Posted by: abu faadii | 2013/08/18

كلمة تابينية عن المطران ميخائيل الجميل2012

الكلمة التابينية التي ألقاها المطران

مار باسيليوس جرجس القس موسى
عن المطران ميخائيل الجميل يوم دفنته في قره قوش

في كنيسة الطاهرة

يوم الأثنين 10/12/2012 

صلاحا وتدبيرا وحكمة علمني” (مز 119: 66)
غبطة أبينا البطريرك مار أغناطيوس يوسف الثالث يونان الكلي الطوبى
أخوتي السادة الأساقفة الأجلاء
السادة الرسميون والأداريون والمسؤولون في الدولة والأحزاب والمنظمات
أخوتي الكهنة .. أخواتي الراهبات والرهبان
وأنتم جميعا أيها المؤمنون والمؤمنات وآل الجميل الأكارم وسائر أهل الفقيد وأصدقائه وتلامذته ومحبيه
*
في عزّ جريانه وعنفوانه كبا حصان الفارس المطران ميخائيل الجميل كبوة حاسمة وهو في وسط الميدان يهلهل… وتوقفت فجأة تلك الحركة الدائبة، الغادية المقبلة، التي لم تعرف الكلل على مدى 48 عاما من الكهنوت والشهادة والعطاء الثر. في عام واحد تفقد كنيستنا السريانية وابرشية الموصل وبخديدا اثنين من أعلامها وأبنائها: المطران مار يوليوس ميخائيل الجميل، المعتمد البطريركي لدى الكرسي الرسولي والزائر الرسولي لسريان اوربا، والخوراسقف فرنسيس جحولا رئيس دير مار بهنام الشهيد.
الذي أحبها حتى النخاع وتستحق بخديدا أن يعود اليها ابنها البار
وتغنى بلسانها وامثالها وتراثها ومثّلها حيثما كان بتألق، تستحق أن يعود اليها ليضمّ رأسه للمرة الأخيرة الى صدرها الحنون، وتضمه بحنان الأم الرؤوم اليها ليغذي ارثها ويثري عطاءها وغدها بما أعطى ولا يزال يعطي أبناؤها وبناتها، البارحة واليوم، من علم وفضيلة وفكر وطاقة خلاقة لمستقبل أفضل. ويستحق الفارس أن تستقبله جماهيرها، شيبها وشبابها وأطفالها، في شبه أوشعنا لا ينقطع من الهلاهل والتصفيق والترانيم. ومن البركة والشرف لبخديدا أن يتراس الموكب غبطة ابينا البطريرك، أبو آباء سينودس كنيستنا السريانية الأنطاكية، شخصيا، ولبخديدا مكانة متميزة في قلب غبطته. كما كان يكنّ للفقيد الغالي تقديرا خاصا لصفاته الشخصية وجدارته كعضو في السينودس العام وفي السينودس الدائم.
يوم الخميس 29 تشرين الثاني المنصرم، وفي نحو الساعة الثانية ظهرا، صعقت جلطة دماغية فجائية حادّة المطران ميخائيل الجميل وهو في مكتبه في الوكالة البطريركية بروما، فصرعته على أديم غرفة عمله فاقد الوعي، وأخذته غيبوبة لم يفق منها أبدا. ولحسن الحظ سمع جار مكتبه السيناتور الأيطالي صوت السقوط، وباب المكتب مفتوح، فهرع ليجد جسد المطران هاويا على وجهه، مضرجا بدمه. فما كان منه الا أن استدعى الأسعاف ونقله الى المستشفى الأقرب، مستشفى الروح القدس، ومن ثم نقل الى مستشفى الأخوة الرهبان في جزرة التيبر، غير بعيد عن كنيسة القديس بطرس. وهنا أجريت له كل الأسعافات الطبية اللازمة وبقيت الأجهزة والعلاجات الخاصة تقتصر على تنشيط التنفس والقلب وحدهما. ولم يفلح الأطباء الأخصائيون على مدى اربعة أيام في ايقاظ أية ومضة استجابة في الدماغ: هكذا رايته ظهر الأحد الماضي عندما أوفدني غبطة أبينا البطريرك الى روما على عجل، ووقفت عند راسه والطبيب يشرح لي أن لا بصيص أمل بشري سوى بأعجوبة ربانية. وتوقف القلب الكبير الشهم العارم دوما بالحيوية، توقف تماما عن الحركة في الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم الأثنين 3/12. وانتشر الخبر في أوساط روما، ابتداء من مجمع الكنائس الشرقية وراديو الفاتيكان، ومن روما الى العالم. وللفقيد أصدقاء ومعارف وعلاقات واسعة، رسمية وشخصية، لا في روما وحدها بل في لبنان والعراق وأقطار كثيرة من العالم. لا أنسى هذا الصوت الذي جاءني من بلد اوربي في موبايل الفقيد ذاته ونحن نرتب غرفته كيف أجهش في البكاء وقطع المكالمة اذ علم بالخبر المباغت. ولا هذا الصوت الذي كلمني بالأيطالية في الموبايل ذاته من مكتب دعاوى القديسين، حيث كان الفقيد قد عينه قداسة البابا مؤخرا عضوا فاعلا فيه، وهو يخبره بموعد اجتماع قادم للمكتب…وعندما أنبأته بما جرى: هل حقا ما تقول؟ وكيف حدث ذلك؟
كيف حدث ذلك يا أخي ميخائيل؟ قل لنا كيف خمدت فجأة حيويتك العارمة وحركتك الدائمة وجلجلة ضحكتك الصاخبة ؟ كيف توقفت دون سابق انذار وبغتة عن كيل هذه التعليقات الحاذقة والدعابات الخفيفة المصحوبة بدندنة موسيقية أو مقطع من أغنية ذكية، مما كنت معتادا عليه لتلطيف الجو؟ ماذا تقول لأشقائك وشقيقاتك ولأبنائهم وبناتهم ولكل ذويك في البلدة المحبوبة، ولأحبابك ومعارفك الذين يملأون الدنيا وقد تركتهم على حين غرّة من دون سلام ولا وداع؟ كيف هان عليك أن تغلق ملفات مسوداتك والصور التراثية والتاريخية ومراجع التآليف القادمة المكدسة في غرفتك؟ اين سنجد ابتسامتك الدائمة التي كانت احدى علامات تفاؤلك المعدي وحرارة لقائك مما كان يضفي الفرح والبهجة في أي مجلس أنت فيه، ويفرج عن كرب كل من يأتيك مهموما في منفاه، أو طالبا عونك، او سائلا أن تدله على طبيب او مستشفى، أو لمجرد السلام عليك في مقرك الروماني ؟ هذا كنت في روما وهذا كنت في لبنان وهذا كنت في العراق وهذا كنت حيثما حللت … ولم نلق أحدا ممن عرفك أو قصدك الا وأشاد بعنفوانك وسرعة بديهيتك وخفة دمك. وأضيف الى هذا كله: بساطة عيشك وشبه نسكك في قلايتك في روما وأنت الحاضر في كل المحافل والدواووين والمناسبات. حتى أهل الحي والمطاعم في كامبو مارزيو بروما صرت جزءا لا يتجزا من مشهدهم، غير ناسين اذ كنت تقود في تلك الأزقة التراثية الضيقة فريقك المحبوب من الكهنة والطلبة الدراسين في المدينة الأبدية. وهل ينسى أحد صوتك الرخيم العذب الذي وظّفته لتمجيد الرب في الأحتفالات الليتورجية وترنيم المزامير والتخشفتات، بل أحيانا لطرب من يطرب؟
ولد المثل الرحمة المطران يوليوس ميخائيل الجميل في بـلـدة قره قوش ( العراق)في 18 تشرين الثاني 1938. والده باكوس توفي قبل أن يتعرف عليه ميخائيل الصغير، ووالدته أمينة موشي كانت غاية في اللطف والطيبة. بعد المرحلة الأبتدائية اختار التوجه نحو الكهنوت فقصد دير مار بهنام في ك1 /11951، وبعد سنتين دخل معهد مار يوحنا الحبيب للآباء الدومنيكان في الموصل. سيم كاهنا على يدي المثلث الرحمة المطران عمانوئيل بني في 7 حزيران 1964. وفي ايلول من السنة عينها انضم الى جماعة كهنة يسوع الملك وصار مسؤولا عاما لها لفترة.
في آذار 1967 عين كاهنا لخدمة رعية الطاهرة الكاتدرائية بالموصل. والى جانب العمل الرعوي اضطلع القس ميخائيل بعدة أوجه للرسالة: التعليم في معهد مار يوحنا الحبيب، ارشاد الأخويات ومنها الأخوية المريمية التي صار مرشدها العام لفترة، التعليم المسيحي في المدارس الرسمية والمراكز الكنسية، مواعظ الرياضات الروحية للراهبات، زيارات منتظمة للمرضى في المستشفى الحكومي وللسجون من 1965-1972. خدم رعية سنجار من 1970- 1972 يقصدها الجمعة ويعود الأثنين. وفي 1971 كلفه الآباء الدومنيكيون بتسلم ادارة قسم الفلسفة واللاهوت لمعهد مار يوحنا الحبيب الكهنوتي في الموصل.
في 1974 قصد الجامعة الكاثوليكية في تولوز بفرنسا للتخصص في الفلسفة وعلم النفس فنال شهادة الماجستر في الفلسفة. ثم نال لاحقا شهادة الدكتورا في القانون من جامعة اللاتران بروما سنة 1998عن أطروحته الأحوال الشخصية لأهل الكتاب في الدولة الأسلامية
في ايلول 1977 تغيرت مسيرة القس ميخائيل اذ التحق للخدمة في أمانة سر البطريركية في بيروت الى جانب المثلث الرحمات البطريرك أنطون الثاني حايك. ومع ذلك استمر في عطائه بارشاد الكشاف السرياني اللبناني، وتدريس الدين المسيحي للصفوف الثانوية في مدرسة سيدة الرحمة، واعداد موعظة الأحد للكنائس السريانية لعموم لبنان. وفي 1979- 1986 عين مسجلا، ثم قاضيا في المحكمة الكنسية.
في آب 1981 منحه البطريرك حايك درجة الخوراسقفية مع انعام لبس الصليب والخاتم. وفي 1984 أسس “مركز البحوث والدراسات السريانية” بهدف احياء التراث السرياني. وفي آب 1986 انتخب مطرانا معاونا بطريركيا، واقتبل الرسامة الأسقفية في 9 تشرين الثاني باسم “يوليوس رئيس اساقفة تكريت شرفا” ليكون أحد أكثر اساقفة السريان شبابا. وبين 1989- 1990عيّن نائبا عاما على الأبرشية البطريركية في لبنان. ومذذاك رشح لمناصب او عضوية هيئات او لجان كنسية عدة منها: لجنة العلاقات المسكونية ولجنة المدارس الكاثوليكية في لبنان؛ اللجنة التنفيذية لمجلس كنائس الشرق الأوسط؛ لجنة السينودس من أجل لبنان؛ ممثلا عن الكنيسة السريانية في منظمة برو اورينتي – فيينا.
وجاء المنعطف الكبير الثالث في حياة المطران ميخائيل عندما عينه السينودس سنة 1997 معتمدا بطريركيا لدى الكرسي الرسولي، وفي نيسان 2002 عينه البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني زائرا رسوليا لسريان أوربا. وقبل أسابيع عدة فقط من وفاته كان قد عينه البابا بندكتس السادس عشر عضوا في مكتب تطويب القديسين، سيما وأن بطريركيتنا قد رفعت الى الكرسي الرسولي دعوى تطويب الشهيد المطران فلابيانس ميخائيل ملكي الذي استشهد في الحرب العالمية الأولى سنة 1915.
النشاط العلمي والثقافي الذي زاوله فقيدنا ليس بأقل أهمية من المواقع الكنسية والأدارية التي اضطلع فيها. فقد نشر مجموعة من الكتب والأبحاث، منها:
1.
كتاب تاريخ وسير كهنة السريان الكاثوليك من 1750- 1985
2.
صلوات الفرض السرياني لأيام الأسبوع البسيطة
3.
السلاسل التاريخية للمطارنة السريان الكاثوليك من 1900- 2003
4.
الأحوال الشخصية لأهل الكتاب في الدولة الأسلامية
وله كتب أخرى جاهزة للطبع أو ملفات جاهزة لمؤلفات جديدة.
ولأنشطته المتعددة الوجوه، وعلاقاته الواسعة وعلى أرفع المستويات، فقد أنعم عليه بعدة أوسمة، من ايطاليا وفرنسا والنمسا ولبنان.
لقد عشنا سوية منذ سنواتنا الأولى في المعهد الكهنوتي ثم في نطاق الحياة المشتركة لكهنة يسوع الملك في الموصل، وكنت وبقيت قريبا جدا منه، اضافة الى كوننا أبناء قرية واحدة، وانطباعي عنه في الأكليركية: تلميذ مرح، مجدّ، نظامي، وطائع، ذو صوت رخيم، ومعشره مريح ودمث. وفي الكهنوت: كاهن غيور، روحاني، سعيد، وممتلىء حيوية ونشاطا، لا يمسك نفسه عن أية خدمة يستطيع اداءها. وفي الأسقفية: رجل تحرر من حدود القولبة الى اثبات الذات، رجل علاقات واسعة وتواصل وأمانة في الصداقة، مشتغل كبير يعرف أن يسجن نفسه لساعات للفكر والكتابة، الى جانب قدرة للتاقلم والأختلاط وزرع المرح، فلا يمر طيفه بأحد دون أن يترك عبيرا منعشا ورغبة لتكرار لقائه. اليس في هذا كله شيء مما ابتغاه فقيدنا الغالي عندما اختار شعارا كهنوتيا له هذا المزمور: “صلاحا وتدبيرا وحكمة علّمني” ؟.
فاذهب بسلام يا أخا عزيزا طالما صلينا وتأملنا معا، ضحكنا وتألمنا، تسامرنا ونظرنا الى الحاضر والمستقبل سوية! “اذهب يا أخانا في طريقك ولا تحزن، فاذا فصلك الموت عنا، فالحنّان الذي اقتادك من بيننا، هو يسعدك في النور مع الأبرار، وفمك الذي صمت الان عن الخدمة، لن يهدأ من بعد بتسبحة الملائكة، ورجلاك اللتان كفّتا عن ارتياد المذابح، ستطوفان مع الصدّيقين أمام الرب”(صلاة الدفنة).
وأسمعك تجيبنا بنغمات صوتك الشجي، وبكل الرجاء الذي سكن قلبك: “امضوا بسلام يا أخوتي وأحبائي، ها قد دنت ساعة الفراق، فلا تنسوا ذكري من محبتكم. واذا تغربت عن صفوفكم، التمس منكم يا أحبائي أن تصلوا من أجلي. امضوا بسلام يا بني رتبتي”(الدفنة).
ان المطران ميخائيل الجميل ثروة كنسية وشخصية وعراقية ذات حضور متميز ومتعدد الآفاق والثراء في المجتمع وفي العالم الثقافي والفكري والكنسي، وبفقدانه خسارة فادحة لكنيستنا السريانية ولأبرشيتنا ولبخديدا. فالى أبي كنيستنا السريانية الحاضر معنا هنا، غبطة ابينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، والى الأبرشية الموصلية العزيزة المتمثلة براعيها الجليل المطران يوحنا بطرس موشي، والى بخديدا البلدة الحبيبة ومهد طفولة الفقيد الغالي ومرجع اعتزازه الدائم، والى كنيسة العراق بكل طوائفها وأحبارها، فالمطران ميخائيل الجميل كان ابن كنيسة العراق جمعاء، نرفع المواساة والتعزية. ولكم أنتم يا اخوته عبدالله وجميل، وأخواته امامة وحنة وسائر آل الجميل وآل القس توما وموشي وكل أصدقاء الفقيد ومحبيه حيثما أنتم، صلاتنا وتضامننا في الألم وتعزياتنا برجاء القيامة الذي رقد عليه حبيبكم وحبيبنا جميعا. باسم الأب والأبن والروح القدس آمين
05 02

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: