القديسة ترازيا الطفل يسوع.يومالدورات2002

     القديسة ترازيا الطفل يسوع

ألقيت المحاضرة في يوم الدورات

الخميس المصادف  12/12/2002
 في كنيسة مار توما بالموصل

ولمناسبة زيارة ذخائر القديسة ترازيا الطفل يسوع للعراق وعنوانها

القديسة ترازيا الطفل يسوع والكتاب المقدس 

القديسة ترازيا الطفل يسوع والكتاب المقدس

“أحب الكنيسة أمي”: لو رفعتم رأسكم كلما دخلتم مار توما لقرأتم هذه العبارة للقديسة ترازيا مكتوبة في اعلي البوابة المخرمة.

     ابدأ بالاعتذار من شباب الدورات الكتابية والتأهيلية لعدم وجودي بينكم وإعطاء هذه المحاضرة شخصيا ومباشرة. ذلك إني اضطررت اضطرارا، في أجمل أيام كنت سأقضيها مع ترازيا، للسفر إلى لبنان للمشاركة في السينودس الطارئ لمطارنة السريان الكاثوليك اليوم الخميس 12/12/2002 بالذات. وهكذا حرمت لقياكم، وحرمت الموعد مع ترازيا الطفل يسوع، أو ترازيا الصغيرة، كما تعرف أيضا، تمييزا لها من ترازيا الكبيرة مجددة الرهبنة الكرملية في القرن 16. وعليه اشكر الأب بطرس موشي منسق لجنة استقبال الذخائر للنيابة عني.

     ترزيتنا اليوم أيضا راهبة كرملية، ولكنها فرنسية، وتلك اسبانية، تلك عاشت 67 سنة، وقديستنا ماتت في الرابعة والعشرين من عمرها. تلك جابت اسبانيا متنقلة من دير إلى دير، وهذه دخلت الدير لم تخرج منه. ومع ذلك طارت شهرتها جميع أقطار العالم. وهي من أشهر القديسين العصريين، مع إن مئة عام مرت على وفاتها سنة 1897. وكانت لي نعمة خاصة أن اشترك شخصيا في احتفالات الذكرى المئوية في ليزيو بفرنسا حيث عاشت وملتت   وحيث ذخائرها التي نستقبلها اليوم بعد أن أجابت أقطارا عديدة في القارات كلها.

    القديسة ترازيا الطفل يسوع واحدة من المشغوفين بالكتاب المقدس. ولكن قبل أن نبحث عن علاقة ترازيا بالكتاب المقدس، يجدر بنا أن نتعرف على شخصيتها قليلا، وان بسرعة وإيجاز:

أولا: ترازيا الطفل يسوع ،من هي؟

    التاسعة والأخيرة من عائلة مسيحية ممارسة وملتزمة، ترازيا مارتان ولدت في

بلدة الانسون في مقاطعة نورمانديا، شمالي غربي فرنسا، في 2 ك2 1873.

   كانت عائلتها من الوسط الميسور. والدها ساعاتي ووالدتها تعمل في التخريم، ومن مستوى ثقافي واجتماعي راق. كلاهما فكرا في اعتناق الحياة الرهبانية في شبابهما. بعد وفاة والدتها وهي في الرابعة من عمرها، عاشت ترازيا في جو عائلي متماسك، مدللة من قبل والدها الذي كان يسميها “ملكته”، ومن قبل أخواتها اللواتي دخلن الدير الواحدة تلو الأخرى، قبلها وبعدها، وكذلك من قبل أسرة خالها. طفولة سعيدة، جو مسيحي هاديي مشبع بالتقوى، ومحبة الفقراء، واحترام كبير وعميق للكنيسة والأديرة: الله فوق كل شيء: ” منذ الثالثة من عمري لو ارفض له شيئا”، ستقول ترازيا. بعد دخول أختها بولين الدير – وكانت تدعوها “أمي الصغيرة لتعلقها الكبير بها – تعرضت ترازيا” وكان نصف مرضها كآبة، ولم تشف إلا بأعجوبة نسبتها إلى ابتسامة العذراء لها في 13 أيار 1883، وكان عمر ترازيا أربع سنوات ونصف. ولكن دخول أختها الكبرى ماري الدير بدورها، لم يزد إلا معانة جديدة لنفسيتها الرقيقة الحساسة. فجاءت “معجزة” روحية جديدة لتشفيها تماما من حساسيتها المفرطة، سيكون لها اثر بالغ على روحانيتها لاحقا: كان ذلك ليلة عيد الميلاد عام 1886، حيث شعرت ترازيا بتحول جذري في أعماقها نحو النضوج الإيماني وقوة الإرادة والاندفاع نحو الكمال: دعت هذا التحول “بيوم اهتدائها”: تحول نحو نكران الذات، والغيرة للعمل على خلاص الآخرين، وحياة الصلاة، والرغبة الجديدة في تكريس كامل الذات لله في الحياة الرهبانية (وكان عمرها أربعة عشر عاما).

   في الخامسة عشرة، تعمل المستحيل لتقبل في الكرمل في هذه السن، والسن القانونية كانت الواحدة والعشرين، فتقابل مطران الأبرشية، ورئيس الرهبنة، وحتى البابا نفسه في روما.. فتنال مبتغاها أخيرا وهي لم تتجاوز بعد السادسة عشرة. تدخل الرهبنة الكرملية كي تصلي من اجل الكهنة، لتصلي وتتألم من اجل هداية الخطاة، لتحقق شوقها إلى أن تكون مبشرة باسم المسيح ونشر الإنجيل إلى أقاصي الأرض، لكي تحيا حياة القداسة في التأمل والصلاة والحياة المشتركة والخفاء.

    على طلب شقيقتها بولين – التي أصبحت في الدير رئيستها باسم “إلام اغنيسة يسوع” – تكتب ذكرياتها.. فإذا بها هتاف حب وفرح وطراوة طفولية وشكر على نعم الرب لها: أسلوب نشط حر، مشبع بالشطحات الروحية والصوفية والاعتبارات حول الحياة المشتركة وقيمة الألم الفدائية والتطبيق الفعلي للفضائل الإنجيلية.

    أعلنت ترازيا نذورها الدائمة في 8 أيلول 189. ى. وتأخذ روحانيتها في النضوج والتعمق والحكمة. على صغر عمرها الرهباني تعينها الرئيسة معلمة فعلية للمبتدئات – من دون اللقب – لتشرف على تنشئتهم الرهبانية. وهنا تتجسد تعاليمها الرائعة في طريقة الطفولة الروحية التي انتهجتها   والتي تتلخص في عيش قيم الإنجيل وحب الله بروحانية الأطفال الصغار الذين لا يعرفون أسلوبا سوى الحب والاستسلام والبساطة والفرح والعفوية والجرأة أيضا تجاه الله الذي ينظرون إليه كاب حنون، طافح قلبه بالحب الرقيق والغفران. لقد عاشت ترازيا هذه القيم العميقة بتواضع تغلفه الابتسامة، في بساطة الحياة اليومية ومفرداتها الصغيرة وآلامها ببطولة.

    وقبيل وفاتها تكتب فصلا رائعا – على طلب شقيقتها الكبرى ماري التي أصبحت الراهبة ماري القلب الأقدس – تضمنه اكتشافاتها حول الكنوز المخفية في الحب والطاقات التي يحركها في النفس المؤمنة: في هذا الفصل تهتف ترازيا: “دعوتي، اكتشفتها أخيرا. دعوتي هي الحب!.. في قلب الكنيسة أمي سأكون الحب.. وهكذا سأكون كل شيء!”.

    إلى هذه الكتابات – خاصة “تاريخ نفس”، أو “أخبار نفس” – نعود لمعرفة من هي ترازيا الحقيقية، يضاف إليها مجموعة كبيرة من  الرسائل التي كتبتها من عمق ديرها إلى ذويها وأخواتها والى كاهنين مرسلين مبشرين، الواحد في الصين والآخر في إفريقيا ارتبطت يهما ، بتوجيه من رؤسائها بإخوة روحية لتعضد رسالتها من بعيد بالصلاة والتضحية والتضامن ألرسولي، كما تنعكس شخصيتها الفذة أيضا من خلال ما كتبته من قصائد موزونة ونصوص مسرحية كتبتها ومثلتها على مسرح الدير، منها مسرحية القديسة جاندارك محررة فرنسا من الاحتلال الانكليزي. وكانت ترازيا معجبة بالجانب الروحي والفروسي لهذه الفتاة التي استشهدت حرقا كساحرة.

    حياة واحدة لم تكن تكفي لاندفاع ترازيا فأرادت أن تستمر رسالتها حتى بعد الموت: ” سأقضي سمائي في عمل الخير على الأرض”. توفيت ترازيا في صمت ديرها في ليزيو في 30 أيلول 1897، لتبتدئ المرحلة السماوية من رسالتها، رسالة شمولية سرعان ما عانقت العالم اجمع:

    الأخت ترازيا الطفل يسوع أعلنت قديسة في 17 أيار 1925، أي بعد اقل من 30 عاما من وفاتها، وهذا زمن قياسي له مدلولاته.

    أعلنت شفيعة الرسالات في 14 ك1 1927.

    أعلنت ملفانة الكنيسة الجامعة عام 1997 بمناسبة الذكرى المئوية لوفاتها. أما الكتب التي كتبت عنها، وفي مختلف اللغات، فهي أكثر من أن تحصى. قديسة شابة شعبية قريبة منا روحا وعمرا وانفتاحا وعنفوانا..واليوم قريبة منا جسما أيضا.

ثانيا: ترازيا والكتاب المقدس

    القديسة ترازيا الطفل يسوع واحدة من المشغوفين بالكتاب المقدس. وفي وقت كانت قراءة الكتاب المقدس، لاسيما العهد القديم، شبه محذورة في الأديرة، قرأت ترازيا الكتاب المقدس بغزارة، بعهديه، ونقلت نصوصه، وكانت تعطي عناية خاصة لكتاباتها بخط أجمل وأكثر أناقة، واستشهدت بآياته، وعلقت عليها. وكان تعاملها مع النص الكتابي على نوعين: سرد للآيات بحرفيتها، وهذا اقل نسبيا، إذا قارناه بالنصوص والأفكار الكتابية التي طعنت بها فكرها وكتاباتها.

   ترازيا لم ندرس الكتاب المقدس كمادة علمية لتكتسب معرفة نظرية للتعليم أو لإسناد جدالات أو مناظرات. الدراسات الكتابية المنهجية العلمية كانت في خطوطها الأولى الحذرة، والأب لاكرانج أسس المدرسة الكتابية في القدس عام 1890، وعمر ترازيا آنذاك 17 سنة، منزوية في قلايتها الديرية. ترازيا تعود إلى النصوص الكتابية وتستشهد بها لتتغذى منها روحيا وتنير إيمانها وتسند قناعاتها، ولكي تكتشف بين سطور الكتاب المقدس وكلماته حب الله ورحمته الحاضرين كعهد ابدي دائم مستمر مع شعبه طيلة مسيرته.. والماون اليوم معنا. حتى المحاولة التي قامت بها في آخر حياتها بوضعها ترائية لروايات القيامة، لم يكن هدفها دراسيا، بل وسيلة لتلاحظ الفروقات وتستلهم منها غذاء جديدا لتأملاتها وحدسها الروحي. وفعلا كانت ترازيا تقرا وتفهم وتتعامل مع النصوص الكتابية وكأنها نصوص حبيب موجهة إليها ولها خصيصا من الله “أبيها الطيب” – كما كانت تدعو لله -، أو من يسوع حبيبها ومعلمها ومرشدها الأوحد.

ما هي الأسفار التي تعاملت معها ترازيا في كتاباتها؟

كتابات ترازيا وردتنا في خمس صيغ هي:

1. “رسائل” شخصية (266 رسالة)

2. “ذكريات” عائلية ونصوصا روحية كتبتها على طلب رئيساتها

3. قصائد شعرية (61 قصيدة)

4. مسرحيات نثرية وموزونة مثلت فيها على مسرح الدير (8 مسرحيات)

5. يضاف إليها بعض الصلوات من تأليفها ((21 نصا)

 وفي هذه الصيغ كلها غرقت ترازيا، بشكل أو بآخر، من الإرث الكتابي نصا وروحا وعبرا. وان زخم المراجع والنصوص التي استوحتها يعني كم كانت مشبعة بالنصوص الكتابية تستذكرها عفويا، وتبدو جزءا من تأملها المستمر وفكرها وذاكرتها اليقظة. لقد كانت روحانيتها حقا روحانية كتابية بصورة ملفتة للنظر نسبة إلى زمانها.

   إليكم ما كتبته في منعطف دقيق من يبوسة قراءاتها الأخرى: في هذا العجز كان يأتي إلى إغاثتي الكتاب المقدس، فيه أجد غذاء دسما ونقيا. وفوق كل شيء يأتي الإنجيل ليسندني في تأملاتي فيه أجد ما هو ضروري لنفسي الصغيرة، وفيه اكتشف دوما أنوارا جديدة ومعاني خفية ودقيقة”.

   لإعداد هذا الحديث عدت فراجعت كل الرسائل التي كتبتها ترازيا، والنص الأصلي التي يضمها كتاب “تاريخ نفس” كنموذجين لاستكشاف المراجع الكتابية التي تعود إليها في إنشاءها  وصياغة فكرها.

أ في مجموعة الرسائل  التي كتبتها من 1888 – 1894 نسجل 211 مرجعا كتابيا، منها ما دونته حرفيا، ومنه ما تنقل فحواه وتطبيقه الفعلي. وهي على النحو التالي 113 مرجعا للعهد الجديد و 98 مرجعا للعهد القديم – وفي مراجع العهد الجديد تأتي الأناجيل في المقدمة (83 مرة) وكما يلي:

32  لإنجيل متى /22 لإنجيل يوحنا / 20 لإنجيل لوقا / 9 لمرقس. تليها مباشرة، ولو عن بعد رسائل بولس (20 مرة)، وفي مقدمته: قورنثية: 18 مرة (الأولى 13 ؛ والثانية 5) / قولس 2 ثم الرؤيا 6 مرات / كل من عبرانيين والأعمال 2 / كل من يعقوب و 1 يو: 1  

         أما في مراجع العهد القديم، فالأولوية لنشيد الأناشيد 37 مرة تليها المزامير 21

 مرة / ثم اشعيا 20 مرة / كل من سفر الحكمة وسفر الخروج 6 مرات / وسفر التكوين 5 مرات / وسفر ايوب 2 مرتين / ولكل من أسفار العدد وزكريا والملوك الأول وارميا وطوبيا 1 مرة واحدة.

    أما الأفكار المستقاة من هذه المراجع، فيمكننا تلخيصها بخمسة محاور رئيسة تسبح كلها في جو من الثقة والتفاؤل والحب، وبحسب الأولويات التالية:

1 – الألم الفادي والمطهر، ونموذجه المسيح المتألم والعبد البار المتألم، ومكافأته الرؤية السعيدة، والدخول في مجد الله.

2 – الله هو الأب الحنون، ويسوع هو المحبوب الأكبر والحبيب الأوحد. مشيئته هي طعامي.

3 – الحنين إلى لقاء العريس في السماء وهو كنزها الأسمى.

4 – الرغبة العارمة في مشاركة يسوع عطشه إلى خلاص النفوس، والمشاركة الفعلية بالمرافقة الروحية بالصلاة والتضحية مع المرسلين والمبشرين من عمق دورها.

5 – طموح إلى الكمال والقداسة من خلال الأعمال الصغيرة المهمولة بحب كبير: يسوع يحملنا على ذراعيه لنصل بسرعة.

ب – في “الذكريات”  التي كتبتها بين 1895 – 1897

نسجل 130 مرجعا كتابيا   وبالطريق ذاتها، اعني: قليل منها نقل حرفي، وأكثرها نقل للمحتوى والفكرة مع التطبيق العملي.

من هذه المراجع: 79 للعهد الجديد / 51 للعهد القديم

         وفي مراجع العهد الجديد تأتي الأناجيل في المقدمة (55 مرة) وكما يلي:

22  لإنجيل متى / 21 لإنجيل لوقا / 8 لإنجيل يوحنا / 4 لمرقس

تليها، كما في “رسائلها” رسائل مار بولص (17 مرة)، وفي مقدمتها أيضا: قورنثية 10 مرات (الأولى 9 والثانية 1) كل من رومية وفيليبي 2 / كل من غلاطية وافسس وتيطس 1 / ثم رؤيا 4 مرات / أعمال 2 / 1 يوحنا 1.

         أما في مراجع العهد القديم فالأولوية هذه المرة للمزامير 20 مرة / يليها نشيد

الأناشيد 9 مرات / اشعيا 7 مرات / الأسفار الحكمية 8 مرات (جامعة 4 ؛ حكمة ؛ أمثال 1)/ التكوين 4 / وكل من سفر الخروج والملوك الأول وحزقيال 1. علما بان عدد المراجع يتكرر من 2 -10 مرات، وهذه المراجع هي التي تشير إلى:

1 – الاشتياق إلى العريس على ضوء نشيد الأناشيد

 2 – العبد البار المتألم 

3 – زوال ظلال الحياة وترقب بزوغ نور المجد في الملكوت.

أما الأفكار المستقاة من المراجع التي ترصع ذكرياتها”، فيمكننا تلخيصها بخمسة محاور ريسة تدور حول الطفولة السعيدة التي قضتها مع ذويها، ثم مساعيها لدخول الدير، وحياتها الرهبانية وهي راهبة شابة بين راهبات امينات وبعضهن في ضعف عمرها على الأقل. وهذه المحاور هي:

1 – الشكر وعرفان الجميل على كل ما صنع الرب من مراحم ومنحها من نعم ومواهب. حياتها أنشودة شكر دائمة له.

2 – التألم مع المسيح المتألم، بصمت وخفاء، وانتظار مجده.

3 – الحب كما كل شيء وما سواه باطل عابر. ومن هذا الاكتشاف نسجت أسلوبها في نشدان القداسة في ما سمته “طريقة الطفولة الروحية”.

4 – حضور الله في أعماق نفسها حضورا هادئا، كما مع ايليا في النسيم الهادي.. حتى وان بدا نائما في مؤخرة السفينة: قلبه مستيقظ أبدا.

5 – غيرة عارمة العمل ألرسولي والتبشير بإنجيل يسوع المسيح حتى أقاصي الأرض. دعوة واحدة لم تكن تكفي لتشبع طموحات ترازيا الواسعة بوسع الإنجيل ووسع العالم:

 ” دعوة واحدة لا تكفيني يا يسوع. أن أكون عروسك، يا يسوع، أن أكون كرملية، أن أكون باتحادي بك أم النفوس، ذلك حسبي، ولكني اشعر بدعوات أخرى. اشعر بالدعوة التي تحرك المحارب والكاهن والرسول والملفان والشهيد… حبذا لو أطوف الأرض لنشر اسمك… إن رسالة واحدة لا تكفيني. إني أود في أن واحد أن ابشر بالإنجيل في أنحاء العالم باجمعها إلى أقصى الجزر. أود أن أكون مرسلة لا لبضع سنوات فحسب، بل أتمنى لو كنت كذلك منذ إنشاء العالم وأبقى مرسلة إلى دهر الداهرين. أود فوق كل شيء لو كنت شهيدة!…”

      إلى المراجع الكتابية السابقة نضيف “مسرحية كتابية” صرف كتبتها ترازيا في ك2 1896 بعنوان “الهرب إلى مصر” مستوحاة من هروب العائلة المقدسة إلى

مصر من وجه هيرودس، المذكور في متى 2: 13 – 23

في هذه المسرحية 7. مرجعا مباشرا أو غير مباشر من الكتاب المقدس. كما استوحت ترازيا فيها مقاطع من الأناجيل المنحولة التي تذكر إن يوسف ومريم في هروبهما توقفا في مغارة يسكنها لصوص، وان لامرأة احدهم ولد أبرص شفي عندما غطس في الماء الذي غسل فيه يسوع، وان هذا الطفل سيكون هو نفسه ديماس اللص الصالح الذي صلب إلى جانب يسوع!…

     في هذه المسرحية طرحت ترازيا أفكارا غير مألوفة في جو الدير، مثل معضلة الشر: لماذا يسمح الله بقتل أطفال أبرياء، ولم يمت هيرودس الظالم نفسه؟ كما تقدم شخصية يوسف “كعامل كادح فقير” يدفعه إلى البطالة “ملاك غني”. وان زوجة رئيس العصابة فوضوية، وان لهؤلاء اللصوص يتحركون على هامش المجتمع قلوبا تتحسس الطيبة، ومنها طيبة مريم، التي تمثل ترازيا نفسها دورها، هذه الطيبة التي تحركهم نحو الإيمان.

الخلاصة

هكذا نرى إن كتابات القديسة ترازيا الطفل يسوع، الشعرية والنثرية والمسرحية، كلها مشبعة بالمراجع الكتابية. ولو نظرنا إليها بصورة إجمالية للاحظنا إن العهد الجديد يأتي في المقدمة تماما، وفي العهد الجديد تعود خاصة إلى إنجيل متى، تليه مباشرة رسالة بولس إلى أهل قورنثية. فهناك تناغم رائع بين فكر بولس وطموحات ترازيا في أبعاد المحبة الأخوية، وتدرج المواهب، ومجد لقيامة، وتحمل المشاق والألم الرسالة وباسم  المسيح.

وكما تغذت ترازيا من نصوص العهد الجديد، كذلك نهلت من أسفار العهد القديم بحرية مماثلة وكأنها تتجول في بستان غني بأصناف الثمار والزهور، فتلتقط بعفوية الأطفال ما بدا لها وما اشتهت. وليس غريبا أن تعطي الأولوية لسفرين غذيا روحانية الكنيسة والفكر الصوفي عبر لأجيال، إلا وهما: المزامير وسفر نشيد الأناشيد لما في هذا الأخير من صور تعبيرية تشغف النفس المؤمنة بحبيبها الإلهي. أما توجه ترازيا إلى سفر اشعيا فيعود إلى صورة العبد البار المتألم والممجد التي تمثل المسيح المتألم الفادي، ومن خلالها صورة أبيها المؤمن الصديق الصامت في مرضه الأخير الذي أذل إنسانيته

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s