المسيحيون وفلسطين1,2

 18

المسيحيون وفلسطين(1)    – ملف

19

ت2

1972

21


المسيحيون وفلسطين(2)    – ملف

 20

 حزيران

1973

المسيحيون وفلسطين 1

ملف/ت2 1972

    عقدت في لندن من 11– 16 أيلول الماضي الندوة العالمية الثانية للمسيحيين من اجل فلسطين لدراسة هذه المشكلة المستعصية على ضوء التاريخ والوقائع، وإيقاظ الضمير المسيحي وتحريكه عالميا لنصرة شعب تشرد وطرد من أراضيه عنوة وظلما وقد اشترك في هذا المؤتمر زهاء 170 شخصية مسيحية عالمية من رجال دين وعلم وفكر بالإضافة إلى مراقبين ومندوبين عن المقاومة، وقد وردتنا دعوة شخصية لحضور هذا المؤتمر العالمي.

    هذا ويخدر بالإشارة إلى أن أصحاب المبادرة هم قبضة من أصدقاء فلسطين من محرري صحيفة “الشهادة المسيحية” الأسبوعية الفرنسية المعروفة بمواقفها المؤيدة لقضايانا، وهم الذين نظموا بالتعاون مع مسيحيين من الشرق، الدورة العالمية الأولى التي عقدت في بيروت عام 1970.

” لماذا نحن المسيحيين نهتم بهذه القضية وانطلاقا من أي أساس؟”

     هذا هو السؤال الكبير الذي ألقته ندوة بيروت والذي استكملت نقاشه ندوة لندن لتنطلق إلى مبادرات جديدة لتوضيح إبعاد القضية في الأوساط المسيحية وخارجها، وهذا ما نريد الإسهام فيه في هذا “الملف” شعورا منا بواجبنا القومي والمسيحي معا تجاه أخينا الفلسطيني “المنفي” وأرضنا المقدسة المغتصبة.

    في الشهر الماضي أعلن راديو اسرائيل، وبهدوء تام، بدء الاحتفالات بمرور 25 عاما على قيام دولة إسرائيل، ولكن كيف نشأت هذه “الدولة” ومن أي خام بنيت؟

في فجر القرن العشرين كان فلسطين قطرا عربيا يشمل الجزء الجنوبي

الغربي من ولاية سوريا التابعة للإمبراطورية العثمانية. لغة أبنائها العربية: 80% مسلمون و 10% مسيحيون من مختلف الطوائف و 10 % من اليهود   وكان هؤلاء الاخيرون يملكون 65 ألف هكتار من الأرض على مسافة تبلغ 2632302 هكتارا. وفي 23 ت1 1922 قامت سلطات الانتداب البريطاني بأول عملية إحصاء وكشفت على إن سكان فلسطين قد بلغ عددهم 752148 من 7717   من جنسيات مختلفة، 660641من العرب، أما اليهود فكانوا 83790. وعشية التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة في 29 ت2 1947 والقاضي بإقامة دولتين في فلسطين أحداهما عربية والأخرى يهودية، كان سكان فلسطين زهاء 2115000، منهم 1310000 مسلما و 700000 يهوديا و 35000 مسيحيا، وكانت أملاك اليهود تساوي 6% من المساحة الكلية.

     وهكذا ذهب عدد اليهود في تزايد مطرد، لا لازدياد في الولادات، وإنما بسبب الهجرات المتعاقبة المنظمة من أوربا وأميركا وبعض الدول العربية التي خيرت رعاياها اليهود سنه 1947 بين البقاء والرحيل، وتوسعت أملاكهم إضعافا مضاعفته بالشراء المغري الأسعار وبالخديعة والاستيلاء، بينما تضائل عدد العرب حتى أصبحوا أقلية لا تتعدى الثلاثمائة إلف بعد الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948 وهجرة النازحين.

     إننا لا نبغي كتابة تاريخ مفصل للقضية الفلسطينية، وإلا للزمنا كتاب كامل، إنما سنكتفي بسرد الوقائع الهامة التي آلت بنا إلى هذه الكارثة، وتحليل الملابسات التاريخية والدينية والعرقية التي رافقت هذا النزاع الذي بدا صامتا ولكن مبيتا ومصمما تصميما محكما من قبل الصهيونية العالمية  ، منذ القرن الماضي، قبل أن ينتبه العرب إلى خطورته فكان ما كان!

1947  : الأمم المتحدة تقرر التقسيم على طلب بريطانيا في 29 ت2 وللدولة اليهودية 56% من مساحة فلسطين، وللدولة العربية 42 % ومنطقة القدس الدولية 2%، رفض الطرفان التقسيم واشتبك في حرب ضارية اشترك فيها 64 ألفا من الهاغانا بين مسلح ومقاتل وجاسوس و4000 من الايرغون و 300 من الشيرون وكلهم ممتهنو حرب من الجيوش الاوروبية والأميركية، يساندهم الدعم الغربي المعنوي والسياسي والمادي والعسكري المبطن. أما العرب فتقدموا إلى الحرب بجيوش حديثة التكوين، قليلة السلاح، وبالرغم من إبلائهم البلاء الحسن كانت الحصيلة مذابح دير ياسين وكفر قاسم والقدس… وبضعة آلاف من القتلى والجرحى والقرى المحروقة و300 ألف مشرد فلسطيني. وفي 15 أيار 1948 عوض أن يعلن عن قيام دولتين في فلسطين أعلن دافيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل وفي اليوم نفسه أعلنت روسيا والولايات المتحدة اعترافا بإسرائيل كأمر واقع. ووقعت الهدنة، وجاءت حرب 6 وتشريد 5 ألف عربي، مسلم ومسيحي، آخر واحتلال غزة وسيناء والضفة الغربية والجولان – وحلم الصهيونية أن تمتد من الفرات إلى النيل – 

لماذا نحن المسيحيين نجابه القضية

        لقد نشأت إسرائيل من مفارقة تاريخية كبرى وهي محو إلفي سنة من التاريخ وتوطين قوم في فلسطين، عنوة واغتصابا، لا صلة لهم بالأرض. لقد أتوا من روسيا وأوربا وأميركا حيث تقلبوا في مختلف المناصب وانتموا، كسائر مواطنيهم، إلى جميع الطبقات الاجتماعية. هكذا كان حاسهم منذ عهد الجاليات اليهودية  العرق أو المهتدية إلى اليهودية قبل المسيح في بلاد فارس وما بين النهرين وأعالي الأناضول واسيا الصغرى واليونان ومصر وليبيا وايطاليا واسبانيا وكرين والجزيرة العربية (أعمال 1: 8 – 11).

      وإذا بيهود العالم يقررون “العودة” – كما يدعون – إلى فلسطين، وكأنهم خرجوا منها البارحة، حجتهم في ذلك إن فلسطين ارض إبائهم، إذن بلادهم، ارض الميعاد التي وهبها الله لهم، وما كانوا إلى الآن إلا عائشين في المنفى! ولإقامة “دولتهم” في هذه” الأرض ” نعتبر كل الوسائل مشروعة وعلى دول العالم إن تساندهم في إقامتها، ولكن لنتوقف لكي نحلل الأسباب التي آلت بنا إلى هذا المنطق والنتائج التي نجمت وقد تنجم عنه:

      في منتصف أواخر القرن الماضي قامت حركة مناوئة لليهود في روسيا على اثر التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد – وكان لليهود شان في الحياة الاقتصادية – استغل فيها شعور عدائي تقليدي بين المسيحيين واليهود لا صلة له بسماحة الإنجيل. فشهدت فلسطين، على اثر ذلك، الموجة الكبرى الأولى من المستوطنين اليهود(1867). وشهدت أوربا الغربية الحركة ذاتها فنشأت طلائع مقاومة سليمة وانبرى بعض المفكرين والكتاب اليهود للدعوة إلى “تجمع” يهودي في بقعة من الأرض، وكانت هذه البقعة “فلسطين” بالذات، كما اقرها مؤتمر بال الصهيوني (1897) لما لليهود بها من صلات روحية،

     ولكن الموجة العدائية الكبرى لليهود فجرتها النازية الهتلرية عندما نادت بتفوق العرق الجرماني وطاردت اليهود وأبادت منهم أكثر من ستة ملايين، لا لشيء إلا لكونهم يهودا، وهادنتها بعض الدول الأوربية بصمتها. وهذا هو ما يدعى باللاسامية.

     إن ضميرنا المسيحي يشجب هذه الجرائم التي يندى منها جبين الإنسانية، ولكنه يشجب في الوقت نفسه أن يداوى الظلم بالظلم. لقد كان تنكر الغرب لمفاهيم الإنجيل سببا في هضم حقوق اليهود في بلادهم الأصلية وقتلهم الجماعي، وكان على هذه الدول التي ثقلت ضمائرها بتلك الجريمة أن تعوض عنها باحتضان مواطنيها اليهود من جديد بكامل حقوقهم، إلا أنها أسكتت ضميرها بان عاونتهم على اقتلاع مليون عربي مسيحي ومسلم من بيوتهم. لقد ادعوا أنهم “يهبونهم” أرضا بلا شعب، فإذا بهم يجعلون شعبا بلا ارض، وتتكرر المأساة وتتضخم في حزيران 1967 بحيث يصبح اللاجئون والمشردون والمبعدون مليوني نسمة   فسؤالنا الذي يفرضه ضميرنا المسيحي هو: لماذا لا يتفهم أولئك الذين عطفوا  على مأساة اليهود في ألمانيا وأوربا، لماذا لا يتفهمون مأساة الفلسطينيين المشردين من ديارهم والممتهنة كرامتهم منذ ربع قرن، لقد طالب الصهاينة ونالوا أرضا سكن فيها بعض إبائهم قبل ألفي سنة بحجة العودة إلى بلاد إبائهم واعترفوا بشرعية هذه “الحجة”، بينما يرفضون حق مليوني فلسطيني في العودة إلى بيوتهم وحقولهم التي طردوا منها قسرا قبل 25 عاما فقط. هذا ولو سلمنا جدلا بالنظرية الصهيونية في “الحصار.اريخي” المزعوم لأخذنا عليهم عدم تطبيقها الشامل لأنها تقودنا إلى أحداث تغيرات جذرية على خارطة العالم، ولوجب أن يعود العرب المسلمون إلى اسبانيا والرومان والايطاليين إلى فرنسا وسواحل سوريا وفلسطين، ولوجب طرد الانكليز من بلادهم، أما سكان الولايات المتحدة واستراليا فاجهل أين يجب ترحيلهم ؛ أم أن هذه النظرية جائرة إلا إذا خدمت مطامع الصهيونية.

     اجل لولا مساندة الاستعمار العالمي لما صار ما صار. إن هذا الاستعمار مرتبط ارتباطا عضويا بالحركة الصهيونية العالمية لأنها رأس حرباه، كما صرحت غولدا مائير نفسها منذ 1925: ” لن يختار الانكليز العرب لاستعمار فلسطين، نحن الذي سيختارون”. وهذا ما تم فعلا فقد عاشت إسرائيل طفولتها في حضانة بريطانيا، ثم اتجهت بعد الحرب العالمية الثانية إلى الولايات المتحدة حيث توجد أضخم جالية يهودية متنفذة، بينما أغدقت عليها ألمانيا الغربية ولا تزال الأموال لشراء سكوتها بحجة التعويض عن الأضرار النازية بحق اليهود، وهكذا تحافظ إسرائيل على بقاء نفوذ الاستعمار الاقتصادي والعسكري في المنطقة لقاء الحفاظ على وجودها وإمدادها بالسلاح والدعم السياسي.

     وبفضل هذا التواطؤ لا زالت إسرائيل تخطط في السر وتهدد في العلن أنها غير مستعدة للتراجع، ولا حتى إلى حدود 1948، فقد صرح موشي دايان يوم 15/7/1968: ” إن إباءنا قد توصلوا إلى حدود أقرت مشروع التقسيم، وإما جيلنا فقد وصل إلى حدود 1948، وإما جيل الأيام الستة، فقد وصل إلى السويس والأردن وهضبة الجولان. وهذه ليست النهاية فبعد خطوط وقف إطلاق النار الحالية ستأتي خطوط جديدة لكنها ستمتد عبر الأردن ربما إلى لبنان والى سوريا الوسطى”.

     لا يستطيع دايان أن يقول خلاف ذلك، فهو منطقي مع ذاته، لان هدف الصهيونية الأبعد هو إسكان ألاثني عشر مليون يهودي المنتشرين في القارات الخمس في ارض مساحتها  5893 ميلا مربعا (مساحة الدولة اليهودية بحب مشروع التقسيم)، فلا بد إذن من التوسع وغزو أراضي جديدة: هذا ما تفعله إسرائيل بتخطيط وعزم متحدية، بطريقة لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث، والعالم كله وتضرب عرض الحائط إدانات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وشجب المحافل الدولية، إن اسرائل تعمل وتهدم وتتجاهل كما لو كانت سيدة العالم ” وتخلق أوضاعا واقعية” جديدة لحمل الكل على الرضوخ لها، بينما نحن نكتفي بالتهديد والبكاء والوعيد والخصام. إننا لا نريد استخدام وسائلها الجائرة لانتزاع حقوقنا، ولكننا من جهة أخرى لم ولن نقبل بمنطق القوة المتفوقة.

     قد تكون إسرائيل لأسباب لا يجهلها احد متفوقة عسكريا وتقنيا  : ” غير أن الايدولوجية التي تقوم عليها والتي توحد بين الدين والشعب والعرق، كما يقول الدكتور قسطنطين زريق في كلمته في الندوة العالمية الأولى للمسيحيين من اجل فلسطين،إنما هي رجوع إلى مفهوم مضى عليه الزمن…إن ما يعرضه الفلسطينيون العرب ويحاربون من اجله هو إقامة دولة فلسطينية علمانية ديمقراطية وتقدمية، يعيش فيها المسيحيون والمسلمون واليهود بسلام، ويتمتعون بحقوق متساوية. وهنا تقوم الطريق إلى المستقبل وليس في الصهيونية العنصرية المنغلقة “.  

     “الصهيونية العنصرية المنغلقة”: تلك ليست كلمة أطلقت جزافا، فالصهيونية مذ نشأت انتهجت سياسة عرقية مكشوفة، وإسرائيل اليوم هي نازية جديدة تنادي بعزل اليهودي عن سائر الناس وتنصب نفسها وصية على يهود العالم، لا بل تذهب إلى ابعد إذ تحسب جميع يهود العالم مواطنين له، بينما تتنكر لأصحاب الأرض الشرعيين   لا بل تعتبر فئة من مواطنيها أنفسهم غرباء أو مواطنين من الدرجة الثانية، لا لشيء إلا لأنهم مسيحيون أو مسلمون أو دروز، بالرغم من كونهم في فلسطين قبل مجيء دايان ومائير بآلاف السنين!

      لقد ذكر الأب غوتييه، وهو كاهن فرنسي قضى عدة سنوات في إسرائيل يشتغل عاملا في الناصرة مع العمال العرب، قبل حرب 67، ذكر حوارا جرى له مع أبراهام بن ياكوب مندوب الهستدروت حول وضع العرب، فقد أعلن له الأب: ” إنكم تتصرفون بالضبط كتصرف هتلر، وتطبقون ذات الأسلوب، إلا إنكم غيرتم الإشارة الجبرية. فحيث كان هتلر يضع علامة (-)، قاصدا إبادة اليهود، وضعتم انتم علامة (+) قاصدين إنقاذ جميع اليهود، وفي كلتا الحالتين بقيت العرقية بدون تغيير: طل اليهود ولا شيء إلا اليهود”. وقصة رفض الحكومة الإسرائيلية عام 1962 منح الجنسية الإسرائيلية للأب دانيال، الراهب الكرملي اليهودي الأبوين، لكونه تنصر، ومنحها إياها لأولاد العقيد شاليت وهو يهودي متزوج بامرأة يهودية ملحدة، قصة معروفة.

       لقد أعلنت الكنائس المسيحية في الغرب بيانات عديدة تشجب اللاسامية، والمجتمع المسكوني الفاتيكاني نفسه اصدر بيانا يعرض مسلكية العلاقات الصحيحة بين المسيحيين وأصحاب الديانات الأخرى بما فيها اليهودية – والإسلام – ومرمى ذلك ديني أنساني بحت، ولا يعني البتة، لا من قريب ولا من بعيد، الاعتراف “بدولة إسرائيل”، فالفاتيكان أصر منذ 25 عاما على إلا يمنح مثل هذا الاعتراف أبدا، إلا إن الصهاينة تهجموا على القرار في الداخل لمجيئه اقل مما كانوا يتمنون، واستغلوه سياسيا في الخارج، فالقضية المطروحة اليوم على الضمير المسيحي هي التمييز بين الشعب اليهودي ودولة إسرائيل، وبين اليهودية والصهيونية:

      فالشعب اليهودي واقع بشري يتكون من بقايا الجماعات اليهودية المنتشرة في إرجاء العالم منذ ما قبل المسيح لأسباب شتى. ودولة إسرائيل كيان سياسي استعماري غرس في فلسطين بالقوة عام 1948 ويغلف ايدولوجيته الامبريالية بغشاء من الدين، أما اليهود فديانة تنظم علاقة الإنسان بالله بحسب شريعة موسى وتعده لقبول المسيح المخلص، وفعلا انتشرت تعاليم المسيح، في فلسطين وخارجها، في الأوساط اليهودية، باديي ذي بدء، وتنصر قسم كبير منهم. أما الصهيونية فهي حركة عنصرية لا دينية لا تمت إلى الدين اليهودي إلا بكونها جردته من روحانيته وأحالت اليهودية إلى قومية مميزة. فالصهيونية الملحدة – التي تشجبها اليهودية الأرثوذكسية الرسمية – تعتبر اليهودية مجرد   مرحلة من تاريخ العبرانيين، يجب أن تتجاوزها فتصبح امة سياسية وقوة اقتصادية تسيطر على العالم. أما الكتاب المقدس فلا يعود “توراة” مقدسة وصوت الله إلى البشر، بل كتابا تراثيا مجردا من أية روحانية، يحمل شيئا من أخبار “الأقدمين” وآدابهم، كتاب حكم وقصص وأساطير، تماما كأحد كتب الميثولوجية التي كانت تجسد الروح القومية لدى اليونان والرومان والبابليين.

      وبدعة اليهود الكبرى، ومفارقة أخرى من مفارقاتها، هي استغلال التوراة حرفيا وتفسير أقوال الأنبياء تفسيرا سياسيا، إذ باسمها تدعى “العودة” إلى ارض الميعاد وجمع شمل “شعب الله المختار” من جديد في الأرض التي وهبه إياها الله “أرثا مؤبدا”!

     إن هذه إلا تبجحات وادعاءات مراوغة، فان يكون الله أبا الشعب اليهودي  فقط تشويه صارخ لصورة الله الذي يعز عليه كل إنسان مهما كان لونه أو عرقه، وان كان اليهود قد دعوا يوما “شعب الله المختار” فلان الله اختارهم ليحملوا رسالة التوحيد إلى العالم، ونظرا إلى الرجاء الذي كان مزمعا أن يتحقق للبشرية عن طريقهم بالمسيح يسوع، وهذا هو معنى قوله تعالى لإبراهيم: ” بك تتبارك جميع الأمم”. فالشعب المختار حقا لا يقوم على مميزات عنصرية أو عرقية أو حضارية: ” لا يخطر ببالكم أن تقولوا في نفوسكم ا نابانا إبراهيم، لأني أقول لكم: إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم” (متى 3: 9). وقد نادى الأنبياء أنفسهم وناشدوا بني إسرائيل ألا يركضوا وراء كيان سياسي فيحصروا دعوتهم الروحية في انطوائية عرقية ضيقة. إن رسل المسيح أنفسهم كانوا سجناء هذه الفكرة، وكم عمل المسيح في روحنة نظرتهم إليه والى ملكوت الله الروحي.

    إن إيماننا المسيحي يوجب علينا قراءة العهد القديم في ضوء الإنجيل، إذا ما هو سوى مسيرة وارتقاء تدريجي نحو المسيح.

    ومثل هذه الدول الدينية المستمدة سلطتها من لله مباشرة، مسيحية كانت أم إسلامية أم يهودية، قد عفا عليها الزمن، من جهة، زمن جهة أخرى كم حشرت الله في عنصريات بغيضة كانت السبب في الحروب الدينية والمذابح وصنوف البربرية.

     فالصراع، إذن، في فلسطين،مهما غلفته الدعايات المتباكية على مصالح اليهود، ليس مطلقا صراعا دينيا بين اليهود والمسلمين أو المسيحيين، إنما هو مجابهة سياسية بين محتل عسكري لا يقيم أي وزن لحق شرعي ويضارب على كرامة الإنسان وبين شعب يفرض عليه الصمت.

      من اجل هذا ومن اجل “الدفاع، باسم التعليم الإلهي المبني على العدالة والمحبة” عن حقوق الإنسان وحقوق الله بوجه تفسير الكلام المقدس تفسيرا سياسيا وعنصريا، كما قال الأستاذ شارل حلو، الرئيس اللبناني السابق، في خطابه الافتتاحي للندوة المسيحية، هذا التفسير الذي يجعل من ملكوت الله لا ملكوت نور ونعمة، بل عالم عتمة  وظلمات، والذي يجعل منه إمبراطورية  دنيوية قائمة على العنف المتواصل ” نرفع صوتنا كمسيحيين! لان المسالة تهم الإنسان، ولاتها قضية عدل وحق مصلوب لا يمكن لضميرنا المسيحي إلا يتحرك، ولا يمكن لأحد أن يتهمنا بالتطفل على السياسة!

لأجل  هذا  كله  نجابه  القضية   نحن  المسيحيين!

                                                    الأب جرجس القس موسى

((((((((()))))))))))))

المسيحيون وفلسطين 2

      في العدد 19 – ت2 1972– نشرنا القسم الأول من هذه الدراسة عن موقف المسيحيين من قضية فلسطين وحللنا منطلقات اهتمامنا بتا واستعرضنا فيها مراحل المعضلة مع تفاقم الحركة الصهيونية العالمية التي استهدفت منذ البدء إنشاء وطن قومي لشتات اليهود على ارض فلسطين وقد قاد هذه الحركة بضراوة الصحفي اليهودي المجري هرزل ودعم دعاوته بكتابه “الدولة اليهودية” (1896) مع أئمة الحركة الصهيونية أمثال اليهودي الانكليزي حاييم وايزمان الذي كتب”… راجين إن تصبح فلسطين أخيرا يهودية على مقدار ما هي انكلترا انكليزية، فلسطين لن تصبح دولة يهودية إلا متى أصبحت أكثرية سكانها يهودية”!

     لقد قيلت هذه الأقوال وخطط لتنفيذها قبل إعلان “الدولة” ببضع عشرات من السنين وعلى مرأى ومسمع وتأييد من بريطانيا ، وجاء وعد بلفور (1917) بداية التنفيذ، وبلفور لم يكن إلا صهيونيا  بجلد بريطاني حيث صرح سنة 1921: “إن الصهيونية أهم من رغبات وادعاءات 700000 عربي”. وبهذا المنطق سلمت انكلترا فلسطين إلى الصهاينة فكان أول مندوب سام لها فيها يهوديا صهيونيا، هربرت صموئيل، وبالمنطق الاخرق نفسه صرح نرومان، الرئيس الأميركي سنة 1946 لأربعة من سفرائه في الدول العربية: “أسف أيها السادة ولكن علي أن أجيب إلى مطاليب مئات الألوف من الناس الذين يتمنون نجاح الصهيونية، وليس لي مئات الألوف من العرب بين ناخبي”. وفي 14 من أيار 1948 أعلن رئيس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، دافيد بن غوريون، قيا “دولة إسرائيل” ثماني ساعات قبل انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، بالرغم من احتجاجات العرب وقرارات الأمم المتحدة. وكانت أميركا والاتحاد السوفييتي السباقتين في الاعتراف “بالدولة الجديدة “.

    ومنذ ذلك الحين ونحن في حالة حرب لا نعرف متى تنتهي، وفي حالة بحث عن حل أو حلول وفي هذا القسم الثاني من دراستنا سنحاول استعراض الخطوط العريضة للحلول المطروحة ودور المسيحيين فيها، رسميا وشعبيا.

    بوسعنا أن نوجز الأساليب المطروحة لمعالجة قضية فلسطين في ثلاث نقاط وهي: الدبلوماسية والمقاومة الفلسطينية ووسائل الإعلام.

الدبلوماسية

     منذ أن وقعت مصر الهدنة الأولى مع إسرائيل في 24 شباط 1949 وتلتها سائر الدول العربية باستثناء العراق، والدول العربية تبذل قصارى حصافتها الدبلوماسية لحل المشكلة المستعصية   وجعلت من معضلة فلسطين قضيتها الكبرى. وكان من أهداف الجامعة العربية الرئيسية منذ تأسيسها (1945) التحرير الكامل لفلسطين. وفي كل بيان مشترك أو زيارة رسمية أو مباحثات بين دولة عربية ودولة صديقة يكون لقضية فلسطين حصة مرموقة وكم من بعثة دبلوماسية عربية وفلسطينية جابت بلادا وعقدت مباحثات مع كبار الشخصيات السياسية العالمية والعربية بشان فلسطين.

       إلا أن “قصر البلور” في نيويورك هو أكثر من سمع وشهد عن المساعي الدبلوماسية التي بذلها العرب وأصدقائهم من دول العالم على اختلاف أنية والشيوعية والرأسمالية ودول العالم الثالث. فلو جمع كل ما قيل والقي من الكلمات وتخذ من قرارات، منذ 25 عاما، في قضية فلسطين في المنظمة العالمية لملا عدة مجللات، ناهيك عن مساعي الجامعة العربية ومؤتمرات القمة العربية والوزراء العرب والقيادات. يكفي أن نعرف إن إسرائيل تلقت من الأمم المتحدة 62261 إدانة فقط لاعتداءاتها على الدول العربية وخرق الهدنات بين 1949و1964. أما منذ حرب 67 فالله اعلم من الأرقام.

       وتضاعفت الجهود  الدبلوماسية للخروج من هذا المأزق لاسيما بعد حرب 67 حيث رمت دول صديقة جديدة بثقلها ومنها فرنسا، وتحرك العرب وأصدقاء فلسطين وأبنائها في البلاد العربية وفي المهجر مع سائر إخوانهم العرب المغتربين، وكثير منهم يحتل مراكز حساسة، لشرح القضية وإبعادها وتنوير الغرب علاي النوايا التوسعية لمخططات إسرائيل. وقد نجحت هذه الحملات والمساعي بما يبعث الى الأمل بدلالة ازدياد تفهم وتعاطف العالم معنا، حكومات وشعوبا وهيئات، وقد قطعت بعض الدول علاقتها مع إسرائيل أو حدت من تعاقدها، وخست اسرائيل كثيرا من هيبتها السابقة. ولذلك دوره الكبير في تعجيل عودة الحق إلى أصحابه.

المقاومة والثورة

     كان العالم الخارجي يرى –لاسيما قبل 67– في قضيتنا قضية نزاع على الحدود واشتباكات بين الجيران لربما مردها عداء ديني عريق أو تعصب عرقي. وكانت إسرائيل في الداخل وفي الخارج، تعلن بألف طريق وطريقة بنها دولة مسالمة، إنما تطالب بحق الحياة. أما نحن فنعرف أنها قضية شعب طرد من أرضه عنوة واستبيحت كرامته. وهذه الحقيقة الفائقة نفسها تحولت، بفضل دعاية الصهيونية العالمية وقصر نظر العرب، إلى مشكلة “لاجئين” بحاجة إلى خيمة وطعام ولباس. فيلجئوا إلى المؤسسات الخيرية وتنتهي مشكلتهم!

     ولئلا تبقى القضية “قضية لاجئين” وعرضه بين المساومين قامت حركات التحرر والمقاومة من ابناء فلسطين نفسها ونشطت عملياتها بعد 67، وهي تشكل طلائع ثورة تريد إن تأخذ مقدرات شعب فلسطين بيدها. وقد شرح سبب قيامها الشهيد كمال ناصر، الناطق الرسمي باسم القيادة الموحدة والثورة الفلسطينية في الندوة العالمية للمسيحيين من اجل فلسطين (بيروت – أيار 1970): “نحن الشعب الفلسطيني ننطلق من قناعة عقلية وجدانية عميقة أن عملية الاعتداء هذه استهدفت، من خلال خطة كبيرة، اقتلاعنا من جذورنا ليستوطن أرضنا قوم آخرون جيء بهم من أقاصي المعمورة لاغتصاب وطننا وإقامة دولة عرقية تعصبية منغلقة… نحب أن نعلن للعالم بأسره بأننا رفضنا في الماضي وسنرفض دوما هذا الواقع ونؤكد حقنا الطبيعي المشروع في العودة إلى منازلنا وحقولنا ومتاجرنا واسترجاع كل ما ضاع منا بالأسلوب الذي نختاره، سبيل الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية، ولم يكن لنا أي مناص في هذا الاختيار فقد غضت أنظمة العالم المختلفة طرفها عن الجريمة النكراء التي مارستها الصهيونية على أرضنا… إننا لا نقاتل من اجل القتال ولا نحارب من اجل الحرب، فثمة أشياء أجمل واحلي يجب أن ينجزها الإنسان في هذه الحياة بعيدا عن العنف والحرب”.

        ويستطرد: “ثم جاء الخامس من حزيران ليعطي الدليل القاطع للمتمردين في إدانة الصهيونية كحركة توسعية، وإبراز الشخصية الفلسطينية… نحن بكل بساطة نمارس حقا ولا نمارس حقدا. ونستقبل كل الناس نحرص على تعبئة جماهيرنا ومقاتلينا هذه الأفكار  لأننا علم أن حقدنا سيرتد علينا بنفس الامراض التي تعاني منها الصهيونية لو ماسنا الحد  فنحن في سبيل جيل صحي لا يكره ولا يبغض “. لذا كان أي عمل تخريبي من قبل المقاومة ضد العزل من السلاح، لاسيما خارج فلسطين، ينسف جهودنا.

     ولكي نلم بكل أبعاد الثورة الفلسطينية علينا أن نربطها بحركة التحرر العربي العام، لا بل هي جزء من ثورة العالم الثالث. فإسرائيل في وضعها العقائدي والعسكري الحالي لا يمكنها أن تستقر في مئة عام. وقد تهمد الأوضاع بضغوط مصلحية من الدول الاستعمارية، ولكن إن اعتبر العدو الركود نصرا، فهو “نصر” قصير الأمد، أما على المدى البعيد، فإننا شخصيا مقتنع من إن النصر سيكون لشعب فلسطين، إذ لا يمكن أن يستتب السلام إلا باستتباب الحق، فالثورات لا تنطفئ بانطفاء رجالها، وان سكت هؤلاء فلن يسكت أولادهم، الثورة فكرة، والفكرة لها نفس الأجيال فالمقاومة رمز انبعاث جديد وصرخة بعدم الرضوخ والاستسلام، ورجال المقاومة، لأنهم فدائيون، يموتون ليحيا غيرهم، نحترمهم ونكبر أهدافهم وإيمانهم بقضيتهم، وسيأتي اليوم الذي سيضطر العدو إلى التحدث إليهم.

      والذي ترمي إليه المقاومة، وقد أعلنته أكثر من مرة، هو إقامة دولة ديمقراطية علمانية حرة على ارض فلسطين يتعايش ويتضامن ويتمتع فيها جميع سكانها الأصليين   من مسلمين ويهود ومسيحيين، بالحق والواجبات نفسها   دولة تجتث منها كل تفرقة دينية أو عرقية أو عنصرية. وهذا لن يتم إلا باستئصال الكيان السياسي الصهيوني العنصري التوسعي.    

الإعلام

     بقي أن نعلم أن الدبلوماسية مهما نشطت واتسعت، والمقاومة مهما اشتدت وتكثفت فلابد من غطاء إعلامي ذكي مدروس وشامل يدعمها، لا في العالم العربي وحسب، بل بالخصوص باتجاه العالم الخارجي، لاسيما العربي. وان يكون الإعلام ذكيا معناه أن نطلع على نفسية من نخاطب وندرس الاتجاهات الفكرية والسياسية والمؤثرات التاريخية والدينية، الداخلية والخارجية، للمجتمعات التي نريد كسبها إلى جانبنا ومعرفة ما مدى ارتباطها الاقتصادي والاستراتيجي ببلادنا، لكي نعرف كيف نوجه إعلامنا، فنخاطب هذه المجتمعات بمنطقها ولغاتها وأساليب تفكيرها وعلى أعمدة صحفها ووسائل إعلامها نفسها. ولنسع جهدنا لمخاطبتها بلسان صحفييها ومثقفيها ومفكريها “فطالما لا نجعل الشعوب الأخرى تشهد لنا، كما يقول أمين معلوف، فان قضيتنا لا تتجاوز الاستعراض الصحفي”. والذي نرمي إليه نحن هو تغيير العقليات، من ثم نيل التزامها بقضيتنا، كما التزمت من قبل بقضايا فيتنام والجزائر وإفريقيا… وللوصول إلى هذا الالتزام من قبل أصدقائنا ومناصرينا علينا تقديم معلومات حقيقية واضحة وجدية مدعومة بالأرقام والتواريخ والتحليلات العلمية الموضوعية، باعتدال، بعيدا عن السطحية والعاطفية والثرثرة والغلو. لذا توجب علينا أيضا معرفة كل شيء عن عدونا وأساليبه الدعائية وتضليلا ته وما يقال في العالم عنا وعنه.

       تملك الصهيونية، بحسب إحصائية نشرتها جريدة “الرسالة” الموصلية (3/10/72)،  1036 صحيفة دورية مسجلة رسميا على أنها صهيونية خالصة، وفي الولايات المتحدة 218 صحيفة يهودية بالعبرية و 146 جريدة يومية أو أسبوعية أو شهرية بالانكليزية، ناهيك عن محطات الإذاعة والتلفزيون والسينما الصهيونية أو المتعاطفة معها، أما في أوربا الغربية فتملك الصهيونية 158 صحيفة دورية، وفي إفريقيا واسيا تسيطر على أكثر من 220 نشرة. ومحطة راديو إسرائيل تذيع بجميع اللغات الرئيسية وقد اقترح ايغال الون مؤخرا، بحسب صحيفة “معاريف” الإسرائيلية (16/2/73) تمديد البث بالعربية 24 ساعة.

إزاء هذا الغطاء الإعلامي الصهيوني الكثيف، أين نحن؟

      إننا لا ولنا في البداية، ويلزمنا “عقلنة” إعلامنا ومضاعفة دراستنا واعتماد عرب المهجر وأنصار فلسطين من غير العرب، وحتى من اليهود أنفسهم، خارج إسرائيل وداخلها، الذين يزداد عددهم. ونكتفي من هؤلاء بذكر اسم الدكتور شاهاك الأستاذ في جامعة القدس الإسرائيلية وعضو رابطة حقوق الإنسان في إسرائيل، احد مناوئي الصهيونية وقد أعلن في حديث له في لندن، منددا: “إن إسرائيل من دون دستور منذ تأسيسها، وهذا دليل على أنها ليست مكتفية بالمناطق المحتلة، بل تترك الباب مفتوحا لتوسيع أراضيها”.

      كما وان هناك وثائق تكشف الحقائق يجب إبرازها، وقد أشار كلود بوريه  كلمته أمام الندوة المسيحية العالمية من اجل فلسطين في بيروت إلى بعضها مثل كتاب دافيس، احد مندوبي الأمم المتحدة لدى وكالة الغوث، وكتاب الجنرال فان هورن رئيس بعثة الأمم المتحدة، وكتاب: “انهيار اليهودية” لموشي مناحيم، وكتاب “العرب في إسرائيل” للمحامي المسيحي العربي صبري جريس وقد نشره في حيفا بالعبرية عام 1966، يضاف إلى هذه العناوين اعمل الندوة المسيحية الأنفة الذكر وقد أشاد بوريه بمركز الدراسات الفلسطينية في بيروت الذي اخذ على عاتقه ترجمة ونشر الكتب والوثائق وتحليلات كبار المفكرين والشهادات والمستندات المتعلقة بالقضية. وقال:

     “الوثائق المهمة قد تغير الرأي العام العالمي وتؤثر على ذوي الضمائر الحية المضللين، حتى بين اليهود أنفسهم. وقد آن الأوان ليدرك المسؤولون العرب والفلسطينية أهمية هذه الكتب إلى جانب الوسائل الإعلامية الواقعية إذ أنها تتمتع بنفس أهمية السلاح الحربي، لا بل فاعليتها اقوي إلف مرة من الدعاية العاطفية التي لا تؤثر إلا على الذين كان لديهم استعداد مسبق لفهم القضية”.

      وهكذا بوسعنا أن نقول بأنه  عبر هذه المسالك الثلاثة مجتمعة، الدبلوماسية والمقاومة والإعلام، سيتمكن شعب فلسطين أن يستعيد حقه وأرضه، إلا انه من نافل القول ا ناي تسوية للقضية تتجاهل الحق الشرعي للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه ستكون تسوية منحازة وفوقية، إذن فاشلة.

——  مبادرات المسيحيين في القضية  ——-

       إننا لن نناقش هنا المنطلقات الفكرية والإيمانية التي تدعو المسيحيين إلى الوقوف بجانب الحق الفلسطيني –وان كان هؤلاء المسيحيون عربا أو مرتبطين بالعرب ثقافيا أو تاريخيا أو جغرافيا، كالسريان والأرمن والأكراد، فالقضية قضيتهم لا اقل من إخوانهم المسلمين، وفلسطين فلسطينهم أكثر من سواهم– إنما نتطرق إلى المبادرات المسيحية التي تساهم في معالجة القضية، وذلك على صعيدات ثلاثة: الرسمي والشعبي والفدائي.

المواقف الكنسية الرسمية

      يبقى الفاتيكان من الدول القلائل التي رفضت الاعتراف بإسرائيل كيانا ودولة، وقد اعترفت بها غير واحدة من الدول الإسلامية نفسها، وذلك بالرغم من الضغوط الصهيونية، بينما له علاقات دبلوماسية مع عديد من الدول العربية كالعراق ومصر ولبنان وسورية وتونس والجزائر والكويت. وقد أكد غير مرة على ثبات موقفه، كان آخرها لدى الزيارة الفاشلة التي قامت بها غولدا مائير لبولس السادس   بالرغم مما حاكنه إسرائيل من تلفيق للحقائق. وقد أذاع المكتب الصحفي للفاتيكان اثر الزيارة بيانا جاء فيه: “لقد أجاب البابا طلب غولدا مائير لأنه رأى من واجبه إلا يترك أي فرصة تفوته كي يعمل لصالح السلام… وفي المكانة الأولى مصالح لاجئي فلسطين”. واستنكر البيان كذلك تهويد القدس وجعلها عاصمة إسرائيل (الأسبوع العربي 22 ك2 73).

     والبابا بصفته رئيس دولة الفاتيكان، والرئيس الأعلى للكنيسة الكاثوليكية، وارفع سلطة أدبية وروحية في العالم، لا يدع فرصة أو خطوة ايجابية إلا ويبذل قصارى تأثيره لإحقاق الحق ونصرة الشعب الفلسطيني. ولطالما أشغلت القضية تفكير وخطابات بيوس الثاني عشر ويوحنا الثالث والعشرين ولاسيما بولس السادس وظهرت في لقاءاتهم مع رؤساء الدول والحكومات والهيئات العالمية المختصة والشخصيات العالمية، المدنية والدينية.

     وتحمل باستمرار إذاعة الفاتيكان وصحفه، بشتى اللغات، مثل الاوسرفاتوري رومانو والاوسرفاتوري ديلا دومنيكا ونشرة الإذاعة بالعربية احتجاجات البابا والأساقفة للانتهاكات الإسرائيلية وطرد العرب. وقد كان موقف بولس السادس واضحا حتى ولاسيما ابن زيارته التاريخية للأراضي المقدسة (ك1 63) إذ أتاها حاجا، متجاهلا الحدود السياسية، عن تعمد ولكن الصهاينة يستغلون كل شيء سياسيا كما فعلوا مع التصريح المجمعي في علاقات الكنيسة مع الديانات الأخرى الذي جاء دينيا بحتا يوضح مسلكية العلاقات الصحيحة بين المسيحيين وأصحاب الديانات الأخرى، ولم ببريء اليهود قط من دم المسيح، كما زعموا، وكان التصريح قد اخضع قبل إقراره للجامعة العربية.

    وكم سعا البابا دون وقوع حرب 67. وحين وقوعها  تكاتفت مع جميع هيئات الغوث والكنائس لإرسال الإعانات لضحايا الحرب مع العرب.

      هذا ومنذ 1948 نعمل “البعثة البابوية لفلسطين” ومنظمة “الغوث الكاثوليكي” ومنظمة “المحبة الدولية” وغيرها من الهيئات المسيحية في خدمة اللاجئين العرب في سوريا ولبنان وأردن وغزة.

    ومن جهة أخرى فقد عقدت لقاءات على مستويات أساقفة ومندوبين رسميين عن الكنائس المسيحية في الشرق والغرب، لدعم الفلسطينيين اللاجئين. وقد دافع أكثر من بطريرك وأسقف، في الشرق والغرب، عن حقنا المغتصب. فمواقف بطريرك الروم الكاثوليك مكسيموس حكيم لا يجهلها احد، وقد لخصها بكلمة وجهها إلى الرئيس اللبناني يوم انتخابه بطريركا (ت2 1967):

      “… بينما نحن رأينا في أن نخدم أولادنا عرب فلسطين (كان غبطته قبلا مطران أبرشية الجليل) الذين بقوا في بلادهم وتعرضوا فيها لكثير من وجوه الضغط والإساءة والسلب، فكنا في داخل المعمعة وفي خط الدفاع الأول، معتزين بعروبتنا، ندافع عن المبدأ الصحيح ونسمع صوتنا عاليا في الداخل والخارج، في سبيل إحقاق العدل،.. ولئن كنا مع قداسة البابا بولس السادس، نردد إننا لا نريد الحرب بعد الآن، إلا أن هذا لا يعني إننا نرضى بان تحل الحرب لغيرنا مشاكله وحدوده…”.

    ولم تكن مواقف سلفه مكسيموس صائغ اقل وضوحا وجرأة، لاسيما إبان الحرب 67 إذ أعلن مرارا وقوفه وشعبه “بجميع الطاقات إلى جانب البلدان العربية لتحرير الوطن العربي المحتل ظلما”.

    وفي بغداد أقيم، اثر العدوان، قداس مسكوني عن أرواح شهداء الوطن، تمثلت فيه الدولة وتحدث فيه غبطة البطريرك الكلداني بولس الثاني شيخو عن واجب حشد الطاقات الروحية والمادية في العراق والبلدان العربية لمواصلة المعركة حتى الحل العادل السوي.

    وفي الضفة الغربية نشر الزعماء المسيحيون والمسلمون بيانا مشتركا في جريدة الدستور الأردنية (16/8/967) نددوا فيها بالتشريعات الصهيونية غير الشرعية ورفضوا الاحتلال وأكدوا على عروبة القدس.

     وفي حادثة حرق المسجد الأقصى (أيلول 69) انضمت البطريركية المسكونية الأرثوذكسية إلى سائر الكنائس وأعلنت في بيان رسمي إن هذا الاعتداء يعد “اهانة لا فقط للدين الإسلامي، بل للضمير الديني والحرية والحضارة بأقدس ما لها بحقوق الإنسان”.

    وفي سوريا نشر البطاركة الشرقيون ورؤساء الطوائف المسيحية “نداء إلى الوجدان المسيحي” سلم إلى الرئيس نيكسون وبعض رؤساء الدول الغربية حول قضيتنا ومطامع إسرائيل في القدس (انظر ملحق حزيران 1971 في “الفكر المسيحي”).

وفي الجزائر تحرك الكاردينال دوفال وتحدث أكثر من مرة عن حقنا في أرضنا.

     وفي الأرض المحتلة قاد المطران يوسف ريا مقاومة باسلة ضد قوات الاحتلال التي اغتصبت أراضي قريتي أقرت وكفر برعم عام 948 وسار على رأس مظاهرة احتجاجية بعد أن كان الأهالي قد تحصنوا في الكنيسة، تضامنا معهم، قرعت أجراس كنائس لبنان وألقى الكهنة كلمات تفضح التعسف الصهيوني.

وغيرها من المبادرات التي لا يمكن حصرها جميعا في هذه العجالة.   

المواقف المسيحية الشعبية والمبادرات الشخصية

      بعد حرب 1967فرضت القضية الفلسطينية ذاتها على الرأي العام العالمي وبينما كانت من قبل، في الكنيسة، تستأثر انتباه السلطة في الدرجة الأولى، فقد نزعت بعد67 إلى صفوف الشعب واستأثرت بقطعات جديدة من المؤمنين والرعاة، على صعيدين فردي وتنظيمي، وفي ما ياي نستعرض بعض هذه المبادرات:

لعل أهم التنظيمات المسيحية التي نشأت بعد 67 هي “الندوة العالمية للمسيحيين من

اجل فلسطين”.  بهمة عدد من أصدقاء فلسطين، من المسيحيين العرب والغربيين، وقد أوضحت أهدافها في مقدمة الكتاب الذي نشرته عقب دورتها الأولى المنعقدة في بيروت من 7 – 10 من أيار 1970، وهي خلق توعية مسيحية مسكونية فعالة للقضية الفلسطينية والخروج بخطة مشتركة لأجل القيام بحملة إعلامية، لاسيما تجاه المسيحيين في الغرب. لذا كان للندوة سكرتاريتان أحداهما في بيروت والأخرى في باريس. ومما جعل دراسات الندوة صريحة وموضوعية كون المشتركين غير مرتبطين بمواقف رسمية مسبقة وغير ممثلين لهيئات حكومية أو كنسية. أما الدورة الثانية للندوة فقد عقدت في لندن في 11 – 15 من أيلول 1972. وتنشر “الندوة ” أبحاثا عديدة في القضية الفلسطينية؟

نشر فريق من “لاهوتي الشرق الأوسط” في بيروت في ك1 1967 “مذكرة في

مستلزمات الإيمان المسيحي إزاء المعضلة الفلسطينية”.

قررت اللجنة التنفيذية للاتحاد العالمي للطلبة المسيحيين بالإجماع في جنيف في 22

تموز 1970 تبني مشروع “الضمير المسيحي والقضية الفلسطينية” وهدفه نوعية الضمير المسيحي العالمي وإبراز معطيات القضية الإنسانية واللاهوتية؟

في الجزائر عقد 300 مسيحي اجتماع توعية في مركز ابن اقنوب في 5 ك1 1970

لدراسة القضية الفلسطينية من وجهات النظر القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

في 4 – 8 أيلول 1972 نظم “المكتب المسكوني للشرق الأوسط للاستعلامات

والتفسير ” اجتماعا للاهوتيين كاثوليك وبروتستنت وأرثوذكس، من الشرق والغرب، في دير ايلسفور بانكلترا لدراسة معطيات القضية على ضوء العهد القديم وعلاقة الكنيسة المسيحية باليهودية.

عقدت لجنة حقوق الإنسان التابعة “للندوة العالمية” من 6 – 9 أيلول 1972 اجتماعا في ويستمنستر لدراسة حقوق الفلسطينيي الفلسطينية،.

ومن الشخصيات المسيحية البارزة التي تهتم بالقضية على صعيد الفكر والتوعية – وكثير منهم مرجع في الدراسات المؤتمرات الفلسطينية، المسيحية والعالمية -:

جورج مونتارون (فرنسا) سكرتير الندوة العالمية للمسيحيين من اجل فلسطين في باريس ورئيس تحرير مجلة “الشهادة المسيحية” الباريسية.

الأب جان كوربون (لبنان) صاحب عدة بحوث لنصرة القضية.

المطران جورج خضر (لبنان) صاحب عدة كتب ومقالات ومحاضرات عن فلسطين، منها كتاب ” فلسطين المستعادة “.

ميشيل شيحا (لبنان) مفكر قدير دافع دوما عن حقوق الفلسطينيين.

الأب جورج ديمون (الأردن) شاهد عيان للمأساة إذ عاش طويلا في العقبة.

أنطوان عطا لله (فلسطين) صاحب دراسة قيمة عن مشكلة  “القدس”.

الأب بول غوتييه (فرنسا) وقد اخ”. الظلم الإسرائيلي إذ عاش طويلا مع عمال الناصرة العرب. صاحب كتاب “القدس ودم الفقراء”.

السيد غرانغو (الجزائر) يعمل في توعية مسيحية في بلاده عن القضية.

إن ماري ابلمنز (بلجيكا) من لجنة التضامن مع المقاومة الفلسطينية والشعب العربي.

دومنيك فون بورج (سويسرا) صحفي.

خوسيه اوسكا (كوبا) ألقى كلمة بليغة عن التلاحم مع القضية في ” الندوة العالمية “.

الدكتور افريل م.  مخلوف  (الولايات المتحدة)  من  أصل  عربي  وغيرهم 000

وهناك الصحافة المسيحية التي تعمق الوعي المسيحي، أكثر فأكثر، في الأبعاد الحقيقية للقضية، ومن أهم ما يصل ألينا متها:

“الشهادة المسيحية” الأسبوعية الفرنسية المؤيدة للقضايا العربية وبصورة خاصة

قضية فلسطين. وقد زار رئيس تحريرها والمسؤول فيها عن الشؤون العربية بغداد في العالم الماضي وقد نشرت جريدة “الجمهورية” مقابلة معهما (15/5/1972).

“المسرة” الشهرية اللبنانية التي لو جمعت أبحاثها عن القضية الفلسطينية لألفت مجلدا

ضخما يحيط بالقضية من كل جوانبها.

“المنتدى” وهي نشرة إعلامية مسكونية تصدر في بيروت بالعربية والفرنسية

والانكليزية تنشر كل ما يكتب أو يقال عن قضية العرب الكبرى، لاسيما في الأوساط المسيحية.

“النشرة” يصدرها القسم العربي في إذاعة الفاتيكان وهي تنشر كل ما يصدر عن

الكرسي ألرسولي والأساقفة بخصوص فلسطين وقضاياها.

“الفكر المسيحي” التي تعلن تأييدها دوما للقضية العربية وعودة إخواننا الفلسطينيين

إلى ديارهم وتقرير مصيرهم بأنفسهم.

ولا تخلو أية منشورة مسيحية عربية دورية من مواقف تؤيد القضية العادلة.

الفدائيون المسيحيون

     بقي أن نقول كلمة في اشتراك المسيحيين في العمل الفدائي والمقاومة. وندع الكلمة للشهيد كمال ناصر، أعلنها هادرة في قاعة اليونسكو ببيروت في أيار 1970، أمام وهاء ثلاثة ألاف مستمع، في الندوة العالمية للمسيحيين من اجل فلسطين.

      “إن العربي المسيحي يدرك تماما أن المسيحية ثورة إنسانية ملتهبة عارمة مستمرة في المجتمع وقد ألهبها السيد المسيح وهو أعظم ثائر أنجبته الإنسانية، فالمسيحية ثورة في وجه الظلم والعدوان والاغتصاب والعنصرية 000 وبهذه المناسبة أرى لزاما علي أن أؤكد إننا، نحن المسيحيين العرب، ملتحمون التحاما عضويا بالمجتمع الذي أسهمنا في بناءه وتكوينه 000مؤكدين أيضا بأننا على الصعيدين العلماني والكنسي لا نقل ضراوة وشراسة في محاربة الصهيونية عن احد ابناء امتنا قيادة وقاعدة واحدة في وجه كل غزوات أرادت أن تنال من أرضنا وكرامتنا وعزتنا”.

    لقد برهن هذا الفدائي المسيحي على أقواله بدمه إذ استشهد من اجل فلسطين في الغارة الإسرائيلية على بيروت في 10 نيسان 1973. وليس كمال بطرس ناصر، ابن بلدة بير زيت الفلسطينية، الشهيد المسيحي الوحيد الذي يموت لتحيا فلسطين.

    وهناك أسماء مسيحية أخرى يحتل بعضها مراكز قيادية، فكرية أو قتالية، أمثال نايف حواتمة: الأمين العام للجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين، وجورج حبش: رئيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وجاكلين خوري: ممثلة فلسطين في مؤتمر المرأة الإفريقي الأسيوي في الصين (13/8/72)، والفدائيتان تيريز اسحق هلسة وريما عيس طنوس اللتان أجبرتا طائرة بلجيكية على النزول في مطار اللد (8 أيار 972) وقد حكم عليهما بالإشغال الشاقة المؤبدة. وغيرهم كثيرون…

    أما الأكثرية منهم فسيبقون مجهولين، لأنهم اختاروا الالتحام الصامت الخفي بفصائل الكفاح، جنودا مجهولين لتحرير الأرض المقدسة وفدائها.

     يعزى إلى موشي دايان هذا القول: “الذي سيهزم العرب أخيرا جنرال اسمه الملل:. انه مخطئ وايما خطا. فأصحاب الحق هبوا ولن يستكنوا إلى أن يعودوا، وتكلموا ولن يسكتوا بعد، ورفعوا أصواتهم ولن يهداوا إلا وهم في بيوتهم. لقد حملوا سلاح الأمل والصمود ولن يملوا من الصمود والرجاء لان النصر للصامدين!.   

 

                                      الاب جرجس القس موسى

 

Advertisements

كاهني هكذا اراه.. و هكذا اريده

1973 المقالات 

20

معهد مار يوحنا الحبيب    – ملف                            

24

نيسان

1973

           

 

 

22

كاهني  هكذا اراه.وهكذا أريدهملف                 

29

تشرين2

1973

كاهني  هكذا اراه.. و هكذا اريده 

ملف/تشرين الثاني 1973 

          الكنيسة، او المسيحية، يجب اكتشاف دورها الكامل في العالم. انها ليست مجرد سفينة تقل ركابها الى ميناء الابدية (!) واعدة اياهم “بخيرات مقبلة”. ان هذه الناحية، واقصد الخيرات المقبلة، قد لاتلقى في الحضارة المعاصرة كل الحماس الذي كانت تلقاه في السابق وذلك لاسباب عديدة:  منها قوة العلم والتقنية التي صرعت كثيرا من مخاوف الانسان واتكاليته على “الخيرا ت المقبلة”، وجاذبية الحياة المرفهة، واكتشاف كثير من القيم الايجابية الموجودة في الخليقة.  اظن ان هذه النقطة الاخيرة ذات اهمية كبرى بالنسبة الى رسالة المسيحية الكاملة في العالم. فعليها –وذلك من صلب طبيعتها الداعية الى “تجديد كل شيء في المسيح”– عليها ان تبحث عن هذه القيم الايجابية في الكون وتكتشف المسيح الكامن فيها، تكتشف غايتها، تكتشف العناصر “الروحية ” الكامنة في “الحياة المادية ” وترفعها الى الله، بل تنظر الى القيم المادية والانسانية والعلمية والسياسية كجزء مكمل لعمل الله وداخلة في مخططه…

       وهكذا فنحن نشجب استخدام المسيحية كمجرد اطار لنظام سائد “ازلي” او اعتبارها عنصرا مكملا في اخلاقية المجتمع وحضارته ليس الا: انها اسمى من ذلك – انها دعوة الى تألية الانسان واكتشاف قداسة المادة والاشتراك في حياة الله.

       هذه هي المسيحية الحية التي ارادها وينتظرها المسيح والتي ينتظرها العالم، المسيحية التي ينتظر ان يبشر بها الكاهن ويحياها، لا هو فقط، بل كل مسيحي. لاشك ان رسالة الكاهن متصلة، اكثر فاكثر، اتصالا حيويا مع العالم: والكاهن يجب ان يكون بحكم رسالته الدينية والانسانية، منفتحا الى مضامين حياة الانسان كلها، ويتفهم حالاته في العمل والجهاد، مما يلزمه ان يكون مندمجا في المجتمع الذي يخدمه، لا هامشيا عليه.

     لا يجوز ان يبقى الكاهن “رجل المباديء” و “الارشادات” و “التوجيهات” و “الفتاوى” وهويحكم من  عل.يجب ان ينزل الى الميدان، والا لغاب في النسيان تدريجيا، او عُدَّ على حساب ممتهني الاخلاقيات التي لا تكلف صاحبها كثيرا.

    الكاهن يتحمل القسط الاكبر من رسالة الكنيسة. أو لمْ يوصه معلمه قُبَيْلَ ارتقائه: “اذهب وبشر وعلم جميع الامم وعمدهم…”؟

   ولكن قبل ان يتجه الكاهن الى “جميع الامم” هو مرسل “ليبشر ويعلم” شعبا معينا، وان هو”بشر وعلم وعمد” هذا الشعب، هنا، بكل الاندفاع والحرارة اللذين وضعهما المسيح في قلبه يوم رسامته يكون قد بنى الكنيسة واشترك في بناء العالم.

     في هذا الملف لانبغي  اجراء دراسة مستفيضة عن رسالة الكاهن، انما نكتفي بدرج مقتطفات  مما كتبه الينا بعض القراء في استطلاع سابق عما ينتظره المؤمنون من الكاهن

(الفكر المسيحي –العدد8 –تشرين الاول 1971). اننا نامل ات تعكس هذه النصوص  العفوية الصورة التي يرسمها المؤمنون له وما يبدونه من ملاحظات او امنيات حول هذا الرجل الذي يمتزج اكثر من اي شخص اخر بحياتهم.

*                                                   

الكاهن هو ذلك الشخص القوي الارادة المضحي براحته والذي يترك ملذات الدنيا

الزائلة لكي يجعلنا مطمئنين الى ان الدين المسيحي سوف يظل شامخا قويا ما دام هناك كهنة يعملون على اسماعنا تعاليم المسيح وحثنا على الحفاظ على مبادئه والتخلق باخلاقه والاقتداء باعماله.وانتظر من الكاهن ان يحاول تجنب كل ما يسيء الى سمعته  ويكون قدوة حسنة لنا ويعلمنا الفضيلة وهو متّصف بها. وان يحاول بعض الكهنة النزول من ابراجهم العاجية والدخول في قلب ابناء رعيتهم ومساعدة كل محتاج الى ثقافة روحية ” (ص.ح.ك.-موضف 29 سنة ).

هذا الاندماج بالشعب كتب بصدده كثيرون والجميع يرون فيه شرطا اساسيا لتجسيد

رسالة الكاهن تجسيدا واقعيا – يريدونه بطلا يعيش بينهم، ومثالا يسيرون على خطاه، يحيا بوعظه، ويعظ بحياته:

غ.ك. – معلم 46 سنة:

“الكاهن هو كشعاع ونبراس في عالم يخيم عليه الظلام وكالطبيب النطاسي الذي يجتث بمبضعه الداء من جذوره. انتظر منه، لا بل الح عليه توسيع حقله في الوعظ والتعليم المسيحي والتوجيه الادبي والاجتماعي وان يخرج برسالته من تحت جدران الكنيسة الى قلب المجتمع ليتحسس مشاكله ويعمل بجد لحلها بموجب الروح المسيحية والعدل الاجتماعي اللذين يؤكدان على الكرامة الانسانية والحرية وتوفير الحاجات الضرورية للانسان. وارجو ان يكون هو خير مطبق وقدوة لما يدعو اليه وان تكون الفطنة والجراة والاخلاص والتواضع رائده في كل خطوة وعند معالجته لكل عاهة او مرض انساني واجتماعي وان يصمد امام نقد ومعاكسة ومقاومة الحاسدين والطامعين والحاقدين والمتصيدين في المياه العكرة والمتنفذين بواسطة اموالهم او جاههم او خداعهم؛ فسرعان ما يقل عددهم كلما زاد من صموده واخلاصه ويزداد عدد مؤيديه ومسانديه من جميع الطبقات، وان يضع امام بصيرته دوما ان السيد المسيح نفسه قاومه كثيرون ولكن صموده وتضحيته اثمرا هذه الكنيسة “.

ع.ز.ي.-معلم 23 سنة:

“يجب ان يكون شمعة تتقد وتضيء لكي تنير الطريق امام الشعب المسيحي وذلك بافساح المجال لفتح كثير من الاخويات والتشجيع الى الانتماء اليها، ثم التكثير من اللقاءات في المناسبات، ثم مواضيع المواعظ ان تكون حياتية مرنة لا تقليدية معروفة “.

ا.ا.-طالب جامعي 23 سنة:

يجب ان يكون الكاهن بطلا مسيحيا يعظ بجراة ويفضح بجراة، والا فلا داعي لوجوده لانه في هذه الحالة يكون كمثلي وكغيري”.

ب.ب.- طبيب 62 سنة:

“الكاهن شخصية ذات صفة روحانية مقدسة دائمية ويجب ان يكون مثقفا بدرجة عالية تمكنه من اداء رسالته التعليمية والقيادية ومتواضعا ليخدم الشعب ويمتزج معه…”

ولكن بدون تزمت:

ج.ج.-موظف 24 سنه:

“الميزة التي يتميز بها الكاهن عن العلماني هي التصريح المفوض به لممارسة الاسرار، روحيا، اما ظاهريا فهي الملابس فقط. فله  ما لنا وعليه ما علينا، ومقابل ذلك، اي مقابل هذا التفويض الروحي لا يجوز ان يعتبر نفسه كحاكم او كمرجع رئيسي ونهائي في كل القضايا بالرغم من انه  يجب ان يتدخل ويعمل لياتي بما هو جديد، لا ما ثقلت اذان الشعب من سماعه…” 

انه “ابونا” فليكن كذلك واكثر: اخ ومرشد وصديق وثقة:

د . د . – مدرس 28 سنة:

     “الكثير من الكهنة يقوم في حقل الشعب المسيحي بخدمات ونشاط مبارك ملحوظ، لا بل مضن في بعض الاحيان. ان ما انتظره من الكاهن هو ان يكون الصديق والمرشد – وموضع الثقة، وببساطة طبيبا روحيا اذا قصدته.

     “واما ما اعلق عليه جل اهتمامي هو ان يلتزم الكاهن برعيته بالتعرف على هذه الرعية والامها وامالها واخطائها – الاخطاء الجماعية وقصر النظر في المشاكل الحياتية، وبالاخص تفهم مشاكل الشباب وتطلعاتهم. واني اتوقع من الكاهن الصادق مع نفسه اذا ما توجهت اليه التهم وسهام الانتقاد ان يقول: انا الغريق فما خوفي من البلل”، ويستمر ماضيا في سبيله محطما كل الاصنام مقتلعا جبال الاخطاء  التي سلم بها العرف والتقاليد والمجتمع مبدداً الجهل والظلام والتاخر”

ا.س.ج- معلمة 23 سنة:

”    ان نظرتي الخاصة الى الكاهن هي: انه ممثل السيد المسيح بيننا، وانظر اليه كاب حنون واخ عطوف وانتظر منه التوجيه الصحيح نحو حياة افضل”.

ه . ه . – طالب جامعي 23 سنة:

    “نظرتي الى الكاهن هي انه صديق حميم لي وهو على اتصال مستمر بالمسيح يرفع صلواته من اجلي ومن اجل كل الشعب”.

  متفانيا امام رعيته في زياراته ومواعظه وتعليمه ومندمجا معها في حياته الاجتماعية وعلاقاته. دون تفريق بين غني وفقير:

. س .- موظفة31 سنة:

 “ان يكون الرجل المثالي الحقيقي، ولو انه لا يوجد شخص عديم الخطا، ولكن

يجب ان يحاول المستحيل لمراعاة الاكثرية. وانه مع الاسف الشديد جدا هناك كثير من الكهنة يراعون بالزيارات العائلات الغنية وفوق المتوسطة ويهملون العائلات الفقيرة”.

ن.ه.ك.-كاتب 27 سنة:

الكاهن رجل المحبة، رجل الانسانية… انتظر ان يعمل بكل مجهود لاجل كل الشعب المبارك وعلى الاخص في حقل مواعظه… وان توافق هذه المواعظ ماجريات الحياة، غير متقيد بقيود اجدادنا. وانني امل ان تبدا بشرح الانجيل المقدس لانه ينير الدرب للصغار والكبار على السواء. ولي اقتراح: لماذا لا يعلّم الكهنة الشباب المسيحي لغته الكلدانية… كما ان الزيارات الراعوية هي ذات فائدة جليلة الى قلوب المسيحيين”.

ه. م . ك- طالب22سنة:

لما كان المسيح صديقا وفيا لي فالكاهن ايضا هو الصديق الوفي الذي الجا اليه وانتظر منه لي شخصيا وللشعب المسيحي عامة ان يكون اكثر شعورا بالمسؤولية واكثر تعاونا مع رعيته لان الكاهن هو الراعي، والراعي مسؤول عن رعيته، ينظر اليها نظرة حب ووفاء، وان يكون اكثر تجاوبا لتفهم حاجاتها، وان يصرف القسم الاكبر من وقته لاعداد الشباب الاعداد الديني الصحيح”.

– ان يصرف الوقت الاكبر من وقته لاعداد الشباب” وينفتح اكثر على العلمانيين”: لازمة وأمنية عزيزة عند الجميع”

م . ح . – طالب جامعي 21سنة:

نظرتي الى الكاهن قاسية، بما انه كاهن الجماعة فليكن قطعة قطعة، هو في الكل والكل فيه. اريده لايستريح ولاينام، ان يعمل ان ينفتح على العلماني… 

ع . و. ب – طالب20سنة:

   “تختلف نظرتي من كاهن الى اخر. لا لاجمال هناك الكهنة الذين يتبعون الطور القديم.وهناك الكهنة العصريون، وهؤلاء هم الكهنة الشباب المنفتحون والفرحون في تقديم خدماتهم للشعب ولا يتبعون المادة، هؤلاء احبهم كثيرا جدا واعتبرهم كاصدقاء ومرشدين”

      “يعجبني ان اكون صريحا مع الكاهن في كافة القضايا التي نبحثها…اطلب منه تقديم المواعظ وتعليم الاولاد (ايام الصيف مثلا) التعاليم المسيحية…”.

و. و .– معلمة 27سنة:

      “الذي انتظر منه هو ان يكون انسانا متفتحا ومرنا يقوم باعطاء المواعظ، يعمل في حقل التعليم المسيحي للناشئة ويتفاهم مع الشباب حول مشاكلهم وذلك عن طريق الاخويات والندوات ويقوم بزيالرات للرعية التي بعهدته”.

     – لكي يكون الكاهن قريبا من اماني الشباب ويواكب مسيرة الانسان في طموحاته المادية والروحية ويعلن الانجيل بلغة جلية ويغذي حياته باستمرار لابد ان يكون على ثقافة عالية، فالجهل والسطحية للكاهن افة لا اخطر منها:  

ع . ع . – مترجم 59 سنة:

”         انتظر من الكاهن ان يكون كذلك السامري الصالح في مجال الحياة الروحية وان يكون مثقفا تثقيفا دينيا عصريا وان يحاول ان يزيل ماعلق باذهان الشباب من امور خاطئة بالنسبة الى جوهر الدين وان ينشر الكتاب المقدس بين العوائل المسيحية”.

ا . ح . -:

        “الكاهن هو ممثل السيد المسيح، اريده ان يكون بمستوى من يمثله ومثقفا يزيدني ثقافة بمواعظه، كما اريده ان يقلل من زياراته لللاثرياء فقط حيث الماكولات الدسمة، ويباشر على الفور بزيارة كل البائسين وتقديم كل المساعدات الممكنة لهم. واقترح ان يرسل كل كاهن للتخصص في الحقول السيكولوجية اضافة الى دراساته الاخرى ثم يعود ويعالج كل القضايا بمواعظه وكانه استاذ جامعة لان ثلاثة ارباع البشرية اليوم تعاني من الامراض النفسية، والكهنة هم اقرب الناس واحقهم في معالجة هذه الامراض”.

       ويختم الصديق ا . ح .: “بقاء الكنيسة في بقاء الحياة الكهنوتية والرهبانية لذا يجب ان يكرس بعض الشباب والشابات حياتهم فيها”.

                                           *

            قد تكون بعض هذه الملاحظات قست احيانا: بذلك انما اراد اصحابها ان يترجموا شعورهم كما هو، لا لقلة ثقتهم وامالهم بكهنتهم، بل بالعكس، لانهم كبيرو الثقة بهم ويبنون عليهم اعز امالهم في بنيان المسيحية وانعاش الايمان وتجديده: “نرجوا منه الكثير جدا.عيوننا كلها شاخصة اليه” (ه . ع – موظف37سنة ). جمال الكنيسة بجمال حياة كهنتها، فان كانوا راسخين ستبقى راسخة شامخة، وبتكاتفهم الوثيق مع اخوانهم واخواتهم العلمانيين ستؤدي الكنيسة رسالتها بامانة ووضوح في العالم.

(((((((((((((())))))))

                 معهد مار يوحنا الحبيب

في خدمة كنيسة العراق منذ 95 عاما 

       في الموصل معهد اكليريكي لإعداد الكهنة عمره 95 عاما , قدم للكنيستين الكلدانية والسريانية زهاء مؤتي  كاهن . ومن تلامذة بطارالحبيب:فة رعوا كنائسهم في أدق مراحلها وبثوا فيها الحياة والطموح وبنوا أمجادها بعلمهم وإدارتهم وبعد نظرهم وفضيلتهم ,   والمع هؤلاء التلاميذ الذين يفتخر بهم لمثلثا الرحمات البطريركان غبطة ما يوسف السابع غنيمة بطريرك بابل على الكلدان من 1949 – 1958 , (وكان قد سيم كاهنا عام 1904 وأسقف عام 1925 وولد في الموصل عام 1881)   , والكاردينال جبرائيل الأول تبوني بطريرك السريان الإنطاكي من 1929- 1968 , (وقد سيم كاهنا عام 1902 وأسقفا عام 1912 وكردينالا عام 1935 وولد في الموصل عام 1879) .

معهد مار يوحنا الحبيب : لا احد يجهل هذا الاسم .

فما هي قصته ؟

هذا ما سيجيب إليه التحقيق التالي.

وأملنا أن نوافي القراء بتحقيق مماثل في عدد لاحق عن معهد شمعون الصفا الكهنوتي ألبطريركي الكلداني . وتأتي هذه التحقيقات رغبة منا في التعريف بمعالم كنيستنا .

                                                 ( الأب جرجس القس موسى )

نظرة تاريخية

    يرقى تأسيس معهد مار يوحنا الحبيب الكهنوتي إلى عهد مجيء الآباء الدومنيكيين الفرنسيين إلى الموصل عام 1850 .

    ولما تسلم الأب دوفال الرسالة الدومنيكية فاتح قداسة البابا بيوس التاسع في مقابلة له معه عام 1873 بهذا المشروع . وبعد أربع سنين من هذه المقابلة أعلن الأب دوفال في 27 من كانون الأول ستة 1877 عن قراره في فتح معهد اكليريكي لطلبة ألبطريركي الكلداني الذي تأسس عام 1866 قد توقف في تلك الفترة من 1873 – 1882-. وافتتح المعهد المذكور في العاشر من كانون الثاني 1778 واستقبل أربعة تلامذة عهدت تربيتهم إلى الأب كورماشتيك , وبذلك أصبح أول مدير للمعهد .

    وقد جاء تأسيس المعهد , كما أدلى الأب الو الدومنيكي في مقال عن المعهد نشره عام 1904 في مجلة “السنة الدومنيكية” , تلبية لحاجة كنيسة العراق الى كهنة ينهضون بها ويبثون فيها العمق الديني والوعي . وقد ساند الكرسي ألرسولي هذا المعهد منذ مراحله الأولى , كما جاء في رسالة فقداسة البابا لاون الثالث عشر إلى رئيس مدارس الشرق في غروب القرن الماضي جاء فيها :

    إننا واثقون من أن أية امة , وبصورة خاصة الأمم الشرقية التي تحاول إعادة أمجادها الأولى , لن تعيدها ما لم يسر الاكليروس في رأس القطيع . إننا نريد أن يتطور المعهد الذي أنشاه الآباء الدومنيكيون في الموصل لكي يستقي الاكليروس من منهله التقوى والعلم حسب حاجات العصر والمكان . ورغم العبء الذي يثقل على كاهل الكرسي ألرسولي فإننا نساند هذا المشروع ماديا لكي تتحقق هذه الأمنية ” (1882)

     وسرعان ما تفرعت النواة الأولى حيث ارتفع عدد الطلبة عام 1880 إلى عشرين طالبا ينتمون إلى أبرشيات مختلفة , 13 كلدانيا و 7 سريان , أي بنسبة ثلثين للطلبة الكلدان وثلث للسريان , وسوف يحافظ المعهد على هذه النسبة نظرا لتفوق الكنيسة الكلدانية في العراق من حيث العدد والمناطق على شقيقتها السريانية . وقد قدم المعهد باكورة ثماره ستة طلبة إلى الرسامة الكهنوتية سنة 1889 خمسة منهم كلدان وهم : المطران أدي شير (شقلاوة) مطران سعرد – تركيا , والقس ايليا عيس (الجزيرة – تركيا) وقد استشهدا كلاهما سوية عام 1915 , والخوري يوسف طويل (الموصل) + 1919 , والخوري يوسف (همزية – العمادية) + 1943 , والخوري افرام اسطيفان (تلكيف) + 1954 , وواحد سرياني هو القس ابلحد بهنام (بعشيقة) + 1907 .

     ولكن سرعان ما ظهر شبح الحرب العالمية الأولى التي عبثت بالبلاد فاضطر الآباء الدومنيكيون على مغادرة الموصل عام 1914 وأغلق المعهد , إلا أن الطلبة الاكليريكيين لم يتشتتوا فقد استقبلت البطريركية الكلدانية الاكليريكيين الكلدان في معهدها الأنف الذكر وتابعت تثقيفهم , بينما توجه الاكليريكيون السريان إلى دير مار بهنام الشهيد لاستكمال دراستهم . وبالرغم من هذه الفترة المضطربة فقد ارتقى عشرة اكليريكيين إلى الدرجة الكهنوتية بين 1914 و 1923 . وأبان الحرب , استشهد اثنا عشر من تلامذة المعهد القدامى على يد الأتراك بينهم مطران سعرد الشهير ادي شير وعشرة كهنة وطالب اكليريكي .

    وبعد الحرب افتتح المعهد أبوابه من جديد في العاشر من أيلول سنة 1923, وكان عدد الطلبة بعدد الرسل ألاثني عشر. وارتقى اكليريكيان إلى الدرجة الكهنوتية في أول رسامة كهنوتية بعد الحرب سنة 1935 . ومنذ هذا التاريخ خطى المعهد خطوة حاسمة تاريخه وبدا مرحلته الذهبية بتخطيط وهمة , فسنت القوانين والأنظمة التي كفلت التربية الواعية للتلاميذ والإعداد العلمي والروحي واللاهوتي المتطور , وأمست مدة الدراسة تمتد على اثني عشرة سنة , ست منها في الاكليريكية الصغرى للعلوم الإنسانية واللغات , وست في الاكليريكية الكبرى , اثنتان لدراسة الفلسفة وأربع للدراسة اللاهوتية .

معهد “سيرو – كلداني ”

    ليس من الصدف أن يضم المعهد منذ تأسيسه تلامذة من الطائفتين الكلدانية والسريانية , إنما تم ذلك عن قصد ووعي لطبيعة العمل ألرسولي والحياة المسيحية في العراق  ورغبة في عدم بعثرة الطاقات عبثا , لقد انشيء المعهد , كما أراده الكرسي ألرسولي وبناته الأولون لترسيخ التلاحم والتعاون بين الاكليريكيين وتوجيهها نحو بناء المسيحية الواحدة . وانه لغنى عظيم لكنيستنا أن تتكامل بطاقات الطائفتين  وثرواتهما الروحية والعلمية والبشرية إلا أن هذا التوحيد لم بهمل يوما الشخصية المميزة لكل كنيسة , فقد عمل المعهد منذ تأسيسه على إعطاء كل فئة الثقافة الليتورجية والكنسية الخاصة بها . ويؤمن خدمة المعهد الطقسية كاهن دائم لكل طائفة ويقضي الفريقان الصلاة الفرضية كل حسب طقسه , أما القداس فيتناوب عليه الطقسان ويشترك الجميع به سوية . وغني عن القول ما في ذلك من غنى متبادل وانفتاح فريد على تراث الكنيستين الشقيقتين وتحسس بالقضايا الرسولية الواحدة .

   وقد أعرب رؤساء الكنيستين المتعاقبين عن امتنانهم وتأييدهم للمعهد . ونورد هنا للتاريخ رسالة غبطة البطريرك اودو إلى مدبر الرسالة الدومنيكية عام 1878 لدى تأسيس المعهد هذا نصها :

” يطيب لنا منذ علمنا بتأسيسكم معهدا في ديركم في الموصل أن نعرب لكم عن ارتياحنا وسرورنا إذ أن هذا المشروع قد خلق فينا الرجاء بالخدمات الجلى التي يقدمها . إننا نام لان هذا المشروع سيصبح معهد حضارة ومنهلا للعلم ومدرسة للفضيلة المسيحية, إذ ستخرج منه كهنة مثقفون في اللغات والعلوم الكنسية. إننا نبارك قلبيا هذا المشروع ونهنئكم إذ لننل على أمل من أن هذه الغرسة التي زرعتموها في أرضنا سرعان ما ستنمو وتعطي ثمرا يانعا . كونوا واثقين, أيها الأب المحترم, بأننا فخورون بهذا المشروع وسوف يخلد تاريخ العراق اسمكم ”   (1878)

   وهذه المقتطفات الأخرى من رسالة الأب نفسه وفي السنة عينها للمطران بهنام بني رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك (البطريرك بني فيما بعد) :

” إن المشروع الذي صار في حيز الوجود سوف يقابله بارتياح جميع أساقفة المنطقة وسيصبح موضوع شكر الجميع. تقبلوا تهاني وشكري العميقين لمشروعكم العظيم الذي أباركه من صميم القلب والذي من اجله استمطر النعم الإلهية “.

 

التنشئة العلمية واللاهوتية

     لقد اخذ المعهد على عاتقه إعطاء تلامذته ثقافة إنسانية وروحية ولاهوتية متطورة مع حاجات كنيستنا وعقليات مجتمعنا , وفي سنة 1964 صار تحول واسع في المواد المدروسة وفي أسلوب التدريس نفسه تمشيا مع روح وتوجيهات المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني . ففي الاكليريكية الصغرى صار التلامذة يتبعون الدراسة المتوسطة في المعهد على أساتذة اختصاصيين توافق عليهم مديرية تربية المحافظة ويقدمون الامتحانات الرسمية لنيل الشهادة المتوسطة , ويلقون التربية الاكليريكية والدينية واللغات إلى جانبها , أما في الاكليريكية الكبرى فقد استحدثت سنة تحضيرية للفلسفة واللاهوت تكون بمثابة مقدمة يبسط فيها سر الخلاص ويوجه التلاميذ إلى توطيد حياتهم الإيمانية وإنعاشها وتغذية دعوتهم بالوعي والفرح والشعور بالمسؤولية , كما أن الدراسة اللاهوتية والكتابية تتسم بالانفتاح والتجدد , لاسيما في السنوات الأخيرة .

000 والرسولية

    لا تقتصر مهمة الكاهن على “توزيع ” الأسرار “وإقامة” القداس بل هو يسير جنبا إلى جنب مع النفوس فعلى الكاهن أن يكون المرشد والصديق والأب الروحي للنفوس , لذا فقد اهتم المعهد دوما وبصورة خاصة في تنشئة الاكليريكيين تنشئة رعائية عميقة . فالمعهد يحاول إن ينمي في الطلبة المؤهلات الضرورية لإقامة الحوار مع الناس كالقدرة على الإصغاء والانفتاح بروح المحبة والتواضع وبعد النظر على أوضاع العلاقات البشرية المتنوعة. لذا ولئلا تكون الدروس مجرد نظريات مثالية يتوجه التلاميذ منذ حداثتهم إلى المساهمة في الحقول الرسولية إبان دراستهم أو خلال العطل الصيفية كالتعليم المسيحي وإلقاء المحاضرات الدينية والنشاطات الراعوية وحتى الرياضية والترفيهية .

    وفي السنوات الأخيرة انطلق التلاميذ الكبار, بموافقة السلطات الكنسية, في زيارات منتظمة رسوليه للأسر المسيحية في بعض إحياء الموصل الجانبية دون تمييز بين طائفة وأخرى. وهم بذلك يشاركون إخوتهم الكهنة , وبالتعاون معهم , في إيصال بشرى الإنجيل إلى المسيحيين في دورهم إن هذه الرسالة لتبعث النشاط والحيوية في قلوب الاكليريكيين , إذ تجعلهم في يقظة مستمرة على مشاكل مجتمعهم وعلى معرفة بالقضايا التي تنتظرهم في ما بعد , وتخلق صداقات كثيرو وثقة متبادلة  , والصداقة والثقة أساسان ولا ارسخ للرسالة و وقد قاموا في هذه الأحياء بسهرات إنجيلية وساهموا في التعليم المسيحي وإعداد الأحداث للتناول الأول , كما كان قد عمل إخوتهم في السابق في التثقيف الديني للأيتام وبعض الشبان في أخوية مار يوسف العامل .

     والى المعهد يعود الفضل في إطلاق مبادرة تنظيم أسبوع الصلاة من اجل وحدة المسيحيين سنة 1958 في العراق, انطلاقا من مدينة الموصل, فطبع صلوات وكراريس بالمناسبة.

     ولم تقتصر اهتمامات المعهد الرسولية والروحية على التلامذة الدارسين فقط بل ضل في اتصال عائلي مع تلامذته القدامى فنظم عدة رياضات كهنوتية صيفا كان يشترك فيها عدد كبير من الكهنة والأساقفة .

     ومما أولاه مسئولو المعهد الاهتمام الكبير, لاسيما منذ الأربعينات, وهو نشل الكهنة الشباب من العزلة. فاهتموا بإنشاء صداقة كهنوتية ترمي إلى خلق المزيد من التعاون والألفة بينهم وتبادل الخبرات الراعوية وتغذي حياتهم الكهنوتية من النواحي الروحية والرسولية والإنسانية (1943) . وقد واصل قسم من هؤلاء الكهنة هذه المرحلة وألفوا ترابطا كهنوتيا دعوه باسم “كهنة يسوع الملك” وقد باشرت النواة الأولى في الحياة المشتركة تحت سقف واحد سنة 1962 في كنيسة مار توما بالموصل , وكان قوامها أربعة كهنة من الكنيستين الكلدانية والسريانية. واليوم يبلغ عدد كهنة يسوع الملك اثنا عشر من الطائفتين , منهم في الحياة المشتركة ومنهم في الخورنيات أو في مراكز عملهم المختلفة .

النشاطات الأدبية والفنية

      ليس  الكاهن ناسكا يعيش في صومعته منعزلا عن العالم , بل هو إنسان يعيش في عجنة العالم ويتحسس نبضاته ويقيم وزنا لكل  ما هو أنساني من طموح ونشاطات فكرية وأدبية وفنية . وليس من فضائل الكاهن الأقل ضرورة ! لذا فقد رعى المعهد هذه الناحية التربوية الكبرى رعاية خاصة . فالنشاطات المسرحية والموسيقية والرياضية كانت دوما في مكانة مرموقة في المعهد . وقد قدم التلاميذ أكثر من مسرحية ناجحة بالعربية أو الفرنسية على مسرح المعهد أو خارجه . ولا تخلو مناسبة إلا وقد ابتكرت مقطوعات غنائية وموسيقية جديدة, لا بل لقد تردد تقليد عريق في أن لا تتكرر أنشودة أو لحن في مناسبتين. ولقد نشطت الحركة الموسيقية والفتية في السنين الأخيرة وتلقى هذه القابليات دعما وتشجيعا من الإدارة . ودأب المعهد سنين طوالا في إقامة مهرجان رياضي سنوي ومنازلة فرق رياضية في أو خارج الموصل.

    أما السفرات فحدث ولا حرج. فالطالب الاكليريكي يتعشق حب بلاده ويتعرف إلى وطنه من خلال الرحلات العديدة التي ينظمها المعهد , لاسيما في عطل الفصح , ومدتها 15 يوم , التي كان يقضيها التلامذة في إحدى مناطق الشمال الجميل وكان التلامذة في السابق يتقاسمون عطلتهم الصيفية بين ذويهم ودير مار يعقوب بجوار دهوك .

    أما النشاط الأدبي فهو الآخر يلقي رعاية خاصة في المعهد , ولا يندر “الشعراء” بين التلامذة بالسريانية والفرنسية ولا سيما العربية التي حظيت دوما بمكانة مرموقة في المعهد وزاولت دراستها اهتماما خاصا .

    وقد اصدر المعهد مجلة فصلية باسم “النشرة” ضمت أخبار التلامذة القدامى والعالم المسيحي وكنيسة العراق بالإضافة إلى مقالات روحية وكتابية بأقلام الأساتذة . وسميت هذه النشرة في سنة 1939 ” نشرة المعهد السرياني الكلداني ” , وصدرت باللغة الفرنسية , واستمرت بالظهور كل شهرين حتى عام 1958 .

نحو المستقبل

         بذلت في السنين الأخيرة محاولات عدة , على ضوء توجيهات المجمع والواقع العراقي المتجدد , لتطوير تنشئة الكهنة في المعهد أسفرت أخيرا , فغي ما أسفرت , عن فصل الاكليريكية الكبرى عن الصغرى مبنى وإدارة . وقد جاء هذا الفصل لإفساح المجال أمام تنشئة واعية مستقلة ومتكافئة للطلبة المتقدمين , وتمشيا حاجاتهم المتطورة بتطور مجتمعنا الكنسي والمدني المتحول . وأننا لنلمس عن كثب الإصلاحات العديدة التي جرت على المعهد ونحن نتنسم نفحة التجديد  تهيمن على روح المعهد في شقيه . فرؤساء الاكليريكيتين اللتين مازالتا مترابطتين , يحاولون الانطلاق والسير من روح المجمع الفاتيكاني الذي يدعو في قراره في التنشئة الكهنوتية إلى أن تتميز التنشئة بالروح الرعائية الرسولية والعلمية اليقظة .

        ولحقيق هذا الهدف فقد انفتحت أمام الاكليريكيين آفاق جديدة يبحثون فيها عن الفضائل الإنسانية ويعتبرون العلوم   دينية كانت أم كتابية أم تربوية أم اجتماعية , لا كوسيلة للثقافة الشخصية فحسب , بل جسرا للحوار مع الناس قبل كل شيء على القيم الروحية  فلا وال المعهد يعطي تلك القيم الإنسانية بحيث يبقى منهلا للفضائل الإنسانية والمسيحية . إن هذه الحياة تتغذى بالالتزامات الروحية والحياة بحسب الإنجيل   على خطى يسوع المسيح .

        فإذا طالب المجمع بإعادة النظر في برامج الدروس فلكي يشدد على الثقافة العامة , أدبية كانت أم علمية , وتنشئة كهنة الغد بحسب حاجات العصر الروحية والاجتماعية فلا يفقد الاكليريكي معنى الحياة الواقعية ويحشى رأسه بالمعلومات حشوا من دون أن يهضمها , أو لا يكون لها صلة بحياته وحياة الرعية في المستقبل  

إن المعهد سائر , في خطة جديدة , بحسب هذا المنهج الذي يبعث بالأمل  , ولكنه لا زال في فترة البحث , والدلائل مشجعة .

 

                                                      الأبوان

                                                     افرام سقط

                                              وجرجس القس موسى

  

دعوهم يتكلمون ولا تمنعوهم!

                                     دعوهم يتكلمون ولا تمنعوهم! 

ايار 1972 

    في أسرة مسيحية تقليدية ترعى القيم الإيمانية والأخلاقية أيما رعاية، كنا نتجاذب أطراف الحديث حول مائدة عائلية تزخر بالمحبة أكثر مما بالأطعمة. تكلمنا عن إغراءات المدنية المعاصرة والتهافت الغريزي إلى الرفاهية والترويح عن النفس، مع كل ما في ذلك من ايجابيات وسلبيات. فقد انتقل مجتمعنا النامي، من حضارة الكوانين الطينية والخزفية ذات النار المستوردة برمادها على الأكف من بيت الجيران إلى حضارة البترول فالغاز والكهرباء، ومن ظهور الجمال في أسفارنا إلى متن الطائرات النفاثة… ثم تشعب الحديث إلى النواحي الفكرية والأخلاقية، فتطرقنا إلى موضوع الاختلاط في الكليات ومشاكل الطلبة الإيمانية ونظرتهم إلى القضايا الدينية. 

تحدثت الأم عن أجواء حداثتها المشبعة بالتقوى يوم كانت الأطر الدينية والطقوس الكنسية تنظم الفصول الأربعة وترشدها إلى اختيار لون ثوبها. وتذكر الأب يوم كان يرافق والده إلى القداس قبل التوجه إلى الحقل ولا هم لهما سوى ترويض التربة لتدر أكثر وأفضل… وتحدثت البنات – وهن اثنتان في الكلية وأخرى أنهت دراستها – عن تقهقر الإيمان وتقلص الشعور الديني لدى الشباب. وصرحت الصغرى: “إن معظم الطلاب لا يؤمنون، وليس لله من موضع يذكر في اهتماماتهم، بل كثيرون ينكرون وجوده”.

تعوذت الأم واستعانت باسم الصليب وجزمت بان نهاية العالم قد أقبلت!

     وابتسمت الأخت الكبرى وقالت بحذر كمن يتحسس أرضا لينة بقدميه قبل السير “حقا، أبونا، في الدين أمور عويصة يصعب فهمها… أنا نفسي أخذت أتساءل عن أشياء كثيرة… صلاتي لم تعد بحرارتها وصفاتها كالسابق… بعض من اللا أبالية اخذ يتسرب إلى حياتي الإيمانية…”. في ابتسامتها وترددها قرأت عاملين يتفاعلان فيها في أن واحد: رغبة في أن تطمئن ذويها من أنها لازالت مؤمنة، ومعاناة حقيقية في حياتها الإيمانية.

     لم يرق الجواب لامها، لأنها كانت تظن أن أبناءها سيكونون، بفضل تربيتها، في مأمن من كل تساؤل، ولن تؤثر فيهم أفكار زملائهم. الإيمان والقيم الأخلاقية الموروثة أمور لا تناقش: هذا ما رددته عليهم دوما. ولكن ما لا يناقش أيضا أن هذه التساؤلات والمعانيات أمور أكثر من مألوفة في صفوف شبابنا المعاصر.

     اجل انه لواقع دامغ إن شبيبتنا اليوم عرضة لتيارات جديدة متفاوتة الحدة لم يكن لإبائنا علم أو خبر بها. أنهم أمام مفترق طرق فكري ووجداني بين عالم جديد تتمخض به عقولهم وطموحاتهم،  وعالم تقليدي يحتضر ولا يريد أن يموت. وهذا العالم التقليدي، عالم الكبار، لا فقط لم يعد يشبع بحثهم، بل يتنكر لهم عوضا عن أن يقودهم إلى النور، وهو يصمهم بالخفة والطيش والإلحاد إذا ما عبروا عن ذواتهم. فاذا أطال الشاب زلوفه أو شعره تباكوا على الأخلاق، وإذا لبست الفتاة” الشارلستون” ضربوا كفا بكف ونسوا إنهم هم أيضا سايروا في شبابهم موضة زمانهم. وهل هذه الظواهر سوى متنفس طبيعي في مجتمع يضيق بهم!  وإذا استفهموا عن أصول إيمانهم أو أعادوا النظر في بعض حقائقه فهذا لا يعني أنهم ملحدون أو على قاب قوسين منه. في المسيحية، أكثر مما في أي دين آخر،  ترقى العقيدة إلى مفاهيم ميتافيزيقية فوق مستوى إدراك الإنسان لأنها تمي حياة الله الحميمة – الثالوث، التجسد، الفداء… ويعانق الدين المسيحي بالتزاماته ومتطلباته حياة المرء بكل جوانبها، بحيث ينبغي أن ينير الإنجيل نظرة المسيحي في كل أحكامه وميادين حياته الفكرية والمسلكية. أما أخلاقية الدين المسيحي وأنظمة الكنيسة فترسو على تقليد توارثناه منذ إلفي سنة، فترك عليه كل جيل بصمات وأضاف إليه ثوبا، ضاعف تارة رونقه وطورا موه حقيقته.

   منطقة الخلاف الكبرى التي تفصل عالم الشباب عن عالم الكبار هي إعادة النظر في جوهر هذه الأمور ومدى اتصالها بالحياة. الشباب يبحثون عن أصول ما يؤمنون به وينشدون التحرر من كل عقدة أو كبت أو تمويه يفرض باسم الدين أو باسم أية عقيدة أخلاقية كانت: هذا كل ما في الأمر.

      تقول الدكتورة دوريس اودلم في كتابها” رحلة عبر المراهقة “:” كل أفكارنا وآرائنا توضع موضع التساؤل وعلينا أن نرضي هؤلاء المتسائلين الشباب الذين لا رحمة عندهم ولا شفقة، وعلينا أن نبرر لهم افتراضاتنا وقناعاتنا بأننا على حق. والمراهقون –والشباب كلهم- ليسوا مهيئين لان يتجاوزوا عن أي إخلال بالشرف في الفكر أو الكلام أو الأعمال وهم لا يتسامحون بعدم الإخلاص أو الآراء المبنية على التعصب أو في القبول الأعمى لأراء الأجيال السابقة أو في أية معرفة ندعيها لا تكون مبنية على حقائق قابلة للبرهنان”،

      إن هذا القول ينطبق بحذافيره على التربية الدينية أيضا. فمن طبيعة الشاب  أن يسال ويستفسر ويحلل ويزن بميزان الفائدة التي يجنيها هو ومجتمعه من عقائديته  ومما ورثه من قيم عن أسلافه. من هنا أيضا رفضه أن تبقى المسيحية سجينة الكنائس والمجتمعات التقليدية المغلقة فلا تتفاعل في الحياة العامة، الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية لبلاده. فان إصرارنا على إسكاته حين يناقش نظريات الكنيسة –وكلامي موجه هنا إلى الأهل والمربين والاكليريكيين على حد سواء– أو حين يتساءل الشاب عن طبيعة المفاهيم الدينية التي تنظم علاقاته والمعطيات الغامضة التي شب عليها وقد نسبت إلى قوة سماوية، بينما هي في الواقع ظواهر طبيعية، أن أصررنا على إسكاته آنذاك فمن البديهي انه سيسمنا بالرجعية ويعتبر الدين وشؤونه تخديرا أو تلفيقا. وبذلك سنوصد الباب بينه وبين الحقيقة، سنقيم جدارا من الصمت بيننا وبينه. فالخطر، إذن، ليس في أن يسال الشباب بل في أن لا يسالوا فيفقدون حتى حب الاستطلاع والفضول العلمي الذي إنما هو علامة يقظة وحياة.

      إننا نحسب أن هؤلاء الشباب مثلنا تماما: لهم ذات النضوج الفكري “والاستقرار” الديني وردات الفعل نفسها التي لنا إزاء الأحداث والمعتقدات، لذا يأخذنا العجب من تساؤلاتهم ولا نفهم كيف يمكنهم أن يشكوا بمعطيات سار عليها آباؤهم وأجدادهم بيقين وثقة عمياء أجيالا طويلة، فيقسو عليهم حكمنا. إن الآباء والأمهات –كثيرا من رجال الدين التقليديين– ينسون أنهم هم وأولادهم ينتمون إلى جيلين متفاوتين بالعقلية تفاوتا كبيرا ولا يعطون أهمية تذكر لواقع كونهم لم يمروا قط في مراحل الدراسة العالية في وضعها الراهن مع ما فيها من تطلعات ونضال للحياة، بالإضافة إلى النزعة العلمية التحليلية التي تسير هذه الدراسة معتمدة الملاحظة والحس. تعلمنا نحن ولم نناقش، ويتعلمون هم ويناقشون كل شيء، فلماذا، ترى لا يناقشون أمور الدين والقيم الأدبية الأخرى؟… ناهيك عن الظروف الجديدة التي يخلقها الاختلاط الذي يتسع يوما فيوما بين الجنسين وبين مختلف الأديان والقوميات وتيارات المدنية الحاضرة في التحرر وبناء المجتمع الموحد والآراء الفلسفية والاجتماعية والسياسية المختلفة التي تتنازعهم.  

       إذا كانت هذه المجموعة من العوامل تعطي الخيار لشباب اليوم،  فهي لا تسهل لهم عملية الاختيار، سيما وأنها تجابههم في مرحلة يفتقرون فيها إلى الاستقرار الفكري والعاطفي وينتقلون فيها، ذهابا وإيابا، من الشك إلى اليقين، فكيف بالكبار يريدونهم مثلهم من دون مشاكل، وهل لحكمهم على جيل الشباب بهذه العقلية الراكدة أن يكون صائبا أو موضوعيا!. فان قال بعض هؤلاء بأنهم لم يعودوا يؤمنون، فهم، إن نحن حللنا تساؤلاتهم وآراءهم، ليسوا بعيدين عن الإيمان بالدرجة التي يتصورونها، إنما أصبحوا في مستوى علمي وثقافي اعلى من مستواهم الديني. وان صاروا بالغين في مداركهم الإنسانية، فهم لا زالوا، في معظم الأحوال،على معلومات الدراسة الابتدائية في شؤون الديانة. اجل، إن شبابنا يشكون من داءين رئيسيين هما: قلة الثقة بالكبار وقلة الثقافة المسيحية، وان معالجة هذا الفقر لا تتم بمجرد الإرادة الطيبة، إنما تستوجب حشد الطاقات والتعاون الوثيق بين الكهنة والأهل والشباب أنفسهم لا قامة جسر الحوار:

إن الخطوة العملية الأولى هي أن نبذل جهدا حقيقيا لفهم مشاكلهم وتساؤلاتهم على ضوء المرحلة السيكولوجية والإدراكية التي يمرون بها ونشعرهم بأننا نحبهم وننتبه إليهم. إنهم، في حبهم للمسيح واعتزازهم به، لا يبغون سوى معرفة المزيد عنه، وهم ينتظرون منا لا أن ندينهم، بل أن نستمع إليهم بصبر ونكون موضع ثقتهم ونفتح معهم حوارا يتسم بالاحترام، ينفذون من خلاله إلى معرفة أدق لعقيدتهم.

     والخطوة الثانية هي أن نتسلح بالشجاعة ونعود إلى تثقيف ذواتنا ثقافة إنسانية متكافئة ونجدد معارفنا المسيحية ونشذب نظرياتنا التربوية من الاستعلاء وفرض الرأي ومن السطحية والمغالطة. من دون هاتين الخطوتين لا نستطيع تأدية أية خدمة جادة للشباب في بحثهم. أما الخطوة العملية الثالثة فهي أن نستخدم لنشر الثقافة المسيحية وبعث الوعي الديني بكل وسائل الإعلام والإبلاغ الحديثة. واخص بالذكر هنا ما هو بين أيدينا منها للمضي في تطويره، وتجديده وتوسيع انتشاره، واعني به صحافتنا الناشئة والمكتبات المسيحية والندوات الدينية والحركات الروحية والرسولية والدورات اللاهوتية والنوادي الثقافية المسيحية والسهرات الإنجيلية… ليس في نيتي الآن أن استفيض في شرح موضوعي لهذه المبادرات، وإنما أود أن اجذب انتباه ذوي إخواننا الشباب إلى أنها ركائز فريدة لدعم إيمان أولادهم، فالندوات الدينية المختلفة، مثلا، والحلقات الدراسية حول الإنجيل  تقدم للشبيبة إطارا مسيحيا صافيا لإنماء شخصيتهم وتحفظ لهم التوازن النفسي والروحي الذي يحتاجون إليه وترسخ عقيدتهم وتحملهم على إشعاعها.

     وهكذا، بتآزرنا وتفهمنا ومحبتنا وصبرنا الجميل، كهنة وأولياء، سنتيح الفرصة لأعزائنا الشباب كي يطلعوا على مقومات إيمانهم   وموجبات أخلاقيتهم المسيحية، فيتسنى لهم، من ثم، أن يعيشوا هذه الأخلاقية وذلك الإيمان في الواقع اليومي الملموس عن اقتناع واطمئنان وفرح، وليس عن عماوة وجهل. إن الجهل لم يخدم الحقيقة يوما.

هل حقا سيتحد المسيحيون؟

1972 المقالات:

هل حقا سيتحد المسيحيون؟

شباط/1972

   اسأل من شئت من المسيحيين، كبيرا أم صغيرا، شابا أم هرما، فتاة أم امرأة طاعنة، عما إذا كانوا يرغبون في اتحاد المسيحيين، يجيبوك كلهم بصوت واحد؛ تلك هي أمنيتنا الكبرى، حلم جميل، متى وهل سيتحقق؟ لقد مضى زمن طويل منذ أن كنا واحدا، فالانفصال الأول تم سنة 431(نسطوريوس) وتلاه الانفصال الثاني الأكبر سنة 451 الذي نتج عنه استقلال تدريجي كامل لكنائس سوريا وفلسطين ومصر وأرمينيا، وتكرس الانشقاق الكبير بين الشرق الأرثوذكسي اليوناني (القسطنطينية) والغرب اللاتيني (روما) عام 1054، وعقبه الانشقاق الغربي بدهور البروتستنتية عام 1521، وتباعدت الكنائس عن بعضها البعض شيئا فشيئا في عاصفة من الأحقاد والبغضاء تحولت فيما بعد إلى جهل متبادل، فاكتفاء ذاتي ورثناه نحن بعد أجيال من الركود والعزلة، وبتنا، من جراء ذلك، لا نرى في الوحدة أكثر من حلم هيهات أن يتحقق! 

أسباب التجزئة… عقبات الوحدة

أنا لست لاهوتيا، ومعظم المسيحيين مثلي لا يفهمون شيئا من “الجدالات البيزنطية” التي جعلت من المسيحية الشرقية لوحة موزائيكية غير متجانسة، ولكن لو حللنا أسباب التجزئة على ضوء الأمانة التاريخية وعدم الانحياز لرأيناها متأتية كلها من عوامل بشرية وقضايا شخصية وألفاظ فلسفية سيء فهمها، بالرغم من الوشاح العقائدي الذي تقنعت به. فالاختلافات في الشرق بين الطوائف المسيحية المختلفة ليست اختلافات لاهوتية بل تعبيرية ومسلكية وتباين في وجهات النظر،(1) أضف إليها رواسب الماضي الناجمة عن الفرقة وتطور كل كنيسة في اتجاهها الخاص. إنجيلنا واحد واسرارنا واحدة. من منا لا يؤمن يقينا بان المسيح واحد في ذاته، إله كامل وإنسان كامل. من منا لا يؤمن بان العذراء هي أم المسيح الذي هو إلهنا وفادينا. مفهومنا عن الكنيسة واحد، وحتى الأولوية البابوية التي تشكل، في نظري، العقبة الكبرى، يمكن أن تقبل بها جميع الأطراف لو أخذت بمعناها الكتابي الذي اقره التقليد الكنسي منذ فجر المسيحية، ولو تخلى البابا عن “الهالة الإمبراطورية والعرش القيصري” اللذين ورثهما عن ظروف مجتمعية وسياسية معينة، مكتفيا بما يخوله إياه كرسي بطرس، اجل أن التاريخ يفسر أشياء كثيرة وهو خير طبيب. فإذا استثنينا العامل اللاهوتي الذي بولغ في اهميته وأعطي، بالرغم منه، دور حصان طروادة في كل المشاحنات التي شقت الكنيسة، نرى أن أسباب التجزئة تعود إلى ثلاثة:

1 – الاختلافات  الثقافية والحضارية والنفسية والنزعة القومية

2  – الحرص على المصالح المادية والتمسك بالسلطة  

 3 – المطامع السياسية التي استعبدت الكنيسة في الشرق وجزأتها بسياسة ” فرق تسد”، وشلت حركتها في الغرب بامتزاج السلطتين المدنية والدينية. 

الألم نذير العافية

عدت إلى الاستطلاع الذي أجريناه في العام المنصرم في “ماذا ينتظرون من الكنيسة؟”، وعلى سؤالنا في معضلة الوحدة المسيحية صفعتني الأجوبة، لا بصراحتها حسب، بل بنبرة الأسى والألم والثورة الصامتة التي تتفاعل في وجدان  جميع المسيحيين على اختلاف أعمارهم وطوائفهم وثقافاتهم وأمزجتهم. “صيحة الم” ترتفع من كل صوب إزاء واقع الانقسام المزري: “اتالم ألما شديدا” (طالبة -19سنة)، “اشعر بالحزن” (حداد-64 سنة)، “أنها مهزلة” (طالب طب– 26 سنة )، “ذلك اشد ما يحز في نفسي” (موظف– 27 سنة)، “جدا، جدا، جدا اتالم من التعدد والانقسامات”، (موظفة – 29 سنة)، “مشكلة عويصة كلما فكرت بها استولى علي الحزن”، (موظف – 46 سنة).

  هذا غيض من فيض، ولسنا في معرض استدرار للعواطف، فلقد أصبحنا أضحوكة وموضع تندر بالانقسامات، وأمست المسيحية وكأنها مجموعة من الطوائف والمذاهب والملل عبثت بها الأقدار وأنستها الأجيال أن واقعها هذا لا منطقي، وان المسيح منه براء، اللامنطق ليس في أن تضم الكنيسة في حضنها شعوبا من بيئات وثقافات مختلفة، فذلك غنى وبرهان على شموليتها؛ اللامنطق ليس في أن تعتز كل فئة بتراثها وطقسها وتتغنى بتاريخها وتتمسك بتقاليدها وامتيازاتها، فتلك غريزه طبيعية وإرادة في الأصالة؛ إنما اللامنطق هو أن نعرف ايجابيات هذا التباين ونبقى مع ذلك نتخبط في سلبياته معتبرينه هو الجوهر وكل ما سواه ثانويا، واللامنطق الأكبر هو أن انقساماتنا تكوينا، ونبقى مع ذلك نحوم حول المشكلة ونعيش في نوع من الاكتفاء الذاتي والتحصن بين جدران طائفيتنا واعتبار أنفسنا، في سذاجة مضحكة، وكأننا نحن وحدنا على حق وما على الآخرين إلا اللحاق بنا. 

كيف نخرج من الأزمة

إن أول دواء للتخلص من هذه الدوامة هو أن نفتح الأبواب والنوافذ ونخرج إلى لقاء إخوتنا ونشرع أبواب الحوار بين الرؤساء والمفكرين والإفراد على حد سواء، حوار يرتكز على المحبة والاحترام المتبادل ونبذ كل الأحكام المسبقة والأفكار الخاطئة التي توارثناها ومجابهة اختلافاتنا بموضوعية وتفهم. إن الوحدة لن تأتينا  بتنمية العقبات، بل بمجابهتها لفضح أسسها الواهية، وهذا يدفعنا إلى الاعتراف المتبادل بالأخطاء والمواقف السلبية السابقة. لقد كان للكبرياء والتعنت قسط وافر في كارثة الانفصال، ولن تعود الوحدة بين الإخوة إلا بفعل تواضع عميق وإعادة نظر شاملة في الأحكام والأفكار والقوانين والعلاقات وافتراض حسن النية لدى الآخرين: هذا هو طريق المحبة المسيحية الحقة التي لا تعترف بمنطق “تبعناكم… فاتبعونا” فالوحدة ليست مساومة، ولا تأخذ بمبدأ “نحن الأكثرية فانظمو ألينا”، لأنها ليست ابتلاعا، بل عودة إخوة متباعدين إلى بعضهم البعض والى المسيح الواحد في الشركة الواحدة. فمتى ما حطمنا جدار الأنانية لن يبقى، ثمة، ما يعيق درب التفاهم والالتحام. إن هذا الحوار الذي ندعو إليه قد بدا فعلا في إرجاء الكنسية الجامعة، بفضل الزيارات المتبادلة بين رؤساء الكنائس، واقرب من خطا نحوه، على الصعيد المبدئي، هو البطريرك يعقوب الثالث بزيارته الرسمية لبابا روما، فارتعشت الآمال من جديد. إن دور السلطة من الانقسامات كان كبيرا –ذلك واقع، لا خيال– فان كان الغرب المسيحي قد اخذ، إبان الانشقاق البروتستنتي، بمبدأ “الشعوب على دين ملوكها”، فقد كان شرقنا، من قبل، قد سار على مبدأ “الشعوب على مذاهب بطاركتها”، لذا يحمل المؤمنون رؤساءهم الكنسيين القسط الأوفر من المسؤولية في إعادة الوحدة – ذلك ما لمسناه في أجوبة الاستطلاع الأنف الذكر، وما نلمسه في كل أحاديث الناس. أنهم يستحثونهم إلى الإسراع في الالتزام وعدم التقاعس لئلا تتلاشى العزائم وتموت الآمال. وقد صرح عمانوئيل: “لو كان الأمر بيد العلمانيين، لتحققت الوحدة من زمن بعيد” بينما نادى أخر “بثورة جماهيرية إن لم ينتبه الرؤساء الكبار لا تهمهم سوى الكراسي” فتنتهي هذه التمثيلية، وان لم يكن ثمة نتيجة فليقم المسيحيون من مختلف الطوائف بالمطالبة بالوحدة بأصوات عالية ويوقدوا الضمائر النائمة” (موظف– 6 سنة). 

مبادرات عملية… واقتراحات

لقد سمعنا الخطب الكثيرة في الوحدة وكثرت التصريحات الرسمية والبيانات المشتركة في السنين الاخيرة، وحلم الناس أحيانا، من شدة الحنين، أنهم سيستيقظون في اليوم التالي على كنيسة واحدة! إننا لا ننكرعامل الزمن، بل لا بد منه لتهيئة العقول والنفوس، فالوحدة ليست مجرد صك يوقع، بل اقتناع يكسب تدريجيا، وحياة وتعايش، ونعمة تنال بالصوم والصلاة، فلا يجوز أن ننساق وراء السطحية والعاطفية، فقد يكون التسرع وبالا على القضية. غير إن الحوار المفتوح قد وصل إلى منعطف سيبقى فيه مجرد حوار وتبادل رأي، وبالتالي لن يبلغ هدفه في الوحدة الحياتية الكيانية التامة، ما لم يوفر مناخ التقارب الحقيقي وتعززه مبادرات عملية ملموسة. إننا لا ننكر إن تبدلا محسوسا في المواقف قد حدث، وان بعض المبادرات الرسمية المبدئية قد اتخذت، إلا إننا نتطلع إلى المزيد منها، وان يكون لنا نحن أيضا نصيب، هنا، منها، لذا فإننا نورد فيما يلي أهم العناصر الايجابية والاقتراحات العملية الكفيلة بان تعجل خطانا نحو الوحدة المسيحية الشاملة، حسبما جاءت في أجوبة استطلاعنا الأخير:

القيام بحملات توعية مسيحية شاملة في هذه القضية عن طريق المواعظ والمحاضرات والندوات والصحافة المسيحية وتربية الناشئة تربية وحدوية تنزع الانعزالية والطائفية من أذهانهم.

خلق لقاءات دورية مسكونية بين رؤساء الطوائف المختلفة شخصيا أو بواسطة كهنة وعلمانيين منتدبين، لدراسة إمكانيات التقارب والتنسيق والتوحيد في جو حوار ديمقراطي اخوي واع. وقد اقترح البعض انتخاب هيئات ولجان دائمية لهذا الغرض في كل مدينة.

استحثاث الوحدة بالصلاة المشتركة والفردية واغتنام أسبوع الصلاة من اجل وحدة المسيحيين للصلاة واللقاءات الأخوية في جميع الكنائس بالتناوب.

التنازل عن وجهات النظر الخاصة واجتناب التمسك بالتقاليد والترسبات المتحجرة التي لم تعد تلاؤم عصرنا، ونبذ كل ما يمكنه إن يكون عامل تفرقة.

إعادة النظر في قانون الزواج وإزالة كافة الشكليات والتعقيدات التي ترافقه.

التعاون وتنسيق العمل إلى أقصى حد في مجالات النشاطات الاجتماعية والخيرية والمدارس والأوقاف وتعميم المنهاج الموحد للتعليم المسيحي على كافة المدارس.

الإكثار من الجمعيات والأخويات والندوات المشتركة بين جميع الطوائف والسماح لكل المسيحيين بارتياد جميع الكنائس والاشتراك في الأسرار والاوخارستيا.

 توحيد الكلمة والعمل المشترك في المناسبات الوطنية والالتزامات القومية.

العمل الجاد للتقارب والتوحيد بين الطوائف ذات الشطرين (أرثوذكسي وكاثوليكي) للعودة أخيرا إلى الوحدة الكاملة والبطريرك الواحد.

عقد مجمع مسكوني خاص بقضية الوحدة المسيحية – أو اقله اجتماع بين الباباوبطاركة العالم (الكاثوليك والأرثوذكس) لهذا الغرض واتخاذ جوهر الدين المسيحي واعتماد الإنجيل والمجامع الأولى أساسا للحوار.

المشاركة الفعلية للعلمانيين في الحركة المسكونية والاعتماد على الشبيبة كعنصر أساسي لنجاحها ومدها بالزخم والحيوية. ولعل أهم اقتراح مباشر وأقربه إلى قلوب جميع المسيحيين، لاسيما في العراق، هو توحيد عيد القيامة، وذلك لاتصاله المباشر بحياة الناس العملية –أفلا يكفينا ما نرشق به من هزء وسخرية.

    إننا ندعم هذا الاقتراح الشعبي ونهيب برؤساء كنائسنا، لاسيما في شرقنا العربي، أن يبذلوا كل جهودهم للتوصل إلى صيغة “توحيدية” يقبل بها الجميع، كأن يكون العيد مثلا في الأحد الأول أو الثاني من نيسان من كل عام. ستكون تلك أجمل واعز أمنية يحققها رؤساؤنا للشعب المسيحي، والاقتراح الأخير المتصل به هو توحيد سائر الاصوام والأعياد. هذه هي السبل والمقترحات العملية الرئيسية التي نراها كفيلة بإعادة الوحدة إلى كنائس الله. إننا نرفعها بصورة خاصة إلى شعبنا المسيحي والى رؤساء كنائسنا في العراق وندعمها بكل إخلاصنا وإلحاحنا كي نتجاوز الأمنيات إلى التخطيط والعمل الجاد. اوليست كلها نابعة من رغبة المسيح في أن

“نكون واحدا كما هو الأب واحد… حتى يؤمن العالم”؟ إننا لواثقون من أن أمنية المسيح ستتحقق بقدر ما تكون المحبة رائدنا “فحيث التعاون والمحبة هناك الله، وحيث روح الله هناك الوحدة التامة” (معلمة- 21 سنة). فلنسر، إذا، كلنا نحو هذا الهدف اخذين بهذا المبدأ الذهبي وهو:

“لا نعمل منفردين ما نستطيع عمله سوية”. 

——————

(1)  ليس الامر كذلك بالنسبة الى الاخوة البروتستنت، فهناك اختلافات جوهرية حول مفاهيم الكنيسة والاسرار والعقيدة والتقليد.