شهادة الحياة قداس اليوبيل الأحد البشارة2012

شهادة الحياة لقداس اليوبيل يوم الأحد 10/6/2012

في كنيسة البشارة في الموصل

         خمسون عاما، يوما بيوم، منذ رسامتنا الكهنوتية في 10 حزيران 1962 في كاتددرائية الطاهرة بالموصل، واسمانا ممتزجان كرفيقي درب ودراسة، وكصديقين قريبين، وعاملين في حقول واحدة، الأب بيوس وأنا. وقد شاءالرب أن نبقىالناجيين الوحيدين!! وطالما رسمنا مخططات للمستقبل سوية. تحقق بعضها وتعثر بعضها.

         سوية ومع زميلينا الآخرين، نعمان وجاك، وضعنا أسس جماعة كهنة يسوع الملك في حلم غير مألوف ومغامرة قيل أنها ستنطفىء بعد حرارة صيف. كان المهندس رحمه الله الأب يوسف أومي مديرنا. كنا نبحث عن إطار كهنوتي يتيح لنا عيش الروحانية الكهنوتية والرسالة في جو حياة الأسرة والأخوّة والتعاون، وبروح الفقر والبساطة والفرح. ومنذ البداية توزع نشاطنا على محورين: الشبيبة والإعلام. فكانت الأخوية المريمية والشبيبة الطالبة المسيحية وندوات الجامعيين، ثم زيارة المستشفى والسجن؛ أما الخدمة الراعوية فلم تتأخر كثيرا اذ تعيّن الأب بيوس كاهنا لرعية مار توما منذ 1964، تلاه الأب نعمان، إضافة الى كل النشاطات الأخرى. وكانت الفكر المسيحي التي حملناها بقلوبنا وأقلامنا على مدى 30 سنة قبل تسليمها للآباء الدومنيكان في 1994. ومذ ذاك وضعنا طاقتنا في حقل جديد: الدورة الكتابية، لإشاعة دراسات الكتاب المقدس لدى العلمانيين.

         أما في الحقل الداخلي لكهنة يسوع الملك، فقد تفرعت الجماعة الى فرعين: الحياة المشتركة والإخوة المنفردين، وهم الكهنة الأعضاء المتواجدين في خورناتهم. وكان عام 1991 منعطف تجدد جذري للجماعة، وفيه أقررنا “قانون حياتنا” الذي يوجز روحانيتنا ونهجنا. عمل اشتركنا فيه جميعا، ولا أنسى الصومعة المدفونة بالثلج التي حررت فيها المسودة النهائية في أخوّة بعتوتة لأخوات يسوع الصغيرات في لبنان، الى ساعات متأخرة من الليل، في شتاء 1992.

         وشكّل عام 1999 نقطة فاصلة عما سبق، إذ توقفت الحياة المشتركة بعد 37 سنة من قيامها، بفعل الآب الذي استدعى إليه الأب نعمان في الأول من كانون الأول، واستدعى الروح القدس الأب جرجس ليكون مطران الأبرشية، واستبقى الإبن الكلمة الأب بيوس وحيدا في السفينة يلاطم الموج .. ولكنه أبلى البلاء الحسن إذ تسلّم مسؤولية الجماعة، إضافة الى كل المهام الأخرى في الخورنة، وبقي صوتا صارخا بالكلمة البيبلية في مركز الدراسات الكتابية بتشعّباته، بل اقتحم حصونا جديدة مع الرابطات الكتابية وأيام الكتاب المقدس وإصدارات دار بيبليا – وهل يجف دمّ الإعلامي في عروقه– !

         أحبائي. وبما أننا في باب الشهادة، اسمحوا لي باستخراج حزمة من العبر الشخصية كحصيلة لهذه الخمسين: 

·       كنت في الحادية عشرة من عمري وفي الصف الخامس ابتدائي عندما أحسست بصوت داخلي يدعوني الى الكهنوت. دون أن أعرف ما طبيعة ما أنا مقبل إليه قلت: نعم:هذا كان النداء الأول.

·       هذه الـ نعم الأولى خضعت، لا فقط أثناء التنشئة الكهنوتية وإنما طوال السنوات الخمسين أيضا، وأكثر من مرة، للمراجعة والتجديد والتعميق والتصفية والتجلي بنور النعمة. شعاري الكهنوتي، والأسقفي فيما بعد، الذي اخترته في رياضة الرسامة الإنجيلية “حياتي هي المسيح” كان مثل برنامج لحياتي كلها. حاولت أن أعيشه بكل كياني بعفوية ومن دون تشنج.

·       جماعة كهنة يسوع الملك، وخاصة أخوّة الحياة المشتركة، صاغتني. كنت كاهنا سعيدا بكهنوتي وأحببت رسالتي. مع إخوتي كهنة الحياة المشتركة ذقت طعم الصداقة الكهنوتية بكل أبعادها وعمقها. دعوني أتمنى مثل هذه الألفة والروحانية لجميع إخوتي الكهنة.

·       أنا مدين للشباب والعلمانيين الملتزمين في تكوين شخصيتي الإيمانية والإنسانية. أمدّوني بالزخم الرسولي، سندوا إيماني. بقدر ما علّمت وأرشدت علّمني العلمانيون وأرشدوني وقالوا لي بحياتهم وصداقتهم وصدقهم ما هو الإنسان،ما هو الحب، ما هي العلاقة، ما هو العطاء، ما معنى فرح الإيمان وطاقة الرجاء.

·       أحببت الكنيسة أمي، وأحببت كنيسة العراق بكل قوتي وبكل طموحاتها وآلامها. أحببتها في جمالها وفي تجاعيدها. أحببتها في إيمان البسطاء كما في التزام كهنتها الشباب. أحببتها حتى لما آلمتني. أحببتها بطاقات شعبها وكل طوائفها وبتاريخها. ويوم كنا نشتغل في المجلة كنت أشعر بأني مسؤول عنها بقدر ما مطراني مسؤول عنها. واليوم وأنا أسقف أومن بأن كل كلمة  تكتب أو تقال، نقدا أو تجديدا، دراسة أو وعظا…تفيد بنيان الكنيسة ولا يجوز خنقها. أنا وأنتم مجتمعين، وكل من موقعه، مسؤول عن شباب كنيستنا أو شيخوختها.

·       لم يكن كل شي على مزاجي أو تصوري أو قناعاتي في حياتي الكهنوتية والأسقفية. لم تتحقق كل أمنياتي. لم يحبني جميع الذين أحببتهم أو خدمتهم. لم أتم كل المشاريع التي في راسي. لم استطع صياغة الناس ولا الأقربين بقالبي. أضرب هذا كله في ما تحقق بنعمة الله على يدي، وفي من أحبني وقدّر جهدي، وبالمشاريع التي تمت، وبالجهود المشكورة للذين تعاونوا معي أو قبلوا أن أتعاون معهم، كهنة وأساقفة وعلمانيين، على اختلاف طباعنا وأسلوبنا…لأستخلص ما علمتني خمسون سنة من الكهنوت فأقول: “شكرا” للجميع لأنكم كنتم لي في كل الحالات سندا ونعمة وشركاء الحياة. أنا بعض مما أردتم أن أكون ومما فعلت نعمة الرب. الكمال لله.

·       إحدى المبادرات تركها لي أبونا بيوس وهو انضم إليّ لاحقا. كلانا خطفنا وكلانا كان للرب مآرب أخرى فينا فاستبقانا، بنعمته، لتكميل الرسالة. استشهد أبونا رغيد وأبونا بولس اسكندر وسيدنا فرج، ومن ثم في بغداد  أبونا يوسف والشابان أبونا وسيم وثائر.. وجمهور كبير من أبناء شعبنا المسيحي.. خبرات مذاقها مرّ، كيف ننساها .. وكيف لا نضيئها بما قاله ترتليانس: دم الشهداء بذار حياة للمسيحيين: نغفر…نسامح ونتسامح. نبني من جديد…نبقي قنديل الرجاء مشتعلا…المسيحية في الموصل لن تنطفىء…بفضل إيمانكم وصبركم وعنادكم وإصرار كهنتكم وتاريخ أجدادكم.

·       تسع سنوات من التخبط والتدمير الذاتي والضياع وتطاحن الإخوة وقوافل الشهداء والمهجرين والمشردين، في بقاع الدنيا، من أبناء شعبنا العراقي، علمتنا أن لا خيار لنا سوى العيش المشترك باحترام متبادل وبحقوق متساوية، مسيحيين ومسلمين، وطوائف وقوميات.  علمتنا أن لا أحلى من أرض الوطن سوى الحرية، وإذا اجتمعا فهذا هو المطلب! لن أختزل أمة بمنحرفيها، أو شعبا بمغاليه، أو ديانة بمستغليها. لنا شعب طيب وجيران أمناء ومواطنون شرفاء ن وأصدقاء كثيرون من إخوتنا المسلمين… واني من جديد أسجل قناعتي بأن إعادة اللحمة ممكنة وهي مشروع نابع من إيماننا من كوننا “ملح الأرض”، وبأن لنا رسالة، وبأن بناء الوطن سوية ويدا بيد واجب ورهان، علينا وعليهم، وقاعدة لضمان مستقبل وجودنا.

·       هذا شيء مما أردت أن أقاسمكم إياه وهو بمثابة تأمل في عبر حياتنا.

·                   وأختم شاكرا لكم جميعا مشاركتكم إيانا قداس الشكر هذا. شكرا للجان اليوبيل والتنظيم والخدمة وللشمامسة والجوقة والحراس. شكرا خالصا للآباء الكهنة الذين ساهموا مع الأب بيوس في إعداد كل مستلزمات هذا اليوبيل، وقد جئت أنا على الحاضر. واسمحوا لي ان أختم بتوجيه شكري وفرحي لكل ما أعطى أبونا بيوس لجماعة كهنة يسوع الملك ولكنيسة العراق ولأبرشيتنا الموصلية ولمدينة الموصل، وخاصة لصموده فيها مع الأب عمانوئيل في هذه السنين العجاف، ونشاطهما الدائب فيها بالرغم من ظروفها الإستثنائية.  وأهنىء نفسي وإياه بهذا اليوبيل الذي وطأنا عتبته بكل حذر.. سيما وقد غادرنا رفاق أحبة، كم كنا نتمنى أن يبقوا معنا إلى الخمسين: ومنهم أبونا نعمان وأبونا فرنسيس. هم معنا في القلب والصلاة وان سبقونا الى النور.   

·       وتبقى صلاتنا الصامتة لأهلنا المتوفين، آبائنا وأمهاتنا وإخوتنا وأخواتنا، والباقين منهم في الحياة: الرب مجازاتهم وبرهم ونورهم.  

                             + باسيليسوس جرجس القس موسى

                                           المعاون البطريركي

                                        رئيس اساقفة الموصل السابق

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s