Posted by: abu faadii | 2014/02/19

الكتاب المقدس والأقليات العرقية والدينية2013

الكتاب المقدس والأقليات العرقية والدينية

(لنشرة جمعية الكتاب المقدس 2013- لبنان)

المطران جرجس القس موسى

مدخــــل

عنوان غريب بقدر ما هو مثير، بل له جانب من الأستفزاز ! فالكتاب المقدس، بعهديه،

لم يعالج هذه الحالة من زاويتها الديمغرافية والسياسية كما يطرحها الفكر المعاصر،

ذلك ان الكتاب المقدس ينطلق انما من أرضية الأمانة لله، وما تفرضه هذه الأمانة

من سلوكية على المؤمن تجاه الآخر، من زاوية اجتماعية انسانية تجاه أقليات أو

افراد مهضومي الحقوق ومهمشين لا حماية لهم، وفي نطاق شمولية الخلاص للجميع.

لكن هذا الثنائي (الأمانة لله والسلوكية تجاه الآخر) هما القاعدة الثابتة، في الواقع،

لأي تعاط اجتماعي وسياسي، فردي وجماعي، من وجهة النظر الكتابية والمسيحية، .

العهد القديــــــم

اذا تصفحنا العهد القديم لراينا عموما اتجاهين في تحديد هوية “الآخر”: الأول انطلاقا من انتمائه الديني: المؤمن وغير المؤمن؛ والثاني انطلاقا من انتمائه القومي والجغرافي. والمؤمن هو “القريب الأسرائيلي”، وغير المؤمن هو “الأممي” الغريب عن الأمة، أو “الوثني عابد الأصنام”. والتعامل مع هذا الصنف الثاني يتراوح صعدا بين القطيعة التامة (خر 7: 2- 3) والأقصاء الجذري (عد الى حادثة ايليا النبي وكهنة البعل: 1 مل ف 18).

ولكننا نجد شريحتين اخريين من الناس يتعاطف معهما الكتاب المقدس، ويمكننا اعطاؤهما صفة “الأقلية”: تنتمي الأولى الى من نسميهم “الأمميين”، ومن هؤلاء اقليات غريبة عن الشعب العبري عرقيا، بقيت في فلسطين بعد فتحها واندمجت في الأمة تدريجيا او عن طريق الزيجات المختلطة وتبنت التقاليد الدينية العبرية، فعوملت معاملة طيبة، ومن هذه الشريحة اسم توراتي شهير، راعوت، التي أعطت اسمها لسفر من اسفار العهد القديم: “فقالت نعمي: هذه سلفتك قد رجعت الى شعبها وآلهتها. فقالت راعوث لحماتها نعمي: “لا تلحّي عليّ أن أتركك وأرجع عنك، فاني حيثما ذهبت اذهب، شعبك شعبي والهك الهي” (راعوث 1: 15- 16).ومن “الأمميين” أيضا شخصيات قدمها العهد القديم كنماذج ايجابية يحتذى بها، واشهر هذه الشخصيات، أيوب الذي اكتسب صفة “البار” مع أنه آدومي (ايوب 1:1). أما الشريحة الثانية التي ييتعاطف معها الكتاب المقدس فتنتمي الى الطبقة المسحوقة اجتماعيا واقتصاديا، ويطلق عليهم مصطلح “العناويم”، أي الفقراء وصغار القوم، ومنهم خاصة “اليتيم والنزيل والأرملة”. وهؤلاء يوصي بهم الله، لا بل يقف الى جانبهم حاميا ومحاميا، في كل صفحة من صفحات العهد القديم، لاسيما في تث الأشتراع والأنبياء، واليك بعض الأمثلة:

          خر 22: 21:   “لا تسيء الى أرملة ولا الى يتيم. فان اسأت اليهما، وصرخ اليّ صراخا، فاني أصغي الى صراخه” .

          تث 24: 17- 19: “لا تحرّف حق نزيل ويتيم، ولا ترتهن ثوب أرملة.. واذا حصدت حصادك في حقلك، فلا ترجع

لتأخذ ما سقط. انها للنزيل واليتيم والأرملة تكون”.

          أح 19: 33- 34: “واذا نزل بكم نزيل في أرضكم فلا تظلموه. وليكن فيما بينكم كابن بلدكم”.

ونجد أحد أسباب العناية بالنزيل والغريب، ليس لأنه غريب لا مجير له في الغربة، حسب، بل لأنه يذكرهم بالذل الذي عاشه آباؤهم في الغربة. فتأتي الوصية كردّ للجميل الغابر، وكحافز للشعور بشعور الغريب والنزيل والمهجّر من دياره في الغربة:  خر 23: 9 : “لا تضايق النزيل، لأنكم تعلمون ما في نفس النزيل، فانكم كنتم نزلاء في مصر”. كما تستند هذه المواقف الى استذكارات “تاريخية” أقدم، كما جاء في تث 26: 5 : “ثم تتكلم فتقول أمام الرب الهك: ان أبي كان آراميا تائها…”. ومن عبرة هذا “التيه” يدعو الكتاب (خر 23: 8- 9) الى عدم التكابر والتعامل مع الأمم الصغيرة بالحسنى: “لا تكره الآدومي لأنه أخوك. ولا تكره المصري لأنك كنت نزيلا في أرضه. والجيل الثالث من البنين الذين يولدون لهم يدخلون في جماعة الرب”.

وهناك صيغة اخرى لحماية الأقليات والمطاردين ظلما في العهد القديم وهي اقامة “مدن الملجا”: وأفرد موسى ثلاث مدن في عبر الأردن شرقا ليهرب اليها كل قاتل قريبه بغير تعمد. والمدن هي: باشر للراوبينيين، وراموت للجاديين، وجولان للمنسيين” (تث 4: 41- 48). لاحظ الأشارة الجغرافية والأثنية في النص.

العهد الجديد

العهد الجديد هو أيضا لا يعالج موضوع الأقليات العرقية والدينية سوى من باب شمولية الخلاص وبنوّة الله لجميع البشر، يهودا كانوا أم أمميين، أكثرية ام اقلية، أغنياء أم فقراء، رجالا أم نساء أم أطفالا. وبذلك يسقط كل الحواجز بين الطبقات والأجناس والأنتماءات: كلنا ابناء اله واحد، وبالتالي اخوة متساوون.

من هذا المنظار ينظر الأنجيل ويتعامل المسيح مع الفئات التي تشكل مكوّنات صغيرة، أثنية أو دينية، في المجتمع اليهودي الفلسطيني في زمانه. لا بل ان معظم النماذج التي يقدمها الأنجيل كقدوة يحتذى بايمانهم او نزاهتهم يختارها من بين هذه الأقليات، وفي مقدمتهم السامريون: السامري الصالح (لو 10: 29- 37)؛ السامري الشاكر (لو 17: 15)؛ المرأة السامرية (يو 4 : 1- 42)؛ يليهم العشارون الذين، وان كانوا يهودا، فهم منبوذون لعمالتهم للرومان، ويلحقهم الراي العام اليهودي بالخطأة العموميين: الفريس والعشار (لو 18: 9- 14)؛ زكا العشار (لو 19: 1- 9)، علما بأن اول تلميذ يختاره يسوع  في انجيل لوقا هو عشار (5: 27- 29).ولقد اتهم يسوع خصومه مرارا بأنه يعاشر العشارين والخطأة.

الأنجيل لم ينفتح الى العشارين والسامريين فقط، بل ذهب الى اقليات اخرى وثنية رومانية وفينيقية، وفي انجيل لوقا اشارات كثيرة الى ذلك: أول علامة انفتاح خارج اسرائيل تأتي في نشيد سمعان الشيخ: “خلاصك الذي أعددته في سبيل الشعوب كلها، نورا يتجلى للوثنيين” (لو 2:31- 32). كما ترد في لوقا اول اشارة الى تجاوز التقييم انطلاقا من الأنتماء العرقي: “لا تقولوا ان ابانا ابراهيم. الله قادر ان يقيم من هذه الحجارة أبناء لأبراهيم” (لو 3: 8). وها هو يجتاز الحدود الى فينيقية، الى صور وصيدا ويجري فيها شفاءات (مر 7: 24- 31)، ويشيد بسكانها وبنعمان السوري الوثني (لو 4: 25- 27). أما تجاه الأقلية الرومانية القاطنة في فلسطين، فقد تجاوز يسوع وضعها كسلطة مستعمرة ووثنية، ليتعامل معها انطلاقا من ايمان أفرادها ونزاهتهم: قصة قائد المئة اذ شفى غلامه وامتدح ايمانه المتميز (لو7: 2- 9). وكعلامة لانفتاح البشرى الى الغرباء يتعمد مرقس ومتى في ايراد اول شهادة على آلوهة المسيح على لسان أحد هؤلاء العسكريين الرومانيين الذين أشرفوا على صلبه (مر 15: 39؛ متى 27: 54). في الأنجيل لا عقدة البتة من أحد، رجلا او امرأة، ولا من أية قومية، أو بلد، ولا من دين معيّن، ولا من أكثرية أو اقلية، بل بشراه تتوجه أساسا الى الكل: فمتى يختص بذكر المجوس الغرباء قادمين للأعتراف بالمسيح الطفل (2: 1)، ولجوئه الى مصر(2: 13)؛ ويوحنا يفرد مساحة كبيرة للسامريين (4: 1- 42). وانجيلا متى (28: 19- 20) ومرقس (16: 20) مع لوقا في أعمال الرسل (1: 8) ينفتحون على العالم اجمع  بارسال يسوع تلاميذه في آخر لقاء ليكرزوا ببشراه لجميع الشعوب، متجاوزين كل الفروقات الدينية والعرقية والجغرافية والأجتماعية.

واذا لم تتضمن النصوص الأنجيلية مثل هذه العبارات الأخيرة حرفيا، فلقد تطرق اليها بولس في تعليمه عندما ألغى كل التصنيفات القومية والأجتماعية، ووحد ما بين الشعوب في ايمانها بالمسيح، وبعبارات جريئة وواضحة، تتكثف في ثلاثة نصوص: 1. “في المسيح يسوع، أنتم الذين كانوا بالأمس اباعد، قد جعلتم اقارب بدم المسيح. انه سلامنا، فقد جعل من الجماعتين جماعة واحدة” (أفس 2: 13- 14)؛   2. “لا فرق بين اليهودي واليوناني. الرب ربهم جميعا” (رو 10: 12)؛     3. “أنتم جميع الذين اعتمدتم في المسيح، لبستم المسيح: فليس هناك يهودي، ولا يوناني، لا عبد ولا حر، لا ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعا واحد في المسيح يسوع” (غلا 3: 27- 28).

الخلاصة

الأفكار الأساسية والعملية التي ناخذها من قراءتنا لنصوص الكتاب المقدس بعهديه في باب العلاقة “بالأقليات العرقية والدينية”، او بما يمكن تسميته”القريب” أو “الآخر”، بحسب المنظور الكتابي، هي :

1.     عندما يتصل الأمر بالعلاقة مع الشعوب الأخرى، أو الأقليات، من حيث هي مكونات اجتماعية وانسانية، يفتح العهد القديم نوافذ ايجابية كثيرة تجاههم (انفتاح الخلاص اليهم عند الأنبياء: نعمان السوري، أيوب، نينوى، قورش..). ولكن لا مهادنة مع الألهة الكاذبة والأصنام، وما قاومه ألأنبياء بشدة هو الأشراك بالله.

2.     في العهد الجديد تسقط كل الجدران الواقية، وتنفتح لأيصال البشرى الى كل العالم، بغض النظر عن انتمائهم الديني او العرقي أو الأجتماعي. ويسوع نقسه بدأ بالتوجه الى الرومان والعشارين والسامريين والفينيقيين.

3.     مار بولس والكنيسة الأولى تهمهما وحدة الجميع في المسيح الواحد، انطلاقا من ايمانهم الواحد وعمادهم الواحد، مما يذيب الخصوصيات الديمغرافية والأجتماعية، ويستدعي تجاوز الفروقات الدينية والعرقية السابقة.

4.     لا أقلية ولا أكثرية في المنظور المسيحي للمواطنة. الكل سواسية في الحقوق والواجبات، ولا يجوز أن تمنح حقوق اقل لمن عددهم اقل. والأعتزاز بالقومية او بالدين او باللغة، اذا كان مشروعا، لا يجوز ان يكون صنما جديدا. والكنيسة، التي هي نحن، لا تنادي بذلك فقط، بل تناضل من اجل تحقيقه مع كل الأرادات الصالحة.                                                    (12.8.2013)

حياتي هي المسيح

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: