوا لتجدد المطلوب.  ولكننا نعرف أيضا، من جانب آخر، إن تجدد العراق الحقيقي وبناءه المستقبلي الصحيح لا يتم إلا إذا اقتنع مواطنونا الآخرون أن ينظروا ألينا ويتعاملوا معنا كشركاء أصيلين  لهم وعلى قدم المساواة في هذا البلد، وينبذوا إلى غير رجعة مفاهيم الأكثرية والأقلية، وأهل الذمة والجهاد.

ولكن الاندماج والتجدر الذي ندعو إليه لا يعني ذوبان شخصيتنا المسيحية، ولا يعني البتة تساهلا في استبدال اسمنا المسيحي باسم آخر تحت أية طائلة كانت، حتى ولو كانت طائلة الحب. من لم يكن مقتنعا من دينه ومسيحه وشك فيهما في قلبه فليهجرهما، ولكن فرض هذا الهجران قانونا وشرعا على من عبر احد ذويه إلى الطرف الآخر ؛ ولكن استبدالهما، أي استبدال الدين والمسيح، من اجل شاب مغامر، وبمجرد كلمة تقال أمام حاكم في ظروف نفسية وعاطفية غير مستقرة ومؤثرات اجتماعية غير متكافئة، وفي ظل شرع بمكيالين لا يعطي المساواة في أحكامه، وفي وضع اجتماعي واسري لا تكونين فيه أكثر من الغريبة الدخيلة، والضائعة التي فقدت جذورها وأهلها ومسحت تعب ذويها وحنانهم بكلمة غير مسئولة.. فإذا تقولين عند ذلك أختي المسيحية التي عبرت إلى الطرف الآخر. وماذا تنفع الوعود والعقود والنقد المزيف وحتى الحب الذي لوح به إذا خسرت نفسك، وغيبت عنك المسيح؟ – ” هذا كله أعطيه لك، إن خررت لي ساجدة” قال المجرب!

كونوا يقضين إزاء تيار الكسب!

تيار الكسب موجود أيها الإخوة والأخوات وهو يستخدم أساليب اغرائية وخفية متعددة الوجوه.. انتبهوا إليه.  ولكن أرجوكم ألا تلقوا اللوم على الخارج. ألا تسالون وتساءلون أنفسكم عن الثغرات التي تدعونها للمجرب:

         التطبيقات والشروط التعجيزية والأنفة المفرطة التي تضعونها في طريق

زواج بناتكم

         ضعف الثقافة والتربية الدينيتين اللتين تجعلان الفتيات والفتيان أيضا

ضعيفات  الحجة والإرادة ، فينسقن بسذاجة وكما في حلم، وراء اهتمام وملاطفة وإغراءات مادية وتلويح بان الدين ليس عقبة في طريق الحب المزعوم

         الفطنة.لعائلي والتباعد بين الوالدين مما يسهل عثرة الأبناء… الفطنة. الوعي. الوعي. النضوج.

لنعد إلى تجربة يسوع

التجربة الثالثة تذكرنا بموس مرة أخرى. موسى يصعد جبل نابو ويتأمل ارض الميعاد التي لن يدخلها عقابا له من الرب عن خطيئة شعبه، فيموت هو ليحيا شعبه. ويسوع، موسى الجديد، على الجبل أيضا يتأمل الأمم التي سيحمل إليها بشراه، ليتحقق فيها ملكوت الله أبيه، ويموت من اجل حياة البشرية.

إبليس يقول ليسوع:” هذه كلها أعطيها لك، إن خررت لي ساجدا.

أما جواب يسوع فهو:” ليس ل كان تعطي شيئا مما لا تملك”. ثم يلتفت إلى

تلاميذه، بعد القيامة، ليسلم إليهم رسالته، ومن خلالهم ألينا نحن اليوم:

“إني أوليت كل سلطان في السماء والأرض، فاذهبوا وبشروا جميع الأمم وعلموهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به” (متى 28: 18 – 19). فنحن اليوم، انتم يا مسيحيون، رسل المسيح إلى العالم، إلى إخوتكم في العراق، تحملون إليهم وتعيشون بينهم تعاليم المسيح والقيم التي من اجلها مات. ولكن رسالة المسيح ليست أن يؤسس حكما دينيا سياسيا كما كان يريد له البعض، وكما لوح له إبليس. الطريق الذي رسمه له الأب هو الخدمة، والطاعة، والضعف، والتضامن مع الصغار والوضعاء، والدفاع عن المظلومين (اشعيا25: 4). أما أسلحته فاسمها العدالة، والرحمة، والأمانة للكلمة المعطاة، والصلاة، والتمسك بالحق. أما برنامجه فهو شرعة التطويبات التي ترفع المسكين والمظلوم والمضطهد والمتألم والجائع إلى مصاف البشر، ابناء الله المحبوبين. وفي رفضه التنسيق مع من أرادوا مبايعته بزعامة أرضية، مبنية على العنف، اختار طريقا آخر ؛ طريق الألم والموت والملاشاة، طريق الاستشهاد.

” حاش لك يا رب، لن يصيبك هذا”: سيقول له بطرس. وكما نهر إبليس في الجبل، كذلك اسكت بطرس بقوله:” ورائي يا شيطان، أنت لي حجر عثرة، لان أفكارك ليست أفكار الله، بل أفكار البشر” (متى16: 21- 23).

لن ينحني يسوع رأسه أمام المجرب، ولن يركع أمام سلاطين هذا العالم. السجود لله وحده. وعلى خطاه، ينبغي على تلاميذه، ألا يركعوا أمام الأصنام، سواء اتخذت هذه الأصنام شكل حكام أم متنفذين، أم على شكل لمال والإغراءات الأخرى.  لنعرف مع يسوع حين قال: ” لا يستطيع المرء أن يعبد ربين، الله والمال” (متى 6: 24) كم أن السلطة والمال يصبحان أصناما تهاب وتعبد. السنا نعيش في عالم تسوده أنظمة القوة والتسلط والهيمنة، وتسوقه إلى الكوارث والحروب قوى المال والسطو على الثروات والموارد الطبيعية:

أليست علاقات الشمال بالجنوب علاقات دول صناعية كبرى، قوية وغنية، ترفض التخلي عن إستراتيجياتها السلطوية والتدميرية لتعترف بحق الشعوب الفقيرة، ودول العالم الثالث في الحياة والتقدم. التبعية الغير المشروطة من حاكم على رعاياه أو من دولة على أخرى أليست كالتبعية التي يعرضها إبليس: هذا كله ل كان خررت لي ساجدا؟!

يسوع ينادي الدول والمسلطين عليها اليوم، كما جاء في النبي اشعيا:

اكسروا سيوفكم، واصنعوا منها مناجل للحصاد والخير والسلام. حطموا أسلحة الدمار، كلكم، كلكم – لا الدول الصغيرة منكم فقط -، وتعاونوا كبشر متحضرين لبناء عالم أفضل، عالم أكثر إنسانية، أكثر إخوة. عالم يبنى توازنه على التعاون والتنافس في استثمار خيرات الأرض وإنتاج الخبز للحياة، لا على استغلال الشعوب الصغيرة أو الفقيرة والتنافس في إنتاج القنابل والصواريخ لتدمير الحياة والتجويع..      الكنيسة في كل هذا ينبغي أن يكون لها دور نبوي، والبشرى التي تحملها إلى العالم يجب أن لا تكون صمتا متواطئا، بل كلمة أمل إلى جانب الفقير، كلمة تحرر الغني والمتسلط من أنانيته وجشعه أو استبداده.

إن الكنائس تعرف أن تركع أمام الله. فهل تعرف أن تركع أمام الناس لتخدمهم. لقد ركع يسوع أمام الله أبيه في صلاته، ولكنه ركع أيضا أمام تلاميذه ليغسل أرجلهم، كالخادم.  وبين هذين الركوعين وحدة عميقة، كما جاء في تعاليم الأنبياء بان العبادة التي ترضي الله تقود حتما إلى ممارسة العدل والإحسان: ” جعت فأطعمتموني، عطشت  فسقيتموني، غريبا كنت فآويتموني، عريانا فكسوتموني، مريضا فعدتموني، سجينا فزرتموني…” (متى 25: 31 – 46).

إن الظروف التي مررنا بها ولا زلنا نئن تحت وطأتها وثقلها واستطالتها   لربما تعطي اليوم لكنائسنا في العراق ولنا نحن جميعا فرصة أن نتعلم كيف نركع أمام

إخوتنا في محنتهم وعوزهم. لقد قالها يسوع بصراحة: ” إن الفقراء عندكم في كل وقت” ( يو12: 8) ها أنهم، بكثرة، على أبواب كنائسنا ومطرا نياتنا وأديرتنا وبيوتنا، يدقون على قلوبنا قبل جيوبنا.. للتضامنالطيبة. الطيبة. للتحسس.. لنحمل بعضنا بعضا في أيامنا الصعبة وفي احتياجاتنا.. فنعبد الله وحده ونسجد له بالروح والحق معا، كإخوة ؛ أغنياء وفقراء، ضعفاء وميسورين: ” الحق الحق أقول لكم: كلما صنعتم شيئا من ذلك لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموه” (متى 25: 40).      آمين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: