مسيحيو العراق … اي مستقبل؟

مسيحيو العراق … اي مستقبل؟

المطران جرجس القس موسى المعاون البطريركي للسريان الكاثوليك
بد عوة من البرلمان الأوربي في ستراسبورغ (فرنسا) قام المعاون البطريركي ومطران الموصل السابق باسيليوس جرجس القس موسى بزيارة مقر البرلمان الأوربي وقد القى محاضرة بعنون
مسيحيو العراق … اي مستقبل؟
15-16 ايلول 2014
بد عوة من البرلمان الأوربي في ستراسبورغ (فرنسا) قام المعاون البطريركي ومطران الموصل السابق باسيليوس جرجس القس موسى بزيارة مقر البرلمان الأوربي وقد القى محاضرة بعنون
” مسيحيو العراق … اي مستقبل؟” في نطاق جلسة استماع في ابرلمان الأوربي مساء يوم الثلاثاء 16/9/2014 حضرها ممثلون عديدون عن الأحزاب والبلدان الأوربية المختلفة التي تساند حق الشعوب والأقليات في العيش في ديارها بسلام وتعاون وفي تعددية مشاركة. تلتلها مناقشة مستفيضة حول أوضاع المسيحيين في العراق والهجرة القسرية التي اضطروا اليها باجتياح قوات ما يدعي “بالدولة الأسلامية في العراق والشام” (داعش) كل البلدات المسيحية في سهل نينوى.
وقد التقى المعاون البطريركي بشخصيات نيابية مرموقة على انفراد لشرح قضية شعبنا المسيحي العراقي في سهل نينوى مثل السيد شولتز رئيس البرلمان الأوربي (ألمانيا)، والسيد انطونيو تاجاني نائب رئيس البرلمان (ايطاليا)، والسيد مانفريد ويبير رئيس مجموعة PPE ، وبعض مسؤولي الكتل النيابية الأوربية الأخرى مثل السيد بارنييه وزير الخارجية الفرنسية الأسبق ومدير لجنة السوق الأوربية المشتركة في البرلمان الأوربي. كما التقى بالسيد فيليب ماني من مكتب الأتحاد الأوربي للعلاقات الدولية ، والكولونيل فيليب توسانت رئيس فرسان القبر المقدس. وغيرهم. ولقد ابدى هؤلاء تضامنهم وتعطفهم مع قضية مسيحيي العراق وسائر الأقليات المضطهدة او المهمشة ووعدوا بمساندة شعبنا في محنته واعادته الى ارضه. وقد تضمنت محاضرة المطران جرجس ومداخلاته واتصلاته ثلاث محاور اساسية وضرورية، وهي :
ضرورة تآلف المجتمع الدولي في مساعدة الحكومة العراقية وكردستان على تحرير بلدات سهل نينوى واعادة اصحابها الأصليين اليها، ودعم هذا التحرير بضمانات دولية ومحلية للحفاظ على امان المنطقة. ولا يتم ذلك بمحاصرة ما يدعى ” بتنظيم الدولة الاسلامية” ودحرها عسكريا فقط ، بل
في الوقت عينه بمحاصرة هذا التنظيم الظلامي والظالم عن طريق تحصين شعوبنا وحكوماتنا ومناهجنا التربوية والأعلامية بنشر الوعي بثقافة التعدد والأنفتاح ونبذ الفكر التكفيري، والوصول الى خلق ثورة ثقافية ممنهجة وطويلة الأمد في الفكر الأسلامي والعربي، ثورة خليقة باقامة مجتمع متعدد متكامل يعترف بالتنوع كمشروع انساني ومجتمعي وسياسي.
وفي المدى المنظور، والشتاء على الأبواب، تكثيف وتنسيق المساعدات الأنسانية للمهجرين والنازحين الى كردستان، لاسيما في موضوع السكن اللائق والحاجيات الأنسانية الأساسية والضرورية كالغذاء والدواء والمدارس والخدمات. والا نخرت الهجرة صفوفنا وتلاشى وجودنا تدريجيا وسريعا وفقدنا حقوقنا وأملاكنا وتاريخنا وذاكرتنا ووجودنا الأنساني ذاته في ارض العراق، وطننا وارض آبائنا. عالمين ان التهجير او الهجرة الجماعية ليست بحد ذاتها الحل الأمثل والمطلوب، وان بقي اختيار الهجرة اختيارا حرا لكل أحد بمسؤولية وحسب قناعاته. فعلي المجتمع الدولي والحكومة العرافية الفدرالية وحكوة الاقليم ان يعملوا بتخطيط وعزم وحكمة لأعادة النازحين الى ديارهم وبلداتهم، مع ضمان أمنهم وحقهم في الحياة والدفاع عن أنفسهم والتمتع بالمواطنة الكاملة المتساوية.
وقد جمع عشاء ودي سيادنه في مبنى البرلمان الاوربي مع مجموعة من النواب الأوربيين برئاسة النائب الألماني بول روبيك الذي تراس جلسة الاستماع، وحضور السيد فاندربيكن (بلجيكا) الذي كان في اصل مبادرة دعوة المطران جرجس.
وفي نهاية المحاضرة التي القيت باللغة الفرنسية وزع نصها على المشاركين وكان عددهم اكثر من مئة نائب ونائبة. وهذه الخطوط الاساسية من محاضرة المطران جرجس القس موسى:
مسيحيو العراق … اي مستقبل؟
100 الى 120 الف مسيحي، أعني كامل عدد مسيحيي سهل نينوى الذي هو الموطن التاريخي لمسيحيي العراق، قد أمسوا مهجرين، هائمين على وجوههم في السهول والوديان، لا يملكون شيئا، متروكين لتسوية الحسابات، وأمام مستقبل غامض. وذلك أمام أعين الدولة المركزية الغائبة تماما عن المنطقة وعجزها منذ استيلاء الدولة الأسلامية على الموصل يوم 10 حزيران.
ان داعش ليست وليدة العدم. انها حاصل ثقافة تستند الى نصوص دينية وتشريعية لم تحصل معارضتها ابدا. انها بنت خط فكري عقائدي سياسي تنشط في مدارس سياسية دينية معينة في بلدان المنطقة. وليست الفصائل الجهادية الأسلامية اللاحقة، مثل القاعدة وغيرها، المسلحة وغير المسلحة، في سوريا والعراق وما سواها، سوى تفرعات لأيديولوجية متشددة من الأسلام السياسي، ولجميعها هدف أخير واحد وهو الأستيلاء على العالم، بما فيه الغرب، لأقامة الشريعة الأسلامية كشريعة عليا. أما اعادة الخلافة على يد داعش فليست سوى وسيلة لفرض هذا الأسلام السياسي المستبد، حتى بالسلاح والإرهاب. وداعش هي عودة الى الفتوحات الأسلامية التي ابتدأت سنة واحد هجرية، واعادة فرض القواعد الدينية والأجتماعية واالنكاحية السائدة قبل 1450 سنة. وكل هذا براينا وبراي المعتدلين من المسلمين يشوه الاسلام كدين، ويشوه اسم الله سبحانه وتعالى.
للشهر الثاني من النزوح لازال حوالي الفي شخص في عينكاوة ينامون في العراء، او في خيم بائسة في حدائق الكنائس وأروقتها، في اختلاط لا يوصف، رجالا ونساء واطفالا وشبابا وفتيات، مع الحد الأدنى من الضروريات، وأحيانا اقل من ذلك. من ينعمون بسقف هم محظوظون. لقد قال لي أحد الكهنة الذي كان يدير مركزا للأستقبال في احدى القاعات العامة، أنهم في غياب وجود حمامات في القاعة يرسلون النساء عند عائلات متبرعة مرة في الأسبوع ليتحممن. وتوجهت الي يوما طفلة بصوت متوسل: أبونا، سرقوا كل فلوسنا، وما بقالنا نشتري عمية . وكانت أصوات الرجال والنساء الذين يتجمهرون حولي تأتيني متوسلة كلما كنت أزور المراكز، وتسالني بنبرة واحدة: متى نرجع الى بيوتنا؟ ان الناس نفذ صبرها. لقد أصابهم الملل.
مستقبل غامض: هل هناك حقا أمل في العودة الى ديارهم؟ أم عليهم طرق ابواب الهجرة الى الخارج؟ ان منظر الجموع الغفيرة من طلاب الجوازت والفيزا في أربيل او دهوك، وهي المدن الرئيسة التي استقبلت النازحين في كردستان، بليغ في هذا المضمار! فاذا ما فرغ سهل نينوى من مسيحييه، فالمسيحية العراقية تكون في حكم المنتهية، حيث لن يبقى منها سوى أسمال محكوم عليها بالزوال التام، لأنها ستفقد قاعدتها. هل ترى هناك مقارنة بين سنة 1914-1915 فس جنوب تركيا بما جرى فيها للمسيحيين و2014-2015 في شمال العراق؟
ان مدننا وبلداتنا في هذا الشمال الواقعة تحت سيطرة داعش معرضة للنهب خاصة من قبل السكان المجاورين الذين اصبحوا داعشيين هم أنفسم أو ساندين لهم. لقد صار بعض الاشخاص من الرجال والنساء المرضى، أو المقعدين والشيوخ، الذين تخلفوا في بيوتهم، صاروا رهائن، وخضع بعضهم للتعذيب أو للضغوط كي يجحدوا دينهم، قبل أن يسمح لهم الالتحاق بذويهم في عينكاوة، عبر طرق وعرة ومشيا على الأقدام أحيانا. بعد ثلاثة اسابيع من بقائه وحيدا في بيته في برطلة، وبعد نفاذ مؤونته، خرج رجل مريض بالقلب في الاربعينات من عمره طلبا للقوت، فاساء الداعشيون معاملته، ولما رفض اعتناق الاسلام، ضربوه ضربا مبرحا حتى مات . طفلة بنت ثلاث سنوات انتشلوها من حضن والدتها في قره قوش ولم تعد حتى الآن الى ذويها بالرعم من وعود أحد الوسطاء من المشايخ. ولربما لحقت امرأة مسيحية أخرى نساء وفتيات يزيديات بعن كجواري في سوق النخاسة في الموصل!
لقد أصاب اليزيديين، هذه الأقلية المسالمة ذات الأثنية الكردية والديانة التي
ترقى الى ما قبل المسيحية، لقد اصابتهم موجات قتل جماعي حقيقي في جبل سنجار. وأخذت فتيات ونساء كثيرات سبايا حرب وتعرضن للبيع في مدينة الموصل، ولقد ذكرت بينهن نساء مسيحيات أيضا.

خلاصة:
اليكم النداء الذي اود ايصاله الى الجماعة الأوربية:
زيادة الدعم للتحالف العراقي – الدولي لتحرير البلدات المسيحية في سهل نينوى، باسرع وقت ممكن، واتاحة عودة الجماهير المهجرة الى ديارهم، ومساعدتم لأعادة بناء حياتهم بسلام. انهم لا يطلبون سوى ذلك.
ولكن لنعلم أن هذا التحرير إن تم فعلا، ونحن نأمل ذلك بكل جوارحنا، لن يعيد الناس الى ديارهم الا اذا كانت ثمة ضمانات دولية ومحلية (عراقية وكردستانية) لمنع تكرار الماساة. وينبغي ان تتقرر هذه الضمانات وتتحدد عن طريق الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وأن تتضمن حضورا عسكريا طويل الأمد. فلقد فقد الناس الثقة في تصريحات المسؤولين، ونهبت بيوتهم. وبخلاف ذلك لن يبقى امامهم من منفذ مفتوح سوى الهجرة الى الخارج، مع الأسف.
براينا ليست الهجرة الجماعية الى الغرب هي الحل الأمثل، كما تطالب بها جموع المهجرين في ردة فعل يائسة بعد كل هذه المظالم والضربات المتكررة. ولكنها قد تكون أحد الحلول، مثل الهجرة الفردية الى أحد بلاد الأستقبال، اذا لم تأت ضمانات دولية تسندها قوانين وبرامج محلية للتطوير، وتأمين العدالة والأمان الملموسين والفاعلين. ان تفريغ العراق من مسيحييه ليس هدما لأسس التعددية الأجتماعية والثقافية والعيش المشترك، بل هو فعل ظلم صارخ بحق هذه الشعوب التي، لو تم ذلك، لحرمت من أراضيها، ومن تاريخها، ومن ثقافتها التي ترقى الى الاف السنين، ومن حقوقها المدنية. ظلم يستحق أن يرفع أمام منبر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
على الأسرة الدولية أن تتخذ اجراءات صارمة وسريعة لأيقاف كافة المساعدات العسكرية والمالية واللوجستية لتنظيم داعش وسائر التظيمات الدينية المسلحة، ومقاطعة الدول التي تستمر في مساندتها لها. على اوربا والولايات المتحدة هي ذاتها أن تتوقف عن اللعب بالنار بتغطيتها على مثل هذه المنظمات من اجل اهداف معينة. ولا ينبغي ان تكون سياسة القوى العظمى حاذقة في ما يخص مصالحها السياسية والأقتصادية، وضعيفة الطرف في ما يخص حقوق الشعوب الصغيرة والمظلومة أو المنسية. كما بنبغي على الدول الأسلامية الا تشجع التيارات الدينية التكفيرية، وبصورة أولى ألا تساند تصدير إيديولوجيات الفكر الجهادي المسلح. من جانب آخر يجدر بالمراجع الدينية الأسلامية (مثل الأزهر) أن تسحب الشرعية الدينية من داعش ومن من يماثلها.
اننا نرفض أن نعتبر “ذميين”، وبالتالي مواطنين من الدرجة الثانية. نحن مواطنون مستوفو المواطنة، ونرفض أداء الجزية. نحن أحرار، ونرفع دعوانا الى أعلى المراجع الدولية ضد بيع الفتيات والنساء اليزيديات والمسيحيات كإماء أو سبايا حرب. أترانا نعود الى بربرية الجاهلية ما قبل الإسلام او الى عهود الفتوحات الإسلامية؟ ألم يعد ثمة من وجود لوثيقة حقوق الإنسان؟ ألم يعد ثمة قانون دولي؟
على الحكومة المركزية في بغداد ان تتحمل مسؤولياتها، ليس في استعادة سيادتها على الموصل وحسب، بل أن تقر وتعطي التعويضات ايضا عن الخسائر في الأملاك، والبيوت، والمصالح، والأشخاص التي وقعت في البلدات والقرى المسيحية واليزيدية وسائر الفئات في سهل نينوى. فاذا ترك هؤلاء كل شي وراءهم: الأملاك، والبيوت، والأرض، فإنما لثلاثة أهداف: انقاذ حياتهم، انقاذ شرف وكرامة بناتهم ونسائهم، والأمانة لدينهم. افلا يستحقون الأحترام في حقوقهم وفي كرامتهم الإنسانية؟!
في انتظار ذلك:
تكثيف المساعدات الأنسانية للاجئين. اننا على ابواب الشتاء والسنة الدراسية. وقد نواجه كارثة انسانية اذا لم يتوفر السكن اللائق لهؤلاء الـ 200 الف الى 250 الف لاجىء مسيحي ويزيدي، الموجودين بصورة مؤقتة اما تحت خيم ضعيفة، او في طوابق مفتوحة ومعرضة للرياح والمطر، في أبنية غير مكتملة، او ينامون حتى الآن على الأرض في اروقة الكنائس وحدائقها معرضين للأوبئة ولغيرها من الأفات الاجتماعية.
وتأمين الدراسة للجنسين في كافة المراحل الدراسية حتى الجامعة.
وعلى المدى الأبعد، على الحكومتين الفدرالية المركزية والاقليمية، ان تعيدا النظر في سياستيهما تجاه الأقليات، وتعملا على تأمين الحقوق الثقافية والدستورية المتساوية لهذه المكونات، في نطاق مواطنة كاملة ومتساوية ، من دون تفرقة دينية او عرقية، ضمن دولة مدنية تفصل ما بين الدين والدولة، بحيث يشعر كل مواطن أنه مواطن متساو مع غيره. على الحكومتين أن تعيدا النظر في البرامج الدراسية والثقافية والأعلامية وتنظفها من كل الشوائب التي تمس بالعيش المشترك والأحترام المتبادل بين كافة مكونات المجتمع. كما ينبغي أن يكون الخطاب الديني نفسه (في الجوامع والمدارس الدينية) خطابا يوحّد وليس خطابا يفرّق. أما الخطاب الأسلامي النافي الآخر والتكفيري، الذي يجعل من الدين ايديولوجية سياسية للفتوحات والأستحواذ بالقوة والعنف.. هذا الخطاب لا ينبغي بعد ان يسمح به في دولة تنتمي الى القرن الحادي والعشرين.

المطران جرجس القس موسى
المعاون البطريركي للسريان الكاثوليك
مطران الموصل السابق

16/9/2014

articles_image120140920032415CEUs articles_image220140920032415CEUs articles_image320140920032415CEUs articles_image420140920032415CEUs articles_image520140920032415CEUs articles_image620140920032415CEUs

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s