شارل دي فوكو صفحة من كتاب

صفحة من كتاب

 شارل دي فوكو ” رسول الأخوة الشاملة  ” بيروت (1968) 

شارل دي فوكو 68

شارل دي فوكو غلاف اخير

كتاب شارل دي فوكو “رسول الأخوة الشاملة ” بيروت 1968

تاليف الاب جرجس القس موسى في بيروت عام 1968. ومن منشورات

المطبعة الكاثوليكية في بيروت، بالحجم المتوسط، ويتحوي على 20 فصلا واهم

مراحل حياة الاخ شارل دي فوكو في 260 صفحة.

   الفصل التاسع عشر من الكتاب الصفحة 232

التضحية العظمى

احداث قصة مقتل الاخ شارل دي فوكو

فكر في انك ستموت شهيدا،

مسلوبا كل شيء،

ممددا على الارض،

عريانا،

مشوها،

مضرجا بالدم والجروح،

مقتولا بعنف وضراوة،

وتق الى ان يتم اليوم كل ذلك!.

                                                                    الناصرة 9 حزيران 1897

1 كانون الاول من عام 1916    صفحة 235

انها الجمعة الاولى من الشهر والاخ شارل يسوع وحيد في البرج الذي استحال اخوة من جراء الاحداث.

     نهار مليء بالمراسلات، وكأني برسول الهوجار شعر بانه الاخير من حياته فجعل يراعه يملي عليه مشاعره ويكتب باسهاب مودعا اصدقاءه واحباءه وذويه. فقد كتب صباح ذلك اليوم حاثا لويس ماسينيوس على ألا يهاب الصعاب وان يؤثر المهام التي تطالبه بالتضحية على المناصب الوثيرة المريحة ودعاه الى الاستسلام بثقة الى الله سبحانه، فهو خير مجير له على خطوط النار:

ثق بان الله سيهبك المصير الذي يمجده تعالى بالاكثر والافضل لنفسك ولنفوس الآخرين، وذلك لانك لا تني تطلب منه ذلك، وليس سواه، ولانك تريد ما يريده هو دون قيد او شرط… اقبلك كما احبك في قلب يسوع .

وكتب الى ابنة عمته رسالة مطولة يطمئنها فيها عن صحته ويشجعها على تحمل فراق ابنها جان المنخرط في الجبهة ويقول لها بان ساعات الالم هي اعذب الساعات لانها تجعلنا اكثر شبها بالمسيح المصلوب:

“ان ملاشاتنا هي افعل وسيلة لنتحد بيسوع ونعمل الخير للنفوس… عندما يستطيع المرء ان يتالم ويحب، يستطيع تحقيق الكثير…”

وكتب الى شقيقته الحبيبة معللا النفس برؤيتها عما قريب:

“ليحفظكم الله كلكم بصحة جيدة الى يوم عودتي الى فرنسا، بعد النصر: فاني آمل ان اقضي حينئذ اشهرا عديدة في فرنسا وامكث اياما ممتعة معكم، بل اسابيع”

ولكن رحيلا آخر كان ينتظر شارل دي فوكو ولم تمهله قافلة المسافرين طويلا. واليك الاحداث:

في نحو الساعة السابعة مساء كان الاخ شارل وحيدا في الاخوة بينما نزل بولس مبارك، بعد العشاء الى القرية عند امرأتنه واولاده. وكان ذلك اليوم موعد مجيء “مهاريين” عربيين لتسليم واستلام بريد الراهب الزاهد.

وبينما كان غارقا في الصلاة امام القربان يناجي ربه ويسجد له باسمه وباسم اخوانه الطوارق والعرب. وكأنه الكليم الوسيط عنهم جميعا، كانت مؤامرة دنيئة تحاك في حمى الاخوة المضياف ضد صاحبها الفقير الاعزل. وبغتة سمع الاخ شارل طرقات خفيفة على الباب الخارجي، فترك خلوته وتوجه نحو الصوت. وقبل ان يفتح سأل:

من الطارق؟

فاجابه صوت من الخارج فيه شيء من العنف والتخاذل:

انا المدني.

وما وراءك؟

اني اتيت اليك بالبريد!

كان المدني ” حراثا ” سنوسيا زنجيا وقد سبق ان احسن اليه الاخ شارل مرارا،فاطمأن الى الصوت، وفتح الباب ومد يده لاستلام الرسائل، بيد انه بدلا من ان يستلم البريد استلمه رجال اشداء مجرمون كانوا كامنين له على جانبي المدخل وسحبوه الى خارج الاخوة ثم اوثقوا يديه خلف ظهره وامروه ان يجثو على الرمل الملتهب، وجعلوه تحت حراسة صبي في الخامسة عشرة من عمره.

كانت العصابة تتكون من ثلاثين طارقيا سنوسيا آتين من حدود طرابلس الغرب ومن قبيلة معادية لقبيلة موسى اغ امستان، لا يمتون الى تامنراست او مرابطها باية صلة.

وذهب نفر منهم في اثر بولس فباغتوه في زريبته الحقيرة واقتادوه مخفورا الى المنسك واجبروه على الركوع بجانب معلمه، بينما هجم الآخرون على المنسك ليغزوه وليسطوا على الثروة التي زعموا انها في حوزةالمرابط الرومي”.

 ومكث الراهب المسكين مكتوفا الى يمين الباب، متكئأ على الحائط قليلا وهو ينظر امامه من دون حراك، ويسمع اللغط داخل الاخوة وصوت تحطيم الصناديق الخشبية والابواب وكل ما لا يقدرون على حمله. وكان المدني وزملاؤه يهنئون انفسهم على الاواني والامتعة التي استولوا عليها بخيانتهم،وظلوا مدة نصف ساعة، خالها الاب دي فوكو نصف دهر، يخرجون ويدخلون ويرقصون ويعربدون.

اما هو فظل صامتا لا يجيب الى اسئلتهم.

وتوقع النهاية!

لا شك انه كان يصلي، في تلك الاثناء، بكل قواه من اجل المعتدين عليه ومن اجل شعب افريقيا كله ليشرق عليهم جميعا نور المسيح، الشمس الحقيقية. ففي تلك اللحظات الحاسمة اصبح كل كيانه صلاة واستعد ليقدم دماءه الزكية عرفا ذكيا لمجد الله وفداء النفوس، نفوس اصدقاءه الطوارق، نفوس اخوانه المسلمين العرب، نفوس احبائه الزنوج و ” الحراثين ” والعبيد الذين من اجلهم كلهم فعل ما فعل ويقاسي اهوال هذه الساعة الرهيبة.

وبغتة انتشلت الاخ شارل من تأملاته اصوات جنونية.

فقد رأى اللصوص الرجلين العربيين المسؤولين عن البريد مقبلين على جواديهما، دون ان يعلما شيئا مما حدث، فحل الفزع في صفوف المعتدين وامطروهما بوابل من الرصاص، فقتلوهما.

وفقد الصبي ( سرمي اغ طهرا ) رشده، وظن ان رهينته سيهرب، فوضع فوهة بندقيته على صدغ الاب دي فوكو وضغط على زندها فاخترقت الرصاصة الغادرة اذنه اليمنى وخرجت من عينه اليسرى واستقرت في الحائط المجاور.

ولم يبد المرابط حراكا، على شهادة بولس، ولا صدرت منه كلمة أو أنين وظن انه لم يصب بأذى الى ان ارتمى، بعد هنيهة، جثة هامدة بالقرب من خادمه ودمه يسيل قطرة قطرة، فاصطبغت به الرمال البريئة!

انه دم ذبيحة بريئة اريق ليروي هذه الارض العطشى فتصبح خصبة للحق والعدل والسلام.

انها شهادة الدم على رمال الهوجار بعد شهادة الحياة.

وهرع حراثوا” تامنراست البررة على صوت الرصاص، ولكن بعد فوات الاوان،ووجدوا انفسهم عزلا امام رجال شرسين مدججين بالسلاح من قمة الراس الى اخمص القدمين. ولموا بولس مبارك وظنوه الخائن الذي استدرج الاب الى الخروج،فتدخل شخص يدعى محمد بن بركة وانقذه من غضبتهم.

وعاد القتلة ليلا وعاثوا بالاخوة فسادا واستسلموا للشرب والعربدة من جديد وقد نحروا ناقة احد عمال البريد العرب بعد ان قتلوه، وكانوا يشوون لحمها ويأكلون حتى الفجر.

اما جثة الاب دي فوكو فألقيت في الخندق.

وفي الصباح الباكر اقبل مهري عربي آخر، يجهل ما حدث، وفي مزوده رسائل للاب دي فوكو، فأراداه المجرمون قتيلا بدوره ثم حملوا غنائمهم وعادوا الى ديارهم باسرع مما اتوا.

وعند الضحى، ورغم ممانعة القتلة، حمل بولس مبارك جثة ابيه الروحي، وعاونه مزارعو تامنراست، ودفنوها في حفرة بجوار الاخوة، بينما واروا التراب الرجال الثلاثة ايضا بالقرب من مثوى الاب دي فو كو.

واسرع بولس المسكين الى برج موتلنسكي واخبر النقيب دي لاروش بالحادثة المؤلمة.فهرع هذا الى تامنراست ووضع صليبا فوق لحد الاخ شارل يسوع، ودخل المنسك فألفى الفوضى تعم الغرف والمكتب حيث الاوراق مبعثرة والكتب ممزقة، وفي المعبد الذي شهد أسمى مشاعر الاخ الشامل، لاحظ النقيب شعاع القربان ملقى على الحضيض وممرغا بالتراب، منذ الحادثو المشؤومة، كما القي صاحبه على الرمال من دون نصير او معين. وجثا العسكري باحترام بالغ على رمل المعبد وحمل القربانة المقدسة بقفاز ابيض ناصع لم يلبسه من قبل وناول البرشانة الطاهرة لأحد الجنود الاتقياء.

وما ان سمع الامينوكال موسى بمصرع صديقه العظيم حتى اسودت الدنيا في عينيه واحتدم غيضا على قاتليه، فكتب الى شقيقته السيدة دي بليك بتاريخ 26 ك1 1916 معزيا اياها بهذا المصاب الاليم:

لما سمعت نبأ موت صديقنا، اخيك شارل، اغمضت عيني واسودت الدنيا بوجهي فأجهشت بالبكاء وسال دمعي مدرارا وغمرني حزن كبير. ان موته آلمني كثيرا... ليرحمه الله. وانشاء الله سنتلاقى معه في الجنة

يا لسمو المشاعر ونبل الصداقة ورسوخ الاعتقاد بقداسة سيرة المرابط النصراني الذي يأمل الامينوكال المسلم الوفي ان يلقاه في الجنة. ففي هذه الكلمات الاخيرة صدى لما ردده الاخ الصغير مرارا في حياته: ” اللهم، اجعل جميع البشر يصلون الى الجنة

+ + + + + + + + +

ان معاني موت الاخ شارل يسوع بعيدة المدى وما هي الا صورة لرسالة حياته.

انه لم يمت كجندي في ساحة الحرب، بل كذبيحة، من دون مقاومة.

انه لم يمت كشهيد، اذ لم يجبر على انكار دينه المسيحي، ولا قتل لكونه مسيحيا.

فلو مات شهيدا لايمانه المسيحي لكانت ميتته صفعة لصداقته مع اخوانه المسلمين، الطوارق والعرب، ولموسى نفسه.

ففي الواقع مات الاخ شارل يسوع كما عاش، مضحيا بذاته، بصمت، باسم الاخوة الانسانية الشاملة التي تجمع بين القلوب مهما كانت معتقداتها وتؤالف بين عبيد الله مهما كانت طرقهم، لان طريق الله واحد: طريق الحب، فالله محبة.

لذا احبه الجميع في حياته،

وبكاه المسلمون والمسيحيون في مماته

+ + + + + + + + +

هذه الكلمات قالها شارل دي فوكو في تاملاته في الناصرة يوم 9 حزيران 1897 م اي قبل تسعة عشر عاما من مقتله في الجزائر على يد فتى جزائري  

  من كتاب شارل دي فوكو

 رسول الاخوة الشاملة

تأليف الاب جرجس القس موسى 

بيروت1968

احداث قصة مقتل الاخ شارل دي فوكو

شارل دي فوكو -طبعة2 كتاب شارل دي فوكو(الطبعة الثانية 1992)

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s