Posted by: abu faadii | 2013/09/11

قصة اختطاف وإطلاق سراح(تفاصيل القصة كاملة)2005

أقدم حياتي من اجل السلام في العراق

قصة اختطاف وإطلاق سراح

المطران باسيبيوس جرجس القس موسى

مساء الاثنين 17/1/2005 إلى ظهر يوم الثلاثاء 18/1/2005.

(تفاصيل القصة كاملة)

أقدم حياتي من اجل السلام في العراق

1. كنت في زيارة راعوية لعائلتين من أبناء الأبرشية في جوار كنيسة سيدة البشارة، في حي المهندسين (المجموعة )، الجانب الأيسر من مدينة الموصل. وكان معي سائق المطرانية أكرم جوزيف شفو وحده. الزيارة الأولى زيارة تعزية في شارع كنيسة سيدة البشارة. أما الزيارة الثانية، فكانت لعائلة أخرى بمناسبة تكريس بيتهم الجديد، في المنطقة. فصلينا وكرسنا البيت وخرجت من عندهم في الساعة الخامسة وخمس دقائق. ولاحظت في شيء من الارتياح بان النهارلا يزال مضيئا، إذ قد طال النهار. ومع ذلك قلت للسائق بداعي الحيطة والحذر بسبب الأوضاع الشاذة في المدينة:

أكرم! لنعد إلى المطرانية. وكان اليوم الاثنين 17 كانون الثاني 2..5.

وبعد خطوات من البيت في الشارع الفرعي، وفي نقطة شبه ميتة، إذا بسيارة صغيرة بيضاء اللون واقفة في عرض الشارع. فنزل منها شخصان نحونا بارتباك، وأشهر احدهم علينا السلاح (مسدس يدوي)، وأمرني بتشنج أن انزل من السيارة. فأنزلت الزجاج وقلت له بهدوء:

أخي، لعلك متوهم، أنا مطران، رئيس طائفة!

فتجهم بالأكثر وتوتر بغاية إنهاء مهمته بسرعة قبل انكشاف الأمر، وصرخ بي مصوبا مسدسه إلي:

انزل بسرعة، وإلا قتلتك (وكانت لهجة عربية من إطراف الموصل).

أخي، أقول لك أنا مطران.

استعجل. اسكت. هناك تحقيق عليك! اصعد إلى الصندوق.. بسرعة!

وقادني المسلح بتشنج ومسدسه مصوب على راسي طيلة اللحظات. فرضخت للأمر، وصعدت إلى صندوق السيارة بتردد. وكان الرجل متوسط القامة، ممتلئ الجسم بعض الشيء.

ولاحظت أثناء هذا الأخذ والرد السريع ثلاث سيارات مدنية فيها عوائل، وكانت لا شك عائدة إلى بيوتها، وقد لاحظت ارتباكها قبل صعودي إلى الصندوق.

أما مشاعري وأنا في الصندوق فكانت:

ما كان متوقعا أو محتملا أن يحدث، ها قد حدث! يا رب اجعل نهاية حسنة لهذا الحدث واعني. أعطني أن أقول الكلام المناسب، فلا تسوء الأمور أكثر.

وفيما انأ أفكر بالجانب الاعتباري لوضعي في الصندوق، فكرت بان أكرم سينقل

الحدث أول الأمر إلى الأب بطرس موشي، النائب العام، وستبدأ الاتصالات في سيناريو أصبحنا نعرفه. ومددت يدي إلى جيبي لأفتح التلفون النقال على الأب بطرس، ولكن الجهاز لم يعمل داخل الصندوق. ثم أخذت الكالوت الأسقفي الأحمر من راسي ووضعته في جيبي.

2. قادوني إلى بيت وصلناه بعد حوالي عشر دقائق. وقبل فتح الصندوق، سمعت إننا دخلنا كراجا. وسمعت احدهم يسال:

شرس، مو شرس؟

هل كان يتحدث معي، أم مع غيري؟ فأجبت من داخل الصندوق:

لا اخوي، مو شرس!

ففتح الصندوق على مهل، ورأيت رجلين على راسي: الأول المسلح الذي اختطفني، وآخر اسمر اللون، وبيده هو الآخر مسدس مصوب نحوي، وأمرني بالنزول بنبرة عنيفة. وقبل أن انزل، قلت لهم بهدوء:

اخوي. لا يحتاج الأمر إلى العنف. اسألوني ما اردتم. ولنجلس سوية للتفاهم.

اسكت. انزل. لنا معك تحقيق. لقد جاءنا اسم قس. فإذا لم تكن أنت

المطلوب احبك من راسك وتعود!

وكان القائل هو الذي اختطفني في الشارع. أما الشخص الجديد الأسمر فكانت

لهجته اقسي وبقي مشهرا مسدسه نحوي:

انزل. إذا لم تكن أنت المطلوب، تروح تولي!

فنزلت من الصندوق وكأني في أحداث حلم أو فلم كاوبوي. وبقي هذا الأسمر معي، وهو الذي سيبقى إلى الأخير.وامسك بذراعي اليسرى بغير عنف وقادني إلى البيت. ولاحظت بدهشة علما عراقيا فوق المبنى، كما لاحظت إن كاشي طارمة المدخل مغبرة وعتيقة، وكان البيت غير مسكون. وقبل الدخول لاحظت في الطرف الآخر من الشارع شرفات مجموعة من الشقق الفقيرة.

ودخلنا حجرة تشبه دائرة رسمية مهجورة بمكتبها الحديدي في الصدر وستائرها

المسدلة، والأرض المفروشة بكاربت قديم. فقلت له بشيء من السذاجة:

تفضل أخي، نجلس ونتفاهم!

أنت تسكت. ولا تتكلم. قبل كل شيء، التعليمات هي أن تفرغ جيوبك.

وافرغ جيوبي فعلا من كل شيء: المحفظة. دفتر الملاحظات. المفاتيح. القلم. الموبايل. منديل الجيب. خاتم الأصبع والصليب. ولكني لم اقل شيئا عن الصليب الذهبي الصغير الذي تحت الثياب. وفيما كان يأخذ هذه الحاجيات، نطق بالتهمة:

أنت تتعاون مع الامريكان!

فابتسمت ورديت التهمة بالاستغراب وبان هذا الأمر بعيد تماما عن الصحة:

اسألوا عن مواقفنا كل من أردتم، من مسيحيين ومسلمين، في المدينة للتأكد من مواقفي.

ما اسمك؟

المطران جرجس القس موسى

ما معنى مطران؟

رئيس طائفة

رئيس طائفة  وتتعاون مع الامريكان؟

3. لم يفد ذلك كله، بل استمر في تنفيذ ما رسمه:

تعال إلى هنا. مد يديك.

منذ أسبوع ونحن نراقبك!

فمددت يدي بصمت وابتسامة خفيفة لا تخفي المرارة. فأوثق يدي، ثم رجلي، ثم عيني. لقد ظننت في سذاجتي إنني بعد استيضاحات معينة لربما سيطلقون سراحي.

سيما وان احد الخاطفين، هذا الذي صوب إلي مسدسه مهددا بقتلي إن لم أذعن، لدى اختطافي قبل لحظات، كان قد قال لي بأنني سأخضع لاستجواب، وإذا ما ظهر إنني لست الشخص المطلوب، فسيدعونني وشاني. ولكن عندما ربطوا رجلي ويدي وعيني وفمي، وافرغوا جيوبي، وتركوني هكذا وحدي طوال الليل ملقى على الأرض في غرفة واسعة باردة، مع تهديد بان مصيري سيكون الذبح.. صرت أتوقع كل شيء.. ووضعت أمامي أسوأ الأحتمالات. وفيما كان يشدّ يديّ ورجليّ، استذكرت بصورة عفوية المزمور الذي نتلوه كل يوم لدى تقدمة القداس:

“كحمل سيق إلى الذبح، وكنعجة أمام الجزار كان صامتا”.

وأخذت أستذكر المزامير الملائمة طوال الليل. وكان قد دس ما يشبه الوسادة تحت راسي. وقبل أن يغادرني قال:

مطران. أنت عليك الذبح!

لقد أطلقت الكلمة! لم تفزعني. ولكني وضعتها بالممكنات. ولما أجبته ببعد التهمة عن الواقع تماما، سمعته يمزق خرقة، فأحسست أنها ستكون تعصب فمي. وهذا ما فعله وخرج وهو يقول:

لا تتحرك حتى يأتي الأمير وهو الذي سيصدر الحكم عليك.

4. وبقيت ملقى على الأرض بهذا الشكل وأنا أصلي. ومع تقدم الليل والعتمة كنت أتعمق في الصلاة والثقة والهدوء. وبهذا الهدوء تسلمت نفسي بيد الله مهما تكن النتيجة، حتى النهاية. وقضيت الليل كله في استذكار المزامير وتلاوة صلاة الاستسلام للأخ شارل التي نتلوها، نحن كهنة يسوع الملك، كل يوم

(أبت إني أسلم لك ذاتي.. افعل بي ما تشاء..).

وكان محور صلاتي:

يا الهي ألتمس منك ثلاثة أشياء: طاقة التحمل؛ النفس الطويل مع الرجاء؛ وأن أبقى هادئا إلى الأخير. ولتكن مشيئتك.

وكنت مع عمق الليل، اسمع صوت الآليات في الشوارع القريبة وصوت إطلاق نار أو تفجيرات، وقد تجمدت من البرد وأنا ملقى على الأرض دون حراك. لم يأتني احد قط طوال الليل.

وتعرضت لحرج أدبي في الطبيعة، وبسبب البرد الذي قرسني، زاد إفراز الجسم إلى حد المضايقة، وانتظرت أن يجيئني احد لالتمس منه الذهاب إلى المغاسل. فلم يأتني احد. فاضطررت إلى القرار، وحاولت الزحف إلى أمام، وأنا موثوق، لابتعد قليلا عن موقع نومي. وأعطيت الطبيعة ندائها عن مضض وذلك ثلاث مرات أو أربع حتى الصباح. وأنا اشعر، لا فقط بالحرج من نفسي، ولكن بابتلال ثيابي وحتى معطفي الخارجي.

5. وجاء أذان الفجر. فقدرت الوقت بحوالي الساعة الخامسة فجرا. وفي ما حسبته حدود الساعة السابعة صباحا أو بعدها بقليل، شعرت بالباب يفتح، وصوت صاحبي يقول: مطران كاعد، نايم؟

فأجبته وفمي معصوب: صباح الخير!

قال: من فتح رباط فمك؟

كانت عباراتي غير مفهومة تماما بسبب الخرقة التي على فمي. فجاء وفكها. وقال:  ماذا تريد؟

فأجبته: صباح الخير!

فاضطر إلى الإجابة على  التحية. ثم قال وهو واقف على راسي:  يبدو  أن  لا شيء عليك!

شكرا. الله يحفظكم!

فحل رباط رجلي. ثم أمرني بالوقوف. ومد ذراعه نحوي، واستندت عليه

وقمت متجمدا متكسرا. ثم فتح عصابة عيني. وامسكني بيدي. ولما خرجنا إلى الشرفة، صار ينظر يمينا ويسارا واقتادني إلى السيارة، وبالطريقة ذاتها، أي في صندوق السيارة. وبينما نحن خارجون سألني إذا ما كنت جائعا. فلم اجب. ثم قال:  كيف كانت ليلتك؟

فلم اجب أيضا. فقال للفور: أكيد ليلة من العمر!!

فأجبته بنبرة الدعابة المرة ذاتها: هذا صحيح!!

وذهب بي في السيارة إلى ما تهيأ لي انه خارج المدينة، وأحسست بذلك من سماعي أبواق السيارات ثم اختفائها. ثم أخذنا طريقا ترابيا حيث شعرت إننا اجتزنا حفرا ومياها راكدة وعطلت السيارة، وانطفأ محركها في مطبة طينية.

وبعد حوالي نصف ساعة. وسمعته يفتح باب الكراج وندخل. وسمعت أصوات صبية وأمهات. ولما خفتت الأصوات وتلاشت فتح باب الصندوق واقتادني من يدي كما فعل البارحة إلى داخل الدارعبرالمطبخ – مطبخ ذي أثاث ريفية اعتيادية جدا.

–وفي الهول الداخلي أشار إلى المرافق– وكنت قد طلبت إليه قضاء حاجتي منذ الصباح في البيت الأول– وحل يدي. بعدها أدخلني الغرفة الداخلية حيث قضيت صباح اليوم التالي للاختطاف، 18/1/2005.

6. وهنا بدا الفصل الأقسى. أجلسني على طرحة بسيطة على الأرض. وربط يديّ ورجليّ من جديد، ولكن بسلسلة معدنية هذه المرة وبقفلين، الواحد للأرجل والآخر للأيدي. ومع بقائي هادئا تماما، حاولت التحدث إليه كانسان اعتيادي لإقناعه ببراءتي ولتحريك مشاعره. وتجولت بنظري في الغرفة:

لا شيء يوحي بالخصوصية. لا صورة نبي، ولا ولي، ولا كتابة أو أية أو علامة تشير إلى أن هؤلاء الناس لهم اهتمام ديني. بضعة مطارح أسفنجية مغلفة بالقماش، مطوية. هيئة الدار ريفية بسيطة. حتى الكهرباء يبدو غير مكتمل. وكانت الستارة مسدلة لا تسمح بالرؤيا إلى الخارج. لا كرسي. لا طاولة. ورفيقي نفسه سحب طبلة حديدية واطئة وجلس قبالتي قريبا جدا وهو يردد عبارته الثابتة:

مطران معك لا يفيد أي شيء. عليك الذبح! وستذبح مثل الخروف بعد قليل.

فلم اعر اهتماما لقوله. بل طلبت إليه أن يجلي تجاهي لنتحدث:

ماذا؟ أنت محكوم عليك بالذبح. وأنا لست سوى المنفذ. الأمير هو الذي حكم

عليك بالذبح. سنذبحك وسنلقي بجثتك. نحن ذباحون. كم ذبحنا من جماعتكم!

في الحقيقة أخذت كلامه الناشف على محمل الجد. فلقد ذبحوا حقا كثيرين.

وقلت في قلبي:

لربما ستكون النهاية بهذا الشكل! ما حدث لغيري يمكن أن يحدث لي. لتكن مشيئتك يا رب.

وكنت امني النفس باني سأستطيع المماطلة معه بعض الوقت، حين قام فجأة وعاد إلي مع سكين مطبخ كبيرة ووضعها على حافة الطاولة التي كان جالسا عليها. فتذكرت ما سمعته من القصص المشابهة. ثم ذهب ثانية وجلب اناء. فقلت في نفسي إن تلك أساليب للتخويف والترهيب.

الأمير حكم عليك بالذبح فقط. لا فدية ولا مساومة. فالشرع لا يفرق بين

مسلم ومسيحي، بين رجل دين أو غيره إذا ثبت ذنبه. ونحن نذبح. وأنت مصيرك الذبح كالخروف.

وبينما كنت أحاول الحديث معه بهدوء وإنسانية وابتسم قليلا لأخفف عني وعنه، بادرني مرة أو مرتين بشيء من الخشونة:

لا تضحك. الأمر بالغ الخطورة.

7-  وتفأجات إذ قام من مكانه وجلس ورائي وامسك راسي بيده اليسرى بشيء

من العنف والسكين بيده اليمنى. ثم سحب الإناء وأمال راسي بعد أن فتح أزرار رقبتي. ثم غرز السكين في رقبتي قائلا:

“باسم الله”،

كما يفعلون عندما يذبحون دجاجة أو خروفا. وكنت ساكتا أصلي بكل هدوء واستسلام شاعرا إن النهاية قد تكون قريبة واطلب العون من الرب.في تلك اللحظات غاب كل شيء عن اهتمامي ووضعت أمامي ما هو جوهري في الحياة:

لقاء الرب والإيمان. واضعا الاحتمالين في فكري:

الذبح الفعلي، وإمكانية تراجعه. ولما كان يدفع بالسكين أكثر في لحمي وانأ ساكت وعيناي مغمضتان ومن دون أية مقاومة، قال بنيرة جادة وكأنه يتهيأ لذبح دجاجة:     وعندما رأيته مصرّا طلبت إليه، إذا لم يكن له بديل آخر، أن يسمح لي أن أصلي. فرفع سكينه عني. ومن دون أن افتح عيني صليت بصوت عال، برغبة أن يسمع:

“يا رب، بين يديك أسلم حياتي. أقبلني برحمتك. أغفر خطاياي واسندني. ولتكن

مشيئتك”. وسكت.

8-  أليس لك كلمة أخيرة تقولها لأهلك؟

قلت: نعم.

قال: ما هي؟

فقلت:  فقلت بصوت جهور وبهدوء تام، مغمض العينين:

“أقدم تضحية حياتي من أجل السلام والأمان في العراق، لكي يعيش جميع أبنائه،

مسيحيين ومسلمين، سوية في سلام وأمان، ويضعوا أيديهم بأيدي بعضهم ويبنوا

هذا البلد معا، لأن هذا الشعب يستحق الحياة”

وسكت.

–  أليس لك شيء آخر؟

–  كلا.

–  كلام خاص لأهلك. لجماعتك؟

–  لا ليس لي شيء آخر

فأعاد سكينه إلى رقبتي قائلا: سأذبحك. سيسقط راسك هنا وجسمك هناك. مثل الطلي.

اترك الأمر لوجدانك وذمتك. أنا الآن في ذمتك!

ألا تخاف؟

لا. لم أفعل ما يستوجب الخوف. وأضفت:

إذا لم يكن لديك حلّ آخر! لتكن إرادة الله.

وعاد ليضغط بسكينه على عنقي. وعندما رأى أنني على هدوئي ولم أتحرك، رفع

سكينه وابتعد عني قائلا: 

لا… كلامك جيد…يبدو انك لست من هؤلاء.

ثم نهض من ورائي بقامته، وشعرت بان كابوسا قد أزيح. وكان شعوري بين

السلام الداخلي العميق والطمأنينة التي لا تستبعد عودة تأزم الموقف. وجلس من

جديد قبالتي على الطبلة وقال:

أتعرف لماذا لا نذبحك؟ لأننا إذا ذبحناك، ماذا سيحدث؟ سيوضع المشهد على

قرص. أين سيذهب القرص؟ إلى قناة الجزيرة. ما معنى الجزيرة؟ معناه أن آلافا

الناس سيرون هذا المشهد.

وكان يلقي أسئلته ويجيب عليها بنفسه.وأنا أصغي. ثم استطرد قائلا:

هذا المشهد لا نريد أن يراه المسيحيون… قس… مطران يذبح… لأن

بيننا اخذ وعطاء…

وهنا دخلت على الخط.. وأتممت الجملة بهدوء: … ولأن بيننا خبز وملح،

لأن مصيرنا مشترك، وإننا شركاء في هذه الأرض التي هي أمنا جميعا.

9 –  وهنا اخذ الحديث منحى آخر:

لماذا نخسرك؟ لماذا لا نكسبك؟ ما هو رأيك بالمجاهدين؟

فأجبته بكل تأن وهدوء:

إذا كان الجهاد في سبيل الله، فكلنا مجاهدون في سبيل الله. وإذا كان الجهاد في سبيل الوطن، فالأرض أرضنا والغريب يجب أن يغادر…

ولكن كل واحد بأسلوبه الخاص.

فأجاب: هذا مجرد كلام!.. بكم تدعم المجاهدين؟

هنا أحسست بأننا وصلنا بيت القصيد. فسألته كمن لم يفهم قصده:

ماذا تعني؟

قال: كم تستطيع أن تدفع للمجاهدين؟ ما هي إمكانياتكم؟

فقلت بشيء من التردد والارتياح: دفترين.. ثلاثة…

ماذا؟

وعندما لاحظت تقطيبة وجهه واستيائه من جوابي.. أسرعت إلى القول:

ممكن خمسة دفاتر. هذه هي إمكانياتنا. وهذه أيضا، علينا أخذها من صناديق الكنائس.

فقاطعني:

اسكت اقل من 15 دفترا، غير ممكن. أنت مطران. ألا تشتري

حياتك؟ أيهما أفضل، أن تدفع 15 دفترا أم أن تذبح؟! إذا كنت عزيزا عليهم 

ويحبونك ويحترمونك،  فسيدفعون.

وبقينا ردحا من الوقت في مساومة حذرة.. وهو على إصراره ويهدد..

ويذكرني بمن ذبحوا من مسيحيين ومسلمين. وبينما اخذ الحديث منحيين في آن واحد: المساومة –وكنت أرى فيها في داخلي حلحلة للقضية لا بد أن نتوصل إلى حسمها– واستمرار التهديد والتلويح بالذبح، وبان الحكم الفصل سيكون بمجيء الأمير. قلت له:

اترك الأمر لضميرك!

ما هو الضمير؟ إذا كان الواحد خائنا، فالآية الكريمة تقول: “اذبحوهم.. قطعوهم.. الخ”.وانت  تتعاون مع الاميركان..

وفيما لم أرد التعليق أو التحقيق عن “الآية الكريمة” التي سردها.. بادرني

بسؤال من نوع جديد:

كيف تقولون إن الله له ابن؟ الله هو روح. أليس هذا كفر؟

الله هو روح، وكلامه روح، ويتكلم مع الأنبياء والبشر بكلام الروح في أعماق

الإنسان ووجدانه.

إذا فكر احد عندما نقول “ابن الله” بان هناك زواجا وإنجابا، فهذا خطا. هذا كفر لا نقبل به. وإنما يجب أن نفهم هذه العبارة بمعنى روحي.

وخطر ببالي في تلك اللحظة مثل استحسنت التعبير عنه كما يلي:

خذ مثلا ترى طفلا عاقلا، ذكيا. فتقول له: “ابني، الله يخليك”. وترى

طفلا ثانيا “وكيحا”، مشاكسا، فتقول له: “ابني، اكعد راحة”،. فعبارة “ابني” الأولى تختلف عن “ابني” الثانية. ف “ابني” الأولى تعبر عن أمنيتك لو كان لك ابن مثل هذا الطفل الذكي،  العاقل، أو  وان يكون ابنك ذكيا وعاقلا مثل هذا. أما “ابني” الثانية، فإذا لم يسمع المعنى منك، فستتركه وشانه. هذا يعني إذا أن بقدر ما يتصرف الواحد بحسب إرادة الأب ويعمل الصلاح ويسمع كلامه، تتحقق فيه البنوة الصالحة. والسيد المسيح هو الذي حقق مشيئة الله بأسمى الصور وأفضل من كل البشر قاطبة، وعمل الصلاح بأعلى ما يمكن إطلاقا، كما يشهد القران ذاته، فندعوه “ابن الله”. بنوة روحية لا جسدية.

ثم غير الحديث: أنت متزوج؟

لا

لماذا القس والراهبة لا يتزوجون؟

انظر. عندما تحب شخصا، تحاول ان تعطي له اعز ما عندك. فالزواج

شيء كبير ومقدس نضحي به لنكرس حياتنا بكاملها لله ولخدمة الناس ولعمل الخير. ليس لان الزواج شيء غير حسن. أبي وأمي تزوجا، ولم يرتكبا خطا. عندما تزوجت لم ترتكب خطا. الزواج ليس فقط جنسيا. الجنس هو علامة ونتيجة للحب الذي بين الزوجين. فبالإمكان أن تكون لك علاقة جنسية مع شخص لا تكن له ذرة من الحب. عندما تزوجت، لم تفعل ذلك لمجرد التعاون بينك وبين زوجتك. الزواج رباط حب وأمانة. وهذه الأمانة تظهر، ليس فقط في العلاقات الجنسية، بل في التعاون والعمل المشترك وتربية الأولاد والاحترام المتبادل والمودة التي بينكما.

ففي الأولاد ترى امتداد لحبكما وأمانتكما، أنت وزوجتك.

ثم تكلمنا  عن صبر الله على الإنسان ليكسبه. وكنت اعلق على كلمته عندما أعاد سكينه عن عتقي  وأشار مفضلا أن يكسبني. وكنت أنا الذي أثير هذه الفكرة أو تلك انطلاقا من سؤال بسيط يطرحه. لم يبد لي مهتما بما أقول، ولكنه كان يصغي. وهنا أخذته “صفنة” قصيرة، قطعها بنبرة من لا يرى في مثل هذا الحديث سوى مضيعة للوقت. وقال:

مطران. هذا الكلام لا يفيدك. أنت عليك الذبح وبس.

فقلت له: رجعنا:؟؟!!

ثم استطرد: اسألوا عنا وعن مواقفنا، عند المسيحيين والمسلمين.

من تعرف من المسلمين؟

شخصيات كثيرة  في المدينة. مثل رابطة العلماء المسلمين، الحزب الإسلامي…

فقاطعني: هؤلاء كلهم خونة.

بهذا الكلام قطع ادعائي. وخفت أن اذكر اسم احد، فأتسبب في إيذائه، عوض

أن استجير باسمه. وفي هذا الأثناء كنت اعد نفسي لتبدلات في مزاجه.

أما أنا كنت اتهيا لإمكانية التنفيذ الفعلي لتهديداته ولنهاية مأساوية. وكان الأمل الوحيد هو الزيارة المرتقبة “لأميرهم”. وعاد إلى بيت القصيد مرة أخرى:

يلا كم تدفع؟

قلت لك ما هي إمكانياتنا!

كف عن الكلام. لا يمكن أن نقبل اقل من 15 دفترا. وإلا فأنت تحت قبضتنا!

ففكرت إن إطالة الوقت والمساومة قد تقلل من المبلغ، ولكنها ستطيل أيام

احتجازي –على أحسن تقدير–  وبذلك ستطول مأساة الكنيسة ومعاناة شعبنا. من جهة أخرى أعددت في ذهني أن يقدم هؤلاء على أي شيء، وقد فعلوها مع غيري. ماذا يهمهم لو قتلوا مطرانا أو غيره. إذ ذاك ستكون ضربة قاصمة للمسيحيين وستدهور معنوياتهم ويدمر الرعب صفوفهم. فقررت إن البت السريع يكسبنا الوقت وينهي محنة الكنيسة والمسيحيين الذين هم حتما على أعصابهم المحترقة في الخارج.

ليس فقط الأصدقاء والأهل وأبناء الأبرشية والكهنة، بل كل مسيحيي العراق. بل أقول بان هذا كان همي الأكبر، وفي شمولية تفكيري غاب أصدقائي وأهلي بين صفوف أبناء كنيسة العراق. كل هذا  مضغته في قلبي في لحظات.. وما كانت كلمات الحديث المتقطع التي تلت بيننا سوى تغطية لقرار العقل إزاء تحديات الإرهاب: فقلت: طيب: 15، 15

أخابر؟

نعم خابر.

وكان قد اخرج تلفونه النقال. فقلت له: لا اعرف أي رقم غيبا. أرقام

التلفونات هي في الدفتر، والدفتر عندك.

فقام وجلب دفتر ملاحظاتي الذي أخذه مني مساء البارحة. ولكني حاولت ان اقرا، فلم استطع لقلة الإضاءة في الغرفة، ولعدم وجود نظاراتي. فأزاح ستارة النافذة قليلا وبحذر كلي. فبحثت عن صفحة الأرقام. ثم أمليت عليه أول رقم للمطران غريغوريوس صليبا فلم يجب. ثم رقم الأب بطرس موشي، فلم يجب. ثم أعطيت له رقما ثالثا، رقم الأب بيوس عفاص. فأجاب للحال وكأنه كان يترقب هذا النداء. فبادره مرافقي بنبرة ساخرة:

أتعرف من يوجد في ضيافتنا؟

فسمعت الأب بيوس يتكلم بصوت واثق ليثبت شخصيته على المتكلم:

نعم. اعرف. هذا مطراننا ورئيسنا. اهتموا به احترموه.

فقطع عليه الحديث بحدة: انتبه. مطرانك سنذبحه ونقطعه اربآ أربا. السكين حاضرة.

فتغيرت نبرة الأب بيوس وصار صوته مخنوقا، مأسويا: كيف؟ هذا غير ممكن. هذا

الإنسان شخصية كبيرة في البلد. مواقفه وطنية وشجاعة. اسألوا عنه. لا يمكنكم أن تفعلوا ذلك!

تدفعون 15 دفترا، وتاتون لاستلامه. وإلا فنحن نذبحه.

فتهدج صوت الأب بيوس: لا. أنت تمزح.  15 دفترا مبلغ كبير لا نستطيع تأديته.

وبعد مساومة قصيرة واستمرار التهديد بالذبح بلهجة متشنجة، أشرت إلى

صاحبي أن يعطيني التلفون.

ومد الجهاز نحوي. ولكنه وضع يده على السماعة وهو يحذرني بشدة:

إياك أن تتكلم بالمسيحي (يعني بالسورث).

ولما كانت يداي مربوطتين لا استطيع الإمساك بالتلفون، وضعه أمام فمي. فقلت بصوت هاديي للأب بيوس:

أبونا بيوس. اتبع ما يقول لك الأخ هو، اتفق معه على طريقة الالتقاء. أين

ومتى. رقم سيارتك. لونها. وكذلك هو، كيف سيكون لابسا، نوع سيارته؟

وأفهمت الأب بيوس إن لا فائدة من استطالة المناقشة. ثم أعدت التلفون. فأخذه وخاطب الأب بيوس:

مطران بيوس (!) الساعة الثالثة بعد الظهر تجلب المبلغ كاملا وتسلمه لجماعتنا

وراء جامع الصابرين، هذا الذي هجم عليه الكفار الاميركان. وبعد نصف ساعة وفي نفس المكان عند موقف الباصات تستلمه. ولكن أحذرك إذا نقص المبلغ شيئا سنذبحه ونلقيه في الشارع. (ثم بلهجة قاسية جدا):

أحذرك من أن تخبر أحدا. إذا أخبرت الاميركان أو أية قوة أخرى أو قمت بأية حركة سنقتله

ونقتلك. ولن يفلت منا احد. ولا تحاول اخذ رقم الموبايل. هذا الرقم لا يظهر على الشاشة. رقم وهمي ولا تحاول معرفته.

ثم أغلق التلفون، ونهض، وهم بالخروج.

10. وقبل أن يخرج أردت أن افرض عليه شيئا أدبيا. وكان ظهري قد اخذ

يؤلمني لجلستي غير المريحة على الأرض مكتوف الأيدي والأرجل بسلاسل. فقلت له وأنا انظر إلى وسادات كانت ملقاة على الأرض قريبا مني:

الله يخليك. وإذا كان لك أولاد، الله يخلي أولادك، ألا يمكنك أن تضع هذه

الوسادات وراء ظهري لاتكئ؟

فاخذ الوسادات الثلاث ووضعها وراء ظهري، فاتكات وشعرت بالراحة. وأغمضت عيني وصرت أصلي. أما هو فقد خرج إلى الهول الداخلي. وسمعته يتكلم مع أشخاص، وناداه احدهم  باسم خالد. ثم غابت تلك الأصوات. وسمعته يتكلم وحده بالتلفون، وقد حاولت أن التقط شيئا من الحديث. ومما سمعته وبقي في ذاكرتي انه قال لمحدثه إن الاتفاق قد تم، وسيدفعون 15 دفترا. وبعد برهة إنصات سمعته يقول: “هذه هي إمكانيتهم. وهذا المبلغ نفسه سيجمعونه من الكنائس”. ثم عاد إلى الغرفة وباغتني بقوله: مطران. لا نقبل ب 15 دفترا. عليكم أن تدفعوا  20 دفترا. وإلا…

فأجبته بشيء من العتاب والانزعاج الذي لم اظهر منه إلا قليلا: الم يتم الاتفاق؟ لم هذا التغيير؟

فقاطعني بحدة: من دون مناقشة. تدفع 20 دفترا، وإلا ستبقى. ما هو الأفضل والأغلى: حياتك أم 20 دفترا؟ إذا كانوا يحبونك، هل يتركونك تذبح من اجل 5 دفاتر؟

فتخيلت سيناريو الرعب في صفوف المسيحيين مرة أخرى. فما كان مني إلا أن ارضخ. فقبلت وقلت: انتم ووجدانكم!

ففتح التلفون مرة أخرى على الأب بيوس: مطران بيوس. هذه القضية لا تتم إلا بعشرين دفترا، وإلا ذبحنا مطرانك.

فسمعت اعتراضات الأب بيوس واستغرابه من هذا “الاستغلال”… وانه من

الصعب جمع المبلغ. وخوفا من تفاقم الوضع   أشرت من جديد الى الرجل أن يعطيني التلفون. فقلت للأب بيوس:

أبونا بيوس. لا مجال للجدال. حاول أن تكون على الموعد، مع المبلغ المطلوب.

فرضخ هو الآخر. ثم استعاد الشخص الجهاز وردد تحذيراته الأب بيوس بخصوص السرية التامة والاحتياطات. ثم نظر إلي وقال:

الم يكن بمقدورنا أن نطلب 5. دفترا، وإذا كنت رئيسهم، أما كانوا سيدفعون؟ ولكن لكل شيء حدود!

ومع كلامه قرص خدي بشيء من الدعابة السوداء وهو يقول: أليس مؤسفا أن هذه الخدود يأكلها الدود؟

وفي إحدى الحالات وضع رجله على رجلي بغاية فرض سيطرته علي. ولما استطال ذلك، قلت له:

أخي، منذ البارحة قلت لك باني اعتبرك مثل أخي الصغير. ولكن هناك اعتبارات! فقال لي:

ماذا تعني؟ فأشرت بعيني إلى رجليه. فأجاب:

لم نفعل بك شيئا حتى الآن. يبدو انك لم تر شيئا مزعجا.. فأجبته:

لم أر سوى الطيبة! قال: نحن أيضا طيبون! قلت: الطيب لا يصادف سوى الطيبين.. ثم استطردت:

ولكن إذا كان هذا الوضع يريحك، فأهلا وسهلا. حينئذ سحب رجله. وقال: يبدو انك لا تحب الدم! قلت: لا. وأظنك أنت أيضا لا تحب الدم!

ثم خرج لمحادثة تلفونية أخرى.

أما أنا فأغمضت عيني من جديد وكنت أصلي في هذا اليوم الثاني من اختطافي من اجل من يصلون من اجلي في الخارج. لأني كنت أتخيل مؤمنين كثيرين وأصدقاء يصلون لأجلي في أنحاء  العالم. وما سمعته عن ذلك بعد عودتي كان أكثر مما توقعت وتصورت.

وعاد إلي الشخص ليقول لي شيئا جديدا: بعد نصف ساعة سيأتي الأمير. وإياك أن تقول شيئا. إذا سالك كم دفعت، فتقول له: 15 دفترا. وإذا قلت له خلاف ذلك، فسأخبث. وأنت تفهم ما معنى “أخبث”! وكررها ثلاث مرات. وفهمت انه يعني:

أما سأقتلك، أو أسيء إلى قضيتك بما ستندم عليه! فسكت وخمنت إن الدفاتر الخمسة الإضافية ستكون من حصة جيبه الخاص، وان بينهم تآمر والتواءات داخلية. ثم خرج وانشغل بمكالمات أخرى. ولما عاد إلي بادرني  بتأجيل إطلاق سراحي إلى يوم غد بسبب تضارب المواعيد مع التزاماتهم. وبعد اخذ ورد اخذ ورد سريع وافق على تقديم الموعد إلى الساعة الواحدة ظهرا.

وفي اقتراب موعد مجيء الأمير عصب المرافق عينيّ بخرقة سوداء وتركني لوحدي في الغرفة، وعدت إلى صلاتي القلبية استذكر أبناء الأبرشية والكهنة وكل من يتابعوني بصلاتهم.

– وجاء “الأمير” أخيرا في نحو الساعة 11 ظهرا. وبادرني حال دخوله: ماذا!

كل الفضائيات مهتمة بك..حتى هذا البابا يوحنا بولس يطالب بك!

أجبته: أشكركم!

في الحقيقة لقد ارتحت كثيرا لهذه المعلومة الأخيرة. فقلت في نفسي:

إذن لقد وصل الخبر! وكنت أتوقع ذلك من قداسة البابا. أما حركة الفضائيات فكانت مفاجأة سارة لي. ثم سألني الأمير وهو واقف طيلة وقت مكوثه القصير:

ما اسمك؟.. ماذا تعمل؟… مطران  وتعاون مع الأميركان؟

قالها بنبرة لا تنم عن قناعة، وبدت لي عبارته مجرد قول لا بد أن يقال. فأجبت للفور: هذا ابعد شيء عن موقفنا!

قال: هذا مجرد كلام!

لا، هذه مواقفنا. إليك ما قلته قبل أيام، سواء أردت أن تصدق أم لا.. قبل

أيام صار حديث، وبين ما قلت: لو لم يكن للجنة سوى باب واحد مفتاحه لدى الاميركان، فتحن لا نريد هذا المفتاح!

فكان جواب الأمير: يلا، يلا! أعيدوا إليه أغراضه. أعيدوا إليه محفظته. وأعطوه موبايل ليتصل بأهله ويطمئنهم برجوعه!

وكانت نبرته في كل ما قاله نبرة مشوبة بالدعابة وغياب التشنج حسبما خيل إلي. وقدرت عمره بالأربعين. ولم يدم مكوثه أكثر من 5 – 1. دقائق. ثم غادر الغرفة، وقد رافقه الآخرين.

بعد دقائق عاد مرافقي وأحسست به يدس محفظتي في جيبي الأيسر، ودفتر الملاحظات في جيبي الأيمن.

ثم أعاد إلي الخاتم الأسقفي إلى إصبعي وأشرت إليه في أي إصبع يضعه. بعدها وضع الصليب من جديد في عنقي. ثم بعد قليل نزع عصبة العينين. وخرج من دون كلام تاركا إياي وحدي من جديد. وكنت مغمض العينين أصلي، وأنا في حالة من الهدوء النفسي.

11 –  وشعرت بألم في معصمي من جراء السلسلة. فقلت في نفسي إذا عاد فسأطلب إليه أن يخفف من شدتها. وعندما عاد بادرته فعلا:

الله يخليك! ممكن أن ترخي حلقة واحدة، حلقة واحدة فقط من السلسلة؟

فأجابني: ولكننا اضعنا المفاتيح.

وكان قد أشار فعلا انه فقد مفتاح السيارة، وشعرت بارتباكه وهو يبحث عنه. وعاد بعد دقائق مع المفتاح وحل ليس حلقة واحدة فقط، بل كامل السلسلة. فصارت يداي طليقتين. لذا انتهزت فرصة تغيبه من جديد لأفتح دفتر الملاحظات فأتأكد من وجود كل الأوراق فيه، وكذلك المحفظة. فرأيت أنهم قد أفرغوها من كل النقود (حوالي 40000 دينارا عراقيا، 800 دولار ) وتركوا لي الأوراق اللاصقة التي كانت أشير إلى عائديتها. كما أنهم لم يعيدوا إلي جهاز الموبايل، ولا الوامض الليزري الصغير الذي كان في جيبي لطوارئ انطفاء الكهرباء. أما الأوراق والهويات فلم تمس. ولم اشر إلى النواقص، حيث كنت مكتفيا بوعد الحرية التي سيعيدونها لي. مع بقائي على تصور خلاف ذلك.

12– وبينما كنت في أفكاري وصلاتي دخل علي المرافق بحركة مستعجلة وقال:

هي الساعة 12. بعد نصف ساعة سنأخذك.

وغاب من جديد. ثم بعد دقائق جاء شخص آخر لم أره من قبل، ولم يهمني أن أراه. فعصب عيني بخرقة سوداء وفك رباط رجلي وأنهضني وقال:

بسرعة. لا تفتح عينيك في الصندوق. عندما سنصل، تنزل من السيارة بسرعة ومن دون كلام. وفي المكان المحدد تأتي جماعتك ويأخذونك.

في الحقيقة لم أثق كمال الثقة.. واستمررت أضع سيناريو الاحتمالين: أن يعيدوني مقتولا ومذبوحا (فلقد فعلوا ذلك مع غيري قبلي)، وان يعيدوني حيا حقا

ويتركوني في موضع ما.. وذلك بالرغم من بقائي هادئا في أعماقي،  وكان الأمر لا يتصل بي.. او إنني في شبه حلم تكون نهايته يقظة على نور النهار.

ووضعوني من جديد في صندوق السيارة. وبعد حوالي نصف ساعة، وقد شعرت بطبيعة الطريق كما شعرت بها صباحا، توقفت السيارة.. وانتظرت لحظات، ففتح باب الصندوق وامسك احدهم بذراعي وسحبني للنزول مع توصية مشددة:

لا تنظر وراءك. وغابت السيارة  ورائي. وكانت الساعة 30ر12 ظهرا أي حوالي 20 ساعة بعد اختطافي. في الحقيقة لم أشعر بان إطلاق سراحي حقيقة إلا  عندما وطئت قدماي الأرض.

13. ورفعت العصبة من عيني ودسستها في جيبي لاكتشف أنهم أنزلوني في وسط شارع واسع مكشوف، في ركن توقف الباصات. فقلت: يا للجسارة! فهناك في الطرف الآخر من الشارع محلات تجارية، وبيوت يخرج ويدخل إليها الناس، وهنا على مقربة من ركن  نزولي صبيان يغسلان سيارة ذويهما وقد أبصراني لدى نزولي من الصندوق معصوب العينين، ورايتهما ينظران إلي مدهوشين، ولكنهما لم يتكلما بشيء. وقرأت على الجدار المجاور بقربي: “الموت للحرس الوثني”، فتخيلت إني في “منطقة مجاهدين”.

وشعرت بالغربة في هذا الشارع الذي لم يكن فارغا تماما. وصرت أدور يمنة ويسرى لألمح الأب بيوس بحسب الاتفاق، ولم أرى أحدا. واحترت من أمري. سيما وقد سمعت دوي انفجار هائل قريب جدا، وعلا في السماء عمود دخان كثيف اسود. وتلت الانفجار زخات متتالية وكثيفة من الرصاص؟ ومرت في الشارع أمامي سيارة مسرعة واحد ركابها يرش الجو بالرصاص من داخلها. فقلت:

“يا ربي نجيتني من تلك المحنة، خلصني من هذه الأخرى”. فرأيت أن ليس من الفطنة أن ابقي في الشارع هكذا التفت نحو كل الجهات. وقد بدأت المحال التجارية  القليلة  في هذا الشارع  تقفل احترازا من الأسوأ.

فأوقفت سيارة برقم خصوصي يسوقها شاب وهو وحده فيها. وساورني بعض الحذر من وجودي مع مجهول لوحدنا في سيارة أجرة وفي هذا الظرف بالذات، وقد مضت أعوام لم استقل فيها سيارة تاكسي لوحدي.

وكنت ابحث في فكري عن جهة محايدة في الأطراف اقصدها قبل توجهي إلى المطرانية، عندما سمعت راديو السيارة من محطة “راديو سوا” يعطي الموجز،   وإذا به يقول:

“اختطاف المطران جرجس القس موسى في الموصل”.

فبلعت الخبر وبقيت ساكتا حتى وصلنا إلى دير يسوع الفادي. فإذا بهم غائبون. فطرقت باب دير راهبات التقدمة المجاور، فخرج الحارس واستدنت منه ألف دينار وأعطيتها أجرة التاكسي. وخرجت راهبة شابة لتفتح لي باب المطبخ دون اهتمام خاص. ثم بغتة عادت أعقابها لتقول:

سيدنا، الم تكن مخطوفا؟ فأجبت ضاحكا: نعم  أنا  هو!  فعادت وعانقتني بحرارة. ثم هرعت إلى إيقاظ زميلتها، وكانت الساعة الواحدة والنصف ظهرا تقريبا.

وهنا، لدى انفعال الراهبة، تصورت بطرس عائدا من السجن إلى البيت الذي كانت الكنيسة فيه مجتمعة تصلي من اجله، وكيف إن الصبية البوابة، في فرحتها وانفعالها، كما يذكر كتاب أعمال الرسل، تركت بطرس خارجا لتذهب وتخبر الإخوة بقدومه!

ثم اتصلت بالأب بيوس والمطرانية. وبينما أعدت لي الراهبات لقمة من السباكتي – حيث لم أكن قد ذقت طعاما أو ماء منذ عصر البارحة – حضر الأب بيوس، وأكرم سائق المطرانية، وريان سلمون بسيارته. أما اللقاء فكان عارما لا يوصف سوى بدموع الفرح. وتوجه موكبنا إلى المطرانية حيث كان إخوة يسوع الفادي وأخوات يسوع الصغيرات وأعزاء آخرون ووكالات الإنباء العالمية تنتظر بفارغ الصبر منذ سماعهم قرب عودتي حرا. واستقبلتا في ساحة السيارات الجديدة  قرب المطرانية كل كادر المطرانية وأبناء أخي وكثير من الجيران المسيحيين والمسلمين ومن أصحاب المحلات التجارية المجاورة.

وبعد العناق في المطرانية  والهلاهل والتصريحات الإعلامية الأولى كان همي الأول أن انزع ثيابي الوسخة واخذ حماما حارا واستعيد نظافتي. واخذ التلفون يرن من دون انقطاع.. حتى ساعة متأخرة من الليل.. من داخل العراق وخارجه. وكانت أهم المكالمات مكالمة أبينا البطريرك الكردينال اغناطيوس موسى داود رئيس مجمع الكنائس الشرقية من روما.

وقد شرح لي نيافته بطيبته المعهودة كيف وصله الخبر من البطريرك عمانوئل دلي والسفارة البابوية من بغداد وبأية سرعة اتصل بالمسؤول عن الشؤون الخارجية في الفاتيكان، وكيف اتصل هذا الأخير حالا بالكردينال سودانو سكرتير دولة الفاتيكان وكيف هرع  الكردينال سودانو للحال ودخل على قداسة البابا يوحنا بولس الثاني واخبره بالحادث. وكيف أن ردة فعل الفاتيكان كانت سريعة وفاعلة حيث بث مناشدة قداسة البابا بإطلاق سراحي فورا، ووزع النداء بسرعة متناهية  على الصحف ووكالات الإنباء العالمية. فاهتزت الكرة الأرضية لنداء قداسته بعد سويعات من وقوع الحادث، بحيث سمع النبأ معظم الناس هنا منذ المساء عن طريق الفضائيات… بينما كنت أنا موثقا معصوب العينين والفم وملقى على الأرض انتظر المصير في الصلاة والاستسلام للرب.

14 الخلاصة:

لماذا كل هذه القصة؟ لماذا كل هذه المأساة؟ حتى الآن لا جواب لي على هذا السؤال. هل كنت  أنا  المقصود حقا؟  ولماذا؟  هل كانوا حقا يراقبونني منذ أسبوع كما أعلنوا لي؟  تهمة التعاون مع الاميركان، ومع غرابتها وما هي عليه

من خطا تام، هل كانت شيئا جادا من قبلهم؟  بل لقد شعرت أنهم يرددونها من دون قناعة أو جدية، وفي كل الأحوال من دون متابعة للفكرة. هل كانوا يعرفون حقا من أكون؟ هل كانوا مدفوعين بدوافع دينية أصولية أو متطرفة؟  مع إني لم ألاحظ أية إشارة أو علامة على الجدران توحي بالميول أو الانتماءات الايدولوجية لهؤلاء، ولا إلى أية  رموز دينية إسلامية، ولم اسمع احدهم يصلي بجانبي، ولا كانت مفردات التخاطب تعكس ذهنية أصولية أو دينية خاصة! هل لعبت الصدفة دورها فكنت أوالقضية، في فخ كمينهم؟ هل كانت ثمة دوافع سياسية في القضية، وما هي؟  ففي الحقيقة لم يحملوني أية رسالة معينة ولا ذكروا لي حدثا معينا، أو جماعة معينة، أو نوهوا إلى قضايا معينة. أن يكون ثمة تيارات أصولية إسلامية ومتطرفة حاقدة ضد كل ما ليس إسلاميا وأصوليا. هذا أمر لا شك فيه في عراق اليوم! أن تخلط هذه التيارات أو غيرها ممن هم اقل تعصبا بين المسيحيين والاميركان، هذا إذن شيء ممكن. ولكن أن يمس احد الرموز الدينية المسيحية رفيعة المستوى، فهذه سابقة لم تحدث حتى الآن… أم كان كل ذلك في سبيل الدولار؟!

إن ما هو أكيد هو: لو انتهت القضية إلى سوء، أو طال أمدها، فلكانت لفرزت نتائج مدمرة بالنسبة إلى مسيحيي العراق. لكانت معنوياتهم هبطت إلى الحضيض، ولفقدوا اتجاهاتهم، وأصيبوا بالرعب الذي يدفعهم إلى هجرة مكثفة ومأساوية بالنسبة إلى مستقبل حضورهم في هذا البلد. مع انه بلدنا قبل مجيء الإسلام. الحمد لله إن القضية انتهت على هذا النحو، كما قال قداسة البابا يوحنا بولس الثاني لدى سماعه نبا إطلاق سراحي  بعد النداء المدوي الذي أطلقه فهز الكرة الأرضية هزا. وبذلك صار العكس إذ ارتفعت المعنويات والاعتزاز عند المسيحيين، وعند أصدقائنا المسلمين أيضا، على السواء.

أما تحريري في حد ذاته، فاعزيه إلى قدرة الصلاة، والى قوة نداء البابا وهذا التكثيف الإعلامي العالمي الخارق والسريع. هل كان ثمة معجزة؟ ما هي العوامل التي لعبت دورها حقا لدى الخاطفين؟ الله وحده يعلم؟

فمع شكري العميق لله، أضيف:

ها هي خبرة جديدة  رائعة وغير منتظرة أبدا عشتها وسأضيفها إلى خبرات حياتي الأخرى. وإزاء حملة التضامن العالمي، والتكثيف الإعلامي حول كنيسة العراق، وتاريخها، ومصيرها، وتوحد قلوب المسيحيين العراقيين حول هذه القضية بعفوية وصدق رائعين، داخل العراق وفي الشتات.. أقول اجل، إزاء كل هذا.. جاءت الخبرة في مكانها!

المطران باسيليوس جرجس القس موسى

an_cross34-2a

an_cross34-2a

an_cross34-2a
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: