Posted by: abu faadii | 2013/09/11

أقدم حياتي من أجل السلام في العراق2005

مقابلة على تلفزيون النور/ تيلي لميير

مقابلة سيادة المطران الفاضل مار باسيليوس جرجس القس موسى

 يوم 8/12/2005

على تلفزيون النور/تيلي لميير 

تحدث عن مواقف من حياته الطفولة، الشباب، الرهبنة ثم الكهنوت والعمل مع كهنة يسوع الملك وتاسيس مجلة الفكر المسيحي، كتاباته ورغبته للكتابة للشباب وتشجيعهم نحو بناء المستقبل المشرق ومسيرته الان وهو اسقف ومسؤلياته نحو رعية من اكابر ابرشيات السريان وكانت عملية اختطافه وعودته الى رعيته وشعبه ومحبيه خبرة فريدة وجديدة من خبرات الحياة ومحطة من محطات حياته المتميزة بالصمود والايمان بالمسيح المخلص وهو القائل للخاطفين

اقدم حياتي من اجل السلام والامان في العراق لكي يعيش جميع ابنائه، مسيحيين ومسلمين سوية في سلام وامان ويضعوا ايديهم بايدي بعض ويبنوا هذا البلد معا لان هذا الشعب يستحق الحياة

لنشاهد ونسمع سيادته يتحدث لنا بهدوء وببساطة.

شهادة

عن حادثة الأختطاف التي تعرض لها المطران جرجس القس موسى

يوم الأثنين 17/1/2005 واطلاق سراحه في اليوم التالي الثلاثاء 18/1/2005

**  أقدم حياتي من أجل السلام في العراق *

ككل عراقي يمر بهذه الظروف الحرجة، كنت أتوقع أو أضع في حساباتي أن يحدث شيء لنا. وها قد حدث : هذا ما فكرت به عندما أرغمت على الصعود الى صندوق سيارة خاطفيّ مساء 17 ك2 2005 بأمر رجلين مسلحين خطفاني بعنف، بينما كنت خارجا من زيارة راعوية في حوالي الساعة الخامسة عصرا، في منطقة كنيسة البشارة في حي المهندسين بالموصل.

لقد ظننت في سذاجتي أنني بعد استيضاحات معينة لربما سيطلقون سراحي. سيما وان أحد الخاطفين، هذا الذي صوّب اليّ مسدسه مهددا بقتلي إن لم أذعن، لدى اختطافي قبل لحظات، كان قد قال لي بأنني سأخضع لاستجواب، وإذا ما ظهر أنني لست الشخص المطلوب، فسيدعونني وشأني. ولكن عندما ربطوا رجليّ ويديّ وعينيّ وفمي، وأفرغوا جيوبي، وتركوني هكذا وحدي طوال الليل ملقى على الأرض في غرفة واسعة باردة، مع تهديد بأن مصيري سيكون الذبح.. صرت أتوقع كل شيء.. ووضعت أمامي أسوأ الأحتمالات. وفيما كان يشدّ يديّ ورجليّ،

استذكرت بصورة عفوية المزمور الذي نتلوه كل يوم لدى تقدمة القداس :”كحمل سيق الى الذبح، وكنعجة أمام الجزاز كان صامتا”. وأخذت أستذكر المزامير الملائمة طوال الليل. وكان جوهر صلاتي طيلة الليل: يا الهي ألتمس منك ثلاثة أشياء : طاقة التحمل؛ النفس الطويل مع الرجاء؛ وأن أبقى هادئا الى الأخير. ولتكن مشيئتك . ورددت عدة مرات صلاة الأستسلام للأب دي فوكو، التي نتلوها نحن كهنة يسوع الملك كل يوم (يا أبت اني أسلم لك ذاتي، فافعل بي ما تشاء ..).

في اليوم التالي منذ الصباح الباكر، أخذوني من جديد في صندوق السيارة ونقلوني الى مكان تهيأ لي أنه دار ريفية. وهنا أيضا، أقعدوني أرضا ووثقوا يديّ ورجليّ بسلسلة معدنية، هذه المرة، وهددني مرافقي من جديد بالذبح، وأخذ ينفّذ خطته إذ جلس ورائي وأمسك رأسي بشيء من القوة وضغط بالسكين فعلا على عنقي، ووضع إناء أمامي للدم، وقال : “باسم الله”، كما يقولون عندما يذبحون دجاجة أو خروفا. وعندما رأيته مصرّا طلبت إليه، إذا لم يكن له بديل آخر، أن يسمح لي أن أصلي. فرفع السكين عني وتركني أصلي. فصليت بصوت عال : “يا رب، بين يديك أستودع روحي. أقبلني برحمتك. أغفر خطاياي. ولتكن مشيئتك”.

ثم قال لي الرجل اذا لم يكن لي شيء خاص أقوله لأهلي. فأجبته : نعم. – ما هو ؟ فقلت بصوت جهور أيضا : “أقدم حياتي من أجل السلام والأمان في العراق، لكي يعيش جميع أبنائه، مسيحيين ومسلمين، سوية في سلام وأمان، ويضعوا أيديهم بأيدي بعضهم ويبنوا هذا البلد معا، لأن هذا الشعب يستحق الحياة” وسكت

– أليس لك شيء آخر ؟

– كلا.

_ ألا تخاف ؟

– لا… لم أفعل ما يستوجب الخوف. وأضفت : … إذا لم يكن لديك حلّ آخر!

وعاد ليضغط بسكينه على عنقي. وعندما رأى أنني باق على هدوئي ولم أتحرك، رفع سكينه وابتعد عني قائلا:

_ لا … كلامك جيد . الأفضل أن نكسبك !

فجلس قبالتي على طبلة حديدية قائلا :

_ أتعرف لماذا لا نذبحك ؟ لأننا إذا ذبحناك ماذا سيحدث؟ سيوضع هذا المشهد على قرص. وأين سيذهب القرص؟ الى قناة الجزيرة.. ما معنى الجزيرة ؟ معناه أن آلاف الناس سيرون هذا المشهد _ وكان يلقي الأسئلة ويجيب عليها هو بنفسه، وأنا أصغي _ هذا المشهد لا نريد أن يراه المسيحيون، لأن لنا صلات بهم. وهنا تدخلت وأتممت الجملة بهدوء : ولأن بيننا خبز وملح، ولأن مصيرنا مشترك، وإننا شركاء في هذه الأرض التي هي أمنا جميعا!

 

وفجأة سألني : ما هو رأيك بالمجاهدين ؟

فأجبته بهدوء : إذا كان الجهاد في سبيل الله، فكلنا مجاهدون في سبيل الله. وإذا كان الجهاد في سبيل الوطن، فالأرض أرضنا والغريب يجب أن يغادر. ولكن كل واحد بأسلوبه الخاص…

ثم لحقت ذلك مناقشة متقطعة، هادئة من طرفي، ومفروضة عليه الى حدّ ما، حول صبر الله على الإنسان ليكسبه للتوبة، حول الضمير، ومعنى البتولية الكهنوتية والرهبانية، حول الأمانة الزوجية، ومعنى الحب الحقيقي بين الرجل والمرأة وأبعاد الجنس بين الزوجين كشهادة للحب، حول التربية في العائلة، حول البنوّة الإلهية للمسيح، بنوّة روحية لا جسدية… الخ. وكنت أنا الذي أثير هذه الفكرة أو تلك  انطلاقا من سؤال يطرحه. لم يبد لي مهتما بما أقول، ولكنه كان يصغي.

وفي هذه الأثناء كنت أعدّ نفسي لتبدلات في مزاجه. أما أنا فكنت أتهيأ لأمكانية التنفيذ الفعلي لتهديداته ولنهاية مأساوية. وكان الأمل الوحيد الذي بقي هو الزيارة المرتقبة “لأميرهم” كما أدلى مرافقي. وعلى الأرجح ستحكم “الشريعة”، كما قال، بالذبح، إذ لا فرق بين مسيحي ومسلم ورجل دين وغيره. وهذا عائد الى حكم “الأمير” وحده. وجاء “الأمير” أخيرا في نحو الساعة 11 ظهرا. وقبل وصوله كانوا قد عصبوا عينيّ من جديد.

وبادرني “الأمير” حال دخوله بقوله :

_لماذا كل الفضائيات مهتمة بك. وحتى هذا البابا يوحنا بولس يطالب بك!

في الحقيقة لقد ارتحت كثيرا في داخلي لهذا الخبر الأخير. فأجبته : أشكركم!

ثم كرر “الأمير” تهمتهم الأعتيادية “بالتعاون مع الأميركان” التي بدت لي مجرد قول لا بدّ أن يقال، وقد قالها بنبرة لا تنمّ عن قناعة. وبعد محادثة قصيرة مع “الأمير” حول هويتي وموقعي ومواقفي، أصدر أوامره بأن تعاد اليّ أشيائي وأن يعطوني التلفون النقال “ليتصل بأهله ويطمئنهم برجوعه”. في الواقع لم أطمئن. ومع ذلك أعادوا اليّ الخاتم الأسقفي وصليب الصدر ووضعهما لي مرافقي الأول نفسه بينما كانت عيوني لا تزال معصوبة. أما أنا، فما عدا الأحاديث المتقطعة التي كنت أتبادلها مع مرافقي، عندما يكون جالسا أمامي، فقد قضيت الوقت في الصلاة. وكنت في هذا اليوم الثاني من اختطافي أصلي من أجل الذين يصلون من أجلي. لأني كنت أتخيّل مؤمنين كثيرين وأصدقاء يصلون لأجلي في أنحاء العالم أجمع. وما سمعته عن ذلك بعد عودتي كان أكثر مما توقعت وتصورت.

وكانت قد جرت محادثات عبر “النقال”، على اقتراح من عندي، منذ الصباح بعد نقلي الى الموقع الجديد، بين خاطفيّ وكهنة المطرانية. وفي مكالمة تلفونية بين الخاطف و”الأمير” ، قبل مجيئه، كان قد تم الأتفاق أن يكون تحريري في الساعة 3 عصرا، ثم صار في الواحدة ظهرا لأسباب تتعلق بمواعيدهم. في الواقع أعادوني في 30و12 . ولكني كنت في الوقت عينه أفكر باحتمالين : أن يعيدوني مقتولا ومذبوحا (فلقد فعلوا ذلك مع غيري قبلي)، أو أن يعيدوني حيا حقا ويتركوني في موضع ما.

ولم أصدق بحقيقة تحريري إلا عندما وضعت رجليّ على الأرض، بعد أن أنزلوني في شارع مكشوف، وراء أحد الجوامع، بحسب الأتفاق.

وشعرت بالغربة في هذا الشارع الذي لم يكن فارغا تماما ولم أتعرف عليه لأول وهلة. فأخذت تاكسي متوجها الى دير في طارف المدينة للراهبات، حيث استدنت 1000 دينار من الحارس لأدفع أجرة التاكسي، لأنهم كانوا قد أفرغوا محفظتي مما كان فيها، الا مئة دينار فقط. وفي أثناء الطريق، اذ كنت متوجها الى الراهبات، سمعت راديو السيارة يعطي موجز الأنباء الأخير وهو يقول : “اختطاف المطران جرجس القس موسى في الموصل”. لم يكن مناسبا أن أعلن هويتي للسائق. وكان ذلك بعد أقل من 24 ساعة من اختطافي.

لماذا كل هذه القصة؟ لماذا كل هذه المأساة ؟

حتى الآن لا جواب لي على هذا السؤال. هل كانوا حقا يلاحقونني منذ أسبوع، كما قالوا؟ تهمة التعاون، على ما هي عليه من خطأ تام، هل كانوا جادين فيها؟ بل كنت أشعر أنهم يرددونها من دون قناعة، وفي كل الأحوال من دون أي استناد واقعي، ولا حتى إلحاح! هل كانوا يعرفون حقا من أكون؟ هل كانوا حقا يستهدفون إرهاب المسيحيين أكثر، ودفعهم الى مغادرة البلاد؟ هل كانوا مدفوعين بعوامل دينية متطرفة؟ لم ألاحظ شيئا على الجدران يوحي الى أية رموز دينية إسلامية. هل كانت صدفة أن أقع أنا في فخّهم؟ هل كانت ثمة دوافع سياسية؟ ما هي؟ فهم لم يحمّلوني أية رسالة. أن يكون في العراق تيارات أصولية إسلامية متطرفة حاقدة ضد كل ما ليس إسلاميا وأصوليا، هذا أمر لا شك فيه. وأن يكون هذا التيار، أو غيره ممن هم أقل تعصبا، قد خلطوا خطأ وظلما بين المسيحيين والأميركان، هذا أيضا أمر ممكن. ولكن من هنا الى المساس برموز دينية مسيحية رفيعة المستوى.. فهذه سابقة لم تحدث حتى الآن !

ان ما هو أكيد هو : لو انتهت القضية على سوء، أو طال أمدها، فلكانت قد ولّدت نتائج مدمّرة بالنسبة الى مسيحيي العراق. لكانت معنوياتهم هبطت الى الحضيض، ولفقدوا اتجاهاتهم، وأصيبوا بالرعب الذي يدفعهم الى هجرة مكثفة ومأساوية بالنسبة الى مستقبل حضورهم في هذا البلد . مع انه بلدنا قبل مجيء الإسلام في القرن السابع. الحمد لله أن القضية انتهت على هذا النحو، كما قال قداسة البابا يوحنا بولس الثاني لدى سماعه نبأ إطلاق سراحي بعد النداء المدوي الذي أطلقه فهز الكرة الأرضية هزّا. وبذلك صار العكس إذ ارتفعت المعنويات والأعتزاز عند المسيحيين، وعند أصدقائنا المسلمين أيضا، على السواء.

أما تحريري في حدّ ذاته، ومن وجهة نظري، فأعزيه الى قدرة الصلاة، والى قوة نداء البابا وهذا التكثيف الإعلامي العالمي الخارق والسريع. هل كان ثمة معجزة؟ ما هي العوامل التي لعبت دورها حقا لدى الخاطفين؟ الله وحده يعلم!

فمع شكري العميق لله، أضيف : ها هي خبرة جديدة رائعة وغير منتظرة أبدا عشتها وسأضيفها الى خبرات حياتي الأخرى. وإزاء حملة التضامن العالمي، والتكثيف الإعلامي حول كنيسة العراق، وتاريخها، ومصيرها، وتوحد قلوب المسيحيين حول هذه القضية بعفوية وصدق رائعين، داخل العراق وفي الشتات.. أقول أجل، إزاء كل هذا.. جاءت الخبرة في مكانها!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: