رسالة الأخ شارل يسوع إلى بني جيلنا

رسالة الأخ شارل يسوع إلى بني جيلنا

كانون الاول 1971

     كتب الأب فوايوم، مؤسس أخوة يسوع الصغار: “تكاد الدهشة تأخذنا عندما نتحقق إلى أي بعد قادنا هذا الرجل الذي لم يعلمنا روحانية جديدة، ولا ترك لنا أي مشروع خاص لننفذه،  ما خلا السجود للقربان المقدس واخذ الإنجيل بمأخذ الجد في حياتنا اليومية . وفي الواقع هما هذان الصمت في الكلام والمضي إلى أقصى حد في العمل اللذان يجيبان، بنوع خاص، إلى ما ينتظره العديد من الناس الذين ملّوا من الخطابات، وباتوا حيارى أمام غزارة المشاريع التي تعرض عليهم. 

    لقد باغت الموت شارل دي فوكو يوم كان في زخم عطائه الصامت لعرب الصحراء الجزائرية الكبرى وطوارقها، ولكن الموت نفسه بوغت إذ وجد هذا الرجل اعزل ووحيدا في آفاق طموحه الواسعة وسع الدنيا، ومغمورا غمر ذرة صحراوية في بحار الرمال، فقد كان مجهولا من مواطنيه، وقبضة من أصدقائه المبعثرين هنا وهناك ما كانوا ليروا فيه أكثر من أمير تائب صلب الشكيمة، عندما يقدم على أمر يقدم عليه بأقصى ما يملك من قوة وعناد. وكان من الممكن أن يبتلع النسيان اسم الأخ شارل، كما فعل بكثيرين من قبله، إلا أنه ترك لنا، بالرغم من فقره، شيئين ثمينين وهما: عبير الحياة وأكداسا من الأوراق.

    في تلك الحياة وهذه الأوراق –التي تعكس صداها ولا تفهم من دونها– قيم قديمة بقدم الإنجيل، ولكنها عيشت بإطار جديد، وتفاعلت مع تطلعات الإنسان الجديد الذي مل من الفوارق الاجتماعية والعنصرية في مسيرته نحو الشمول. لذا لم تعتم هاتان الحياة والأوراق أن اجتذبنا تلاميذ رأوا في الأخ الصغير الشامل رائدا فهم حقا من هو الله وما هو الله بالنسبة الإنسان. وتلامذة الأخ شارل ليسوا، اليوم، الإخوة والأخوات الذين ينتمون إلى الرهبانيات المتحدرة من اسمه حسب. إن الأخ الصغير شارل رائد لعدد متزايد من المسيحيين والمسيحيات من كل البيئات والبلدان والثقافات. 

السر في ذلك؟

     هي هذه القيم الإنجيلية الأصيلة التي جسدها شارل في حياة عطاء وبذل، في حياة مشاركة وتقدير “لكل ما هو حق وصالح وجميل لدى البشر”. بكلمة واحدة يكمن السر في ان شارل دي فوكو عرف أن يجسد اسمى قيم الروح في قلب الجماهير 

الصدارة المطلقة لله في صخب الحياة

      في هذا العصر الذي يتحول فيه الإنسان إلى ذاته، فتوهمه انطلاقات طاقاته المتوثبة انه لم يعد يحتاج إلى سواه، يأتي الأب دي فوكو بهدوئه ليذكره بحتمية العودة إلى الله. هو نفسه تاه بعيدا عنه لوقت غير يسير وارتشف من لذائد الحياة بنهم، إلا انه لم يجد الطمأنينة إلا فيه، حتى بات يتساءل بحرقة، بعد اهتدائه، ترى كيف استطاع العيش بعيدا عن الله طول هذا الزمن؟ فصرح لنسيبه هنري دي كاستلري معترفا: “ما أن آمنت بوجود الله، حتى أدركت إني لا استطيع أن أحيا لسواه”. إلا أن شكيمة شارل تأبى منح الصدارة لله في حياته حسب، بل يود أن يوقف له كل اتساع قلبه وجوانب حياته وقفا مؤبدا دون قيد أو شرط.

    هذا العزم ساقه إلى هجر أصحابه وذويه وحتى وطنه، والبحث عن أمضى الطرق فاعلية للتشبه بالمسيح. انه ضرب من الغرام والحب المطلق لله، لشخص المسيح: “عندما يحب المرء شخصا ما ينظر إليه دون انقطاع،  ولا عيون له إلا له… الأفكار، الأقوال، الأعمال كلها تعود إليه: هذا هو الحب”. لقد خبر الأخ شارل كل هذا في الساعات الطويلة التي كان يقضيها في الليل والنهار أمام القربان المقدس، فقد كانت صلاته همسة حنان، صرخة حب، نغمة مديح وتمجيد وسجود وخضوع. لقد كان يعتبر نفسه “خفير صلاة” باسم شعبه؛ إلا انه متما دعاه صوت سرعان ما كان يترك خلوته ليخدم أخاه.

     اجل، إن عبقرية الأخ شارل كانت في انه حقق هذه الحياة التأملية العميقة وسط الجماهير وعلى الطرقات –مثله في ذلك مثل المسيح، التأملي الكبير، وسط جماهير فلسطين التي أحبها وغمرته بزحمتها– على هذا النهج يتابع السير الإخوة والأخوات المنتمون إلى الأسرة الرهبانية الفوكولدية الكبرى. اجل، وسط الجموع المشتتة وتجاه الجمهرة الكبيرة من الايدولوجيات المتضاربة التي تتوجه إلى الإنسان لحل مشاكله وفهمه كان ينبغي أن يكون هناك من يتوجه أولا إلى الله، ومنه يعود إلى الإنسان. 

حياة  الناصرة ورسالة الحضور والصداقة

     إن التمثل بحياة يسوع في الناصرة يشكل النقطة الرئيسية في حدس الأخ شارل. وهذا التمثيل كان يعني لديه مطابقة  حياته مطابقة تامة على حياة المسيح كما يعرضها الإنجيل، لا سيما في إطار الناصرة –حتى الكهنوت اقتبله تمثلا بالمسيح– لذا فقد مارس الفقر والتجرد في ابعد متطلباتهما، وتخلى عن ثروته ورتبته العسكرية وألقابه العلمية وباتت فلسفته:

“الهي لا ادري كيف تتمكن بعض النفوس أن تراك فقيرا بينما تبقى هي غنية بإرادتها، أما أنا فلست أدرك الحب من دون عوز ملح إلى المطابقة، إلى التشبه، لاسيما إلى مقاسمة جميع الإتعاب والصعوبات وجميع شدائد الحياة”. إن هذا العوز الملح إلى المطابقة قاد الأخ شارل إلى نشدان المذلة والموضع الأخير في عالم لا ينشد سوى المتعة، ولا يرى في الصليب سوى شك وعثرة. شك للمؤمنين الذين يتوهمون أن الإيمان رفاهية واستكان، وعثرة للذين يجهلون إن عظائم الأمور إنما في الجهاد تينع.

    بين حياة الناصرة والصحراء صلات متينة، ولا ندري، في الحقيقة، ما الذي قاد الواحدة الى الاخرى، أهي الصحراء إلى حياة الناصرة، أم هي حياة الناصرة إلى الصحراء!  

“ففي الصحراء نخلي ذاتنا ونبعد عنها كل ما هو غريب عن الله لنفسح المجال كله لله وحده. النفس بحاجة إلى هذا الصمت وهذا الهدوء لينصب الله خيمته ويصور فيها خطوط الحياة الروحية”.

       ولكن الصحراء أو الناصرة ليست للأخ شارل تهربا من الحياة أو تخليا عن إعلان المسيح كلا. ففيها يستمر رسولا ومبشرا؛ ولئن شعر منذ البداية بأنه ليس مدعوا لان يكرز بالإنجيل بالكلام والنشاطات الخارجية، فسيفعل ذلك بالحياة. “سيهتف بالإنجيل بحياته” كما يهتف به غيره بصوته، سيهتف به بحضوره وصداقاته، بابتسامته واستعداده الدائم. بهذا الحدس ذاته رأى الأخ شارل يسوع صفات رسل اليوم وخط للرسل العلمانيين برنامجا لشهادتهم على نمط برسكلة واكيلا يتلخص في “الاحتكاك البناء، واللطف المشعاع، والعاطفة المستعدة للبذل، والمثال  الصالح”: “ينبغي أن يكونوا كرازة حية بمثال حياتهم ينبغي أن يرى الناظر إليهم ما هي الحياة المسيحية، ما هي الديانة المسيحية، ما هو الإنجيل، ما هو يسوع. لا، ليست الناصرة تهربا،  فإنها قادته إلى اكتشاف قيمة العمل اليدوي وعالم الفقراء والكادحين والبسطاء الذين نالوا دوما أوسع ما في قلب الأخ الصغير شارل. من هذا الاكتشاف نمت فكرته في إنشاء رهبانية عصرية فقيرة تعيش من عرق الجبين، عاملة كالمسيح في الناصرة، حيث الرهبان سواسية، دون تمييز بين الكاهن وغير الكاهن، مهما كانت ثقافتهم ودراساتهم الأصلية. ولأجل تحقيق ذلك يبقى ابن جيله، فدعا إلى التخلي عن الزي الخاص وحتى عن الفروض القانونية الخورسية الطويلة واستبدالها بالتأملات الفردية والقداس الالهي والسجود واستخدام اللغة المحكية للصلاة والليتورجيا. وهكذا أعاد الأخ الصغير شارل. طموح الكمال الإنجيلي إلى صفوف الكادحين، إلى أرصفة العمل والى كل ميادين جهاد الإنسان: المصنع، المكتب، المنزل، المدرسة… الالتزامات الزمنية جميعها.

الأخوة الشاملة

       كل ميادين جهاد الناس ميدان للمحبة العاملة في المسيح، وحدود المحبة أن لا حدود لها، حسب قول القديسة ترازيا الطفل يسوع، فهي من طبعها شاملة كشمول الإنجيل الذي يرتفع فوق كل طبقة اجتماعية وكل تمييز عنصري وكل فارق قومي. لقد اعتنق الأخ شارل هذا الشمول بحنان خاص، سيما وانه احتك مباشرة، قبل اهتدائه وبعده، بأقوام مختلفة في الثقافة والدين والعرق، في الجزائر ومراكش وفلسطين وتركيا والهوجار، وعقد صداقات متينة مع عرب وطوارق، من بسطاء القوم وكبارهم، لا سيما في الفترة الأخيرة من حياته في الصحراء الجزائرية، وكانت إخوته دار ضيافة، بل منزلا للجميع. الم يكن لقب “الاخ الصغير الشامل” أحلى الأسماء إليه: “أريد أن يعتاد السكان من مسيحيين ومسلمين ويهود ووثنيين أن لا يروا في إلا أخا شاملا لهم جميعا. لقد اخذوا فعلا يدعون البيت “إخوة” وكم يطيب لي ذلك!”. لقد جسد الأخ شارل في حياته هذه “المحبة المتواضعة التي تحترم الغير” كما يقول الأب فوايوم، هذه المحبة التي يجب أن يعتاد البشر على ممارستها فيما بينهم، وذلك ليس كإفراد فقط، بل عليها أن تعانق جميع القيم الإنسانية والروحية التي توالت واتسعت على مر العصور في الحضارات والثقافات التي انبثقت من الجماعات البشرية المختلفة”(1). لذا، فلا بد من أن يتجسد هذا الشمول في شعب معين وبقعة معينة، ومن ثم ينطلق ويتسع. هكذا فعل الأخ شارل يسوع حين خص العالم الإسلامي بإيثاره وشهادته.

   هذه هي القيم التي عاشها الأخ شارل وقدمها تركة روحية إلى بني جيلنا. فرسالته هي انه بشر بان العيش بمحبة بين البشر ممكن ولازم، وبرهن بذلك بقوة حياته ولطفه وصمته، وذكر كل مترفع أن للاخر، مهما كان فقيرا أو صغيرا، عزة وكرامة هما له أعظم ثروة. لقد جسد محبة يسوع الفادي في عالم التحول الذي نعاصره وشهد لقيم الروح والتجرد والبساطة وبطلان المادة في عالم يتهالك أبناؤه  بجشع على البذخ والميوعة والتخلي، وأصر على أن يؤدي هذه الشهادة في قلب الجماهير لا في حصون الأديرة: هنا يكمن سر التجاوب المتزايد الذي تلقاه روحانية الأخ الصغير الشامل شارل يسوع في عالم اليوم.

    إن هذا التجاوب ما هو إلا انعكاس لرغبة العالم المعاصر، لا سيما الشبيبة، في اخذ الإنجيل ببساطته وبكل متطلباته وحدة أقواله لتجسيده في لحمة الحياة وسداها، والكف عن اعتباره كتاب تخصص أو دليل تأملات أفلاطونية. إن المسيحية التي خرجت من قلب المسيح، والتي يعكس لنا الإنجيل وجهها الناصع، هي حياة؛ حياة تتجسد كل يوم، وفي كل يوم، حياة يعيشها إنسان لا يختلف عن سائر البشر، حياة يعيشها كاملة بالتزاماتها، وسط طموح البشر وإخفاقاتهم، في الحزن والفرح، في نضال البشر ومعاناتهم، في الحب والعمل الدائب والبناء،  في السعة والعوز. المسيحية التي خرجت من قلب المسيح، والتي عاشها الأخ شارل، هي حياة إنسان ملتزم يتفاعل مع زمانه ومكانه وبيئته وشعبه ومع توثبات هذا الشعب وحتى مع ضعفه. بكلمة واحدة هي تجسد عقيدة في تضاعيف حياة. 

——————–

في تصدير كتاب “شارل دي فوكو” رسول الاخوّة الشاملة (للاب جرجس القس موسى)، المطبعة الكاثوليكية – بيروت.

 

Advertisements

ماذا ينتظرون من الكاهن

ماذا ينتظرون من الكاهن 

2- الكاهن

ملف تشرين الاول 1971

       بينما يتعقد مجلس الأساقفة في روما لدراسة احوال الكهنة، نقدم الجزء الثاني من ملف” ماذا ينتظرون من الكنيسة؟”، وهو في نظرة العلمانيين إلى الكاهن وما ينتظرونه منه. وقد حمل أكثر من جواب صدى الارتياح لهذه البادرة التي أطلقتها الفكر المسيحي في استطلاع آراء قرائها عن حياة كنيستهم ومستقبلها، فاعتبرها البعض فرصة فريدة للتعبير عن رأيهم، ووصفها أخر بخطوة مباركة تستحق كل اهتمام ومتابعة، “وأملي وطيد أن تشع هذه الحركة الصغيرة، فتشمل العراق كله… أي أن يجري مسح عام للآراء في كافة مجالات الإيمان والحياة، والاستفادة علميا من هذه الأبحاث لرفع المستوى ومعرفة الشاطئ الذي نرسو فيه حتى نتبصر في أمور حياتنا ونتدارك أخطاءنا” (معلم 26 سنة ).

     هذا ما نصبو إليه فعلا من وراء هذه الاستطلاعات؛ أن تكون منبرا حرا وانطلاقة خيرة لدراسة شاملة لاحتياجات مجتمعنا المسيحي وتطلعات شبيبتنا المشروعة. نريدها أساسا لحوار بناء، ليس بين المجلة والقراء حسب، بل بين المؤمنين وكهنتهم، بين المرؤوسين والرؤساء، والحوار ليس معناه مجرد تبادل الأحاديث: انه انفتاح متبادل وبحث مشترك يفضيان إلى تخطيط مدروس، فإعادة النظر فيما حسبناه إلى الآن كاملا وغير قابل للتعديل، ومن ثم إلى البناء والتجديد.

ما هي، إذن، نظرتهم إلى الكاهن؟

     عكست معظم الأجوبة صورة الكاهن المثالي. فهو قبل كل شيء “رجل الله” و “رسول المسيح على الأرض”، “نذر نفسه للخدمة ” وهو “الشمعة التي تحترق لتنير من حولها”، إذ انه “الشخص الذي ضحى بنفسه تضحية لا يمكن أن يضاهيه فيها حتى الجندي في ساحة القتال”. “انه مرشد ديني واجتماعي” و “ربان السفينة في الأخويات والطبيب الروحي للعائلة”، “رجل المحبة، رجل الإنسانية، رجل الإخلاص”.

    وينطلق آخرون من خبرتهم الشخصية إلى أن الكاهن “هو الأخ بمحبته، والأب بتضحيته، والصديق بتعزيته، وهو المرشد والدليل، هو المعين الذي استقي منه كل ما يساعدني في السير نحو المسيح ” (معلمة 25 سنة).

“الكاهن في نظري ممثل المسيح على الأرض، ولما كان المسيح صديقا وفيا لي، فالكاهن أيضا هو الصديق الوفي الذي الجأ إليه في ساعات الضيق”. (هلال –طالب 20 سنة – بغداد). ويقول طالب آخر:

“إني احترم الكاهن كثيرا، لاسيما الكاهن الشجاع والمتواضع”(طالب 19سنة– قرة قوش).

مآخذهم عليه

      بقدر ما تبرز مكانة الشخص في المجتمع، بقدر ذلك يكون الحكم عليه صارما ويطالب بأكثر: “من أعطى كثيرا، قال الرب، يطالب بأكثر”. وهكذا الكاهن الذي هو بمثابة المرشد والمرجع والمعلم والأب الدؤوب –أليس الجميع يدعونه “أبونا”؟-. فالمؤمنون يأخذون عليه أن لا يكون كذلك كاملا، ويلومونه إن هو تناسى قدسية دعوته، أو تقاعس في أداء رسالته، أو ابرز سلطته الروحية كحجة لأحكامه القطعية:

“أقولها بصراحة لا يوجد لدينا آباء قديسون مثل الذين رايناهم في السابق. إن أرادت الكنيسة إصلاح نفسها، فعليها بإصلاح رجالها أولا ليقتدي بهم العلمانيون ” (طبيب متقاعد 50 سنة بغداد)

ويتساءل احدهم (البصرة):” لماذا لا ينجح الكاهن في عمله ألرسولي؟ فيجيب هو نفسه:

لأنه خال من الحياة الروحية

لأنه يسترشد في مسلكه بمبادئ بشرية

لأنه يطلب راحته ويأنف من التقشف

لأنه يرتبط بعلاقات تبعث إلى الخفة والطيش

لأنه منتفخ بروح التمرد والادعاء النفسي وقليل الاتفاق مع اقرأنه

لأنه لم يصلح نقائصه الخاصة.

     ثم يخلص إلى القول بان خبرته تعلمه إن من بين كل عشرة كهنة، ستة منهم لا يكادون يحافظون على الحرارة الأولى بعد عام من تخرجهم، واثنان فقط بعد عشرة أعوام. ويضيف مهندس (26 سنة – بغداد) إن “كهنة المسيح في العراق قليلو الثقة بأنفسهم” وفي شبه “برج عاجي” يعزلهم عن معاناة الشعب.

     وهكذا، وبالمفضلة: موضوعي لأجوبة الاستطلاع، استنادا إلى ما يدور في معظم مجالس الناس، نرى أن المآخذ الكبرى على الكاهن ثلاثة وهي قلة اتصاله بالمؤمنين، قلة سعيه في نشر التعليم المسيحي، والمادة التي يبدو أنها من اهتماماته المفضلة:

“إنني لا استطيع أن أتصور الكاهن إلا كجابي ضريبة الدخل أو مصلحة الكهرباء”.

“إن معظم العائلات الفقيرة محرومة من زيارة الكاهن، وان بعض الموتى

الفقراء لا يسير في جنازتهم سوى كاهن أو كاهنين، بينما نرى جنازة الغني محاطة بجماعات كبيرة من القسس” (موفق – مهندس – كركوك)

…المواعظ ضحلة والتعليم المسيحي شبه معدوم”(طبيب متقاعد – بغداد)

“الكاهن لا يرى إلا في الأعياد”: لازمة يرددها 95 بالمئة من الناس. ببرودة، وأحيانا من دون تحقيق. بمثل هذه البرودة ينبري الكثيرون إلى تشريح الكاهن في عيوبه وأخطائه الصحيحة أو المزعومة. إلا أن كثيرين أيضا ابدوا تفهمهم للكاهن، لان الكاهن إنسان كسائر الناس، له ضعفه وحدوده، ولم يعطه الكهنوت ملء الحكمة والفضيلة. انه خاضع، وأكثر من غيره، لسنة الكفاح من اجل إصلاح ذاته وتقديسها.

كيف يريدونه ؟

     إن الصورة التي رسمها القراء للكاهن المثالي في مستهل هذا الاستطلاع تبقى ناقصة إن لم تضف إليها ما ينظر المؤمنون أن يتحلى به كاهنهم. فعلى سؤالنا: ماذا تنتظر من الكاهن لك شخصيا وللشعب المسيحي؟، أجابوا:

على صعيد حياته الشخصية:

– يريدون أن يكون الكاهن مثقفا ثقافة عالية “ليتمكن من أداء رسالته التعليمية والقيادية، ومتواضعا ليخدم الشعب ويمتزج به، وذا شخصية قوية تمكنه من أن يوقف المتجاوز ويبث أخلاقية الإنجيل” (طبيب 60 سنة ).

– “يجب أن يكون الكاهن بطلا مسيحيا يعظ بجرأة، وإلا فلا حاجة إليه، لأنه سيكون، آنذاك، مثلي ومثل غيري” (طالب جامعي 21 سنة).

“انتظر من الكاهن أن يكون كاهنا بكل ما في هذه الكلمة من معان… ولست من المؤيدين لان يكون من ألعديمي الابتسامة، ولكن عليه أن يكون لبقا وفطنا ليوفق بين رسالته السامية وحياته الشخصية، ويأخذ بعين الاعتبار نظرات بعض الناس إليه” (طالبة ثانوية 19 سنة)، “ليكن متفتحا ومرنا (معلمة 25 سنة ).

“الكهنة المتفتحون، الفرحون بحياتهم والسعداء في خدمة شعبهم، الذين لا تأسرهم المادة، هؤلاء أحبهم كثيرا، واعتبرهم كأصدقاء ومرشدين” (عدنان – السادس العلمي).

     لقد قيل بان جناحي الكاهن هما العلم والفضيلة، وستبقى الفضيلة دوما الأساس الأمتن لحياته، ولعل في شهادة هذه الفتاة الجامعية ابلغ تعبير لما ينبغي أن يكون الكاهن فوق كل شيء:

“أعود بالذاكرة إلى اليوم الذي كنت استعد فيه لمقابلة كاهن للمرة الأولى، وكان عمري آنذاك 23 سنة: المرة الأولى التي كنت ساجدني وجها لوجه مع كاهن، ولوحدنا؛ المرة الأولى التي سيتاح لي تفحصه وسماعه والتحدث إليه. كنت أفكر باني “سوف أرى” شخصا يحيا من الله ومع الله. هذا كان الكاهن بالنسبة إلي: رجل يحيا من الله. وكنت اردد لذاتي انه ينبغي أن يظهر ذلك بصورة ملموسة، وإلا فكل ما يقال عنه هراء. اعلموا، أيها الكهنة، إننا على هذا نحكم عليكم، على هذه الشهادة شبه الملموسة التي تعطونها عن الله: ينبغي أن يبرز إيمان الكاهن في الخارج، عليه أن “يعرف” الله بحياته ويدعنا نتحقق من انه يعيش منه حقا”.

وعلى صعيد الرسالة :

     إن كان الكاهن رجل الله، فهو خادم الإنجيل أيضا قد تطوع بملء حريته لنشر رسالة الفداء بين الناس، لذا عليه أن يشعر بمسؤوليته الكبيرة تجاه المسيح وتجاه شعبه، “فلا يبدو وكأنه عاطل وطفيلي” (طالب جامعي 22 سنة) ، أو موظف يتقاضى أجرة خدماته. الجميع يطالبونه بان “يخرج برسالته خارج جدران الكنيسة” فيكون “أكثر توغلا في الشعب”، و”في خدمة الجميع”، لأنه بحكم أبوته الروحية، يجب أن يعانق الجميع، لذا فهم يعلقون أهمية كبرى على اتصاله الشخصي بالمؤمنين، لا سيما في الزيارات الراعوية التي ينتظرونها أكثر من مرة أو مرتين في المواسم.

” أرجو ان يشعر الكاهن بان كل بيت يذهب لزيارته هو بيته، وان المؤمنين جميعا هم ذووه” (عدنان – طالب 18 سنة – بغداد).

“… وفي اعتقادي إن زيارة الكاهن للعائلات يجب أن تتعدى السطحي من الأحاديث إلى تعليم حق وحياتي” (معلم 26 سنة – الموصل ).

“أريده أن  ينفتح إلى العلماني أكثر ولا يعتبر نفسه ارفع، بهذا الانفتاح سيكتشف واقع المجتمع الذي يختلف تماما عن مجتمع “الاكليريكية” والكتب التي يقراها” (متي – طالب زراعة 19 سنة).

      من هذا الواقع نفسه يجب أن تنطلق مواعظه، فترشد السامعين إلى فهم معاني الإنجيل وكيفية تطبيقه في الحياة اليومية ومتطلبات العصر. هذا ولا ننكر أن كثيرين يتشكون من شحة المواعظ، ويتمنون لو عقبت موعظة قصيرة عملية تلاوة الإنجيل في كل قداس وعلى مدار السنة، كما درجت عليه بعض الأبرشيات.

     ولكن الموعظة لا تتعدى أن تكون وسيلة ناقصة في ذاتها، لأنها “منولوج” يتكلم فيه الواحد ولا سبيل للآخر أن يستفسر أو يعترض. لذا فهي بحاجة إلى أن تدعمها طرق تعليمية أخرى، تتفق وعقليات الفئات والبيئات المختلفة كالسهرات الإنجيلية التي تقام في الأسر المسيحية، حيث يدرس ويشرح الإنجيل، ويكون منطلقا لإنعاش روح الإيمان والتضامن والتعارف بين أفراد العائلة والأسر المسيحية الأخرى؛ أنها طريقة مثلى لنشر الكتاب المقدس الذي هو منهل العقيدة المسيحية (نوري- مترجم 57 سنة – بغداد).

     وتشكى البعض من تقاعس الكاهن في التعليم المسيحي، أو اخذوا عليه عقم الطريقة، وشدد غيرهم على ضرورة وضع برامج حديثة وموحدة في جميع إنحاء العراق، والسعي لإيصال الثقافة المسيحية إلى جميع الطلبة المسيحيين، وفي مختلف المراحل الدراسية.

     وطالبت الأجوبة أيضا، ومعظمها آتية من الشباب، أن يصرف الكاهن “قسما كبيرا من وقته لتنشئة الشباب تنشئة مسيحية صحيحة” (لؤي – طالب 20 سنة – بغداد) ويبادر في سبيل ذلك، إلى إقامة ندوات وتوسيع نطاق الأخويات والمنظمات الدينية “ودعمها وتشجيعها” حيث وجدت،  أكثر فأكثر ” (سامي – مدرس 25 سنة السليمانية):

“إنشاء أخويات ونواد تكون بمثابة ملتقى للشباب المسيحي، يتلقون فيها ثقافة دينية

صحيحة… واعتقد أن الكنيسة في العراق متأخرة بسبب عدم تفهم الشباب المسيحي عقيدتهم، وبعدهم عن السلطة الكنسية التي تتمثل في الكهنة والأساقفة” (ريتا– طالبة17 سنة– البصرة).

     في هذه الإجابة صدى لأمنية عزيزة طالما سمعناها من الشباب في أن يجتمعوا برؤسائهم الروحيين للتعارف أولا، وللتداول في شؤون الكنيسة والديانة. إن مثل هذا التعاون دعا إليه المجمع، وقد اتخذ بعض الأساقفة مثل هذه البادرة.

هذا هو النموذج الكهنوتي الذي يريده المؤمنون، ولكن…

هل أن الطريقة الحالية لحياة الكاهن تلائم عصرنا وتراعي كرامته؟

      من الآراء ما يؤيد الطريقة الراهنة لحياة الكاهن ولا يرى فيها ما يقلق، أما الأكثرية فترى أن التجديد والتعديل ضرورة، وإلا لما استهوت أحدا بعد، ولبقي الكاهن على الهامش. تناولت الملاحظات ناحيتين رئيسيتين هما اندماجه في المجتمع ونظام حياته المادية.

     فمن ناحية الاندماج، يريدون أن يكون الكاهن اقرب إلى الناس ويفهم واقع الحياة. وإذا تمسك الكبار بمظهر الكاهن الخارجي  ورسالته، فهم يريدون له حرية أوسع واندماجا اكبر معهم، ولا يرضون “بتطويقه ضمن اطر بالية ونواهي عقيمة، وكأنه كائن ليس كالبشر، حتى ليبدوا وكأنه اثر قديم”. فلا لباسه ولا لحيته تهمهم، بل حياته ورسالته. وقد تطرق البعض الى فكرة “عمل مهني” بجانب الكهنوت:

“يجب تطوير حياة الكاهن في إطار عصري يتمتع فيه الكاهن، ضمن التزاماته الروحية  

بكافة حقوقه الإنسانية، لئلا يبقى شخصا معقدا. فليفسح له  مجال  أوسع للمشاركة الفعلية في حياة المجتمع. وبما إن الكهنوت رسالة، فاقترح أن يزاول الكاهن مهنة حرة، مع لكهنوت، كان يكون طبيبا أو عاملا: بذلك سيشعر بقيمة العمل، ويوسع نطاق رسالته، ولا يبقى حبيس المادة “(طالب طب – 29 سنة).

    وتتناول ستون بالمئة من الأجوبة موضوع الزواج للكاهن مؤيدين، واقترحوا ترك الحرية له أن يعتنق الكهنوت بتولا أو متزوجا “أسوة بالطوائف المسيحية غير الكاثوليكية” (موظف – الموصل) ، “لان الحياة العائلية عنصر جوهري ومكمل للإنسان” (محاسب – بغداد) ، “ويوفر له طرقا أفضل للرعاية الأبوية وتفهم القضايا العائلية” (موظفة).

     ونوهت أجوبة أخرى إلى تعيين سن لتقاعد الكهنة، ومن جهة أخرى إلى اشتراك اكبر مع الأسقف في إدارة الكنيسة.

     أما الاستياء الكبير، فيأتي  من الأسلوب الحالي لتأمين معيشة الكاهن، هذا الأسلوب الذي لا يراعي كرامته مطلقا، حسب قولهم، أو يعرضهم لسهام الانتقاد وخطر التهافت إلى المادة، أو يظهره بمظهر المستعطي، كما تحاملت بعض الأجوبة على بعض الكهنة “الأغنياء”، وطالبت الجميع بان يعيشوا بموجب روح الفقر والبساطة  “ويلتزموا حياة التقشف، نوعا ما، ليشعروا بشعور الفقراء ومر الحياة” (طالبة آداب 18 سنة). وقد وردت اقتراحات بشان تنظيم معيشة الكهنة خلاصتها:

–  تخصيص راتب شهري معقول لكل كاهن، يتغذى من اشتراكات المؤمنين والرسوم والهبات والوقف.

– إنشاء لجنة من العلمانيين الكهنة، تحت إشراف الأسقف، تعرض مبلغا معينا على كل عائلة، مساهمة منها في رواتب الكهنة، عوض “العيدانية”.

– كل الرسوم والهبات الأخرى تلقى في الصندوق المشترك.

– إنشاء صندوق ضمان وتقاعد للكهنة، على صعيد الأبرشية أو الطائفة أو البلد (بين مختلف الطوائف المسيحية).

  وطرحت أجوبة عديدة “الحياة المشتركة بين الكهنة” كأسلم طريقة لضمان روحانيتهم، وتنظيم رسالتهم، والتخلص من عزلتهم، وزيادة التعاون فيما بينهم، وحيث لا يتوفر ذلك فالأفضل أن يسكن الكاهن في الكنيسة بصورة لائقة ليتفرغ لرسالته.

الخلاصة : هذه الآراء صدرت عن اشخاص يحبون كهنتهم وينظرون إليهم نظرة تقدير وانتظار. لولا ذلك لما تكلموا. وانتقاداتهم نفسها ليست إلا دليلا لانتباههم إلى كهنتهم . قد يبني البعض أحكامه على معلومات خاطئة، أو يصوغون اقتراحاتهم في قضية ما دون الإلمام بكل جوانبها. اجل، إن جميع الآراء التي أوردناها في هذا الاستطلاع ليست منزهة وبعضها يحتاج إلى نقاش. إلا أنها كلها أصوات خليقة بان تسمع، وأراء جديرة بان تدرس: وهي في الوقت نفسه نداء إلى الجميع كي يعوا أن كنيسة العراق لا ترسو على أكتاف الأساقفة والكهنة فقط: أنها أمانة أيضا بعنق النصف مليون مسيحي الذين تضمهم.

     فأملنا، إذن، أن لا يقرا القارؤون هذا الاستطلاع ببرودة لا أبالية، ويعيدوا المجلة إلى زاويتها على الطاولة أو في المكتبة. فيا حبذا لو حرك  القراء والأصدقاء إلى إبداء أرائهم فيه وإرسالها ألينا، فينشا بيننا حوار مفتوح، منه تنطلق بوادر العمل والتجديد.

 

 

ماذا ينتظرون من الكنيسة (1)

ماذا ينتظرون من الكنيسة (1)

ملف/ايلول1971 

       هذا الملف الاستطلاعي هو أول حوار مفتوح نقيمه مع قرائنا حول ما ينتظرونه من كنيستهم وما هي آراؤهم واقتراحاتهم  لإنعاشها. وقد عكست الأجوبة التي آتتنا آراء بيئات مختلفة من مختلف الأعمار ومن كلا الجنسين ومن معظم محافظات القطر واتسمت كلها بالصراحة التامة والجرأة… اللاذعة أحيانا. لا ضير في ذلك  فقد جاءت كلها  نتيجة خبرات شخصية وتحليلا لواقع  يمتزج فيه الحلو والمر، وساقتها كلها رغبة صادقة في المساهمة معنا في جعل الإ صبع على الداء نشدانا للعافية. وهكذا نضع جميعا كل لبنته في التجديد والبناء. 

     لدى سماعك كلمة “كنيسة” بماذا تفكر؟

     تناولت الأجوبة  مفهومي الكنيسة المعنوي والمادي. فهي “مؤسسة الله الهادفة إلى إيصال بشارة الخلاص إلى كل إنسان”. وهي “جماعة المؤمنين بالمسيح وجسده السري: المسيح رأس ونحن أعضاء”، ” لذا فكل مسيحي هو الكنيسة بالاتحاد مع المسيح”. ويتوق معلم إلى أن تكون الكنيسة” كجمهورية  فاضلة وواسعة لبلوغ الكمال في مجتمع متآلف”. “إنها كالبنيان، أعمدته الرؤساء ولبناته المؤمنين”.

   أما انتصار (معلمة)” فكلمة “كنيسة” توحي إليها بان هناك صوما وصلاة وقوانين أخرى يجب تطبيقها”. بينما يذهب طالب جامعي”معمذ ولكن غير مؤمن” إلى”أنها توحي إليه بان هناك مسؤولين متعصبين لتفسيراتهم لمفاهيم الإيمان، دكتاتوريين”.

    وعن المفهوم المادي تعتبرها س (طالبة ثانوية) “بيتا تلتقي فيه بمن هو أحب شخص إليها، المسيح، وتتكلم معه حديث الأخت لأخيها”.

   الكنيسة بيت الله وموضع العبادة والصلاة ومفاهيم يذود عنها الجميع لذا ارتفع الاحتجاج ضد من يستخدمها لمآرب غريبة كمراقبة الفتيات أو” لعرض الأزياء والتسريحات والمبتكرات الجديدة واعتبارها محلا عاما وكأنما الناس يؤمونها لتبديل الهواء والترويح عن النفس”

( مهندس. معلم. طالب جامعي). 

      الكنيسة وقضايا العالم

    هناك من ينكر على الكنيسة أن يكون لها أي شان في غير الدين ويذهب البعض الآخر إلى تأييدها في أمور ومناوئها في أخرى كقضايا الاستعمار والعلاقات الدولية وكل ما تمت إليه السياسة بصلة.

 إلا أن 90 بالمائة من قرائنا الذين أجابوا إلى أسئلتنا متفقون على أن للكنيسة كلمة تقولها في جميع قضايا الإنسان لأنها “أم الشعوب ومرشدة المجتمع وضمير البشرية الحي” ولان المسيحية، كما يصفها يوحنا 23، “تصل الأرض بالسماء إذ أنها تتخذ الإنسان في واقعه الراهن من حيث هو روح ومادة، عقل وإرادة، وتدعوه إلى السمو بفكره من ظروف حياته الأرضية المبتذلة إلى قمم الحياة الخالدة في اكتمال لا نهائي من السعادة والسلام”:

“الكنيسة من العالم وفي العالم فلا يصح أن تحيا منعزلة، غائبة عن الأحداث. ومما يحتم عليها أن تقول كلمتها بوحي الإنجيل وبما يليق بموقف المسيح إن المسيح. عاش مع الناس وصمد في وجه الطغاة وقال كلمة الحق دوما، ولم ينعزل عنهم للصلاة فقط، وتدخل الكنيسة في قضايا الإنسان ليس معناه أنها تنتمي إلى معسكر ما أو تتبنى حزبا معينا

 (مدرس 25 سنة – السليمانية).ذلك لان الكنيسة تعالج هذه الأمور لا كخبيرة في السياسة بل كخبيرة في الإنسان (بولس السادس).

     وهكذا تعكس معظم الآراء أن الكنيسة ليست مجرد أداة للتوجيهات الدينية فقط. اجل إن رسالتها روحية بالدرجة الأولى، ولكن بما  إنها تعانق الإنسان بأكمله فيجب أن تتحسس كل ما يخصه “فتسعى للسلام وتشجب الحرب والعدوان وتساهم في حل كافة قضايا الدول” (عادل – كركوك). ولكن هناك من يشترط “أن تكون الكلمة متزنة وصائبة” (طالب طب 26 سنة)،

“وان لا تتمادى في ذلك لئلا تقع في نفس المصاعب التي وقعت فيها ردحا من الزمن” (صباح – موظف حكومي 27 سنة – الموصل). 

       أنظمة الكنيسة ومتطلبات العصر:

إن اصلب المناوئين لتدخل الكنيسة في شؤون الإنسان يرفعون صوتهم في مسالة الطلاق الذي يرونه حلا عادلا في حالة الزنى أو المروق عن الدين المسيحي، ولا سيما في تنظيم النسل الذي يعتبرونه قضية شخصية جدا “لا دخل للكنيسة فيها” وإجراء لا بد من اللجوء إليه في بعض المجالات الصحية والاقتصادية، فضلا عن كونه “علاجا لازدياد السكان الهائل الذي يهدد البشرية بالجوع والتخلف”.

“نعم إن للكنيسة في نظري كلمتها في قضايا العالم كالسلام والحرب والتخلف، ولا في تحديد النسل” (خضر – فلاح 33سنة قره قوش)

     ومن القوانين أو النظم الأخرى التي يصطدمون بها الاعتراف الفردي والاختلافات الطائفية فيطالبون ببذل أقصى الجهود لإحلال الوحدة المسيحية وتوحيد الأعياد والاصوام بين كافة الطوائف وعدم الاقدام منفردين على اية بادرة يمكن القيام بها مجتمعين، ولا يفهمون عدم زواج الكهنة، إضافة إلى التشكي من قلة قداسة بعضهم ومن نظام أجور الخدمات الكنسية. أما مشكلة اللغة الطقسية:

“… زيارة الكنيسة كل احد دون مشاركة فعلية بالقداس والصلوات وتكرار العملية دون فهم مما جعلني أتردد: هل علي الاستمرار على هذا الروتين أم لا” (مهندس26سنة).

وخاصة الهوة الموجودة أحيانا بين السلطة الكنسية والشعب المسيحي:

“إن  ملاءمة قوانين الكنيسة لمتطلبات العصر متعلقة بعدم عزلها عن الأشخاص الذين وضعت وتوضع من اجلهم . إن العديد من نظم الكنيسة غدا في مستوى اقل من التفاعل مع عقلياتنا مما يحملنا على التخلي عنها لا سيما إذا فرضها علينا أناس صلتهم بنا ضعيفة ويجب علينا تلقيها دون نقاش ولا اقتناع” (معلم 26 سنة) .

“ستتلاءم قوانين الكنيسة مع متطلبات العصر إذا حاولت أن تتكيف وتنفض عنها غبار الجمود واللامبالاة” (معلمة 25 سنة- زاخو) .

         كنيسة العراق

إن الجمود واللامبالاة والانطوائية نعوت غلب توجيهها، ممزوجة ببعض نغمات التفاؤل أحيانا،  إلى الكنيسة في العراق بوجه خاص، فرجالها بالنسبة إلى الكثيرين “يعيشون في أبراج عاجية” يجهلون قضايا الفرد المسيحي، لذا فإنهم يقترحون على رؤسائها  إتباع سياسة “الباب المفتوح” لاستقبال الأبناء ومعالجة مشاكلهم والاشتراك في حياة البلد ونهضته وقضاياه، فلا يحسبون من بعد وكأنهم، هم وشعبهم، غرباء عن وطن إبائهم  وأجدادهم:

“بعد المجمع المسكوني طربنا، بل تباهينا بوعي الكنيسة وانفتاحيتها، إلا أننا لحد الآن

لم نر شيئا تحقق في مجتمعنا العراقي، أو يكاد ما تحقق لا يتعدى الواحد بالمائة “(موظف24سنة).

 “الكنيسة في العراق لم تحقق إلا جزءا بسيطا من رسالتها الإنسانية. اما بالنسبة

للحقول الوطنية فان كنيستنا منعزلة انعزالا تاما وكأنما خلقت للدين فقط وحصرت كل همها في ذهاب الشعب إلى القداس وحفظ  الا صوام” (هلال- طالب 20 سنة).

     ويشتكي الكثيرون من تخلف الكنيسة في الحقل الاجتماعي وقلة ما عملت للنازحين من الشمال اثر الأحوال الشاذة، ويحمل البعض الآخر على تكاليف المدارس الأهلية الباهظة. ومن جهة أخرى يطالبون بمزيد من “الديمقراطية في إدارة الكنيسة وعلاقات رؤسائها بكهنتها وعلمانييها ” (معلم 33 سنة تلكيف).

“عندما تتخذ السلطة قرارا، لا تجهد نفسها لمعرفة رأي العلمانيين وكأنما الرسالة

المسيحية تخص الكهنة وحدهم… إن الانفتاح بين السلطة والعلمانيين هو حجر الزاوية في إنعاش كنيستنا العراقية وإلا فالفشل يلازمنا” (سالم – مدرس 25 سنة – البصرة).

      هذا هوعين الحق. فللعلمانيين دور خاص وهام في حياة الكنيسة، وترجع أجوبتهم صدى انتظارهم من السلطة الكنسية إسهامهم فيها، ويسترعون اهتمامها الجدي المدروس بالتعليم المسيحي للفتيان وبالثقافة المسيحية للكبار، ويتطلعون في اقتراحاتهم إلى إنشاء معهد أو مركز للدراسات اللاهوتية والكتابية وتاريخ الكنيسة، لاسيما الشرقية، ويمكن أن يكون هذا المعهد المقترح مهدا لإعداد أساتذة أخصائيين للتعليم المسيحي في المدارس الأهلية والرسمية. وفي المنطق ذاته يتمنون تشجيعا اكبر للحركات الرسولية. من هنا نرى أن الكنيسة بحاجة إلى تخطيط شامل ومدروس لحاجتها “تقوم به السلطة الكنسية والكهنة، مستندين إلى آراء العلمانيين” (مدرس– السليمانية ) والخروج بها من البعثرة والركود الذي رزحت تحته. “ينتظر منها الآن وبدون تأخير أن تتحرك بسرعة قبل فوات الأوان” (نبيل – طالب جامعي 21 سنة).

ينتظر منها أن تنفتح وتفكر وتراجع حياتها فتعمل كشقيقاتها الكنائس الأخرى على ضوء ما خطه المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، وخبرة هذه الكنائس بوسعها أن تقينا عثرات كثيرة.

    ولكن إذا كان البعض ينسبون قلة اشتراك العلمانيين في حياة الكنيسة إلى عدم تجاوب السلطة معهم، فالتحليل الموضوعي جعل القراء يكتشفون أسبابا أعمق كامنة في “قلة الثقافة الدينية” و ” سطحية التربية المسيحية في الأسرة ” و”تهاون الكهنة” و”انشغال العلمانيين في أمورهم الخاصة” و “ركود المجتمع الذي لا يقدر ولا يتفهم بعد رسالة العلمانيين بالكفاية”، و”الأهل”؛ فالشاب أو الشابة له أهله الذين يقفون أحيانا –وللأسف الشديد– موقفا سلبيا من اشتراك بنيهم في خدمة الكنيسة وتكميل رسالتهم العلمانية والمساهمة في النشاطات الدينية المختلفة”

( هناء 19 سنة – الموصل). 

 

 آمال اليقظة والقيامة

     من دون الأخذ بمبدأ النقد الذاتي وقبول الاعتراف بنسبية ما اعتبرناه إلى الآن مطلقا وأفضل ومن ثم البناء من جديد، لا يمكن لكنيستنا أن تحيا حياة طبيعية. ستبقى تعطي التعليمات العامة والمبادئ الجميلة دون أن تعالج مشاكل الناس الواقعية وتنعش حياة الفرد المسيحي او تخلق البوادر العملية لجعل الإنجيل حياة المسيحيين وفرض وجودها في المجتمع العراقي لخدمته والمساهمة في تطويره.

   لا ننكر أن شيئا ما اخذ يتبدل في كنيسة العراق. وقد عكست جميع الأجوبة هذا الشعور مقرونا بارتياح وتنفس الصعداء:

“في الآونة الأخيرة بدأت الكنيسة في العراق  تقوم ببعض الأعمال كمحاولة

لتحقيق رسالتها بصورة جيدة، واعتقد أنها بداية حسنة ونرجو أن تشرك الشعب المسيحي بسماع أرائه وتحقيق مطالبه ” ( س. س- موظفة 29 سنة).

“ولكن الآن بدأت تظهر بوادر تبشر بخير مما يجعلني مسرورا بكل ما تقوم به من

نشاط اجتماعي وثقافي وديني، واني انتظر من الكنيسة أن تكون بمستوى الإحداث والتطورات… جريئة… قوية تدخل المجتمع” (صباح – موظف حكومي 27سنة – الموصل).

     ويبني قراؤنا استنتاجاتهم على بوادر الحيوية والوعي التي يلمسونها منذ مدة في الندوات التي تقام هنا وهناك والاهتمام بالكتاب المقدس والسهرات الإنجيلية  والوعي المسيحي الذي تخلقه في أعضائها الأخويات الرسولية التي تجيب إلى حاجات الشبيبة المعاصرة وتحرك بعض العناصر الكهنوتية  الشابة نحو التخطيط  والعمل وبدء اشتراك العلمانيين في الرسالة وطلائع حركة النشر والصحافة التي لا زالت في أولى خطواتها الحذرة. ويتهلل احدهم “للاعتماد أخيرا على الشبيبة كعنصر أكثر ضمانا للإنعاش” (مدرس 26 سنة – الموصل).

    ولكن هذا التحرك لا يشمل سوى جزء صغير من الأفراد والطاقات والقطاعات. لا زلنا في بدء الطريق، وقد تكون الطريق طويلة وشائكة، فالضوء الأحمر الذي ينذر هنا وهناك، في كنيستنا، إنما يسبق اخضر المرور والأمل، وبراعم الزهور الأولى، وان لم تكن الربيع، فهي إيذان بالربيع، شريطة أن لا تذبل من شحة المطر والشمس. 

    الخلاصة:

      إن ضيق المجال يشفع فينا لعدم تمكننا  من الاستعاضة في سرد كل الشهادات والآراء والملاحظات التي أبداها قراؤنا. إن رزمة الرسائل ذات الألوان والأحجام المختلفة التي حملها ألينا البريد منذ شباط الماضي أطلعتنا على اكتشافات كثيرة مما يحمله في طيات قلبه أو في أحاديثه شعبنا المسيحي تجاه كنيسته. ولقد أسهب الكثيرون في إجاباتهم وحملوها اقتراحات ايجابية وأراء جريئة لم يصقلوا حدتها دوما، كما لمسنا في بعض ما ورد، وحسنا فعلوا لأنها أتت طبيعية وشخصية.

     وما ساقنا إلى نشر هذا الملف الأول من نوعه في تاريخ كنيستنا هو حبنا العميق لكنيستنا ورغبتنا الصادقة في إنعاشها والمساهمة في مدها بحيوية الفاتيكاني الثاني وخدمة للحقيقة التي تأبى السير في الظلال والتمويه. إننا لسنا، ولا أظن قراءنا الذين أوردنا آراءهم، من دعاة الانتقاد للانتقاد والتشهير بالعيوب للتحدي! بلى، إنجيل المسيح يتحدانا في أخطائنا وتقاعسنا وسباتنا من خلال هذه الآراء والأفكار التي نعتبرها، نحن، بمثابة تحليل طبي لإمراضنا أو صورة شعاعيه  تعكس ما وراء واجهة كنيستنا. قد لا تكون كلها صائبة، ومنها ما يحتاج فعلا إلى نقاش وتمحيص، إلا أنها تحمل أيضا كثيرا من العناصر الايجابية والأماني والاقتراحات التي تستحق أكثر من أن نمر عليها مر الكرام.

      إني أظن إن كانت كنيستنا في العراق، برؤسائها  ومرؤوسيها، بحاجة ماسة إلى اعتراف عام والى مراجعة حياة شاملة دقيقة صادقة من دون تأخير، فهي بحاجة أيضا لا تقل إلحاحا إلى “خطة خمسيه”  أو “عشرية”، إلى برنامج عمل يصمم سيرها ويدفع بها إلى الأمام في هذه المرحلة “ألما بعد مجمعية” التي تتمخض فيها الكنيسة الجامعة نحو آفاق جديدة، والتي نفحتنا، نحن أيضا، ببعض الوعي والرغبة في السير. لقد دخلنا في مدار الأمل! اجل إن آمالا كبارا تعقد على الوعي الذي نرى بشائره لدى العناصر الشابة من كهنة وعلمانيين، وما ربيعه المنتظر إلا في تلاحم هؤلاء فيما بينهم ومع السلطة كجسد واحد متكامل عامل. يكفينا من التشتت ومعالجة  حياة كنيستنا بدوامة الأوامر والنواهي والتوجيهات من طرف واحد.

      ولكن ليعلم المتحمسون إن سر النجاح الحقيقي وسنة التطور ذاتها لا يعتمدان البتر والتحطيم؛ ومن جهة أخرى لا يعتبرنّ الكبار هدما وتخريبا استئصال بناء متصدع حين يهدف إلى وضع أساس امتن وصرح أجمل. فعلينا بالعمل الهادي في الأعماق، وإلا لكانت كارثة للكنيسة، لا تجديدا لحياتها.

       يقول مثل صيني: “سفرة ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة”، فلنخطها سوية بشجاعة وثقة وتصميم وتفاءل.

كنيسة ايرلندا

كنيسة ايرلندا

ملف/نيسان 1971

يتناول “ملف العدد” في هذا الشهر ريبورتاجا عن حياة الكنيسة في ايرلندا وجوانبها الثقافية والاجتماعية والدينية في إطارها التاريخي المعاصر. ونأمل أن نوافي القراء بين الحين والآخر بتحقيقات مماثلة عن الكنيسة في مختلف البلدان.  

    نشر الرسام الكاريكاتوري كومهار ليدول أربع خرائط كاريكاتورية لايرلندا تمثلها الأولى في أعين أهلها “جزيرة العلماء والقديسين” وقد علتها القبعة الجامعية وهالة الأولياء، وتعكس الثانية نظرة الانكليز إليها فتراها قطعة واحدة مع ارض بريطانيا العظمى لا يفصلها عنها حتى ولا خط وهمي. بينما استعيض عنها في الخارطة الثالثة برمزها، وقوامه وردة النفلة المثلثة الأوراق تسبح بجانب انكلترا. هكذا يتخيلها الأميركيون. أما للاوربيون فلا وجود لها في قاموسهم، لذا حذفوها من الخارطة الرابعة!

 

    الي قبضة من السنين كانت الشمس تشرق وتغرب على ارض ايرلندا دون أن يحدث ما يسترعي انتباه العالم الخارجي، وفجأة تحركت “جزيرة الزمرد” كما يسميها أصحابها، بعد صمت طويل وحملت ألينا موجات الأثير والصحف أصداء المعارك التي أفاقت العداء التاريخي المكبوت بين الكاثوليك والبروتستنت، فأخذنا نتساءل ما معنى الحرب الدينية التائهة في قرن التقارب المسكوني العالمي؟ إن الحرب الحقيقية ليست بين الكاثوليك والبروتستنت بل بين الايرلنديين والانكليز، بين حقوق أقلية مظلومة وامتيازات أكثرية مستبدة، فالمسالة اقتصادية سياسية وليست دينية إلا بمقدار ما يستغل الدين للتغطية عنها.

     ولكن لا نستبق، فقضية ايرلندا الشمالية ليست الا جزءا من قضايا ايرلندا، ولا يمكننا فهمها إلا في إطار اطلاعنا على حياة الكنيسة في هذه البلاد، عبر تاريخها الحافل بالجهاد. وهذا التاريخ نفسه سيكون لنا خير معين لمعرفة وجه المسيحية الايرلندية المعاصرة وتطلعات جيلها الجديد.

المعجزة الايرلندية

     ترقى المسيحية في ايرلندا إلى القرن الخامس حين انطلق القديس باتريك من مقاطعة بريطانيا الفرنسية حاملا مشعل الإنجيل إليها وأصبح رئيس أساقفة لمدينة ارماغ. ومن هناك انتشرت المسيحية في سائر أرجاء الجزيرة ودخل القديس باتريك عالم الأسطورة في تاريخ ايرلندا بحيث أصبح اسمه مرادفا لاسمها .

وطبع كنيستها منذ نشأتها بطابع روحانيته الرهبانية والتبشيرية معا، فالتبشير لدى الايرلندي دم يجري في عروقه. إن همه الأكبر في كل بقعة جديدة حل فيها، حرا أم منفيا أم مهاجرا، هي أن ينشر الإيمان الذي ورثه عن القديس باتريك.

      “فالمعجزة الايرلندية” هي معجزة المرسلين الذين انتشروا في اسكندنافية وكل أوربا بأساقفتهم المبشرين ورهبانهم وأديرتهم يثبتون مبشريهم القدامى ويفتحون للمسيح ممالك جديدة . “وهكذا كانت ايرلندا فلسطين جديدة، كما يقول المؤرخ الفرنسي  دانيال روبس، تبعث الرسل إلى بقاع أوربا والدنيا”. واليوم أيضا لازال 1/12 من مجموع المرسلين ايرلنديين.

      لقد ولد الايرلندي على ظهر سفينة، فحبه للأسفار والهجرة (17000 مهاجر سنويا) لا يضاهيه سوى حبه للتبشير، لذا فهو يحتفظ في قلبه ويورث أبناءه أينما حل هذين الحبين: حب جزيرته وحب كثلكته التي حملها معه إلى بوسطن وشيكاغو في القرن الماضي حيث ازدحمت الجالية الايرلندية وكانت في أساس الكثلكة الأميركية، وفي استراليا حيث كان معظم الاكليروس الكاثوليكي، إلى وقت قريب، ايرلندي المنشأ، وفي انكلترا حيث كان أساقفة انكلترا كلهم ايرلنديين إلى عام 1930. 

وجه المسيحية الايرلندية التقليدي إن المسيحية الايرلندية صاغتها أجيال متعاقبة من

الجهاد الوطني والمجابهة الدينية والفقر الاجتماعي فصقلتها على الاعتزاز القومي والحذر والتقوى الاجتماعية العاطفية، حتى غلب عليها طابع الانطواء والمحافظة، مع ما في ذلك من قيم سلبية وايجابية. فالايرلندي حار الطباع، غضوب، ولكنه لطيف ومضياف معا. انه فوق كل شيء شديد التمسك بتقاليد أسرته وكنيسته، ولا وجود “للحياء البشري” في حساباته، فهو لا يخجل من رسم إشارة الصليب كلما مر أمام كنيسة، وليس من النادر أن يركع الراقصون للصلاة وسط “البيست” بعد دورة أو دورتين في حفلات التعارف التي تنظمها الخورنة، إن هذه الازدواجية من خصائص الايرلندي، فالسكر يجاور الصلاة وجماعات الشباب ألهيبي الذين يتراصون على مقاعد ضيقة حول فتيات لعوبات بالميني جوب، في النوادي الليلية مساء السبت، هم أنفسهم الذين تضيق بهم الكنائس أيام الآحاد والأعياد حيث يكثر المعترفون والمتناولون، وحضور المؤمنين في قداديس الأيام العادية مألوف. وتقدر نسبة الممارسة الدينية ب 90% (83% لدى الجامعيين)، أما المواعظ فقليلة. وتكثر صور القديسين والإيقونات في المنازل والكنائس. وأوسع العبادات انتشارا عبادة الوردية وقد روجتها الأخوية المريمية التي أبصرت النور في دبلن عام 1921، وتكاد تكون المنظمة الرسولية العلمانية الوحيدة في ايرلندا، كل هذا يوحي بتأثير الكنيسة العميق على المجتمع الايرلندي ولا غرو في ذلك فالكنيسة تمسك زمام التعليم بمختلف مراحله، والى وقت قريب كان مفتاح الصحافة والنشر ملكا لها أو يتحرك بوحيها.

رياح ما بعد المجمع

       إلا أن الأمور أخذت تتحرك الآن بعد هبوب رياح المجمع الذي لم تصل ايرلندا عنه إبان انعقاده إلا أصداء بعيدة، وقد تكون خبرة كنائس أوربا إحدى غنائم هذا التحرك البطئ.

      غير أن هذا التحرك، وان متأخرا، هو محور مجابهة بين جيلين، جيل المحافظين المتمثل في رئيس أساقفة دبلن ماك كويد (76 سنة) وقسم كبير من الرعيل المولود حوالي 1900، الذي يرى في كل جديد تخليا وفي كل نشدان للرفاهية وجها من أوجه الوثنية، وجيل التقدميين أو المجددين، ويتمثلون بالعناصر الشابة من الاكليروس والعلمانيين. فهناك فريق من الكهنة الشباب المطلعين على الفكر الحديث يقودون الحركة التجددية، منذ 1966، مندفعين بغيرة رسالية ظاهرة “لعصرنة” سبل إبلاغ الكلمة والانفتاح إلى حاجات إنسان اليوم وتطلعاته وكسر طوق التزمت بعد أن زالت موجباته التاريخية.

     وينظم إلى هذه النخبة عدد متزايد من العلمانيين الواعين الذين يرغبون المساهمة في حياة الأمة والكنيسة بالتزام أكثر تفهما للواقع وبروح نقدية بناءة ، تحدوهم في ذلك إرادة واضحة في التحرر من السيطرة الاكليريكية التقليدية؛ والشبيبة الجامعية في الطليعة من هذا التيار الذي تشتغله انعكاسات التحول الاقتصادي والأخلاقي الذي يتجه نحو مجتمع اشتراكي علماني، ونلقى أصداء هذا التيار في صحيفتين هما “العلمانية المستقلة” المنفتحة للحوار والتجدد ويشترك في تحريرها كاثوليك وبروتستنت، و “العقيدة والحياة” ويصدرها الآباء الدومنيكيون، وتعكس وجهة النظر اللاهوتية الحديثة في توفيق وتجسيد العقيدة في الحياة العصرية والقضايا الاجتماعية.

    ومجلس الأساقفة الذي اخذ يتطعم بدماء شابة سائر في تنظيم ذاته، بحسب أسس ودينامية جديدة مستوحاة من تعاليم المجمع والواقع الايرلندي ليجابه موجة التحدي والتساؤل المستيقظة والتباعد عن الكنيسة، وليعالج  تقلص الدعوات، وان لم توح نسبتهم العالية بعد بالقلق.

المسالة الايرلندية

     دخلت ايرلندا في فلك التاج البريطاني منذ القرن الثاني عشر. إلا أن الضربة الكبرى أتتها باحتلال هنري الثامن (1536) وإعلانه ذاته ملكا على ايرلندا ورئيسا أعلى لكنيستها ومحاولته إرغام أهلها على هجر الكثلكة واعتناق البروتستنتية، فجابه مقاومة عنيفة كانت نتيجتها الحركة التحررية الأولى بعد ثلاثين عاما. وتكررت الانتفاضات وتتالى القمع والقوانين المجحفة. وفي فترة ضعف منح شارل الأول حرية العبادة للكاثوليك (1646)، إلا أن كرومويل انقض عليهم من جديد (1649) ودمر كنائسهم ولاحق الكهنة وسحق كل مقاومة بشراسة هولاكوية، وتجلى الحقد الشعبي الدفين ضد قوات الاحتلال، لا سيما حين انتزعت الأراضي من أصحابها ووزعت على ملاكين انكليز ووضعت قوانين جديدة لحرمان الكاثوليك من حقوقهم السياسية والوظائف العامة.

     كانت النتيجة مريعة: وطن جريح وشعب نازف، إلا أن المسالة الايرلندية لم تنته. وتابع الايرلنديون  جهادهم بالرغم من “قانون الاتحاد” (1801) الذي حل البرلمان الايرلندي نهائيا واجلس نوابا موالين جددا بجانب النواب الانكليز في وستمنستر. غير إن العناد الانكليزي ما عتم أن استسلم أمام  العناد الايرلندي، فقد انتزع اوكونيل قانون الحرية الدينية والتمثيل البرلماني للكاثوليك (1829)، وأرغمت ثورة 1919 الشعبية انكلترا على الاعتراف بايرلندا “دولة حرة” سنة 1921 بزعامة دي فاليرا.

     أما الكنيسة الكاثوليكية فقد اشتركت اشتراكا وثيقا في مختلف مراحل هذا الصراع الديني القومي المرير، وكانت للشعب بمثابة الأم المدبرة، عبر الأجيال، لذا احتفظت إلى اليوم بتأثير قوي على الايرلنديين.

مشكلة ايرلندا الشمالية مشكلة استعمارية

       إن جل ما خلفه التحدي الاستعماري الانكليزي للضمير الايرلندي هو اقتطاع الجزء الشمالي الشرقي من ايرلندا وإعلانه دولة ثانية في ركاب انكلترا، ومعظمه بيد المزارعين والملاكين البروتستنت الانكليز الأصل الذين يمسكون مقاليد الحكم والاقتصاد والوظائف والتمثيل النيابي، بينما تعاني الأقلية الكاثوليكية (35 بالمئة ) من الفقر والبطالة، محرومة من الحقوق المدنية والسياسية. ونظام الانتخابات هو من أكثر النظم فسادا، ففي لندندري مثلا ينتخب 29102 كاثوليكيا ثمانية مستشارين بينما ينتخب 10274 بروتستنتيا اثني عشر مستشارا، لا لسبب إلا لحماية مصالح الأسياد!

     في خضم هذا الصراع الاقتصادي السياسي لم يكن بد من الاصطدام، فتعالت الاحتجاجات وتوالت التحديات والقمع وانطلقت مسيرات الحقوق المدنية، وابرز عناصرها النائبة الكاثوليكية الشابة برناديت دفلين (24 سنة). ولم تسلم هذه المجابهات من العنف أحيانا إلا أن هذا العنف لم يلد السلام بل وسع شقة الخلاف بين الجماعتين ودعم مواقف المتطرفين ونال شجب المعتدلين من كاثوليك وبروتستنت  في الداخل والخارج. ويجدر بالإشارة إلا أن معظم زعماء “حركة الحقوق المدنية ” ومناصريهم من الجانبين يريدون إخراج القضية من استغلال المذهبين وقيادة النضال من اجل إحقاق العدل واللاعنصرية  فهذا هو إطار المشكلة الطبيعي والإنساني.

فأين الحل؟ 

الخاتمة

      قد يكون في ظهور رجل سلام قوي تستقطب زعامته الفريقين فيقودهم إلى الإخوة وشمول الجميع في ظل القانون على قدم المساواة. وقد يتجسد هذا الأمل في الحزب العمالي الاشتراكي الديمقراطي الجديد الذي شكله ستة نواب كاثوليك شماليون وآخر بروتستنتي  ويهدف إلى توعية جميع العمال الكاثوليك والبروتستنت إزاء مستغليهم المشتركين وإقامة ايرلندا مستقلة موحدة حديثة لا طائفية تواكب العالم المتقدم وتضمن الحرية والمساواة لجميع مواطنيها.

     إن وجهة النظر هذه تلقى تجاوبا متزايدا في شقي ايرلندا  والتحول الذي يطرأ على شعب القديس باتريك ما هو إلا دليل على هذا الوعي الجديد. لقد تحركت كنيسة ايرلندا بعد جمود طويل نحو أجواء العالم الحديث ومثل مركبة أبوللو حسب تشبيه الكردينال كونواي عميد أساقفة كل ايرلندا لا احد يمكنه التكهن بخط سيرها إلا أن شيئا واحدا يبقى أكيدا وهو أنها لن تعود كما كانت. إن هذه اليقظة علامة صحة ورجاء.

     إن الصراع في ايرلندا الشمالية بين الكاثوليك والبروتستنت كما رأينا  ليس صراعا دينيا  إنما هو صراع تسوقه الأقلية المحرومة لنيل حقوقها المدنية وحصتها من خيرات الوطن التي تستغلها أكثرية متصلبة بعقلية القرون الوسطى .

   والشهادة التالية لنيل ماك كافرتي، إحدى صديقات برناديت ديفلين ومن زعماء حركة الحقوق المدنية دليل على ذلك:

” أنا كاثوليكية وجدتي بروتستنتية وجدي لأبي كان شرطيا إلا أني ناضلت ضد الشرطة وطالبت بسقوط حكومة ايرلندا الشمالية ولا أريد الانتماء إلى الجمهورية الايرلندية الجنوبية”.

      ثم تعدد زعيمة الحقوق المدنية المفارقات التاريخية التي شطرت سكان ايرلندا الشمالية إلى شطرين: البروتستنتي الذي يستأثر بالبلاد اقتصاديا وسياسيا. والكاثوليكي الذي يحسب مواطنا من الدرجة الثانية أو بالأحرى غريبا وشبه دخيل. وتشير إلى المتاعب التي حالت دون إيجاد عمل لها وهي خريجة جامعية وتتقن عدة لغات لا لشيء إلا لكونها كاثوليكية  ثم تستطرد:

“إن المشكلة هي مشكلة عنصرية أكثر مما هي مشكلة دينية. فالبروتستنت بريطانيون والكاثوليك ايرلنديون. فأولئك يخافون من أن يعلن جميع الكاثوليك اتحادهم مع جمهورية ايرلندا – وهذا لا يشكل سببا في أن يعتبرونهم عبيدا إلا انه كان يجدر بكاثوليك الشمال أيضا أن يطالبوا باحترام حقوق بروتستنت الجنوب.

“أنا اقبل بان تحكم الأكثرية ولكني أطالب بان تتمتع الأقلية أيضا بجميع حقوقها المدنية. وقد رفضت الحكومة ذلك. لقد فقد الكاثوليك ثقتهم بحكومة الشمال، ولم يعد للبروتستنت ثقة لا بحكومة الجنوب ولا بالحكومة البريطانية التي أصغت إلى مطاليب حركة الحقوق المدنية. فالفئتان تتراشقان وليس بينهما الآن سوى الجنود. هذه هي المعضلة التي لا حل لها في الوقت الحاضر”.

وجهة نظر الشباب في المسيح والإنجيل

1971

وجهة نظر الشباب في المسيح والإنجيل

ملف/شباط 1971 

       رأينا في العدد السابق أن ما يبحث عنه الشباب المسيحي في خضم التيارات الفكرية المعاصرة، هو فك الإشكال الظاهري القائم بين الإيمان والحياة: فالايمان رسالة للحياة، لحياة كل الناس، لا احتكار أناني، والإنجيل “رسالة بريدية”، كما يشبهه الكردينال سواننس عميد أساقفة بلجيكا، يجب إيصالها إلى أصحابها.

     ستبقى “الرسالة” راقدة في صندوق البريد ما لم تتأصل عقيدتنا في شخص المسيح وفي دينامية إنجيله.

      إن التحقيق التالي يدخلنا في ضمائر شبابنا لنرى من هو المسيح بالنسبة لهم، وهل للإنجيل موضع في حياتهم الصاخبة.   

                        من ترى المسيح في نظر الناس؟

    السؤال هو للمسيح نفسه، وقد ألقاه على تلاميذه في ضواحي قيصرية فيليبس: لبعض هو يوحنا المعمدان، ولغيرهم ايليا؛ لهؤلاء ارميا ولأولئك واحد من الأنبياء الأولين….

   لاشك أن للمسيح في عصرنا مزاحمين أكثر مما كان له في عهد الوالي الروماني بيلاطس ألبنطي، وأراء الناس في تضارب أيضا. كثيرون في أيامنا تستهويهم شخصيات أخرى يصفونها بالواقعية أكثر من مثل ماو وشي غيفارا وكاسترو وماركس. والمسيح، بين هؤلاء –إن لم يكن دونهم– ما هو إلا فيلسوف حالم ومؤسس ديانة كبرى لا أكثر.

مصلح اجتماعي

    هناك عدد متزايد ممن يرون في المسيح مصلحا اجتماعيا عظيما فهم مشاكل البشرية، وأحب الإنسان في صلب كفاحه اليومي. هذا هو رأي رينيه اندريو رئيس تحرير صحيفة “الإنسانية” (Humanite) الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الفرنسي: “يسوع المسيح هو بالنسبة إلي إنسان ناضل من اجل الإنسان بين الناس، لا أكثر ولا اقل –وهذا كثير في عيني– إني أرى فيه رمزا للإنسان المستقيم الذي يناضل ويضحي بذاته ليجلب سعادة اكبر إلى ارض البشر”.

   إن هذا الجانب من شخصية المسيح كبير الأهمية بالنسبة إلى شباب اليوم لاتصاله مباشرة بكفاح الإنسان اليومي:

إن يسوع بالنسبة إلي هو نبي ومصلح اجتماعي فقط”.(طالب علوم –19 سنة)

… وثائر أيضا، فقد ثار على النظم والتقاليد الفاسدة التي كانت سائدة في مجتمعه”.

( طالب آداب – 19 سنة)

المسيح:  شخص يحمل أفكارا تقدمية  وقد عاش طوال حياته بسيطا ومهتما في حل مشاكل العالم ونشر مبادئ السلم والمحبة الشاملة، ومات من اجل هذه الفكرة”

(طالب علوم – 24 سنة)

المسيح: حب الله المتجسد

    إن الدين المسيحي مؤسس على شخص المسيح لا لكونه مصلحا اجتماعيا فذا أو نبيا عظيما أو “عالما نفسيا دقيقا” (طالب آداب – 21 سنة) إنما لكونه كلمة الله المتجسد من اجل حياة العالم وسعادة الإنسان، كل الإنسان، روحا وجسدا، عقلا وقلبا، وهذه هي ميزة الإيمان المسيحي– “الابن يعطي الحياة الأبدية… وهي أن يعرفوك” أنت الإله الحقيقي الوحيد، والذي أرسلته يسوع المسيح:( يو17: 1 – 3). وقد رددت الأجوبة صدى هذه الحقيقة الأساسية، مع تردد أحيانا:

“المسيح؟ – مصلح اجتماعي عندما تنتابني الشكوك، والاه عندما أعود إلى صوابي، وثائرعندما أثور على المجتمع، ولكنني لا اعتبره نبيا لأنني لا اعترف بالأنبياء” (طالب علوم – 23 سنة)

وغالبا بالحرارة نفسها التي أعلن بطرس في قيصرية: “أنت المسيح، أنت ابن الله الحي!”:

“المسيح شخص وهب نفسه من اجل حياة العالم، لأنه أحب البشر، وانأ مقتنع من انه إله” (طالب علوم – 24 سنة)

“يبين يسوع في كلامه وأعماله انه ليس نبيا يسال فيعطى… بل هو اله يفعل بقدرته ما يشاء، فالذي هو القيامة والحق والحياة لا يمكن أن يكون إلا الله بالذات”. (طالبة آداب – 18 سنة).

شخص حي

     ليس المسيح أسطورة، ولا هو إنسان عاش قبل ألفي عام، ولا صلة له بيومنا، انه شخص حي يواصل حياته في المؤمنين به ونلتقي به كل يوم “في ابتسامة الصديق” و “لطف أستاذ الكيمياء” و “المرأة التي أقدم لها محلي في الباص” و “الفتاة التي أحاول إعادتها إلى طريق الصواب” و “في كل عابر سبيل أتبادل وإياه كلمة لطيفة”.

صديق جدير بالحب

     هذا الشخص الحي، مع كونه جديرا بالحب والقدير، تتعذر إقامة علاقة شخصية معه لدى البعض، لعدم خضوعه للرؤية والحواس، أما لغيرهم فهو قريب، وبإمكان أي إنسان أن يقيم معه علاقات صداقة روحية شخصية “عن طريق الصلاة والتأمل والإنجيل”:

“إنني أحب يسوع وكأنه احد أقربائي، بل اعتبره الصديق الأمين، والأب الحنون. اعتقد

أن علاقة المحبة التي تربطني بالمسيح هي علاقة شخصية، فإنني عندما اقرأ كلماته اشعر وكأنني اقرأ رسالة من صديق مخلص” (طالبة آداب 19 سنة)

“المسيح صديق حاضر في حياتي، وان لم أفكر به دوما. عندما تسود الدنيا في عيني،

عندما افرح، عندما يزعجني احد اخبره بالأمر. إني أقص له حياتي، واكلمه عن عملي فيصبح نهاري كله صلاة. وكما يحدث بين الأصدقاء، فاني “ازعل” معه أحيانا، ولكن الفرق بينه وبين غيره من الأصدقاء هو انه لا ينزعج مني رغم كوني على خطا ” (طالب اقتصاد – 17 سنة).

     وهكذا تعكس معظم الأجوبة أن المسيح أكثر من مصلح فشل في إقامة “المدينة الفاضلة” التي تمناها الفارابي من بعده. انه ابن الله المتانس الذي مات وانبعث حيا، واتى ليحرر الإنسان فيجعله أكثر إنسانية، ذلك الذي لا بد أن يلاقيه كل مسيحي لقاء شخصيا، يوما ما.

إنجيل ربنا يسوع المسيح

الديانة المسيحية جزء من الإنجيل.

    إن الطقوس الدينية والأنظمة الكنسية والسلطة… كلها بوسعنا أن نجدها، اقل أو أكثر، في ديانة أخرى، في كتاب آخر. أما أن يكون الإنجيل كتابا يحوي بين دفتيه حياة شخص جسد حضور الله بين البشر، شخص يدعو الإنسان كما لم يدعه أي داعية لا من قبله ولا من بعده إلى الخلود، إلى الحياة الإلهية، إلى حياة البنوة والصداقة مع الله… هذا ما ينفرد به الإنجيل.

فماذا يقول عنه شبابنا؟

هل تطالع الإنجيل؟

     كان يوم يعتبر وجود نسخة من الإنجيل، أو الكتاب المقدس كاملا، في البيت حدثا. أما الآن، فشبيبتنا والعائلات المسيحية تتداول الإنجيل أكثر فأكثر، وتجتمع، هنا وهناك، للتأمل به وشرحه. وقد نشطت حركة نشر كتاب الإنجيل في بلدنا منذ عشر سنين، فقد بيع منه في مكتبة الآباء الدومنيكان بالموصل وحدها بين عامي 1960– 1970 (4330 نسخة)، يضاف إليها أعداد مضاعفة نشرت عن طريق مكتبات الإخوة البروتستنت. ونحن نتطلع إلى اليوم الذي يصبح الإنجيل كتاب كل أسرة مسيحية، كتاب كل شاب وشابة. إن معظم الذين وجهنا إليهم أسئلتنا طالعوا الإنجيل، فترك فيهم أثرا عميقا:

“إن مطالعتي للإنجيل تركت في أثرا عميقا، فقد أصبح لي كالنور يضيء حياتي وارى فيه مرجعي الأكبر في إحزاني ومشاكلي وأفراحي” (طالب زراعة – 20 سنة)

“أطالع الإنجيل منذ أربع سنوات. فقد غير حياتي وأفكاري تغييرا جذريا، وأصبحت احكم على كل شيء على ضوئه” (طالب هندسة – 20 سنة).

“انه المعلم الأول لي في حياتي” (طالب طب – 21 سنة).

كتاب شرائع كغيره

    هناك قلة لا تجد في الإنجيل أكثر من كتاب ديني كغيره، يختار كل واحد من “شرائعه” ما يلائم مبدأه الأخلاقي أو الاقتصادي أو السياسي أو الفلسفي.

أنهم لفي وهم لان الإنجيل ليس بحثا أخلاقيا، وان حمل أسمى الأخلاقيات، ولا هو دليل سياسي، وان رسم أروع المبادئ في العلاقات الإنسانية.

مثالية الإنجيل والحياة العصرية

     فمن نظر إلى الإنجيل من خلال هذا المنظار الضيق لا يسعه أن يرى فيه أكثر من كتاب قد يحوي مبادئ سامية ولكنها خيالية يستحيل تطبيقها. لذا تضاربت الأجوبة على السؤال التالي.

هل ترى ممكنا التوفيق بين مثالية الإنجيل ومتطلبات الحياة العصرية؟ فهناك نفي قاطع

“كلا ومليون كلا… لا يمكن التوفيق بين مثالية الإنجيل ومتطلبات الحياة العصرية كالرقص ومودة العصر والسينما والنوادي والاختلاط” (طالبة آداب 21 سنة)

“أنا شخصيا اعتبر مبادئ الإنجيل خيالية، وليست لها أية علاقة بواقع الإنسان الحالي ومبادئ المدنية والتقدم، لذا لا يمكنني الاستفادة منه” (طالب هندسة 21 سنة)

    إلا أن هناك من يرى –معظم الأجوبة– إمكانية التوفيق، إذا ما فهم الإنجيل على حقيقته وطبقت مبادئه بحكمة وتبصر وتقدير لظروف الزمان والمكان، لان الإنجيل الذي عاصر عشرين قرنا من الحضارات المختلفة وساهم في تكوينها، لا يعقل أن يكون عصرنا مثواه الأخير. فالمظاهر الاجتماعية العصرية لا تتنافى وإياه إن لم تذل كرامة الإنسان، وستبقى مبادئه تنفح الروح في التقنية وتلهم الثورات الحقيقية وتقدس الحب الذي يسمو على الجنس:

“نعم التوفيق ممكن، وأعلن ذلك بكل جرأة وشجاعة مقرونتين باقتناع كلي يمكنني أن أعيش الإنجيل دون التنكر مطلقا لمتطلبات الحياة العصرية –وهذا ما افعله الآن بالرغم من مجابهة  الآخرين لفكرتي– إني أريد العمل على نشر هذه الفكرة وتحطيم الآراء التي ترفض الإنجيل حق الدخول في الحياة الاجتماعية أو تنكر عليه قوة روحنة الحياة العصرية” (طالبة علوم – 25 سنة)

“ممكن… ولكن بتفهم ووعي، وانأ شخصيا اكسبني تطبيقي لمبادئ الإنجيل شخصية اقوى وعقلية أوسع” (طالب طب – 22 سنة).

دستور حياتي اليومية

الإنجيل موجه إلى كل مسيحي شخصيا:

“انه دستور حياتي، يتكلم معي مباشرة، ويناقشني مشاكلي” (طالب آداب – 21 سنة).

“إن الإنجيل موجة كهربائية بالنسبة إلي، وبواسطته أوزع جميع الالكترونات على كل فرد في المحيط” (طالب علوم – 21 سنة).

وكتاب البشرية

“في رأيي أن الإنجيل كتاب الكتب، فيه من المبادئ ما يجعل البشرية تعيش في أفضل حال، لو سارت على نورها” (طالب هندسة – 22 سنة).

“الإنجيل ليس كتابا شخصيا أو سريا. انه كتاب للجميع، ويمتاز عن سائر الكتب بأن الإنسان يشعر لدى قراءته براحة نفسية وطمأنينة لا يجدهما في إي كتاب غيره” (طالب زراعة – 20 سنة).

…وانت؟ 

  ما صدى المسيح وإنجيله  في حياتك اليومية…؟

هل من صلة بينك وبينه؟

  هل التقيت به في طريق حياتك وانضممت إليه، أم هل قلبت شفتيك وسار كل في اتجاه معاكس؟  

   هل قرأت إنجيله، أم رأيت أن كتاب “كفاحي” لهتلر أو مذكرات شي غيفارا أكثر فائدة من معرفة إخبار ناصري اعدم صلبا منذ ألفي سنة كما اعدم ملايين قبله، ونسيهم التاريخ؟

   ما هي الصورة التي تصوغها في سرك ليسوع الذي يدعى المسيح هذا الذي نبشر به منذ عشرين قرنا ونحن نعتقد انه لازال” الورقة الرابحة” الوحيدة لي ولك، وللبشرية ولكل إنسان؟      

          اجب…

وجهة نظر الشباب في الإيمان

1971 المقالات     

وجهة نظر الشباب في الإيمان

ملف/كانون الثاني 1971 

     ظاهرة الخنافس والهيبي التي انطلقت من انكلترا، ثورة الطلاب التي دوت رصاصتها الأولى في باريس، والبوب آخر التقليعات الأميركية، وغيرها مما يقذف به المجتمع الغربي ألينا من فضلات استهلاكه المحلي: كلها أبطالها شباب. شباب متعب، ضائع، يبحث عن قيم جديدة وأسس جديدة لمجتمع لا يعرف هو نفسه شكله النهائي.

    إن رذاذا قويا من هذا الإعصار اخذ يعمل بين شبابنا العراقي لاسيما المثقف، استيقظ بعد تململ يتساءل عما يجري في أعماقه. وهذه التساؤلات لا تقتصر على النواحي المجتمعية حسب، بل تتعداها إلى النواحي الدينية والإيمانية نفسها.

نكران؟ تخلّي؟ أزمة إيمانية؟ أم ثورة على كل قديم؟

    قد يكون ثمة شيء من كل ذلك: هناك المتطرفون والناقمون وهواة كل بضاعة جديدة؛ هناك “المتحررون” واللااباليون، وهناك قلوب لاوت بعافية تهفو إلى القمم. فبوادر هذه “الثورة” الداخلية التي تتفاعل في إيمان الشباب المسيحي العراقي المعاصر قد لا تهدف إلى أكثر من التجديد وإعادة الدماء الشابة إلى إيمان يعتمد على ألفي سنة من التقليد المتوارث.

   والتحقيق التالي ، ما هو إلا انعكاس لهذا الموقف ، فقد أتت الإجابات على أسئلتنا صريحة وشخصية مما يدعم أصالتها ويكشف لنا عن المكانة التي يشغلها الإيمان في اهتمام بناة غدنا المسيحي في هذه البلاد. وسنوافيكم في العدد المقبل بتحقيق مماثل عن وجهة نظر الشباب في المسيح والإنجيل.

     الإيمان التزام إن الإيمان المسيحي ليس مجرد رصيد ورثناه عن إبائنا وما لنا إلا أن نغرف منه من دون عناء. ليس هو ضمانا يدعو إلى الركون، بل هو بناء يرتفع، انه مجازفة؛ ولابد أن نختاره، في فترة من فترات الحياة عن وعي وحرية، أن نختاره نهجا حياتيا والتزاما.

“الدين المسيحي ليس فلسفة، أو نقابة، أو حزبا انتمينا إليه. الدين المسيحي يلزمنا كل

يوم، بل كل لحظة، لا بصفتنا بشر حسب بل بصفتنا تلاميذ المسيح. الدين المسيحي ليس أخلاقية نطبقها بحذافيرها، انه حب: حب الله وحب البشر. زعمنا بحب المرء لا يكتفي بالقول”. (طالبة 19 سنة)

… بعد جهاد

– هل مررت بأزمة إيمانية…؟

“نعم مررت في أزمة إيمانية قبل سنوات حيث كنت لا اعتقد بوجود الله، وكنت أقول إن

هذا العالم يعبد شيئا غير موجود”. (طالب هندسة – 20 سنة)

“نعم لأني كنت سطحي التفكير ومعلوماتي عن الدين المسيحي سطحية غير مؤيدة

بأشياء واقعية”. (طالب طب – 22 سنة).

مررت بأزمة إيمانية وشككت في إيماني المسيحي، إما فكرة التخلي عنه فكانت بعيدة

نوعا ما، إلا إنني فكرت بتقليل التزاماتي الدينية. والسبب في ذلك كان شعوري أن الدين يطالبنا بأشياء خيالية لا يمكننا القيام بها وفكرت بان هذه المطاليب يجب أن تتطور، لكونها صيغت في عصر غير عصرنا”.(طالب علوم – 24 سنة)

…وحيرة ان معظم الذين أجابوا إلى أسئلتنا مروا في رجات إيمانية متفاوتة يصطدم بها صفاء إيمان الشاب المسيحي “كالبيئة الضيقة” و”الفلسفات الإلحادية” و “المادة” و “الجنس” و”الفكرة العلمية التي تعتمد الملاحظة والحس” و “الجهل” و”الإباحية المستوردة وتقليد المدنية الغربية بفوضى” و”الاختلاط الغير الواعي” و “الكبت”. وهناك تيار جديد وهو أن كل الديانات تتساوى. انه ضرب من “لا أدرية” المتنبي، وذلك وبال ليس على المسيحية حسب، بل على مبدأ الدين عامة، لأنه ينسفه من أساسه، وقد أشارت بعض الأجوبة إلى نواح أخرى “كقلة الثقافة الدينية” و “الضعف والخوف الذي يرعب الشباب المسيحي من جراء التفرقة والتجزئة بين الطوائف”.

    إن هذه العوامل قد تقود إلى الشك أو القطيعة ما لم نعالجها ونفتح حوارا صريحا وبناء أساسه الاحترام والحب مع شبيبتنا التي لا زالت، في سوادها الأعظم، تحب المسيح ولا تبغي إلا معرفة المزيد عنه. أنها لا تستوجب إدانتنا، فهي ليست متمردة ولا يجدر بنا أن نتجاهلها ونتجاهل آراءها وتطلعاتها، وإلا لتجاهلتنا هي ورمتنا في متحف الآثار والفولكلور، وان أنصفت لأهملتنا نعظ في الهياكل الفارغة.

تأصل في المسيح إن نحن تفهمنا شبيبتنا وعضدناها في كفاحها اليومي: ستكون هذه التأثيرات وتلك الأزمات بمثابة محك لإيمانها وتأصلها بالمسيح:

“أمر أحيانا بأزمات إيمانية، ولكن سرعان ما ارجع إلى إيماني المسيحي والحمد لله لم أفكر يوما في التخلي عن الإيمان، لأنني جبلت بحب المسيح ولا يمكنني أن أتخلى عن اعز واخلص صديق لقلبي”. (طالبة – 18 سنة)

ونبذ لكل تزييف إن جل ما يريده شبابنا هو أن ينجلي إيمانه عن كل تزييف ويتجسد في واقع الحياة والعمل.

“إن من التأثيرات التي تشوب شبابنا في نظري نوع من التمرد على القديم الذي اخذ

بصفاء إيمانهم فعبروا عنه بغيابهم عن الممارسة الدينية، لأنهم يحسون أن الممارسة الدينية هي نوع من التقليد، أو هكذا يصفونها. إننا نريد أن نمارس إيماننا في هذا القرن بنوع من التجديد، وهذا ليس تمردا على الإيمان نفسه”. (طالب زراعة – 21 سنة)

“أنا لا أظن أن شبيبة عصرنا اقل إيمانا ممن سبقها، إن ما يهمنا نحن هو الأصالة،

فنحن نرفض مجتمعا يعيش على التقاليد لمجرد أنها عريقة، ونرفض من الديانة كل تزييف لا زال عالقا بها“.(مساعد محاسب – 24 سنة)

الحياة الأخرى: التقاء بالمسيح تفاوتت الآراء عن “الحياة الأخرى” فهذا يتخوف منها، وذلك لا يفهم طبيعتها، وتلك بالرغم من شكوكها المتقطع مقتنعة من وجودها ويهمها أمرها. وغيرهم لا يهمهم كيف تكون، حسبهم أن يمارسوا إيمانهم “من اجل المسيح”.  

الصلاة: حديث أصدقاء

لا تحتل الصلاة مساحة كبرى لدى جزء من الشباب أو تبقى سجينة الأطر التقليدية والصيغ المتوارثة. إلا أنها حديث أصدقاء، يتعدى مقاييس الاستجداء والاسترحام، لدى غيرهم:

“كلا، لا أصلي، لان فلسفتي هي التطبيق وليس لفظ الكلمات”.(طالب آداب – 21 سنة)

“كنت اعتقد بان الصلاة مجرد طلب معونة الله ولكن بعد دراسة عن الصلاة عرفت

معنى الصلاة ولماذا نصلي: لأننا نحب الله فنريد أن نكلمه بكلمات بسيطة”.(طالب طب – 19 سنة)

“وقد أصبحت الصلاة غذائي. أنها الفترة التي اتوق إليها للتعبير عما في قلبي لأعز من

أحب”. (طالب علوم – 25 سنة)

الشهادة للإيمان: بالحياة قبل الكلام

أما عن الشهادة للإيمان ونشره في المجتمع فهناك أقلية تعتبره “قضية شخصية”، وفئة تصطدم بجدار اللاابالية، فتتقهقر أو تنطوي على إيمانها.

“في الحقيقة اعتبر الإيمان قضية شخصية تهمني أنا وحدي فقط في مجتمع لا يبالي

بالمثال الذي يتخذه الفرد في سلوكه وكلامه”.(طالب آداب – 19 سنة)

“من واجبي فقط أن أدافع عن الإيمان لا أن انشره، لان نشر الإيمان يتطلب شجاعة”.

(طالب علوم – 18 سنة)

    أما الأكثرية فتعني وجوب نشره وتتفق الآراء كلها على أن “السلوك المسيحي الصحيح هو ابلغ شهادة للإيمان”. وغيرهم يضيفون إلى شهادة الحياة نشاطا رسوليا يعتمد على إعلان الكلمة.

“اشعر أن علي واجبا ألقاه المسيح على عاتقي أن ابشر بكلمته، لا يهمني أن كان ذلك

بالكلام أم بالمثال أم الأعمال. المهم أن أكون جسرا يصل بين رسالته وبين المجتمع الذي أعيش فيه، لأنني أضع نصب عيني قوله: “كما أن الأب أرسلني كذلك أنا أرسلكم”. (طالبة آداب – 18 سنة)

“من الضروري أن أودي شهادة عن إيماني وانشره في المحيط، لأنه بعد التشبع من

الإيمان علي أن أعطيه لأصدقائي بكلامي وتصرفي وخدمتي، فاجعلهم يكتشفون المسيح من خلال حياتي”. (طالب هندسة – 20 سنة)

 

الخلاصة

 إننا لم نأت، لضيق المجال، على جميع الأجوبة التي عبر فيها الشباب بحرية عن ايمانهم ورفضهم. إن معظم شبابنا لا زالوا يؤمنون، وان اعترت دربهم بعض الشكوك والتأثيرات. أنهم يرون في المسيحية عقيدة تستحق أن يحيياها المرء وينعش بها نظام المجتمع.

    هؤلاء الشباب يبحثون عن أصول جديدة لمسيحية الغد، فكل الشهادات التي أتتنا تفصح عن إرادة لازمة في خدمة المسيح، إرادة تأبى أن ترقد المسيحية في العراق، أو أن تبقى تطفو بين الموت والحياة. أنهم لا يبغون الهدم بل البناء ولا يفكرون بالهجر بل بالبقاء، ولكن إحياء يسمعون. اجل قد يكون الإيمان لدى الشبيبة عامة اقل اتساعا أفقيا، غير انه أكثر عمقا عموديا. أنهم يعانون عطشا حقيقيا إلى حياة مسيحية ابلغ اقتناعا وأكثر عطاء.

فلا ريب أن إنجيل يسوع لن يخيب آمالهم، ولا كنيسة المسيح التي يفدونها بدمائهم.