Posted by: abu faadii | 2014/03/11

النظافة من الأيمان

كلمة الراعي 

النظافة من الأيمان

طالما تساءلت عن علاقة النظافة بالأيمان، أو الأيمان بالنظافة في هذا المثل.. حتى عثرت عليها في العلاقة بين الداخل والخارج، بين النية والعمل، بين القلب والعين.. حيث يرى القلب ما لا تراه العين!

ساقتني سنوات العمر إلى عيادة طبيب أسنان لمعالجة ضرس العقل الذي كان لا يزال عالقا في فكّي بالرغم من الظروف الراهنة.. فطار عقلي قبل الصعود إلى العيادة من هول ما رأت عيناي من القاذورات والأجسام الغريبة السائلة في درج العمارة وممراتها حيث اختلطت بقايا الفلافل مع الأسلاك المتناثرة لمحل تصليح الأجهزة، والفضلات المتعفنة للشقق الآهلة، وسراويل الأطفال المنشورة في مدخل العيادة وكأنها بيارق العيد أو أوراق الزينة في مناسبة وطنية!

ومن هنا شرد فكري الى مواقف عديدة في الحياة تكشف عن العلاقة الحميمة بين الداخل والخارج، بين النظافة الخارجية وشخصية الإنسان أو المجتمع. فالمرأة النظيفة الأنيقة المعتنية بهندامها لا يمكن أن يكون بيتها “مبهدلا” لا نظام فيه، وكأنه “سوق هرج”. وليس من الضرورة أن تكون السيدة من الأغنياء كي يكون بيتها مرتبا، مكنوسا، نظيفا. أعرف رجلا، رحمه الله، كلما عاد الى البيت من عمله المضني يرى زوجته بثوب النوم ذاته، الذي هو زيّها اليومي الدائم في المطبخ والعمل البيتي وفي استقبال الضيوف – لا لأنها لا تملك غيره، بل كسلا ولا اكتراثا -، ويرى سرير الغرفة الزوجية معبّأ دوما بالثياب المكدسة المدعوكة..وإذا تحرّكت، فإلى ركن آخر من الغرفة ذاتها.

ماذا تقول عائلاتنا في نظافة بيوتها، وجعل البيت ركنا هادئا جذابا وسعيدا لأعضاء الأسرة وأصدقائها. لا فقط بالنظافة الخارجية، بل خاصة بدفء المحبة والألفة والتفاهم والفرح.

وعلى مرأى شوارعنا وأزقتنا في بخديدا، أجزم فأقول أن بعض بؤسها يعود إلى الجهات الرسمية المختصة وخدماتها الغائبة غيابا مثاليا، ولكن بعض البؤس الآخر يعود الى سكنة البيوت المجاورة. فإذا حافظ كل بيت أو محل تجاري على نظافة الجزء الواقع أمامه، ولم يلق بقاذوراته في الركن الخالي من الحي، كاللص الحذر، لكانت البلدة أنظف والشوارع أقل أسونة.

ومن الشارع أنتقل إلى الدائرة الرسمية أو المؤسسة : لاحظ أيها الزائر أو المراجع الكريم الغبار على الطاولات، والستائر التعبانة، والأثاث المتهرّم، وحتى بصمات الأصابع المكربنة على الجدران.. النظافة من الأيمان. أجل! ولكنها أيضا من المحاسبة على التقصير، ومن التنشئة التربوية، وهذه تبتدىء من البيت والمدرسة والكنيسة.

وعلى ذكر الكنيسة.. هي بيت الله، كما نقول. وحسنا نقول! ولكننا نأخذ حريتنا الكاملة فيها، لاسيما في مناسبات الأكاليل أو الاحتفالات الرسمية: الكلينكس المبعثر، بسكت الأطفال، العبث بالمقاعد، الحديث أو التعليقات بصوت عال دون حرج..وكأننا في قاعة لا في كنيسة. وقد يطال هذا اللاحرج خدام المذبح أنفسهم أحيانا، من شماس وساعور وغيرهم. فترى العجب في بعض السكرستيات ومحتوياتها، وتجد تساهلا عجيبا في قبول شراشف أو مناديل الخدمة أو قمصان الأطفال بنظافة لا يحسد عليها.

وأختم حديث النظافة بنظافة الحديث: كم نحتاج إلى صقل أحاديثنا العلائقية بآداب اللياقة! فماذا يكلفني لو قلت “شكرا” لمن قدّم لي خدمة، وان بثمن، كسائق التاكسي لدى نزولي من سيارته، أو لزميل في عمل، أو لشقيقة كوت لي قمصاني، أو لزوجة أعدت أكلة متميّزة؟! إنها أخلاقية العلاقة مع كل أحد، لاسيما الذين نعيش معهم أو نحتك بهم كل يوم. في برنامج عن الأسرة في إحدى الفضائيات، سمعت امرأة كبيرة السن تقول – وفي قولها صدى الخبرة المعاشة- : تختصر العلاقة بين الزوجين بكلمتين: “شكـرا” و “أعتذر”. قد تكون هاتان الكلمتان غائبتين عن قاموسنا. ولكن ليعلم من لا يعلم أن في وجودهما تكمن سعادة الزوجين.. إذ ذاك لا يمكن للمخاصمات أو الأختلافات أن تدوم طويلا، أو أن تنتصر.

 

+ باسيليوس جرجس القس موسى

رئيس اساقفة الموصل وتوابعها للسريان الكاثوليك

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: