ماذا حملت الزيارة البابوية؟ 2009

مع الراعي 

ماذا حملت الزيارة البابوية؟

هممت وأنا في عمان لمرافقة أبينا البطريرك في زيارة قداسة البابا

للأراضيالمقدسة أن أحرر هذا “الكلمة”، التي تكتب عادة في الآخر وتوضع

في الأول، ككل المقدمات والمداخل! وإذا لم تسنح لي فرصة

الوقت لأكتب شيئا هناك، فان المجال كان واسعا أمامي لأفتح

عينيّ وأذنيّ للرؤية والسماع: ماذا تعني..ماذا تحمل هذه الزيارة؟

وللجواب تساءلت: ما بال الملوك والعظماء، وقادة الجيوش

والحروب، وزعماء الأمم المتناحرة والمتصادقة.. ناهيك عن رؤساء

الأديان والطوائف، ورجال السياسة والعلمنة والعولمة.. يتهافتون

في اتفاق غير مكتوب، ولكن بحماس تنافسي، لاستقبال هذا

الشيخ الملتحف بالبياض، هذا الرجل ذي الصوت الخافت الذي

يكاد لا يسمع لولا مكثفات الصوت؟! لقد نسيوا حروبهم

وقنابلهم وعنقودياتهم وصواريخهم الموجهة باسم هذا النبي أو ذاك،

وطووا مشاريع استنزافاتهم لوقت.. مستبدلين إياها بمفردات “أهلا

وسهلا” و “شالوم” يا ملاك السلام!

لماذا ؟

ينسب الى قائد عسكري ألماني أو فرنسي قديم قوله لمن نقل إليه

استياء البابا: كم فرقة عسكرية يملك البابا؟ لا شك أن هؤلاء لم

يتسابقوا الى حسن استقبال بندكتس السادس عشر للقنابل التي لا

يملكها.. وإنما للقيم التي يحملها ويمثلها وللمكانة الروحية التي يقف

فيها، في عالم المادة والتنافر والخوف والفناء الذاتي..

لا شك أن هذا وذاك، أراد أن يتكلم البابا من زاوية نظره، وأن

يستميله الى جانبه. وبهذا أيضا أرى حاجة السياسيين والقادة الى

مظلة الروح لتقي مخططاتهم. ولكن صاحب المظلة ظل حكما

حياديا ومتوازنا، وبشجاعة أيضا سمى النور نورا والظلام ظلاما،

بتوازن مدروس، ومن دون أن يخرج عن دوره الروحي والإنساني

والنبوي. وإذا ما أعطى في أقواله إشارة سياسية، هنا وهناك،

فلكي يقول للسياسيين: لا حلّ من دونكم.. أجل، الحلّ بيدكم

أيضا.. ولكن تأكدوا أن الحلول الحقيقية، عمليا، لن تكون في

قوى الحرب والسلاح، الذي تملكون مفاتيح التحكم به ومفاتيح

إطلاقه للتدمير، وإنما بتغليب قيم الروح والإنسانية، بانتزاع الحقد

وتغييب الآخر، بتطهير الذاكرة من كل روح انتقام، وبزرع بذور

الغفران الذي لا سلام ممكنا من دونه.

لقد زار البابا نصب المحرقة اليهودية وقابل بعض اليهود الناجين من

أفران الموت الهتلري، وقال بأنه كان من الضروري أن آتي الى

هناوألا يمحى هذا الأثر المأساوي من الذاكرة، لئلا يسمح من بعد

بأن يتكرر مثل هذا أبدا، وهو يقصد لا لليهود ولا لغيرهم من

عباد الله. ولكنه زار أيضا مخيم عايدة الفلسطيني الممتد على حوافي

الجدار الفاصل الذي بنته إسرائيل، وقال لأهله: “أنتم هنا

محاصرون، كما غيركم كثيرون في هذه المنطقة، وفي العالم، بسبب

دوامة العنف والهجوم والهجوم المضاد، والانتقام والدمار

المستمر..:. واستطرد مشيرا الى الجدار الذي اعتبره “الأمر الأكثر

حزنا في زيارته كلها”، وقال في شبه نبوءة: “إنها لمأساة أن نرى

جدرانا لا تزال تبنى.. ولكننا نعلم أن الجدران لا تدوم، وان

بالإمكان أن تنهار! ولكن من الضروري أن نبدأ بإزالة الجدران

المشيدة بين القلوب، ورفع الحواجز التي نقيمها ضد جيراننا”. وفي

هذا المخيم بالذات، طالب البابا، كما طالب أمام أركان الدولة

العبرية في خطابه التوديعي، بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات

سيادة وحدود آمنة، كما طالب بالأمن الدائم والمضمون

لإسرائيل، وبأن الحل النهائي لن يكون بغير “الدولتين”، وقال:

“ليكن ذلك واقعا، لا مجرد حلم”.

وفيما يخص الأديان دعا البابا منذ بداية زيارته، وفي دعوته نداء

شمولي يتخطى حدود الدول التي زارها، الى كل أقطار الشرق

الأوسط والى الغرب، الى حوار الأديان، وخاصة بين المسيحيين

والمسلمين واليهود. وما زيارته وصلاته ولقاءاته مع زعماء الأديان،

في جامع الحسين بعمان، وفي قبة الصخرة في القدس، وأمام حائط

المبكى، وفي الناصرة سوى تطبيق مباشر لأقواله في خطاباته الثمانية

والعشرين، بالرغم من بعض الأصوات الناشزة التي بقيت في عبّ

أصحابها. أما للمسيحيين الفلسطينيين فقد شجعهم البابا ونخاهم

“على البقاء حجارة حية وشهودا فاعلين وجسورا للحوار

والمصالحة في وطن يسوع”. أتراه كان يخاطب المسيحيين

الفلسطينيين وحدهم، أم توجهت عيناه الى العراق أيضا والى لبنان

وسوريا وغيرها من أوطان المسيحية منذ خطواتها الأولى!

باسيليوس جرجس القس موسى

رئيس اساقفة الموصل وتوابعها للسريان الكاثوليك

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s