كلمة تأبين الأب اسطيفان زكريا1999

كلمة تأبين الأب اسطيفان زكريا يوم دفنته

ألقى الأب جرجس القس موسى

كلمة تأبينية مؤثرة يوم دفنة المرحوم الأب اسطيفان زكريا

في كنيسة الطاهرة في قرة قوش

الأربعاء 17/2/1999. قال فيها

أنا معه في الضيق وأنقذه وأمجده ”     (مز 91:15).

1….إذن، كبا الفارس أخيرا من صهوة جواده…وسقط صريع مرض خبيث، غادر، عات.. لحقه كالذئب المفترس حتى ديار الغربة، وأعاده كالرهينة صاغرا لينطرح في فراش الألم.. في أخر معركة له.. هو الذي كانت حياته فصولا متتالية من المغامرات والمعارك والتغلب على المستحيلات والمألوفات…

في الخريف الماضي ودع الأب اسطيفان زكريا رعيته في كركوك في نهاية شوط دام 12 عاما في خدمتها ورعايتها، وودع الأبرشية وأهله في قرة قوش متوجها إلى لندن، لقضاء فترة من النقاهة والاستجمام بعد وعكة قاسية أرهقته، وللتمتع بإجازة ما بعد التقاعد في أسرة شقيقه الياس، بين ضحكات الأحفاد والعناية بحديقة المنزل – بينه وبين الزهور والنباتات حب قديم – فإذا به يعود ألينا منهوك القوى يوم الاثنين 8 شباط المنصرم ليبدأ رحلته الأخيرة، رحلة تختلف تماما عن رحلاته وأسفاره السابقة.

عشرة أيام بلياليها من الألم المبرح والعجز الذي ما رأينا الأب اسطيفان مستسلما له أبدا؛ في صراع، لست ادري هل كان مع الموت أم مع الحياة.. حتى أنطفا السراج في عووعظ،لة الأربعاء 17/2/1999.

وخمدت الحركة التي ما كلت على مدى 75 عاما.

وصمت الصوت الذي انشد ووعظ، وعلم وغنى، وطالما انطلق بالدعابة والكلمة المرحة..

وتوقف قلب “أبونا اسطيفان” كعقرب الساعة الذي يتسمر فجأة في عز جريانه!

2. فيا يا أبونا اسطيفان..

من اسأل عنك اليوم.. أنا تلميذك الذي ما خطر ببالي أن أقف منك هذا الموقف..؟

اسأل عنك عقره وجبالها؟

اسأل المعادية عنك وينابيعها وصيناها؟

اسأل شقلاوة وبساتينها، والسليمانية، وكركوك، وعين زالة، ودهوك، والقوش، وشرفية، وباختما، وخربة صالح…؟

أأسال الموصل وأحيائها، وقرة قوش وبيادرها؟

أم تريدني أن اسأل الأب يوسف اومي ، أو البطريرك بولس شيخو يوم كان مطرانا لأبرشية عقره؟

أأسال  بنا، وطيارة، وجرخي، وحنا اسطيفو، وشيت، ويوسف، أم أصدقاءك الأحياء الكثر في أرجاء الوطن وبلاد الاغتراب، من أساقفة وكهنة وتلاميذ قدامى علمانيين وراهبات.. اسألهم عن شجاعتك وقلبك الشهم وطيب عشرتك، ويدك الممدودة أبدا للعطاء حتى الافتقار، وسند الفقير والمعوز والغريب والمهجر حتى التعرض للمخاطر.. كالسامري الصالح في طريق أريحا..؟

يا ما كنته على طريق اربيل والزيبار والشيخان والعقر وشمكان!

أعود بالفكر إلى الستينات يوم كان الأب اسطيفان يجازف بحياته لينقل المهجرين المسيحيين من الشمال بسيارته الجيب إلى مناطق آمنة، ويؤمن لهم السكن والقوت والملبس، ولسان حاله يقول مع الرسول بولس:

“أسفار متعددة، أخطار من الأنهار، أخطار من اللصوص، أخطار من بني قومي، أخطار من الوثنيين، أخطار من المدينة، أخطار في البرية، أخطار في البحر، أخطار من الإخوة الكذبة، جهد وكد، سهر كثير، جوع وعطش، صوم كثير، برد وعري، فضلا عن سائر همي اليومي والاهتمام بجميع الكنائس. فمن يكون ضعيفا ولا أكون ضعيفا؟ ومن تزل قدمه ولا احترق أنا؟ (قور 11: 26 – 29).

كالبرق.طعمره.. كالبرق.. في اللعمره.نهار.. تراه ولا تراه.. طيار كل عمره.. لا استقرار له سوى حيث الخدمة والخيوالتضحية…

3. – ولد صليوا ابن حنا اسطيفو زكريا وأمينة ابنة القس اسحق موشي في قرة قوش

في 28/ ت2/ 1923.

دخل المدرسة الابتدائية في مسقط رأسه.

في عام 1935 قصد دير مار بهنام لتكريس حياته لله.

توجه إلى معهد مار يوحنا الحبيب الكهنوتي بالموصل في أيلول 1939 للدراسة الكهنوتية.

رسم كاهنا باسم القس اسطيفان زكريا في 17 حزيران 1951 بوضع يدي المثلث الرحمات البطريرك يوسف غنيمة، بطريرك بابل على الكلدان – مع زملائه ألبير أبونا (بغداد)، وأدور بيكوما (شيكاغو)، وهرمز صنا (+)- لغياب راعي الأبرشية السريانية المثلث الرحمة المطران جرجس دلال آنذاك في لبنان للمعالجة.

فكر جديا في الانخراط في رهبنة إخوة يسوع الصغار ولاقى ممانعة ذويه. ولكنه بقي طوال حياته متأثرا بروحانية الأخوة في بساطة العيش والاندفاع نحو صغار الناس.

حال رسامته الكهنوتية تعين كاهنا سريانيا مقيما في معهد مار يوحنا الحبيب ومعاونا في خدمته، مع تدريس اللغة العربية والفرنسية والدين، إضافة إلى الإرشاد الروحي للتلاميذ الصغار، والاهتمام بأخوية مار يوسف للعمال، كما امن لسنوات طويلة القداس بحسب الطقس السرياني للراهبات الدومنيكيات والشعب في معبد الدير إلام في الموصل الجديدة، حيث لم يكن بعد كنيسة في المنطقة. ثم تعين مديرا رسميا للمعهد الكهنوتي أمام الدولة. وقد بقي في هذه المهام مدة 24 سنة يمكن إيجازها بكلمات ثلاث: خدمة، وإخلاص، وتفان بلا حدود، وقد ربطته بالأب يوسف اومي مديرنا رحمه الله، علاقة شخصية متينة، هي مزيج من البنوة الروحية والصداقة.

على اثر إغلاق المعهد قصد الأب اسطيفان بغداد في عام 1975 وانصرف لبضعة أشهر إلى تجربة جديدة فعمل في شركات حرة لإيفاء ديون تراكمت عليه مما وهبه لمساعدة المحتاجين.

وفي 1986 عاد إلى الأبرشية فتعين لخدمة كنيسة كركوك، ومكث فيها حتى بلوغه سن التقاعد في ت2 الماضي.

4. لن يقال إن الأب اسطيفان زكريا كان عالما في اللاهوت أو الفلسفة. ولم يتبوأ مناصب عليا في الإدارة الكنسية، ولا طمع إلى الجلوس مع العظماء والكبار.

ولكنه كانعمليا،علم الحياة والعلاقات الإنسانية. كان رجلا عمليا، وكاهنا من طراز خاص؛ همه خدمة الناس. الناس جميعا من أي دين أو طائفة أو منطقة كانوا، هوايته الاختلاط بالصغار والوضعاء والكادحين في مواقع عملهم وسكناهم.

لقد كان متحررا من الأطر الخارجية في هيئته وهندامه ونمط حياته وتفكيره

ووسائل تأديته رسالته الكهنوتية، عبثا تحاولون احتوائه في قالب مألوف. هل هو سرياني، أم كلداني، أم أثوري.. بل هو الذي تجاوز كل تسمية، من دون إن يتنكر لشيء، ليصبح كلا للكل، فيقول مع بولس، مرة أخرى؛ صرت للضعفاء ضعيفا، لأربح الضعفاء، وصرت للناس كلهم كل شيء، لأخلص بعضهم، وافعل هذا في سبيل البشارة، لأشارك فيها (1 قور 9؛ 22 – 23).

دعابته – حتى آخر لحظات حياته – كم كانت تخفي من بطولات! لقد بقي شابا

في روحه وحركته حتى في السادسة والسبعين من عمره!  لقد عاش فقيرا، ومات فقيرا. ووزع كل ما ملكت يداه للفقراء والمحتاجين، وعندما كانت تفرغ جيوبه يا ما استولى، بالدعابة والمرح، من المرحومة أمه والمرحوم والده وأشقائه، على حنطة وطحين وجبن ودهن وفرش ليعطيها للعائلات الفقيرة. غرفته كانت مستودعا للثياب المجمعة من هنا وهناك يأخذها بنفسه إلى العائلات تحت ستر الليل.

حتى التبني طرق بابه أبونا اسطيفان.

ناهيك عن زيارة السجون والمستشفيات…

5. هذا هو الأب اسطيفان زكريا المسجى جثمانه الآن ساكنا أمامنا:

صورة لروح الإنجيل تحت مظاهر البساطة والعفوية بلا تكلف ولا رتوش حتى الممات.

لقد غادرنا.. وصفوفنا.مثاله قدوة ونورا، فغيابه يترك فراغا كبيرا في قلوبنا

وصفوفنا. نرفع المواساة والتعزية العميقة مقرونة بالإيمان والرجاء إلى أبينا راعي الأبرشية، والإخوة كهنة الأبرشية، والى ذوي الفقيد: شقيقه الياس في لندن،

والى صباح في أميركا. إلى أخواته وأبناء إخوته وأخواته والأحفاد في قرة قوش..

والى كافة آل اسطيفو وزكريا. إلى الأخ الحبيب الأب بطرس موشي ابن خاله.

والى قرة قوش التي خسرت احد أبنائها الاطيبين. والى كافة أصدقاء الفقيد الآتين من بعيد ليشتركوا في تشييع كاهن جليل وصديق قريب إلى قلوبهم.

ها هو يودعنا قبل رحيله الأخير إلى الأب بكلمات طقس تجذير الكهنة، متوجها

أول الكل إلى إخوته الكهنة وأبيهم راعي الأبرشية، إلى أهله وأصدقائه وأقربائه في القريب والبعيد:

” أترككم بسلام يامحبتكم،أحبائي

فقد دنت ساعة الفراق.

لا تنسوا ذكري من محبتكم،

فلقد تغربت عن صفوفكم،

التمس منكم يا أحبائي،

أن تصلوا من اجلي،

كي أكون سراجا نيرا

معكم في المقدس.

إني لن أدربي،كم من بعد

يا رفاق دربي،

أودعكم بسلام”.

اذهب بسلام يا أبانا وأخانا وصديقنا، لقد أتممت شوطك، وجاهدت الجهاد

اجل،، وحان لك إكليل الظفر، إننا على يقين وإيمان بان الرب صاحب الوزنات سيستقبلك بفرح ويناديك: ” نعما يا عبدا صالحا وأمينا، كنت أمينا في القليل، سأقيمك على الكثير ” (متى 25: 21)… اجل، انك لم تبن لي كنائس، ولم تؤلف كتبا، ولم تنل نوط استحقاق وتكريم وشهادة عليا.. ولكني كنت جائعا فأطعمتني، وعطشان فسقيتني، وغريبا فآويتني، وعريانا فكسوتني، ومريضا فعدتني، وسجينا فجئت إلي.. فتعال رث المجد المعد لك.. ادخل إلى فرح سيدك ” (متى 25: 35 – 36).

آمين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s