كنيسة الفيليبين: على طريق الثورة

53

كنيسة الفيليبين على طريق الثورة–  ملف              

159

تشرين2

1980

54

إنسانية يسوع أو يسوع الإنسان مقال         

خاص

كانون 1

1980

كنيسة الفيليبين: على طريق الثورة 

ملف/تشرين الثاني 1980 

      عاد الحديث من جديد إلى احتمال قيام البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة، في ت2 الحالي إلى الفيليبين “البلد المسيحي الوحيد في أسيا” بعد أن كان قد أرجاها في العام الماضي بسبب الأوضاع السياسية  والأمنية  التي تتخبط فيها البلاد، ولئلا يستغلها النظام السياسي لأهدافه الدعائية.

     فبالفعل، كان الرئيس ماركوس وقرينته قد أشاعا ان البابا آت بدعوة منهما ليبارك يوبيل زواجهما الفضي، ووعدت زوجة الرئيس  ببناء كنيسة، بهذه المناسبة، تبلغ تكاليفها مئة مليون بيزوس كما عزمت على بناء فيلا خاصة ليقيم فيها البابا أثناء زيارته!

    إزاء هذه الادعاءات، تحرك الكردينال سين رئيس أساقفة مانيلا وعميد مجلس الأساقفة، يندد بالمشروع الذي لا يمكن إلا أن يؤول الى استغلال لأموال الشعب، وقال بان الأحرى بزوجة الرئيس أن تحول هذه المبالغ لبناء مساكن شعبية للمحرومين. وأكد بان الزيارة البابوية، إنما تأتي تلبية لدعوة أساقفة البلاد.

    مهما يكن من أمر، وسواء جاء البابا أم لم يجيء، فان المهم هو كيف تعيش كنيسة الفيليبين إيمانها والتزامها في بلد أسيوي يضم لوحده40 مليون مسيحي من مجموع 65 تضمهم القارة في مجموعها، وفي خضم مليارين ونيف من أتباع الديانات الأسيوية التقليدية ومن المسلمين والملحدين؟ كيف تعيش هذه الكنيسة التزامه في بلد تشكل فيه الكثلكة الأكثرية الساحقة (85%)، وتحت ظل حكم دكتاتوري يتبجح هو الآخر بانتمائه إلى هذه الكنيسة؟

     هذا ما سيحاول الكشف عنه الأب جرجس القس موسى في هذا الملف.

 

النظام الحاكم والمعارضة

  في 21 من أيلول الماضي طوى الشعب الفيليبيني 8 سنوات من الحكم العرفي الذي فرض عليه بحجة السيطرة على الأوضاع الأمنية ومقاومة الشيوعية. وعوض أن يسود الأمن والاستقرار وتقتلع الشيوعية من البلاد، اقتلعت هذه الإجراءات كل مظهر ديمقراطي من الحياة السياسية وضربت المعارضة ولجمت كل نشاط نقابي أو مناقشة عامة، بينما كرست حكم الفرد  الواحد هو الرئيس الدكتاتور فرديناند ماركوس الذي يحطم البلاد منذ 16 سنة بعصا من حديد معتمدا على الجيش وعلى طبقة من الانتهازيين وذوي القربى الذين سلمهم معظم المراكز الحساسة في الدولة والأمن، والذين تضخمت جيوبهم حتى التخمة –وفي مقدمتهم زوجة الرئيس نفسها التي تمارس تأثيرا كبيرا على قرارات زوجها السياسية– على حساب شعب مقهور نصفه يعيش في أوضاع اقتصادية مادون الفقر. ولقد جعل ماركوس من محظوظي النظام هؤلاء قاعدته السياسية التي حاول، دونما نجاح كبير، تحويلها إلى حزب سياسي في إمرته باسم “حركة المجتمع الجديد”.

    ولكن نقمة المحرومين لا يمكن أن تمتص إلى ما لا نهاية، والمعارضة لا بد أن تنفجرعنفا، وحتى مقاومة مسلحة، لاسيما في بلد مبعثر جغرافيا كالفيليبين. وتصب المعارضة في تيارات  ثلاثة”: “إسلامي – ديني” في الجنوب” ايدولوجي ماركسي” يتزعمه الحزب الشيوعي، و “ثوري – إصلاحي” يتمثل في موقف الكنيسة الكاثوليكية.

                          حركة المورو الإسلامية 

      في الفيليبين مليونان ونصف المليون مسلم اعتنقوا الإسلام قبل الغزو الاسباني يسكنون جنوب البلاد في جزيرة مينداناو وفي أرخبيل سولو المجاور لإقليم صباح الاندنوسي. فهم يعانون من أوضاع اقتصادية واجتماعية لا يحسدون علها، ولبعدهم عن المراكز التجارية الكبرى وعن العاصمة مانيلا (الواقعة في الشمال) فهم لا يحضون باهتمام الدولة كثيرا. ولقد خلق حرمانهم هذا معززا بشبه عزلتهم الجغرافية واختلافهم في الانتماء الديني –مع ما يرافق هذا الانتماء من خصوصيات ثقافية واجتماعية مختلفة– عن إخوانهم في الشمال، خلق لديهم شعورا بالنقص والتبعية تحول إلى رغبة في التحرر والاستقلال. وتجسد هذه الرغبة، على الصعيد السياسي، حركة مسلحة في الجنوب تدعى “جبهة تحرير مورو” الإسلامية وهي تطالب بالاستقلال التام. ويقال إن الحركة تضم حوالي 20000 مسلح يقومون بأعمال عسكرية ضد الأهداف الحكومية والمنشاة العامة والجيش  النظامي في حرب عصابات تستمر منذ 8 سنوات. ويبدو إن نصف الجنود المحترفين وقوى الأمن والشرطة الحكوميين البالغ عددهم نحو 110 آلاف يعملون في جزيرة مينداناو والأرخبيل سولو. ولقد كانت ضحايا هذا الصراع نحو 30000 قتيل منذ 1972من الطرفين.

     ولما كان قادة النظام الحاكم في الشمال على المسيحية –وكذلك الغالبية الساحقة من السكان– صور البعض إن الصراع بين الشمال والجنوب ضرب من الحرب الدينية، وهو ليس كذلك بل إنما هو، ككل صراع سياسي يخوضه شعب مستضعف، صراع مقهورين ضد طبقة حاكمة مستبدة.

 

                                                     المقاومة الشعبية الشيوعية

      إلى جانب “جبهة مورو”، هناك “الجيش الشعبي الجديد” وهو الجناح المسلح للحزب الشيوعي الفيليبيني السري ذي النزعة الماوية الموالية للصين –وقوامه من ألفين إلى ثلاثة ألاف مسلح– وهو يعمل منذ عشر سنوات في المناطق الجبلية في الشمال (جزيرة لوزون)، والوسط (جزيرة سامار)، والجنوب (جزيرة مينداناو). وهو الآخر يستهدف المصالح الحكومية ويقوم بعمليات خاطفة كاستيلاء على أسلحة المعسكرات وأهداف اقتصادية مختلفة في الأماكن النائية.

      وإذا كانت الصحافة ووسائل الإعلام الرسمية تتعمد الصمت عن هذه الحوادث التي تشتد ضراوتها بصورة ملفتة للنظر منذ سنتين، فقد اضطر الرئيس ماركوس إلى الاعتراف، في سياق خطاب ألقاه في ذكرى الاستقلال، بان المعارضة  تنطلق من الأوساط السياسية والاجتماعية المختلفة وحتى من صفوف الشعب والعمال والفلاحين. ويجدر الإشارة إلى إن الكنيسة (أساقفة وكهنة وعلمانيين) تلعب دورا هاما ومعلنا، أكثر فأكثر، في دعم هذه المعارضة النشطة وتنظيمها. وهذا ما يفسر التوتر القائم بين النظام الحاكم والسلطة الكنسية (راجع ف0م العدد 153).

الكنيسة ضمير الأمة وصوت الفقراء

   لموقف الكنيسة النقدي تجاه السلطة ما يبرره في الأحداث اليومية ذلك إن النظام الحاكم لم يجد ما يجابه به المعارضة المتزايدة سوى الأحكام العرفية التي تسود البلاد منذ 1972، هذه الأحكام التي أصبحت سيفا ذي حدين بيد السلطة، حيث أنها، بحجة المحافظة على النظام، أحالت البلاد ميدانا من السلاح والمسلحين، فتضاعفت أعمال القمع والإرهاب ضد كل صوت مناوئ وتبدو الكنيسة أكثر فأكثر، المرجع الوحيد الذي بوسعه أن يندد بهذه الأوضاع.

                                                                  عنف وتصفيات

     يقول جوزيف ليمان(1) إن السائح الاعتيادي ينخدع بالمظاهر ولا يرى دوما ما يشير إلى حالة العنف التي تعيشها البلاد، ولكن يستطرد في تقريره قائلا: “عليك أن تتوقف في هذه القرية، وتكسب ثقة أهاليها، وتستمع إليهم، لتعرف كيف وجد فرانشيسكو زويلو، مثلا، من بلدة بامبوجان، أب لخمسة أطفال، مقطوع الرأس تحت جذع نخلة وذلك بعد بضعة دقائق من إلقاء القبض عليه في داره على يد ستة من رجال الشرطة”. ويذكر الصحفي بعض ما شهده أو سمعه في جولته من اختطاف فلاحين وتعذيبهم، إلى تصفية آخرين على قارعة الطرق، إلى اغتصاب نساء أو إذلالهن “لخدمة” العسكريين. وليست تلك حالات منفردة أو شاذة! فالهيئات الكنسية تكشف النقاب عن مئات من هذه الحوادث شبه اليومية، ولقد أوردت “مجلة الشرق الأقصى الاقتصادية” إن هناك 54000 شكوى رسمية ضد مثل هذه الأحداث، فضلا عن الضحايا الذين يسكتون خوفا من ردات الفعل الانتقامية. من جهة أخرى كشف تقرير نشرته وزارة الدفاع الأميركية نفسها في شباط 1977 –ومعلوم إن نظام ماركوس صنيعة من صنائع أميركا وركيزة من ركائزها السياسية الاقتصادية في الشرق الأقصى– كيف إن 60000 شخص القي القبض عليهم بين 1972 و 1977. كما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أيضا إن الفلبين في عهد ماركوس تأتي في مقدمة بلاد جنوبي –شرقي أسيا في انتهاك حقوق الإنسان.

                                                             لأنهم أمناء للإنجيل

      لا غرابة، والحالة هذه، أن تكون الكنيسة إلى جانب الفقراء والمقهورين وصوت من لا صوت لهم، تعلن الحقيقة بوجه السلطة وتفضح سياستها. لذا، فليس من سبيل الصدفة أن تستهدف قوات النظام العسكرية في عملياتها القمعية رجال الكنيسة والشباب المسيحي الملتزم، الذي يساهم بصورة مباشرة في إرساء جماعات القاعدة في الكنيسة، هذه الجماعات التي باتت تشكل أولى الأولويات في العمل الراعوي وتجديد كنيسة الفيليبين ومثل هذه المواقف تشكل تحديا للكنيسة التي لا تخفي تعاطفها مع الشعب المغلوب ومساندة حركات التغيير في أهدافها الوطنية والإنسانية المشروعة.. بحيث أخذت تلعب وبمسؤولية، دور ضمير الأمة.

     وعندما نعرف إن هذه الكنيسة تضم مجلس أساقفة من 90 أسقفا، يعاونهم 4430 كاهنا نصفهم من الرهبان، و700 راهبة، وإنها تمارس وظيفتها الإنجيلية ودورها القيادي، ليس عبر قنواتها الرسولية والراعوية المعتادة وحسب، بل عبر مؤسساتها وهيئاتها الرهبانية والعلمانية والإعلامية والاجتماعية والتعليمية الواسعة (1570 مدرسة و 12 جامعة…) وإنها تعتمد على قاعدة شعبية مؤمنة تشكل أكثر من 85% من مجموع السكان، فحينئذ نعرف مدى قوة الكنيسة وتأثيرها، وبالتالي يمكننا أن نقيس قوة التحدي الذي تمثله مواقف الكنيسة تجاه القادة السياسيين والنظام الحاكم.

 

                                                      تدرج في الوعي والالتزام

      ولكن موقف الكنيسة لم يكن بهذا الوضوح منذ البداية، ولا ردات فعل السلطة الكنسية كلها من ذات المعدن الذي يلهم مواقف المطران تودود أسقف ماراوي الذي يرفض، وجماعة من زملائه في الأسقفية، كل تعاون مع النظام القائم.

      إن ثماني سنوات من الأحكام العرفية والكبت السياسي خلقت متغيرات جذرية في الروح والقناعات، وان اختفت وراء واجهة من الإيمان الشعبي التقليدي الذي تعود إليه غالبية الشعب. وهناك جناح تقدمي، بل ثوري، فاعل ونشط جدا، بين صفوف الاكليروس والعلمانيين المجاهدين، تزعمه المطران كلافر أسقف مالايبالاي، قد دفع كنيسة الفيليبين في طريق الالتزام والتوعية تدريجيا، مما ضاعف في مصداقية الكنيسة وتأثيرها على الجماهير. ولكنه ضاعف أيضا فرص الاصطدام مع السلطة.

     فبعد تردد في اتخاذ موقف موحد من الأحكام العرفية وتزوير الاستفتاءات والانتخابات نجح الجناح التقدمي في مجلس الأساقفة في استصدار رسالة راعوية عامة في تموز 1973 أشارت إلى النقص في إعلام الشعب وغيابه عن القرارات التي تؤخذ بحقه، وفي عام 1974 تقدم المجلس خطوة أخرى حين طالب الرئيس ماركوس خطيا “بتقصير مدة الحكم العرفي والعودة إلى حكومة دستورية”. وفي 1976 قاطع بعض الأساقفة ورؤساء الرهبانيات الاستفتاء العام، وفي السنة ذاتها طفح الكيل عندما طردت الحكومة أربعة مرسلين، وألقت القبض على 73 علمانيا من المجاهدين، وأغلقت محطتين إذاعيتين تابعتين للكنيسة و 3 صحف كاثوليكية (ف0م العدد 123) فكان ذلك كالقشة التي قصمت ظهر البعير حيث توحد مجلس الأساقفة وأصدر رسالة عامة مشتركة قاسية اللهجة في ك2 1977 ندد فيها بسياسة القمع والحكم العسكري الدكتاتوري والعقبات التي يضعها النظام في طريق الرسالة الإنجيلية.

       ووقفت الهيئة العامة للرهبانيات الرجالية والنسائية موقفا حازما ضد تعسفات السلطة، سيما وان الأساقفة نشروا مؤخرا رسالة عامة أخرى يفضحون فيها فساد المؤسسات الحكومية وانتهاك حقوق الإنسان. وجاء في الرسالة تفهمها للجوء بعض الفئات إلى العنف لان (الاستبداد واضح ولقد طال أمده)0

      وفي أيلول 1979 شهر الكردينال سين رئيس أساقفة مانيلا هجوما عنيفا، في مقابله له مع الإذاعة البريطانية، ضد نظام ماركوس وضد الأحكام العرفية التي قال بأنها ستفضي إلى الحرب الأهلية إذا لم تلغ، وإذا لم يعد الرئيس ماركوس عن تعنته ويعود بالبلاد إلى وضع سياسي طبيعي عن طريق انتخابات عامة حرة.

       لقد عرفت البلاد خمس جولات انتخابية واستفتائية على الأقل منذ إعلان الحكم العرفي، كانت آخرها الانتخابات الفرعية في 30 ك2 الماضي، ولكن “كيف يعقل أن تكون هذه الانتخابات حرة في ظل حكم القوانين العرفية؟”، هكذا يتساءل المطران فرناندو كابالا أسقف ايليغان  في جزيرة مينداناو الذي عمم رسالة راعوية وقعها مع لفيف كهنته دعا فيها الناخبين إلى التفكير “ضميريا” بجدوى الإدلاء بأصواتهم وجاء في الرسالة: “الم نتعلم أي شيء من الماضي؟ السنا نوجه الاهانة إلى أنفسنا باشتراكنا في هذه المهزلة الجديدة”.

     هذا وكان الكاردينال جيم سين عميد مجلس الأساقفة قد صرح في وقت سابق بان “الشعب لم تعد له ثقة بالحكومة” ولا بالعسكريين “لأنه يخاف منهم”، ولا بالحكام “لأنهم لم يعودوا يحكمون بالعدل” ويشكل موقف الكردينال سين –الذي يعرف بحكمته واتزانه وبشجاعته وسداد موقفه في آن واحد–  يشكل موقفا “ثوريا وسطا”، إذا صح القول، بالنسبة إلى مجموع الأساقفة. فهو، إذا قبل بالمجابهة والتحدي، يفضل أن تكون هذه المجابهة “نقدية ايجابية” تجبر الخصم على التغيير والإصلاح، وهو لا يميل إلى استخدام سلاح العنف. وبصفته عميد الكنيسة الفيليبينية يشعر بان لهذه دورا أساسيا ونبويا في تقويم البلاد، وبأنها المؤسسة الوحيدة التي لها من القوة ما يتيح لها مجابهة الحكام وتغيير النظام.

                                                                    كنيسة الفقراء

      لقد بدا التزام كنيسة الفيليبين بمحاربة الفقر بعد المجمع الفاتيكاني الثاني. وتشكلت النواة المنظمة الأولى عام 1965من ثلاثين كاهنا انشأوا (سكرتارية وطنية للعمل الاجتماعي) هدفها القيام بمشاريع صغيرة للإعلانات الاقتصادية وتطوير العمل الجماعي والتعاونيات، وذلك في إطار نظرة جديدة إلى دور الكنيسة في المجتمع.وبعد إعلان الحكم العرفي تطور الاهتمام بتوعية الجماهير وتنظيم الجماعات والعمل من اجل العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية. وهكذا أصبحت هذه الجماعات تدريجيا قواعد مقاومة ضد أساليب النظام الحاكم.

     على هامش هذه النشاطات الاجتماعية – السياسية (وقد يكون بعضها تطرف في “مواقفه الثورية” واختياراته الايدولوجية) هناك نواة “كنيسة قاعدية نبوية” في حالة ولادة هادئة، يمكننا أن نسميها حقا “كنيسة الفقراء” وقد شهدها تحيا في جزيرة سامار الصحفي الفرنسي جوزيف ليمان الأنف الذكر:

     في أبرشية كالبايوك يعيش الكهنة تماما كما يعيش جيرانهم ولا يتميزون عنهم لا في زريبتهم القشية، ولا في لباسهم، ولا في وجبات الرز اليومية الثلاث. يجتمعون مرة في الشهر للصلاة والتداول معا حول ريكاردو تانشينكو (46 سنة الذي يعتبر روح هذه الجماعة وقد كان قبل عام ونصف فقط أسقف الأبرشية) أما اليوم فهو كاهن قرية صغيرة للصيادين.

     في سامار حيث التضامن وثيق جدا بين الكهنة وأساقفتهم هناك 3 أبرشيات أخرى تحذو حذو كالبايوك. ولقد تجلى هذا التضامن في عيد الميلاد الماضي عندما اضرب جميع كهنة الجزيرة عن إقامة القداس من 20ك1 – 10 ك2 –وحتى في يوم العيد– احتجاجا على إلقاء السلطات القبض على احد زملائهم، الأب كارديناس. وقد علق المطران انجل هوبايان أسقف كاتارمان  ورئيس الكاهن المعتقل على هذا “الإضراب” قائلا: “أي معنى مسيحي كان سيكون للاوخارستيا، وهي احتفال المحبة والرجاء والسلام والعدالة في حين يتألم ظلما ابناء الكنيسة – والأب كارديناس واحد من لآلاف؟”

       لاشك إن وضع سامار حالة فريدة، ولا يمكننا اعتبارها مقياسا لسلوكية عموم كنيسة الفيليبين في هذا المضمار. فالتعددية في المواقف وطرق الالتزام الإنجيلي ووسائل الشهادة المسيحية واردة، بل طبيعية وعلامة صحة، في كنيسة الفيليبين كما في سائر الكنائس، حيث تتغذى كلها من الإنجيل. ولكن مثال سامار علامة رجاء ومؤشر أمل بعيد المعاني في هذه الكنيسة الشاهدة. 

 

—————

 في هذا الملف اعتمدنا بصورة رئيسة تحقيقا ميدانيا قام به الصحفي الفرنسي جوزيف ليمان في مطلع هذا العام نشر في مجلة “I.C.I.” (عدد 547).

 

هوية الفيلبين

       تتكون الفيلبين من 7100 جزيرة مبعثرة في الزاوية الاسيوية من المحيط الهادي بين بحر الصين شمالا وغربا، واندنونسيا جنوبا. يقطن هذه الجزر التي تحتل مساحة 300000كم2 45 مليون نسمة، معظمهم كاثوليك، مع اقلية اسلامية. نصف السكان لم يتجاوزوا الخامسة عشرة، ونسبة الزيادة السكانية تبلغ 31%.

      احتلها الاسبان عام 1521 ولقرابة 400 سنة فاعطوا لها اسمها الحالي وطابعها المميز اجتماعيا وسياسيا ودينيا، مما يجعلها اشبه بجسم اسيوي بلباس لاتيني. وهذا ما يفسر اوجه الشبه الكثيرة بين الفليبين ودول اميركا اللاتينية التي، هي الاخرى، مستعمرات اسبانية قديمة. نالت استقلالها عام 1946 بعد 3 سنوات من الاحتلال الياباني وقرابة 50 سنة من السيطرة الاميركية (1898- 1943).

       السواد الاعظم يسكن الريف، غير ان مانيلا، العاصمة، تعتبر اضخم تجمع سكاني بملايينها الستة، وثلث هذا العدد يسكن الزرائب وبيوت التنك.

       اما من الناحية الاقتصادية فللبلاد موارد طبيعية لا يستهان بها كالنحاس والنيكل والنفط الذي يؤمن 20% من الاستهلاك المحلي وانتاجه آخذ في الازدياد. كما ان الفيلبين تعتبر رابع دولة مصدرة للسكر، وتأتي في المرتبة الاولى في تصدير منتجات الجوز الهندي، ولها انتاج ضخم من الرز، غير ان الاقتصاد الوطني معرض للافات الطبيعية كالفيضانات والزلازل، وهو ليس بمعزل عن الازمات الدولية سيما وانه ربيب للشركات العالمية المتعددة الجنسيات وانه متجه اساسا نحو التصدير. ولقد بلغت نسبة التضخم في العام الماضي 30%.

 )))))))))((((((((((

إنسانية يسوع او يسوع الإنسان

عدد الخاص كانون الاول 1980

   من ذا يحيط بشخصية يسوع الكاملة! كثيرون كتبوا عنه وحوله وفيه..ولم يفوه حقه..

    الأب جرجس القس موسى يتقدم بتأملاته هذه على رؤوس أصابعه، فإذا بها إشارات رقيقة إلى بعض الجوانب الإنسانية لشخصية يسوع.

     من هو، يا ترى، يسوع هذا؟

    اهو نبي نال من روح الكشف والوحي  ما لم ينله نبي من قبله أو من بعده؟

    اهو صوفي شغف بالله إلى حدود الانعتاق من كل ما هو دنيوي؟ أم هو مجرد ابن اله بعيد، قد مر علينا مر الكرام، وشاءت حاجتنا إلى رب قوي قدير أن نجعل منه موضوع إيماننا؟

     إذا جعلنا من يسوع ذلك النبي المتميز وحسب، وذلك الروحاني المنسلخ عن المادة تماما، وابن اله سام لا شان له بتاريخنا وطموحاتنا.. فقد جنينا عليه وعلى أنفسنا، وكنا كمن لفه بقماشة من المثالية والتجريد لا تصلح سوى للمتاحف ولبطون الكتب!.

    عبثا نحاول فهم واقع يسوع الحقيقي إذا اكتفينا بالحديث عن “مسيح صوفي” أو عن “مسيح الإيمان” ولم نفطن إلى إن هذا الإيمان إنما يستند على الوجود التاريخي ليسوع، يسوع إنسان يحمل رسالة إلهية إلى البشر، اجل، لكنه يحيا إنسانيته بأعلى درجات الوعي والإحساس وبكل بلاغة أوتار النفسية البشرية. انا لا أنكر “مسيح الإيمان” واتفق مع مضمون هذا الإيمان كليا، غير إني اعترف بان يسوع اقرب ألينا مما نظن، وإذا كان يحيا قينا فالإيمان اليوم، فذلك بعد أن عاش مثلنا أنسانا في التاريخ، وارى انه بقدر ما نتعرف بصدق وموضوعية إلى عمق شخص يسوع التاريخي، فبقدر ذلك نكتشف ذواتنا.. ونحبه بالأكثر.

     ما هي سمات وجه  هذا الإنسان، يسوع؟  

الأفكار التالية ليست دراسة تفسيرية مقارنة ولا تحليلا نفسانيا فرويديا، وان استندت إلى معطيات تاريخية اجتماعية إنسانية، وإنما اعتبرها رؤوس نقاط لبحث أوسع يبدو لي شيقا ومثيرا حول شخصية يسوع الإنسانية.

يسوع ابن الأرض

   أول ما يلفت النظر في هذا ” الرجل “، يسوع، انه إنسان بسيط، ابن الأرض  والقرية، وككل ريفي، يحب الحقول (وكان مجتازا بين الزروع، فاخذ تلاميذه يقتلعون سنبلا وهم سائرون – تأملوا زنابق الحقل ). الإطار الجغرافي لكرازته يكاد يكون كله ريفيا، فهو يدور في القرى وعلى سفوح الجبال وفي الحقول والمزارع وبين الكروم وعلى شواطئ البحار. ولدى تتبعك تنقلاته من خلال الإنجيل تكاد تلمس حركة الحياة والدأب في هذه الأرياف الفلسطينية الآهلة وكأنها خلية نحل في عمل لا يوقفها عن مسعاها سوى سكون الليل. ويسوع كابن للطبيعة، كل الصور التي يتناولها لتوضيح أفكاره يستمدها من هذا الإطار (الرقعة الجديدة  على الثوب العتيق – الزارع وشروط التربة للنمو – السراج والمكيال – الخردل – الخميرة – الملح – الكرم – المعصرة – الراعي والخرافالخ ). انه يحب الجماهير المندفعة حوله ولا يخاف منها لأنه منها أصلا   وهو يجد الكلمات المناسبة لمخاطبتها بلغتها ومشاعرها وانتظاراتها، فتصغي إليه بارتياح، ويقدر إيمانه البسطاء – وان تردى هذا الإيمان أحيانا برداء من الخشونة والسذاجة – لأنه صادر من القلب مباشرة (إدلاء المخلع من السقف – المرأة الكنعانية – اعمي أريحا الخ ).

     يسوع، ككل إنسان، يجوع، ويعطش، ويشعر بالتعب من السير الطويل والعمل فيأخذ قسطه من الراحة كما يتسنى له ذلك، شانه شان كل كادح، واضعا حجرة تحت  رأسه عوض الوسادة، مرة، أو متكئا على شباك الصيد أو على وسادة مبللة في مؤخرة السفينة ، مرة أخرى أهله معروفون عند العامة ويقلقون عليه، ككل الناس، عندما يرونه في مأزق . أما هو فحتى رسالته لا تقطعه عن جذوره الإنسانية والشعبية : انه من ناصرة الجليل، هذه المقاطعة الحدودية  ذات السمعة الوضيعة التي تختلط فيها الأجناس ويتكثف التواجد الوثني، ويعرف بالنجار بن النجار.. ولامه مريم، ولبنات وأبناء عمومته صلات قربى وجيرة ومصاهرة تجعلهم معروفين عند الكل.

يسوع : شخصية قوية وحرية داخلية

   يتحلى يسوع بشخصية قوية وبعزة نفس لا تثلمها المهانة: فهو، إذن، إذا يغضب في غيرته على شرف الله وحرمة المقدسات وكرامة المستضعفين ولا يتردد من استعمال السوط ضد تجار الهيكل السماسرة، فانه يستعمل الحلم والتدليل إلى فعلة

يهوذا تلميذه الماضي في خيانته ولا يشهره علانية صيانة لماء الوجه، وذلك بالرغم من الألم الذي يحز في قلبه من نكران الجميل، لان هذا يصيب القلب المحب في الصميم، كما في حادثة نكران بطرس له حين نظر إليه بشفقة وعتاب. يسوع إنسان له كرامته،، وهو، إن استبعد الألم عنه لقساوته وانه دبه جسده الشاب، لا تخور قواه المعنوية، فيصمت أمام الادعاءات ولا يتكلم في استجوابه إلا متى شاء، وبإباء (صلاة البستان – المحاكمة – أمام بيلاطس – أمام هيرودس ).     

    يسوع رجل يتمتع بحرية داخلية وتوازن نفسي عظيمين في كل الحالات  وليس معقدا تجاه أي شيء أو أي إنسان مهما كانت مكانته الاجتماعية أو انتماؤه العرقي أو الديني، ويقدر تكريم الناس له ويقبل استضافتهم، لا سيما البسطاء منهم، بارتياح. وإذ يكن للمرأة كل احترام، لا نجد في تصرفه أية عقدة تجاهها أو منها (المرأة والطيب – السامرية – مرتا ومريم الخ ). وحتى في مسالة الطلاق حين يشد على وحدانية الزواج، فإنما يفعل ذلك – هو الرجل الأعزب – لاحترامه الكبير للرابطة الزوجية، ولرفضه القاطع أن يكون الزمام كله بيد الرجل على حساب المرأة، فالحب فوق الأنانية المتمثلة في طلاق.. يكون فيه الشرع في معظم الأحيان إلى جانب الرجل.

     ويسوع، رغم وعيه بمحبة الجماهير له، ليس ساذجا ينساق وراء فورة المتحمسين. أما تجاه خصومه من المتنفذين والمتصيدين، فهو في حذره اليقظ، يستخدم إستراتيجية الدهاء والإيقاع التي لا تخلوا من روح الدعابة والاستدراج (للرؤساء الذين يسألونه عن أساس سلطانه– أسلوب مثل الكرامين – ما لقيصر لقيصر..– للصدوقيين حول الزواج والقيامة – أسلوب المبارزة في إجابته للكاتب حول أولى الوصايا – مداعبة نيقوديموس – استدراج السامرية.. الخ ) انه يشفق على المعذبين والمستضعفين ويتحنن على كل متألم يقصده، وأصدقائه تراهم في صفوف البسطاء والهامشيين. أما المنافقون وذوو الوجهين والانتهازيون فضحهم أمام الجمهور– وتلك قوته– لان القاعدة الشعبية معه، ولا يستطيع أولئك الارتداد عليه بيسر وبمجابهة مكشوفة خشية أن يخسروا نفوذهم وبقية رصيدهم عند الناس.. 

علاقات يسوع الإنسانية 

      ليسوع أصدقاء مقربون ينكشف لهم من غيرهم ولهم حضور مميز في أحداث رسالته الكبرى وآياته الخاصة وأحزانه، ويوحنا وبطرس ويعقوب في مقدمة هؤلاء، ومنهم يلتمس التشجيع والتضامن في محنه. ولقد حاول الأولان  بصورة خاصة أن يكونا على مستوى الثقة فجازفا بسلامتهما، ولربما بحياتهما، للبقاء معه حتى بعد القبض عليه. ولطالما أوى إلى عند أصدقائه وتناول الطعام عندهم (لاوي بن حلفي – بطرس وحماته – سمعان الأبرصالخ)، وعند احد أصدقائه سيأكل الفصح مع تلاميذه.

 

   ولعل من اصدق أصدقاء يسوع، خارجا عن ثلة ألاثني عشر، الأشقاء لعازر ومريم ومرتا من قرية بيت عنيا، وكان يسوع يتردد عليهم مع تلاميذه ليمسح عنه عناء الطرق وزحمة الجماهير فيلقى لديهم قلوبا دافئة وبيتا مضيافا ليل نهار. ولما مرض “صديقهم” لعازر ومات، أرسلت الأختان في طلبه ضاربين على الوتر الحساس، وتر القلب، قائلتين : ” إن الذي تحبه مريض،. ولما هرعت إليه مريم في مشارف القرية وهي تبكي وتقول في دموعها : ” بحيث علق الحاضرون بتأثر : “انظروا كم كان يحبه! “. ولعازر ومرتا ومريم هؤلاء أنفسهم صنعوا مأدبة كبيرة ليسوع على شرف إحياء لعازر كانت فيها الأخت الكبيرة مرتا مهتمة بالخدمة، بينما لازمت الأخت الصغرى، مريم، قدمي يسوع وهي ترتشف كلامه ارتشافا

  هكذا نرى إن يسوع ليس نبيا “درويشا ” يتنكر للعلاقات الإنسانية أو يتهرب من مجتمع الناس أو يحرم أفراح الحياة وأعيادها. لقد اشترك هو بنفسه في الأعراس– وعرس قانا واحد منها– وشرب الخمر مع المدعويين  وإذا كنا محقين في تصورنا يسوع وقورا وذا شخصية متزنة ورائقة في كل الأحوال، فلا أتخيله منسحبا في زاوية منعزلة مع تلاميذه واجمين يبيعون الوقار على هامش “الفرحة “!..     يسوع هذا أراه شفاف القلب، رقيق الكلمة كلما لزم، يحس بتعب معاونيه فيدعوهم إلى الراحة بعد إجهاد الرسالة، ويبني علاقته معهم على الألفة والصداقة، فيطمئنهم إذا خافوا، ويرفع من معنوياتهم كلما وهنوا. يسوع هذا أراه غامرا بعاطفة الأبوة تجاه الأطفال ويجعل منهم صورة لقلب الله ولقلبه ورمزا لشفافية الإنسان.. لضعفه وقوته، لجماله ورقة أحلامه، لاستعداده الدائم للتحولات والبدايات والإمكانات اللامحدودة.

  هذا هو يسوع الإنسان: أراه كامل الإنسانية عن غير انتقاص، متجذرا في الأرض عن غير ضعف ! الله أراه فيه، ومن دونه يستحيل علي الوصول إلى الله الذي لا أره، وعندما أراه هو، يسوع، أرى ذاتي، أنا، وينفتح الطريق إلى إخوتي!  

 

Advertisements

البابا في البرازيل:

البابا في البرازيل: رحلة التحديات

ش.ر/ايلول1980 

تعتبرالبرازيل (8,500,000كم2 = نحو 20 مرة اكبر من العراق) التي زارها البابا من 30 حزيران إلى 12 تموز 1980 اكبر بلد كاثوليكي  من حيث عدد الكاثوليك فيه (105 مليون من مجموع 115)، وتضم اكبر عدد من الأساقفة في العالم (بعد ايطاليا): 318 أسقفا بينهم 3 شرقيون، ويخدمها 14000 كاهن و 38000 راهبة وتعتمد على 80000 جماعة قاعدية. مجلس الأساقفة هو من أقدم المجالس الأسقفية في العالم، فقد تأسس قبل المجمع عام 1952، وكان أول سكرتير له المطران هلدر كامارا الشهير.

     وكنيسة البرازيل كنيسة قريبة من الشعب ودور العلمانيين فيها دور حيوي وواسع. أما بالنسبة إلى النظام الحاكم فهي تمثل صوت النبوة والمعارضة: وإذا ما تردد بعض الأساقفة زمنا في اتخاذ المواقف الحازمة، فالأكثرية الساحقة بينهم ترفع صوتها عاليا اليوم بوجه المظالم  السياسية والفروقات الاقتصادية والاجتماعية، وعديدة هي الرسائل العامة والمنشورات الأسقفية التي تعالج القضايا الاجتماعية. هذا بالإضافة إلى برامج تطويرية ترعاها الكنيسة مباشرة لتحسين أوضاع الفلاحين وفضح أساليب الاستغلال الرأسمالي والشركات المتعددة الجنسيات. وطالما وضع الأساقفة أنفسهم في محك هذا النضال كالمطران هلدر كامارا وأسقف ساوباولو  وسانتو اندري الذي اشترك شخصيا مع عمال المعادن في إضرابهم في نيسان الماضي.

      ولكن مثل هذه المبادرات جذبت على الكنيسة نقمة السلطة الدكتاتورية. ففي كانون الثاني 1979 نشر أساقفة ساوباولو تقريرا حول القمع الذي خضعت له كنيسة البرازيل في السنوات العشر الأخيرة كانت حصيلته: 122 راهبا (بينهم 9 أساقفة) أوقفوا، 233 مسؤولا علمانيا و 7 كهنة اغتيلوا، 29عملية تفتيش، 34عملية تعذيب ضد الرهبان، 18حالة تهديد بالتصفية الجسدية، 9 حالات اختطاف، حالات ضغط على 30 أسقفا من بينهم الكردينال ارنس (ف.م .عدد156)، والمطران هلدر كامارا  محامي الفقراء والفلاحين الذي قتل معاونه.

      إلى جانب هذا الالتزام الإنساني الذي جعل من كنيسة البرازيل كنيسة الشعب، فهي تسير، من جانب آخر، في خط المجمع بثبات سواء كان ذلك في قضايا الليتورجيا أم التثقيف المسيحي أم في تطوير وسائل العمل الراعوي في الأوساط الفلاحية والعمالية أم في تبسيط العلاقة بين القمة والقاعدة وتبني مبدأ المشاركة في الإدارة واتخاذ القرارات.

     هذه خطوط عريضة من وجه كنيسة البرازيل التي ذهب للقائها يوحنا بولس الثاني، لذا اكتسبت رحلته صفة التحدي، سيما وانه كان عليه أن يلتقي لا بممثلي هذه الكنيسة وحسب،بل بمسؤولي النظام الحاكم أيضا ويكشف بنفسه ضحايا هذا النظام0

     ولقد حاول يوحنا بولس الثاني طيلة جولته أن يكون لسان حال الطبقات المقهورة التي هي أكثر من غيرها متعطشة وبحاجة إلى التغيير. ففي خطابه الجوابي لكلمة رئيس الجمهورية لدى وصوله أكد البابا الطابع الراعوي والرسولي لزيارته ثم دعا جميع من هم “في خدمة الخير العام للأمة” إلى المبادرة إلى احترام حقوق “الإنسان البرازيلي” وتحقيق “الإصلاحات الضرورية التي من دونها لا يمكن لأي مجتمع يحترم ذاته أن يتقدم”.

      هذا وكان قداسته قد بدا زيارته بقداس في الهواء الطلق حضره حوالي 700,000 شخص، زار بعده الرئيس خوان فيغيريدو في مقر الرئاسة. وكانت اللجنة الراعوية الأسقفية قد أبدت استغرابها عشية الزيارة كيف إن الحكومة “تسهل زيارة البابا بكل الوسائل المتاحة في الوقت الذي تقمع فيه نشاط الكنيسة لصالح المقهورين”. ومن جانب آخر سلم مطران غوياس رئيس لجنة الرسالات الهندية رسالة إلى البابا وقعها 50 من زعماء الهنود (180000 في البرازيل) يبدون فيها امتعاضهم من الاحتفال الفولكلوري الهندي المقرر أن يشاهده البابا في حين تهان كرامة إخوانهم وتغتصب أراضيهم ويقتل زعمائهم. وقد دعا الموقعون البابا إلى زيارة وادي غوابور “ليرى هنود نامبيكوارا الذين يعيشون وضعا مشابها للاجئي بيافرا”. في أعقاب هذه الرسالة طلب البابا إلغاء “الحفل الهندي” المقرر، وقبل أن يترك العاصمة برازيليا زار سجن بابودا 0ومن هنا طار إلى مدينة بيللواوريزونتي (1تموز) حيث أقام قداسا أمام مليون شخص (سكان المدينة 3 ملايين) معظمهم من الشباب. وفي غضون هذا القداس أفرغت الأكياس التي كانت تحتوي على البطاقات التي سلمها شباب فرنسا للبابا في بارك الأمراء بباريس لدى زيارته الأخيرة ليسلمها إلى شباب البرازيل، وقد حملها البابا في طائرته كموزع بريد أمين!

      ولقد اثأر البابا حمية الشباب عندما قال: “لقد تعلمت إن الشاب المسيحي يكف عن أن يكون شابا، وليس هو مسيحي منذ زمن طويل، حينما ينساق وراء عقائد وايدولوجيات تعلم الحقد والعنف. ولقد تحققت من أن الشاب سرعان ما يشيخ بصورة خطرة عندما ينخدع بهذا المبدأ السهل الذي بموجبه “الغاية تبرر الواسطة”، عندما يأخذ بالاعتقاد بان الأمل الوحيد لتطوير المجتمع هو في الصراع والحقد بين الفئات الاجتماعية، في  مثالية  طوباوية لمجتمع من دون طبقات، سرعان ما يخلق طبقاته الجديدة،. ولا يخفي ما في ذلك من تنويه واضح إلى الشيوعية التي يتحدث عنها البابا حديث عليم خبير، هو القادم من بولونيا.

      في ريودي جانيرو (2تموز) قضى البابا ليلتين واستقبل بعثة تمثل أحياء التنك المئة التي تحيط بالمدينة كحزام من البؤس والعار. ولقد كانت إحدى المراحل الأكثر انفعالا للبابا تجواله  في احد هذه الأحياء “فافيلا فيديغال” المشرف على الأحياء الغنية من المدينة، والذي استطاع سكانه بتضامنهم ومقاومتهم الجماعية أن يجهضوا مشروعا حكوميا كان يقضي بهدم أكواخهم. غير إن السلطات كانت، بحجة الأمن، قد أفرغت معظم منازل الحي في يوم زيارة البابا ومنعت الأساقفة من مرافقته في جولته وعتمت وسائل الإعلام البرازيلي بشكل فاضح على أخبار هذه الزيارة. وفي معبد الحي تحدث البابا عن “كنيسة الفقراء وكنيسة جميع الناس” وندد بأنانية الأغنياء وقال مخاطبا الغني: “عليك أن تبحث عن سبل العطاء، كيف تنظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية وكل قطاعاتها بحيث تعطي هذه الحياة المساواة بين البشر، ولا تحفر هوة بينهم.    فكنيسة الفقراء ليست كنيسة طبقة معينة أو طائفة عصبية. هذا وقد استلم البابا رسائل وعرائض من السكان طلبت إحداها أن يتدخل من اجل تأسيس الماء والكهرباء والمجاري في الحي.

       في ريو أيضا رسم البابا 70 كاهنا في قداس أقامه في ملعب البلدية، واستقبل وفدا يمثل منظمة أساقفة أميركا اللاتينية “سيلام” الذي انشيء في ريو بالذات عام 1955ومن خلالهم خاطب جميع أساقفة القارة اللاتينية ودعاهم إلى إعطاء العلمانيين “دورهم لاسيما في النضال والقيادة ضمن الاحزاب السياسية وممارسة الوظائف العامة ليتحرر الرعاة من هذه الالتزامات كي يتفرغوا للدعوة الإنجيلية”. وبذلك يكون يوحنا بولس الثاني منسجما، مرة أخرى، مع ذاته في التمييز بين “الوظيفة الروحية” للأساقفة والكهنة و”الوظيفة الزمنية” للعلمانيين، وعدم رغبته في أن يلتزم رجال الدين شؤون السياسة.

       في ساوباولو (3تموز) كان لقاء البابا الأكبر مع العمال (12000) الذين لم يتح لهم مثل هذا التجمع منذ وقت طويل. وقد القى فلاديمير روسي (46 سنة )، وهوعضو نقابي واحد مسؤولي العمل الرعائي في ساوباولو باسم العمال خطابا إلى “الرفيق يوحنا بولس” شكا فيه من ظروف الحياة القاسية للعمال البرازيليين الذين يناضلون  “من اجل الحصول على أجور اقل ظلما، وظروف عمل أفضل، ومن اجل نقابات حرة ومستقلة”. ولما ذكراسم رفيقين له، سانتوس ديا وريموندو بيريدا، اغتالتهما السلطة مؤخرا، أجهش في البكاء –وهو نفسه ذاق السجن والتعذيب مدة 5 أشهر–فهتف العمال بملء حناجرهم: “الحرية”،. وفي جو مشحون بالتأثر أجاب البابا مدافعا عن حرية النقابات والحق في توزيع عادل للخيرات التي ينتجها العمل وعن الحق في العمل والكرامة.

      من ساوباولو انتقل البابا إلى ابارسيداد (4 تموز)، ومن ثم إلى كوريتينا (5 تموز) حيث استقبل 18 امرأة أرجنتينية يمثلن ما يدعى هناك ب “مجنونات أيار” وهن أمهات أشخاص اختفوا ولا يعرف عنهم شيء. وقد وعد البابا بعمل كل ما بوسعه لدى الحكومة الأرجنتينية من اجل إعادتهم إلى ذويهم. ويوم 6 تموز كان البابا في ساوسلفادور دي باهيا حيث زار مصحا للبرص وحيا من أحياء التنك وحث سكانه على عدم الاستسلام للبؤس: “لا تقولوا: إن الله يريد ذلك، بل غيروا واقعكم،. وفي اليوم التالي كان ضيف “المطران الأحمر” هلدر كامارا في ريسيف، هذا الذي لم يترك منبرا في العالم إلا وفضح من أعلاه مظالم النظام الحاكم. “إن الأرض هبة من الله، ولا يجوز أن تحتكر لمصلحة أقلية ما”، قالها يوحنا بولس أمام 800000 شخص في ريسيف وعانق المطران كامار طويلا تأييدا لنضاله. وقد اهدى احد الفلاحين للبابا قبعته القروية الواسعة.

       من ريسيف انتقل الموكب البابوي إلى تيريزينا وبيليم (8 تموز)، ومن هناك إلى فورتاليزا (9 تموز) حيث اشترك البابا في اجتماع عام لجميع أساقفة البرازيل، وافتتح أعمال المؤتمر ألقرباني الوطني بقداس أقامه في ملعب كاستلاو. وفي هذا الملعب ذاته، وقبل قدوم البابا، تسبب الازدحام بتحطم إحدى البوابات مما أودى بحياة 3 أشخاص (وقيل7) وجرح20 آخرين. وكانت آخر مراحل الزيارة البابوية في ماناوس (10تموز) حيث وجه نداءه الأخير إلى السلطات المدنية كي تحترم حقوق الهنود وتراثهم، هم “السكان  الأوائل  والأصليون لهذه البلاد”. ويذكر إن البابا كان قد قام برحلة نهرية في نهر ألامزون في قلب الغابة العذراء.

        ترك يوحنا بولس الثاني البرازيل يوم السبت 11 تموز عائدا إلى روما بعد أطول رحلة عالمية قام بها (13000كم) وفي عينيه عالم من الذكريات والمشاهد، وفي قلبه كنيسة مجاهدة إلى حد الاستشهاد من اجل الإنسان المقهور وشعب عفوي الإيمان جائع إلى قيم الحق والعدل.                                              

 

 

 

 

البابا في فرنسا: تعال وانظر!

البابا في فرنسا: تعال وانظر!

 

ش.ر/ايلول1980

 

       كانت آخر زيارة بابوية لفرنسا زيارة بيوس السابع لتتويج نابليون أمبراطورا في باريس عام 1804. وعاد البابا نفسه إلى فرنسا، ولكن أسيرا لنابليون هذه المرة بعد أن جرده من ممتلكاته وفرض عليه الإقامة الجبرية في فونتينبلو، ولم يعد إلى روما إلا سنة 1814.

      منذ ذلك التاريخ لم تدس بابا ارض فرنسا، حتى جاءها يوحنا بولس الثاني في زيارة لباريس العاصمة (30 أيار – 2 حزيران) لا ليتوج إمبراطورا، بل ليلتقي كنيسة لا تخاف من أن تمزج الإيمان الأصيل بالروح النبوية النقدية. وإذا كان يوحنا بولس الثاني قد ذهب إلى هذه الكنيسة بشيء من الحذر، فقد عاد منها بالتفاؤل والتقدير والارتياح.

    وإذا نعتنا زيارة البابا لفرنسا بزيارة الاستكشاف”تعال وانظر”، فرحلته إلى البرازيل(30 حزيران– 12تموز) يمكننا وصفها “برحلة التحديات”. ذلك لان البرازيل –وهي اكبر بلد كاثوليكي في العالم من حيث العدد مع 105مليون كاثوليكي من أصل 115 مليون- وهي أيضا بلد التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الصارخة. فنظامها السياسي لا يُضرب به المثل في الديمقراطية، بل القمع والتصفيات الجسدية من صفاته اللاصقة. وال 318 أسقفا ليسوا كلهم من طينة الفارستو آرنس وهلدر كامارا   

   يوحنا بولس الثاني أراد أن يتحدى التناقضات ويسمي الأشياء بأسمائها كما يفعل الأنبياء! 

تعال وانظر!

“لم أكن اظن إن الفرنسيين مشتاقون إلى هذا الحد لرؤية هذا البابا. لا، لم أكن أتوقع ذلك قط”! يوحنا بولس الثاني نفسه صرح بذلك في مقابلة أجراها معه راديو الفاتيكان وصحيفة اوسرفاتوري  رومانو عقب عودة قداسته من رحلته إلى فرنسا. أوَ لم ينسب احدهم إلى البابا البولوني قوله مرة: “لست ادري ماذا يجري في رؤوس هؤلاء الفرنسيين!”.

      ذلك لان تخوفا صامتا كان يسري في ممرات الدوائر الرومانية من الروح الاستقلالية والنزعة النقدية وحب المبادرات الجريئة والرائدة التي تتصف بها كنيسة فرنسا، قمة وقاعدة

–على غرار شعب فرنسا نفسه عامة-، وكان يخشى أن لا تلقى زيارة بابا روما الترحيب اللائق. ففرنسا ليست لا ايرلندا ولا بولونيا… ولا احد ينكر ما لكنيسة فرنسا وللثقافة الفرنسية من تأثير بليغ على الكنيسة الجامعة ككل، وعلى عدد كبير من الكنائس المحلية، ولقب “ابنة الكنيسة البكر” الذي تنعت به فرنسا لم يخلع عليها جزافا؛ وقد أشار إلى ذلك قداسة البابا نفسه في المقابلة المذكورة: “إن الكنيسة الجامعة، والكنيسة الكاثوليكية، والمسيحية مدينة حقا بالكثير لكنيسة فرنسا ولشعب فرنسا، ولقب “ابنة الكنيسة البكر” المعطى لكنيسة فرنسا له ما يبرره بعمق”.

     هذه الكنيسة جاءها يوحنا بولس الثاني حاجا “ليزور ويشجع كاثوليك فرنسا” وليستمع إليهم(1) وينظر بأم عينيه كيف تعيش هذه الكنيسة إيمانها وتحاول تطعيمه وتجديده دوما من دون أن تنقطع عن جذع الكنيسة الجامعة ولا أن تتغرب عن مجتمع، هي جزء جوهري من تاريخه وتكوين شخصيته، يعتز بحريته واستقلاليته، كنيسة لا تريد أن تتنكر لتطلعات الإنسان المعاصر وطموحاته المشروعة في عالم يتحرك ويحيا ويتجاوز ذاته كل يوم. وفي هذا لم تخب آمال البابا، ولا البابا خيب آمالهم! فدينامية كنيسة فرنسا المتميزة بالاتزان والجرأة في آن واحد، وواقعية البابا فويتيوا ألهمتا هذا الأخير أن يجعل من زيارته لفرنسا، ليس فقط فرصة التعرف على التجربة الفرنسية في ممارسة الإيمان والالتزام الإنجيلي، والالتقاء “بالروح الفرنسية” على حد تعبيره هو نفسه، بل جعل من فرنسا منبرا يعلن منه للعالم عقيدة الكنيسة في الإنسان وكرامته، ويلفت النظر، كما يفعل أب محب وغيور، إلى بعض من أهم القضايا الروحية والرسولية التي تهم  رسالة الكنيسة في عالم اليوم –الم تكن أهداف هذه الزيارة “رسولية وراعوية” كما حددها بنفسه–.

      لقد سال فرنسا المسيحية في القداس الذي أقامه في مطار ليبورجيه أمام حشود قدرت ببضعة الآلاف، وكأنه كاهن يقبل تجديد مواعيد المعمودية في خورنيته: “اسمحوا لي أن اسأل: يا فرنسا، يا ابنة الكنيسة البكر هل أنت أمينة لمواعيد عمادك؟”.

      في تجواله المكثف ولقاءاته المختلفة استطاع البابا أن يجمع عناصر الجواب لسؤاله هذا. فلقد التقى بالأساقفة في “اجتماع قمة” استمع فيه إلى تقرير صريح حول “الواقع المعقد لكنيسة فرنسا” قدمه عميد مجلس الأساقفة الكردينال اتشيغاري حيث كلمه عن “روح العلمنة” الذي يجتاح المجتمع الفرنسي، وحدثه عن ظاهرة “عودة الله” إلى عالم الشبيبة، وعن دور العلمانيين في إنعاش كنيسة فرنسا، وعن رغبة الحركات المسيحية في أن تجعل “كل الإنجيل في كل الحياة”. لقد حدثه عن الطباع الفرنسية الخاصة(2) وعن الصعوبات التي تلاقيها كنيسة فرنسا وأساقفتها وقال: “يلزمنا الكثير من الحرية الباطنية كي لا نرتبك أمام أية جماعة هامشية أو استفتاء ما. يلزمنا الكثير من روح الدعابة أمام أشكال اللوم المتناقضة الموجهة ضدنا…”.

       لقد التقى البابا بالعلمانيين وبالرهبان والراهبات ورأى بنفسه وصلى مع حشود المؤمنين البسطاء الذين يتغذون من منبع هذا “الإيمان المسيحي” الذي فيه من الأصالة أكثر من العاطفة السطحية العابرة. لقد التقى بالعمال في قداس خاص أقامه لهم في حي عمالي شعبي وكلمهم عن قيمة الحياة وكرامة المرأة ودور الأسرة وعن الأغنياء والفقراء وعن قيمة العمل –هو الذي اشتغل عاملا يدويا مدة سنتين– وقال لهم بان “عاملا واحدا يساوي أكثر من ذهب الدنيا”. كما انه شجع الكهنة والعمال في الاستمرار في تجربتهم الإنجيلية الغنية –وكان البعض يتخوفون من أن  يتحفظ  البابا تجاه هذه التجربة–.

       التقى يوحنا بولس بالشباب، وكان عددهم 50 ألف شاب وفتاة جاءا ليستمعوا إليه في بارك الأمراء من كل إنحاء فرنسا، ولدى رؤيته عفويتهم الغى خطابه المقرر وأجاب شفهيا ومباشرة على عشرين من أسئلتهم حول المسيح والكنيسة وعن قيمة الجسد والجنس وحول دوره هو بالذات كبابا، وابدي أسفه لعدم تمكنه من الإجابة إلى كل الأسئلة المطروحة.

       التقى بممثلي الكنائس المسيحية الشقيقة وبرجال الدين المسلمين الذين يهتمون بشؤون العمال العرب، وحتى بممثلي الاحزاب الماركسية والعمال المهاجرين…

       في أربعة أيام ألقى يوحنا بولس الثاني على ارض فرنسا 25 خطابا وموعظة، وأمام مستمعين من مختلف الأعمار والاتجاهات والمواقع الاجتماعية والفكرية، من مؤمنين وملحدين وفضوليين أيضا، من رجال حكم وممثلي دول. عماذا تكلم؟ في فذلكة كهذه، لا نستطيع حصر المواضيع التي تحدث عنها لاتساعها وشموليتها، غيرانه بالإمكان تنسيقها تحت مظلة عناوين رئيسة ثلاثة هي: الإنسان، والمجتمع، والكنيسة. ومن كل ذلك عاد يوحنا بولس الثاني، متعبا ولكن فرحا، إلى روما، ليعد رحلته الأخرى إلى البرازيل وفي جعبته هذه الحصيلة: “فيما يخصني، اشعر بأنني مدين للكنيسة التي في فرنسا للشهادة الرائعة التي قدمتها لي”. 

—————— 

(1) قبيل زيارة البابا لفرنسا وجهت جريدة لاكروا وإذاعة وتلفزيون لوكسمبورج نداء بعنوان “اكتبوا إلى يوحنا بولس الثاني ونحن ننقل”. وقد حملت ألاف الرسائل ليس كلمات الترحيب وحسب، بل اقتراحات وأراء وأسئلة –ومنها ما يتصف بالحدة –إلى البابا القادم من روما.

(2) في رسالة مفتوحة نشرها الكردينال اتشيغاراي في صحيفة “باري ماتش” عشية الزيارة بعنوان”أيها الأب الأقدس،هذه هي فرنسا وهذه هي كنيستها”، جاء: “أيها الأب الأقدس، عندنا الجيد وعندنا القبيح. عندنا ما يموت وما يحيا. إننا لا نشبه بلدك بولونيا. هناك أمور روحية كثيرة مما عندكم قد تلاشت عندنا. ولكن في بلدنا أشياء جديدة، حبلى بالمستقبل الروحي، تولد وتعود إلى الحياة، مما لم تحسب التوقعات حسابه..”

 

الشباب والتثقيف المسيحي

الشباب والتثقيف المسيحي 

ملف/حزيران 1980 

      طالما تناولت الفكر المسيحي موضوع التثقيف المسيحي لتطوير أساليبه وتعميم توجهه إلى كل الأعمار والشرائح الاجتماعية وبعث روح الجدة والالتزام في طبيعته، ليأتي جادا ومرتبطا بالحياة، والاستفتاء الذي ننشر نتائجه يكشف وجهة نظر شباب، كلهم في سن الدراسة، تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشر والخامسة والعشرين، إلى قضية ثقافتهم الدينية. ومسؤولية التثقيف المسيحي هذه –وبالتالي نوعية مسيحية الغد في قطرنا– مسؤولية ذاتية إلى جانب كونها مسؤولية الأسرة والكنيسة والدولة معا، كما كشفت الأجوبة التي وردتنا ضمن عينة من 140مشاركا،51% منهم من الذكور و49 % من الإناث، يتوزعون على مراحل الدراسة المتوسطة (7%)، والثانوية (75%)، والجامعية (18%).

      لقد كانت الأسئلة على نوعين: مغلقة، أجيب عليها بكلمة نعم أو لا، كثيرا أو قليلا.0 والهدف منها رصد الجهد الشخصي الذي يبذله المشارك في رعاية وتعميق ثقافته المسيحية والكشف عن مواردها، وأسئلة مفتوحة تهدف إلى استمزاج رأي المشارك في الجهات المسؤولة عن تامين التثقيف المسيحي وحجم هذه المسؤولية.

   الأب جرجس موسى القس موسى يعكس في هذا “الملف” إجابات المشاركين في هذا الاستفتاء.

 

أ – هل لديك نسخة من الإنجيل؟  ( 96% نعم )  و  (2%   لا )

ب – هل قرأت الإنجيل بكامله؟   (20%  نعم )  و (80%  لا )

ج – هل تجتمع أسرتك لقراءة الإنجيل (يوميا/ -)(أسبوعيا 1%)(أحيانا 41%)(أبدا 58%)

      من الجدولين الأولين نستنتج إن اقتناء نسخة من الإنجيل يعد بحد ذاته شيئا مهما، وذلك يفترض اعتزازا بهذا السفر الجليل الذي يعد، وبحق، المرجع الطبيعي الأول للتثقيف المسيحي، غير إن انخفاض نسبة الذين قراوه بكامله قد يكون مجرد دليل إلى جانب من ينظرون إلى الإنجيل كمرجع يعودون إليه للاطلاع على تعاليم يسوع، أو متى اقتضت الحاجة بعد مجادلة أو لإعداد مناقشة. بيد إن هذه الظاهرة –مع ما فيها من ايجابية– تدعو إلى التساؤل بعض الشيء. ولكن نسبة 41% (في جدول ج) من الأسر التي تلتقي بين حين وآخر –كاملة أو جزئيا– لقراءة نص من الإنجيل تدعو إلى التفاؤل، وان كنا نجهل وتيرة ذلك وطبيعة مثل هذه القراءات المشتركة.

د – من أين تستمد ثقافتك المسيحية؟

(دروس الدين 40%) (الإنجيل 36%) (المواعظ 13%) (المطالعة 11%)

ه – ما هو عنوان أفضل كتاب ديني تملكه (عدا الإنجيل)؟

عشرة كتب دينية يمتلكها أكثر من مشارك واحد في الاستفتاء

حياة المسيح  (12)             – الدين والحياة (2)

سيرة القديسين  (4)            – طريق الفرح (2)  

قلب يسوع (3)                 – طريق الحياة (2)

الشهر المريمي (3)            – مع الرب (2)  

بذل الذات (2)                  – كنز العبادة (2)

ملاحظة:(51% يملكون كتابا دينيا) – (49% لا يملكون أي كتاب) 

و – ما هو عنوان آخر كتاب ديني قرأته؟

آخر ستة كتب دينية قراها أكثر من واحد من المشاركين

الإنجيل  (7)                             –  الصلاة في الحياة  (2)                     

دومنيك سافيو (3)                       –  حياة مريم أم يسوع  (2)

في حضور الله  (2)                      – حياة المسيح (2)

ملاحظة: (44% قراوا كتابا دينيا في المدة الأخيرة) و(56% لم يقراوا أي كتاب ديني في المدة الأخيرة عدا مجلة الفكر المسيحي).

ز – هل تغذي المواعظ ثقافتك المسيحية؟

(كثيرا 57%)، (نادرا 37%)، (أبدا 1%)، (من دون جواب 7%).

     يرينا جدول (د) إن دروس الدين تأتي في المرتبة الأولى كمصدر للثقافة المسيحية. إننا لا نستغرب ذلك حين نعلم إن 58% من المشاركين في الاستفتاء هم من الذين يتلقون دراستهم المتوسطة أو الثانوية في مداس تتضمن مناهجها مادة الدين المسيحي. وان آخذنا بعين الاعتبار هذا الإيضاح تكون نسبة 40% نسبة ضعيفة، وللسبب ذاته يمكننا إذ ذاك تقييم نسبة أل 36 % من الذين يستمدون ثقافتهم المسيحية من الإنجيل تقييما أفضل مما يوحي به الرقم المعلن. وإذا ربطنا بين ذلك والأمنيات التي أبداها المشاركون في أن يكون التعليم الديني والمواعظ أكثر استلهاما للإنجيل وبمثابة شرح وتطبيق له لرأينا ان الإنجيل يكتسب الأهمية الأولى والأساسية لعملية التثقيف المسيحي، وعليه يجب التركيز في تطوير أساليب التربية المسيحية. وحين تهبط نسبة الذين يستمدون ثقافتهم من الموعظة إلى 13% فقط (بفارق 23% وهو فارق كبير) فالعبرة ليست بعدم جدوى هذا الجانب من التعليم– والشاهد النسبة المحترمة من المستفيدين منه بحسب جدول (ز) – بقدر ما هي في فقر المادة المقدمة.

      أما المطالعة، فهنا ما يدعو إلى القلق، ليس بالدرجة الأولى لضالة من يقراون – فتلك معضلة يعاني منها مجتمعنا كله – بل لضحالة ما يقرا الذين يقرأون! فمن بين 80 كتابا ذكر المشاركون أنهم يمتلكونها هناك 40% منها كتب تقوية ضحلة تتضمن كتب شهر قلب يسوع والشهر المريمي وعددا من النشرات الهزيلة الآتية عن طريق المراسلة مجانا. وإذا أضفنا إليها حصة كتب الصلوات والترانيم البالغة 6% أصبحت النسبة ما يقارب النصف، وهذا لوحده دليل على سوء التغذية الدينية الملفت للنظر. وإذا جاءت الكتب الدينية “المعاصرة” بعدها مباشرة فهي، مع ذلك، لا تشكل سوى الثلث (32%). بينما يتوزع ما تبقى على سير المسيح ومريم (7،5%) وسير القديسين (7،5%) والقصص الدينية والتاريخية (5%)، ولا يحتل الحوار المسيحي – الإسلامي سوى 2%. و “سوء التغذية” الذي اشرنا إليه يبدو أكثر في الجدولين (ه) و (و) حيث الغياب التام (ما خلا عنوانين أو ثلاثة من الكتب الروحية إلى جانب الإنجيل) للعنصر التثقيفي الجاد. أو يكون ذلك لغياب مثل هذه الكتاب في السوق –ونحن نفتقر حقا إلى مراكز لتوزيع الكتاب المسيحي بصورة عقلانية وثابتة–أم لعلة مزمنة تقعدنا عن المطالعة الجادة– لاسيما إذا كانت المادة دينية– أم لنقص في التوجيه إلى مثل هذه المنشورات التي قد تثير أسئلة جديدة وتعيد النظر في قناعات موروثة! قد يكون الجواب في كل هذه العناصر مجتمعة.

   أما الأسئلة المفتوحة فيمكن تقسيمها إلى أربعة أبواب بحسب الأجوبة التي جاءت تؤكد إن مسؤولية التثقيف المسيحي تتوزع بين الأسرة (لاسيما في الصغر)، والشخص المعني نفسه، والكنيسة، والدولة (عبر مدارسها وسياستها التربوية).

مسؤولية الأسرة

هل يتحمل الأهل مسؤولية تثقيفك الديني؟ وعلى م تقوم هذه المسؤولية في نظرك؟

   لم يفهم هذا السؤال بصورة صحيحة. فقد أخذه معظم الذين أجابوا عليه بمعنى: هل للأهل مسؤولية في تثقيفك الديني من حيث المبدأ؟ ومن منطلق هذا الفهم جاءت الأكثرية الساحقة من الأجوبة على الشق الأول: نعم طبعا.

    أما الذين فهموا السؤال ببعده الحقيقي (25% من المشاركين فقط)، أي هل، في الواقع، يتحمل اهلك عمليه تثقيفك الديني فعلا؟  فكانت غالبية الأجوبة بين “كلا” و “قلما”! مما يوحي لنا بأهمية المسؤولية الشخصية في مراحل البلوغ، إلى جانب خطورة دور الأهل في مرحلتي الطفولة والحداثة.

      أما على الشق الثاني من هذا السؤال: “على م تقوم مسؤولية الأهل في نظرك؟ “فلقد جاء “التوجيه والإرشاد” في المرتبة الأولى (65%) من الإجابات. ولقد وصف بعضهم إن هذا التوجيه والإرشاد يجب أن يشمل “شرح ما لا افهمه من نصوص الإنجيل والإجابة على جميع الاستفسارات والأسئلة المهمة” (ب0م. ب-بغداد)، و”أن يعلموا أبناءهم أن يحبوا بعضهم بعضا ويحبوا الناس” (زينة.-بغداد). وطالبت سميرة (بغداد) “بتوفير مكتبة عائلية صغيرة تحتوي على الكتب الدينية المهمة”. بينما أشار نجاح (نينوى) إلى هذه المسؤولية “تنطلق من متابعة الأبوين لأولادهم.. وتتبرمج في قيادتها لأنفسها..”.

     في المرتبة الثانية يأتي مثل الوالدين –فهو جزء مكمل للتوجيه والإرشاد– “إذ عليهم أن يجسدوا ما أقراه واسمعه من صفات المسيحي الحقيقي “ويا ليت كل الأهل يكونون قدوة لنا في اكتشاف نور الله” (حاتم – تلكيف). “أنهم المثل الأعلى لنا” (صباح – اربيل). أليست مسؤوليتهم تقوم على “أساس التعليم بالكلام والتعليم بالمثل” (سناء – بغداد).

      في المرتبة الثالثة جاء دور الأهل في حث أولادهم وتشجيعهم على المشاركة في الطقوس الدينية أو اصطحابهم إليها كجزء من واجباتهم التربوية. ثم تلي ذلك أهمية إفساح المجال لارتياد مراكز التثقيف المسيحي من ندوات ونشاطات دينية مختلفة. ولاحظنا من سياق الأجوبة إن الأهل يفسحون مجالا أوسع لأولادهم من الذكور للاستفادة من قنوات التثقيف المسيحي خارج البيت والمدرسة. وغني عن القول كم إن ذلك يؤثر على نضوج الفتاة وثقتها بنفسها. أليس إذن “تثقيف الأسرة هو النواة الأساسية  لتثقيف الأبناء ” (أزهار– قرة قوش).

المسؤولية الشخصية

هل تري ضرورة أن تبذل جهدا شخصيا لتوسيع ثقافتك المسيحية؟ وما هي الدوافع التي تحملك على ذلك؟

       إلى الشق الأول من هذا السؤال، جاءت جميع الأسئلة ايجابية، وأكدت إن الجهود الشخصية ليست فقط ضرورية لتوسيع الثقافة المسيحية، بل هي الشرط الأساسي لكل نضوج في الإيمان. يقول موفق (كركوك): “كل مسيحي يجب أن يتحمل مسؤوليته ويثقف نفسه بنفسه”. ويؤكد آخرون على ان من لا يطور ثقافته بجهوده الشخصية تراوح في محله: “إذا لم اعتمد على جهودي الشخصية، فمستوى ثقافتي المسيحية لن يرتفع عن الصفر كثيرا” (حاتم – تلكيف). ورأى آخرون الجهود الشخصية تصبح ضرورة ملحة “عندما ينعدم مثل هذا الجهد لدى الأهل، أو عندما تجابه الكنيسة صعوبات أو ضوابط تمنعها من إيصال الثقافة المسيحية لكل شخص بالرغم من جهودها” (ثائر – بغداد ). 

     وإذا اتهم البعض تقاعس الأهل إزاء الجهود الكنسية المبذولة، فغيرهم يعيدون الكرة باتجاه الفريق المهاجم ويشيرون إلى السلبيات التي تحفزهم على بذل جهود شخصية استثنائية منها:”  1– قلة كفاءة الكهنة 2 – إهمال الكنيسة التعليم المسيحي 3 – اقتصار الشرح على الآراء الكلاسيكية وترك الآراء الجديدة” (عماد – بغداد). على كل حال تبقى عملية التثقيف الذاتي –لكي ترسخ صاحبها في قناعاته الإيمانية وتتجسد في سلوكيته والتزاماته– عملية استمرارية واستعدادا للبدايات أبدا:”.. ولكني في بعض الأحيان اشعر وكأنني بعيدة عن الدين فأحاول البدء من جديد، لئلا أضيع” (وجدان – بغداد).

ولكن لماذا ينبغي توسيع الثقافة المسيحية؟

(زيادة المعلومات والاطلاع 50% ) و(تطوير الحياة المسيحية والقناعات 32%) و(لاكتشاف حياة المسيح 11%) و (للمناقشة والإجابة 7 %)      

    من هذا الجدول نرى إن الدافع الأول –وذلك أمر طبيعي في كل عملية تثقيفية– هو الاطلاع وزيادة المعلومات و”معرفة كل شيء ديني الذي افتخر به دائما” (ف.م.ي- عينكاوة)، وذلك “للوصول إلى المفهوم الصحيح” (رقاد – بغداد) و”اكتشاف ما كنت اجهله في السابق عن المواقف التي رسمها لنا المسيح لنسير عليها. فانا اشعر بضرورة أن أغير ذاتي…” (ريم – بغداد). ويتساءل عادل (الشيخان): “أليس الجهل في مسيحيتي نقصا في مسيحيتي!”،.. وهناك أيضا “الرغبة الملحة الدائمة لاكتشاف ما يجري في العالم المسيحي ” (نادية – بغداد)، والرغبة في “فهم جوهر المسيحية لا استطيع نقل صورة حية صادقة عن أصول ديانتي ” (نهلة – الموصل)، “لاسيما ونحن نعيش في بلد عربي ” (غانم – بغداد ).

     السبب الثاني لتوسيع الثقافة المسيحية لدى المشاركين في الاستفتاء هو إن مثل هذا التعميق يصبح هو الأساس لتطوير الحياة المسيحية والقناعات الدينية الشخصية (33% من الإجابات). أليس إن “الدين هو العمود الفقري الذي نبني عله حياتنا” (سالي – يغداد). إن رؤية واضحة لأسس الإيمان ومنطلقاته هي “غذاء حقيقي للروح.. ونبع ثقة بالنفس” (مها – بغداد). 

     وقد رأى البعض الآخر (11% من الإجابات) إن التوسع في الثقافة المسيحية تحركه عندهم رغبة في “اكتشاف حياة المسيح للاقتداء به” (لينا – بغداد)، وفهم إنجيله بحيث “نكون قريبين من الإنجيل، ونقرب الإنجيل ألينا” (بيداء- بغداد). تلك عودة إلى الينابيع نستقي منها “قوة الإيمان لنفوسنا” (هند – بغداد) وقدرة تحملنا على الالتزام بحيث “نكون مسيحيين حقيقيين ومواطنين صالحين يقتدي بنا غيرنا” (صباح – قرة قوش ).

     اجل، إن في “جلد” كل شاب مسيحي مقتنع من إيمانه رسول ينتظر فرصته ليشع وينشر الإنجيل: “أنا ابذل جهدا شخصيا لتوسيع ثقافتي المسيحية لأنني أرى إن كنيسة اليوم، لظروف خاصة، تبدوا قاصرة بعض الشيء عن أداء دورها التثقيفي كالسابق. ولعل ما يدفعني هو لتثبيت وجودي كمسيحي مؤمن يريد للكنيسة أن تتجدد كل يوم، كما إنني أريد المساهمة، ولو بقسط يسير، في هذا التجدد” (لويس قرةقوش).

    وهناك فئة رابعة (7%) تحفزها على تعميق ثقافتها المسيحية مجابهة “المواقف الحرجة” (زفارت – كركوك) في المناقشات والإجابة على الأسئلة المطروحة.

مسؤولية الكنيسة

       لاشك إن الكنيسة –من حيث هي مؤسسة وظيفتها الأساسية نشر التعليم المسيحي والشهادة الحية لمبادئ الإنجيل– تتحمل القسط الأوفر من مهمة التثقيف المسيحي. وان كان من الطبيعي أن تساهم الأسرة –لاسيما في الطفولة– في هذه المهمة، فلا يجوز بأي شكل من الأشكال أن “تتقاعد” الكنيسة عما يشكل “قاعدة” وجودها ورسالتها التبشيرية. ولها أن تستخدم جميع وسائل التعليم المتاحة لها –وفي نظرنا كل باب لم يغلق فهو باب مفتوح– ولا تتردد من تطرق أبوابا جديدة وتستعين بتقنيات النشر والاتصال الحديثة:

ما رأيك لو تستخدم الكنيسة وسائل جديدة للتثقيف المسيحي؟ (نصوص الإنجيل على

الكاسيت، أفلام دينية، إصدار سلسلة كتب دينية، محاضرات  دورية عامة، حلقات دراسية، سهرات إنجيلية.0 الخ ).

 (أفلام دينية 23%) و (سلسلة كتب 20%) و (محاضرا دورية عامة 16%) و (سهرات إنجيلية 15%) و (حلقات دراسية 12%) و (إنجيل على كاسيت 9%) و (نشرات جدارية 5%).                                                            

       من هذا الجدول نستدل على إن الصورة المتحركة (الفيلم) تستهوي الناس دوما أكثر من سواها –لنفكر فقط بعدد رواد السينما ومدمني التلفزيون–. ففي غياب الفيلم الديني –وتعذر إنتاجه– ينبغي التركيز على الوسائل الثلاث التالية:

1 – إصدار سلسلة كتب دينية تعالج مختلف القضايا الإنسانية والمسيحية باسلوب منفتح وفكر واع ملتزم.

2 – تنظيم محاضرات دورية عامة، وتشجيع وتطوير ما يتحقق منها هنا وهناك.  

 3 – تحقيق أسلوب السهرات الإنجيلية في الأسر أو في مراكز كنسية. وسر نجاح مثل هذه السهرات يكمن في أنها لا تتقيد ب “بروتوكولات” المحاضرات الرسمية، وإنما هي مناقشات (شعبية) حرة حول نص من الإنجيل، يحاول المشتركون فهمه معا وعكسه على حياتهم اليومية وسلوكيتهم في المجتمع وتعاملهم مع الأحداث.

        أما بشان الليتورجيا والاحتفالات الكنسية، فهناك حوالي 17% لم يجيبوا لأنهم لم يفهموا السؤال، وحوالي 25% من الإجابات أخذت عبارة “الحفلات الكنسية” الواردة في السؤال الثالث بمعنى الحفلات الاجتماعية أو الثقافية التي تقام في نطاق النشاطات الكنسية. أما الذين فهموه بمعنى الاحتفالات الدينية الطقسية، كما يقصد السؤال، فإذا غلب عليهم رأي القائلين بان الليتورجيا والطقوس الدينية يمكن اعتبارها مجالا ملائما للتثقيف المسيحي، فقد ابدوا بصراحة أنها، في وضعها الحالي، مجرد مراسيم روتينية (بيداء – بغداد) عاجزة عن أن تجذب الشباب؛ إن فاعليتها منوطة “بان تكون منظمة تنظيما  دقيقا” (جورج – قرة قوش)، ولكنها، على كل حال، غير كافية بحد ذاتها (سناء – بغداد) ولا يمكن اعتبارها المجال الوحيد (نجاح – نينوى).

     أما الاقتراحات لكي تكون الليتورجيا غذاء حقيقيا للحياة المسيحية، فكانت ثلاثة:1– المشاركة الفعلية 2– ترجمة الصلوات وتطويرها بما يلائم حاجاتنا الروحية اليوم 3– الموعظة، على أن تكون “جيدة” وقريبة من الحياة. وقد اقترح بعضهم فترة للمناقشة بعد القداس.

مسؤولية الدولة

هل تعتبر إن تامين التعليم المسيحي ضمن المدرسة حق لك عليها؟

      في ما يخص الشق الأول من السؤال معلوم إن قوانين وزارة التربية الحالية تجعل مادة الدين إلزامية وشاملة لكافة الطلبة المسلمين في القطر –في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية– وتحتسب درجات هذه المادة في الامتحانات. أما بالنسبة إلى الطلبة المسيحيين، فلا تشملهم مثل هذه الإلزامية إلا إذا شكلوا الأكثرية في المدرسة. وبعد إلحاق المدارس الخاصة بالوزارة وصدور هذا القانون وجدت مدارس رسمية عديدة في العاصمة وفي القرى المسيحية مشمولة بهذا القانون. ولكن هذه المدارس لا تغطي كافة الطلبة المسيحيين في القطر، وهناك أعداد غفيرة منهم –لاسيما في مرحلتي المتوسطة والإعدادية– لا يتلقون أي تعليم مسيحي ضمن المدرسة لكونهم أقلية.

    تؤكد أجوبة الاستفتاء على إن “من حق أي إنسان” أن ينال ثقافته الدينية بصورة منتظمة، وتجمع على أن “تعميم” التعليم المسيحي لكل الطلاب المسيحيين “في كافة أنحاء القطر”،”مهما كانت النسبة” و “في جميع المراحل الدراسية والمدارس” “أسوة بإخوانهم وزملائهم المسلمين” يعتبر “حقا طبيعيا وممارسة للديمقراطية والحرية والمساواة” التي يضمنها الدستور لجميع المواطنين على حد سواء، مهما كان معتقدهم الديني.. هذا الحق ما هو إلا تطبيق لفكر وسياسة حزب البعث العربي الاشتراكي ويتفق تماما مع سائر توجيهات وممارسات الثورة بقيادة الرئيس القائد صدام. لذا جاءت الاقتراحات واضحة وواثقة تحث المسؤولين في الكنيسة لتكثيف جهودهم وتوحيدها “للطلب من وزارة التربية” وحتى “مقابلة السيد رئيس الجمهورية الذي لم يخيب طلبا  إذا اقتضى الأمر” لتعميم مادة الدين المسيحي في مدارس القطر كافة –ولاسيما في المراحل الابتدائية كخطوة أولى– مهما كانت نسبتهم. وقد أوضحت بعض الاقتراحات إن بالإمكان أن تعطي هذه الدروس على شبه محاضرات أسبوعية بالاتفاق مع وزارة التربية  أيام الجمع– كما كان الحال مع طلاب وطالبات المتوسطة والثانوية حتى منتصف الستينات–ولكن كيفما كانت صيغة تطبيق هذا الاقتراح فقد شدد المشاركون على أن يكون أساتذة التعليم المسيحي– سواء كانوا كهنة أم علمانيين ذوي اختصاص وكفاءة وان تكون الكتب والمناهج جدية ومنفتحة على عالم اليوم وقضايا الإنسان ولا يكون التعليم المسيحي مجرد معلومات عقائدية غيبية. ومن اجل إعداد كادر مؤهل اقترح الكثيرون إقامة دورات إعدادية لمدرسي التعليم المسيحي.

       أما أهم البدائل المقترحة في غياب هذا التعليم عن المدارس فهي:

1 – المحاضرات الدورية الخارجية 2 – طبع كتب ونشرات 3 – فتح مراكز للتعليم المسيحي تابعة للكنائس 4 – الاهتمام بالليتورجيا والاحتفالات الدينية وتطوير المواعظ لتصبح تعليما يدعو إلى الالتزام، لا إلى التخدير والضجر.

     من هذه الدراسة نخرج بحصيلة ايجابية ذات أهمية كبيرة وهي الانتباه الحقيقي، بل الاهتمام الذي يوليه الشباب تجاه موضوع ثقافتهم المسيحية. فنحن لسنا أمام “طبقة” من المجتمع لم يعد يهمها أمر الدين بشيء كما يدعي بعض “الفقهاء”، بل تضعه في مرتبة اهتماماتها الجادة الأساسية، ولكن هذه “النية الطيبة” يلاقيها ضعف في الخبرة الدينية وفي معرفة المصادر الجادة التي بوسعها أن تغني ثقافتهم المسيحية، فيضيع هؤلاء، إذ ذاك، في السطحيات أو يبقون على عطشهم. وقد يكون مرد ذلك ضعف في التوجيه، أو غياب في التنسيق، أو عجز مزمن في فهم طموحات هؤلاء الشباب وتلبية انتظارهم.

   فلإشباع هذا “العوز الروحي” وإثراء الخبرة والثقافة المسيحيتين لدى الشباب المسيحي نركز مجددا، وبدورنا، على تضافر جهود ثلاثة هي:

     1– الجهد الشخصي – فهو ضروري وأساس في عملية التثقيف المسيحي، ويختبر ذلك في التعبئة الذاتية عن طريق المطالعات والمشاركة في الندوات والنشاطات التثقيفية المسيحية وفي الليتورجيا والطقوس الدينية، وعن طريق وضع كل ما نتعلمه فيها على محك الواقع  في الممارسة والتعامل مع الأحداث.

      2 – جهد الأسرة – ويتلخص في التوجيه والإرشاد، ليس في سنوات الطفولة وحسب، بل في عهد الشباب أيضا –ولربما أكثر– ولكن بأسلوب يعتمد المثال الحي واحترام شخصية الأبناء  والإقناع. وهذا ما يضع موضوع “تثقيف الأسرة” ذاتها كمدخل إلى تثقيف الأبناء.

     3 – جهد الكنيسة –ودورها خطير في هذا الشأن– ويتضمن فتح دورات وندوات ومراكز للتثقيف المسيحي، وتامين التعليم الديني بشتى الوسائل السمعية والبصرية المتاحة من نشر وصحافة وتسجيل وصورة، وتطوير الليتورجيا والاحتفالات الكنسية، ولاسيما القداس،

-بالترجمات والمشاركة الجماعية والمبادرات– لنكون إطارا حيا وجذابا للصلاة والخبرة الدينية.. وربط كل ذلك بالحياة وبقضايا الإنسان، لان ما يلزم أن نصل إليه في التالي هو بناء “الإنسان المسيحي الواعي الملتزم”.

     إن تضافر الجهود الثلاثة وتنسيقها، مع ما يعني ذلك من تجنيد كل الطاقات المنتجة في الكنيسة: من كهنة وعلمانيين وراهبات هو الذي سيتحكم في مستقبل المسيحية ونوعية هذا المستقبل في قطرنا! 

 

روميرو، الأسقف الشهيد

روميرو، الأسقف الشهيد

ش.ر/ايار 1980 

      “جميع” المعذبين والذين ذهبوا ضحية الاغتيال هم مسحاء جدد ماتوا من جراء الخطيئة. وبقدر ما تخدم الكنيسة المقهورين، بقدر ذلك تفهم ما معنى الخطيئة “.

   قالها رئيس أساقفة السلفادور الراحل اوسكار روميرو قبل مصرعه بشهر، إذ أن النظام القمعي وأركانه من أغنياء وعسكريين ملوا من سماعه يندد ويشجب ويفضح ويحذر من سياستهم الدموية ضد الفقراء والفلاحين المغتصبة حقوقهم وكرامتهم المستباحة حياتهم صبح مساء، فقتلوه وهو يقيم القداس للمرضى في المستشفى يوم 24 من آذار المنصرم.

   الخطيئة إن أماتت المسيح ، فموته كان للفداء والتحرير، وكذلك الأسقف روميرو ذهب في شهادته حتى “الصليب” لفداء شعبه وتحرير الفقراء، وليسقي دمه جذور ربيع لا بد ان يأتي!

الأب جرجس القس موسى يلقي الضوء على نضال الأسقف الشهيد، ونضال المطران روميرو ما هو إلا صفحة من “درب الآلام والجلجلة” التي يعيشها السلفادور انقلابا بعد انقلاب، منذ زهاء نصف قرن، ولا سيما منذ مجيء الجنرال روميرو (لا صلة له بالأسقف).

 

       لقد تجرأوا وعملوها! فقد اغتيل المطران روميرو مساء الاثنين 24 آذار المنصرم بينما كان يقيم القداس في معبد مستشفى “العناية الإلهية” في العاصمة سان سلفادور أمام حوالي عشرين راهبة كن حاضرات في قداسه الأخير.

    من هم هؤلاء الذين تجرأوا؟

    أنهم أقصى اليمين والطغمة الحاكمة التي تتمثل بطبقة الأغنياء والعسكريين الذين يساندونهم منذ سنوات -بالرغم من تغير أقنعة الحكم بالانقلابات المتتالية– والذين أحالوا السلفادور حقلا للتخلف المدقع والقمع والإرهاب إرضاء لمصالحهم ومصالح أسيادهم من وراء الحدود. هؤلاء ما كانوا ليحتملوا مدة أطول صوت نبي طالما أعلن فساد نظامهم وعزل الشعب عنهم وردد من دون كلل: “إن القوة المسؤولة أساسا عن جميع ماسينا هي الاوليغارشية (حكم طبقة الأغنياء) المتطرفة اليمينية التي لا تقبل التنازل عن أي جزء من امتيازاتها، والتي تحالفت مع العسكريين الذين يدافعون عن مصالح الأغنياء”.

     مثل هذه المواقف اعتبرها الحكام تحديا، وأعلن الناطق باسم القوات المسلحة بان الأسقف “ارتكب جريمة” بدعوة العسكريين السلفادوريين إلى “العصيان”. فلا جرم أن تأتيه التهديدات بالموت. ولما كان قد اختار، من دون عودة، جانب الشعب وضحايا القمع، فقد وضع نصب عينيه إن الطبقة الحاكمة قد لا تتورع عن وضع تهديداتها موضع التنفيذ. وهذا ما حدث حينما هجم علية، وهو متشح بحلته الكهنوتية، أربعة مجهولين وافرغوا في جسده رصاص غدرهم. وهكذا قدم دمه شهادة قصوى لالتزامه جانب المقهورين، لا طمعا بزعامة، بل باسم الإنجيل والدفاع عن حق الإنسان في الحياة والكرامة لا غير، ولكن هل يخنق صوت الأنبياء؟

     من هو روميرو وكيف أصبح زعيما شعبيا وخطرا على امن الدولة، هو الأسقف المسالم؟!

     ولد اوسكار ارنولفو روميرو في سيوداد باريو بالقرب من مدينة سان مايكل في 15 آب 1917، وأكمل دروسه الكهنوتية في المعهد الغريغوري في روما حيث رسم كاهنا عام 1942. ولدى عودته إلى بلاده تعين كاهن رعية ثم اختير أول سكرتير عام لمجلس الأساقفة السلفادوريين. وتميز الأب روميرو بغيرته وسعة آفاقه وتعاطفه مع الطبقات الشعبية فاختير أسقفا مساعدا لأبرشية سان سلفادور، ثم مطرانا لأبرشية سانتيا غودي ماريا عام 1974. وفي عام 1977عاد أسقفا أصيلا لأبرشية سان سلفادور العاصمة بعد استقالة مطرانها لدى بلوغه الخامسة والسبعين وهنا برزت صفاته الراعوية ولم يخف تباعده، بل مناوءته، للأوساط الحاكمة وأساليبها القمعية. وبدا ذلك منذ الأسابيع الأولى لتوليه إدارة أبرشية سان سلفادور حين رفض الدار الفخمة وسيارة الكاديلاك اللتين أهدتهما له الطبقة الغنية الحاكمة. كما رفض حضور حفلة تسليم السلطة إلى الجنرال –رئيس الجمهورية احتجاجا على تسلمه الحكم عن طريق انتخابات مشكوك في نزاهتها. وبعد شهر واحد من ذلك اغتيل احد كهنته، وتبعه خمسة آخرون صرعهم غدر المنظمات اليمينية المتطرفة لأنهم وقفوا مع أسقفهم علانية إلى جانب الشعب الفقير.

       وكانت الأزمة تتصاعد يوما بعد يوم بين الطرفين في جو من الإرهاب والقمع والخوف، وتوالت الاغتيالات والقتل في صفوف الكهنة والفلاحين وأعضاء المنظمات المسيحية الملتزمة والنقابات، مع رجال ونساء، حتى وصلت إلى مأساة آذار الماضي حيث أعطى روميرو شهادة دمه على درجات المذبح.

                                                                           بداية النهاية

     لقد أرجعت وسائل الإعلام العالمية والصحافة العراقية بالذات صدى مقتل الأسقف روميرو واعتبرته بداية النهاية المحتومة للطغمة الحاكمة، فروميرو الأسقف كان رمز النضال الشعبي ضد الإرهاب والدكتاتورية، وبمقتله أصبح، في أعين ملايين الفلاحين وفقراء الناس، بطلا قوميا يحرك اسمه وحده مشاعر الأمة كلها، وفي الوقت نفسه يقض مضاجع الحكام.

    ولكن التشييع نفسه تحول إلى مأساة جديدة عندما فوجي الحضور بغتة بزخات من الرصاص ألقت الرعب في القلوب. من ذا الذي أثار الفتنة؟ لا احد يدري بالضبط، إلا أن كاهنا التجأ إلى داخل الكنيسة صرح بان الشرطة “كانت تطلق النار على الناس المحتشدين أمام الكاتدرائية”. وقالت مصادر أخرى إن المتطرفين اليمينيين هم في أصل المأساة، بينما ألقت السلطات الحكومية التبعة على المتطرفين اليساريين، وذكرت مصادر الصليب الأحمر إن معركة نشبت بين مسلحين مقنعين وقوى يسارية خلال التشييع. شيء واحد يبقى أكيدا هو إن الضحايا كانوا من الأبرياء والآمنين، وقد ارتفع عدد القتلى إلى حوالي عشرين وأصيب أكثر من مئة آخرين.

    أما الحكومة فقد أنزلت قوات الجيش إلى النقاط الحساسة من المدينة لمجابهة ثورة الشارع، بينما أعلنت المنظمات اليسارية والقوى الوطنية الأخرى حربا مكشوفة لإسقاط النظام، وأعلنت المدارس الإضراب احتجاجا على اغتيال الأسقف روميرو، كما أعلن الحداد القومي لمدة ثلاثة أيام. من جانب آخر قدم وزيران من الحزب الديمقراطي المسيحي استقالتهما عشية تشييع المونسنيور روميرو هما وزيرا الاقتصاد والتربية، وكذلك وزير الزراعة المستقل.

      هذا ولا زال الوضع الأمني متدهورا، ولا يمر يوم من دون حوادث عنف وتفجير واعتقال واغتيالات. وبينما واجه الاغتيال سخطا داخليا واستنكارا عالميا ألقت الولايات المتحدة بثقلها في الساحة الملتهبة بمضاعفة إعاناتها للطغمة الحاكمة خشية من انقلاب “يميني متطرف أو يساري متطرف” وذلك حفاظا على مصالحها المتمثلة بدعم العسكريين الحاليين. والجدير بالإشارة أن الأسقف روميرو كان قد بعث برسالة إلى الرئيس كارتر قبيل مصرعه بأسبوع واحد طالب فيها بالكف عن مساندة الزمرة الحاكمة في السلفادور وقال فيها بان:” الشعب السلفادوري مسؤول وقادر بالكفاية على تسيير مستقبل السلفادور وحل أزمته بنفسه”، وجاء فيها أيضا:  

     “إن مساعدة حكومتكم، عوض أن تساهم في نشر عدالة وسلام اكبر في السلفادور، فهي تضاعف، من دون أي شك، الظلم والقمع ضد الشعب. امنعوا هذه المساعدة العسكرية عن الحكومة السلفادورية. اضمنوا لنا إن حكومتكم لن تتدخل لا بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالضغوط العسكرية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية لتؤثر على مصير الشعب السلفادوري”.

                                                                        جلجلة السلفادور

      لقد عايش الأسقف روميرو جلجلة السلفادور بكل مرارتها، ففي آخر رسالة له (جريدة لاكروا 22 آذار 1980) تحدث عن الاستشهاد الذي تعيشه بلاده وأبرشيته بالذات. وذكرت نشرة صادرة عن الأبرشية قائمة بأسماء القتلى الذين اغتالهم الحرس القومي ومنظمة “اوردن” السرية اليمينية المتطرفة  في  منطقة  اكوبلارس. وأشارت النشرة إلى إن 72 شخصا قتلوا ما بين 24 ك1 و20 شباط 1980، كما أشارت الوثيقة إلى70 ضحية أخرى مع ذكر أسماء البعض وأوقات  وأماكن إلقاء القبض عليهم وحتى أسماء الشرطة الذين قاموا بالعملية. وما هذا إلا غيض من فيض.

   هذه الجلجلة يعيشها السلفادور بصورة خاصة وبأوجه مختلفة منذ العشرين من شباط 1977 حين ارتقى سدة الرئاسة الجنرال كارلوس روميرو –لا قرابة بين الأسقف والرئيس وان حملا الاسم نفسه– على اثر انتخابات مدسوسة. ولقد افتتح الرئيس الجديد عهده بمذبحة في شوارع العاصمة سخر الجيش بتنفيذها ضد أنصار خصمه المرشح الخاسر للرئاسة ذهب ضحيتها أكثر من 200 قتيل في يوم واحد. وما كان ذلك إلا تأكيدا  لما عرف به الرئيس الجديد من “حزم”، لاسيما منذ مذبحة الطلاب التي نفذها في تموز1975.

     على اثر هذه المذبحة النكراء اصدر أساقفة البلاد بيانا شديد اللهجة –منعت الصحافة المحلية من نشره– يشجب النظام وتعدياته الصارخة ضد حقوق الإنسان. وقد جاء فيه إن “لا سلام في السلفادور قبل أن يبادر بصورة جدية إلى توزيع الثروات والأرض بحسب مبادئ العدالة، وإتاحة الفرصة أمام الشعب أن يشترك في الحياة العامة وينظم ذاته، قبل أن يعترف لسكان الريف والمدينة بحقوقهم المدنية وبصفتهم أولاد الله”.

    بعد أسبوع واحد من هذا البيان صرع الأب روتيليو غراندي اليسوعي على أيدي عناصر من الجيش مع مرافقيه حيث كانوا في طريقهم لإقامة القداس في مسقط رأسه. وغداة الحادث شجب المطران روميرو الاغتيال وحرم منفذي الجريمة “الفعليين والمخططين لها” وطالب رئيس الدولة باجراء تحقيق دقيق، وأعقب ذلك بيان وقعه هو والأسقف مساعده وكهنة أبرشيته وراهباتها ولفيف من العلمانيين شجبوا فيه “التهجمات الرخيصة الموجهة ضد المنظمات العاملة من اجل تطوير أوضاع لفلاحين الكامل. وضد التعذيب الذي كان الكهنة ضحيته”. وكان جواب الطغمة الحاكمة إن اغتالت يسوعيا آخر (نيسان 1977) يعمل مع الفلاحين ويدافع عن حقوقهم، وهددت الآخرين منظمة يمينية متطرفة تطلق على نفسها اسم “اليد البيضاء” بالطرد أو التصفية الجسدية.

                                                         الفلاحون.. وروميرو

      لقد كانت الكنيسة –ولا زالت– الملجأ الأوحد للفلاحين الذين جافتهم الطبيعة وسحقهم استغلال الملاكين الكبار وظلم النظام المتواطئ معهم لاسيما بعد فشل مشروع الإصلاح الزراعي المعلن رسميا عام 1976 وتعطيل مفعوله تماما بمناورات الملاكين وإرهاب العسكر

   ولفهم مأساة الفلاحين السلفادوريين لا بد من عودة خاطفة إلى التاريخ القريب.

   قبل الأزمة الاقتصادية الكبرى التي اجتاحت البلاد في نهاية العشرينات وفي الثلاثينات كانت غالبية سكان السلفادور من الهنود، ومعظمهم فلاحون يشتغلون في مزارع البن بأجور يومية. وعلى اثر هبوط  الأسعار العالمية صرف الملاكون الكبار الفلاحين اليوميين، وبذلك قطعوا عنهم كل مورد لرزقهم. فكانت ثورة الفلاحين الكبرى في 1932 التي سحقتها الحكومة بالدم والنار، ففي غضون 48 ساعة  سقط ثلاثون ألف قتيل من بين الهنود، ومنعت السلطات الباقي من تلقين لغتهم الخاصة لأولادهم والظهور بملابسهم القومية وذلك لاستئصال جذورهم التاريخية وإذلالهم. فعاشوا شبه عبيد في خدمة الأسياد المنحدرين من أصل اسباني أو الهجين ولا من يدافع عن حقوقهم وتراثهم سوى المنظمات والنقابات المسيحية مما جعل الكنيسة ورجالها الفريق الأكثر حظا بالقمع السياسي –لاسيما في السبعينات حيث طفح الكيل– (25% من الاكليروس كان عرضة، في السنتين الأخيرتين، للاغتيالات والتعذيب والتوقيف والنفي).

      وفي بداية 1978 ضاعف رئيس أساقفة السلفادور روميرو من تحذيراته للسلطات الحكومية والعسكرية من نقمة الشعب بعد ثلاث مذابح جديدة ذهب ضحيتها 43 فلاحا في لاس فويلتاس وفي العاصمة.

      وقد جاء تحذيره بعد شهر واحد من حصوله على درجة دكتوراة شرف من جامعة جورجتاون في واشنطن تقديرا لإعماله ومواقفه إلى جانب الفلاحين. وليس هذا فقط، فطالما أبدى روميرو شكوكه من “سير العدالة” في بلاده، مما أثار حملة عشواء ضده في الصحافة الرسمية واتهم بأنه “ماركسي مقتنع” وبأنه “يهذي حينما ينادي في كل مناسبة بصراع الطبقات”

   ظل المطران روميرو، بالرغم من كل التهديدات، المدافع الصلب عن الفلاحين وحقوقهم، ولقد شبه الشعب الجريح بالمسيح المصلوب، كما فعل في خطاب ألقاه في جامعة لوفان ببلجيكا في شباط 1979 بمناسبة منحه درجة دكتوراة من الجامعة المذكورة (وكان خطابه بعنوان “البعد السياسي للإيمان من خلال اختيار جانب الفقراء”): “لقد توجه الاضطهاد نحو الشعب الفقير الذي هو اليوم  جسد المسيح في التاريخ. الفقراء هم الشعب المصلوب كيسوع”… وأخيرا صلب روميرو نفسه على صليب يسوع وصليب شعبه!

     في السلفادور الدامي الذي تخضه طموحات شعب مقهور وظامئ إلى الحد الأدنى من العدالة والكرامة، تحكمه طبقة من الملاكين الجشعين والعسكريين الدمويين الرافضين لكل إصلاح اقتصادي واجتماعي، والمتواطئين معا للحفاظ على امتيازاتهم الإقطاعية بكل الوسائل الإرهابية. في هذا السلفادور كان المونسنيور اوسكار ارنولفو روميرو قد اكتسب، بهدوئه وصفاء نظرته وحكمه وصلابة مواقفه، نوعا من هالة الأنبياء، وكان الصوت الداوي الذي لم يرهبه قول الحق بوجه الأقوياء ومصارحتهم بفعالهم النكراء. لقد كان من رعيل مارتن لوثر كينك وهلدر كامارا، وتعدت شخصيته حدود اميركا اللاتينية إلى العالم الثالث كله، بل إلى الكرة الأرضية بأسرها  حيث أصبح الناطق باسم ملايين الناس الذين لا صوت لهم. فلقد كانت مواعظه الأسبوعية وأحاديثه عبر محطة الإذاعة التابعة لأبرشيته تعكس صورة بلده الممزق، فيطالب السلطات بالعدالة وبحقوق الشعب، ويرشد، ويشجب، ويصدر أحكامه بالحكم والتنظيمات الشعبية، ويرفع أمام الرشاشات والحواجز المسلحة منطق العدل والعقل.. كما يفعل الأنبياء إلى يوم أسكته رصاص الذين لم يعودوا يحتملون هذا الصوت المزعج!

     ولكن كنيسة يقتل فيها الأساقفة علامة على إن هذه الكنيسة لم تمت كما قال المونسنيور دانيال بيزيريل  أسقف باريس المساعد. 

الكاثوليك في الاتحاد السوفييتي

الكاثوليك في الاتحاد السوفييتي

كنيسة دياميس أم قطيع ناشز 

ش.ر/نيسان 1980 

   قبل ألف عام دخلت المسيحية إلى روسيا على يد مبشرين بيزنطينيين تابعين لبطريركية القسطنطينية “الأرثوذكسية” عن طريق أوكرانيا. وأوكرانيا منذ 1596، وتحت الاحتلال البولوني تحولت، في سوادها الأعظم، عن الأرثوذكسية واتحدت بروما لتشكل الكنيسة الكاثوليكية الروسية الشرقية المسماة ب “الاتحادية” منذ ذلك الحين وهذه الكنيسة موضع نزاع بين موسكو وروما. وما هي أوضاعها اليوم؟ وما أوضاع الجناح اللاتيني لهذه الكنيسة الكاثوليكية المتواجدة في الجمهوريات السوفيتية البلطيقية، والتي قلما تتناولها الأخبار؟

   الأب جرجس القس موسى، الذي قضى أعياد الميلاد ورأس السنة في موسكو وليننغراد، يحاول كشف النقاب عن ذلك. 

      نحن في موسكو الراقدة تحت الثلوج المتجمدة. درجة الحرارة 25 تحت الصفر – وستهبط بنا حتى 35 – نبحث عن عنوان الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة لحضور قداس الميلاد في منتصف الليل. ولما عجزنا عن ذلك استحصل لنا دليلنا الرسمي الملحد الذي لم يضع رجله في كنيسة قط (وقد قالها من غير تبجح ولا أسف، بل كمن يقول بنبرة محايدة: أنا لم ادخل المطعم الفلاني، أو لم أزر المتحف الفلاني لأنه خارج اهتماماتي)، استحصل لنا اسم كنيسة أرثوذكسية مفتوحة للعبادة على بعد اربع او خمس محطات مترو من فندقنا. وذهبت أنا وصديق فرنسي وزوجته البلجيكية نبحث ونسال.. هذا يجيبنا: لا ادري؟ وتلك تقول: لست من المنطقة، وفريق من الشباب يصرح نصف مازح نصف جاد، أو هكذا خلت: نحن هنا ملحدون، لا يوجد عندنا كنائس.. واحترنا بأمرهم وأمرنا إلى أن عثرنا على فتاة ترتدي صليبا صغيرا على صدرها أبدت استعدادها لمساعدتنا، فاستبشرنا سيما وإنها  كانت تتكلم  الانكليزية. وفيما كنا نرتقي سلم الميترو أشارت إلى السلة التي بيدها – وكانت تحوي خبزا وبعض حلويات – وقالت: أنا كاثوليكية وغدا عيد الميلاد، وأنا ذاهبة إلى عند صديقة بروتستنتية لاحتفل معها بعشاء الميلاد.

      أمور كثيرة عن الدين وممارساته تجهلها لاريسا الكاثوليكية، كما صرحت فيما بعد، فهي من جيل ستالين وما بعده، ولكن أن تعلن إيمانها وانتماءها  الديني بهذه التلقائية والبساطة اشهد باني لم أكن أتوقع ذلك في وسط موسكو، سيما وإنها مسجلة في الحزب لتؤمن عمل لها، كما قالت هي نفسها. فبادرتها بالقول: هل أنت أوكرانية؟ أجابت: نعم، وقد عملت تناولي الأول في كييف ولي خالة راهبة في بولونيا!

      الكاثوليك في الاتحاد السوفييتي لا زالوا إذن أحياء يرزقون؟! اين هم؟ ما عددهم؟ ما هي صلتهم بروما؟ أي قسط من الحرية الدينية والإدارية يملكون؟ هل هم على انقراض كما أراد لهم البعض أم لا زالوا يعيشون التحدي ويستشهدون؟         

      هذا ما سنحاول كشف النقاب عنه في هذا المقال(1) علما بان مصادرنا الإعلامية لازالت فقيرة وتقتصر على بعض المعلومات التي تتسرب عبر الحدود مع بولونيا ومن بعض الزائرين القلائل الذين يحظون بسمة دخول إلى منطقة “التواجد” الكاثوليكي.

                                                                      شيء من التاريخ

      لم يشكل الكاثوليك في إمبراطورية القياصرة نسبة عددية مهمة أبدا، فقد كانوا مجرد جالية أجنبية مبعثرة، لولا إن ضم القياصرة إلى إمبراطوريتهم، وعلى دفعات متكررة، أقطارا جديدة تسكنها شعوب كاثوليكية جزئيا (كجورجيا وأقطار البلطيق) أو كليا (كبولونيا). ولكن منذ القرن السادس عشر والسابع عشر، وعلى اثر انهيار سلطة  موسكو السياسية المركزية استولت المملكة المتحدة المتكونة من ليتوانيا وبولونيا على مناطق شاسعة في القطاع الغربي من الإمبراطورية الروسية (أوكرانيا وروسيا البيضاء). وفي 1612 كاد عرش القياصرة في موسكو أن يجلس عليه أمير بولوني كاثوليكي. وبتوسع حدود القطرين الكاثوليكيين تحولت أبرشيات أرثوذكسية عديدة عن بطريركية موسكو واتحدت بروما مع المحافظة على طقوسها ولغتها السلافية بحسب مقررات مجمع فلورنسا (1439): هكذا نشأت الكنيسة الكاثوليكية الروسية الشرقية. ولكن لا البطريركية الأرثوذكسية ولا السلطة المدنية الموسكوفية استوعبتا هذا البتر المضاعف. فعندما عادت هذه المناطق إلى التاج القيصري في القرن التاسع عشر اجبر الكاثوليك الروس الشرقيون على العودة بالقوة إلى حضن الكنيسة الأرثوذكسية، ولم تعط لهم حرية الاختيار إلا سنة 1905 ولكن شريطة أن يعتنق المتكثلكون الطقس اللاتيني.

       بعد انهيار الإمبراطورية الروسية اثر الحرب العالمية الأولى، حصلت بعض الأقطار التي كان القياصرة قد ألحقوها بهم على استقلالها السياسي التام، وتخلصت من القمع الديني كبولونيا وليتونيا (حيث الكاثوليك يشكلون الأكثرية الساحقة)، وليتونيا(حيث الأكثرية لوثرية والكاثوليك يعدون ربع السكان) واستونيا (2% كاثوليك). ولكن الحرب العالمية الثانية أعادت توزيع الأوراق ثانية وألحقت كلا من ليتوانيا وليتونيا واستونيا  بالاتحاد السوفييتي  وشهدت هذه الجمهوريات التابعة عهدا من القمع والاضطهاد وملاحقة المؤمنين، وسيما في عهد ستالين وخروشوف.

      إذا كانت الكنيسة الكاثوليكية قد عانت أكثر من سواها من عداء النظام السوفييتي وأصبحت بحكم المشلولة فعلا، فذلك لأنها قاومت الشيوعية بصلابة خاصة ومن غير مهادنة على الصعيدين الديني والفكري، ولان هذه المقاومة الايدولوجية كانت ترافقها – ولا تزال – في كل من ليتوانيا واستونيا وليتونيا لاسيما في أوكرانيا – حيث يشكل الكاثوليك الأكثرية – مقاومة سياسية، وان سلبية ومطاليب قومية في الاستقلال الكامل ضد ما تعتبره احتلالا سوفييتيا لا أكثر ولا اقل. وبالرغم من كل الضغوط النفسية والعسكرية والاضطهادات السافرة والمبطنة وبالرغم من انقراض السلطة الأسقفية الكاثوليكية شبه التام – وذلك بسبب الموت أو السجون أو النفي أو المنع من مزاولة المهام الكنسية – لازالت هناك جماعة كاثوليكية تعيش إيمانها في الدياميس وتكافح صامتة من اجل البقاء.

 

                                                       هل ستعود إلى الهواء الطلق؟

       في أيار وتموز الماضيين قام جاك فورنييه بزيارتين للجمهوريات البلطيقية واتصل بالجماعات الكاثوليكية هناك وصلى في كنائسهم، ويفيد بان ثمة 1040 خورنية كاثوليكية مسموح بها ومسجلة في مكتب الشؤون الدينية في الاتحاد السوفييتي. عدد الكهنة مماثل ولكن توزيعهم وتجديدهم غير متكافئ ومعدل أعمارهم يتمحور حول 52 سنة. ففي ليتوانيا مثلا يلزم 15 رسامة سنويا للحفاظ على نسبة الكهنة كما هي، بينما ليس هناك حاليا سوى 9. أما المعمدون فيقدرون بحوالي 6 ملايين، إلا إننا نجهل عدد الكاثوليك الشرقيين والأوكرانيين المتحدين بروما (في 1944 كانوا يقدرون بأربعة ملايين) وأولئك الذين الحقوا قسرا بالكنيسة الأرثوذكسية. كذلك الأمر في المناطق التي اقتطعها الاتحاد السوفييتي من بولونيا وتشيكوسلوفاكيا حيث كان يعيش 3 ملايين ونصف كاثوليكي، من شرقيين ولاتينيين. أما في جيورجيا – وكان عدد الكاثوليك ضئيلا دوما – ليس هناك اليوم سوى كنيسة واحدة مفتوحة في تفليس. وللكاثوليك أيضا كنيسة مفتوحة في موسكو وأخرى في ليننغراد وثالثة في اوديسا  ورابعة في جمهورية كيرغيزستان.

       لقد امتدح البابا يوحنا بولس الثاني أمانة هؤلاء الكاثوليك وصمودهم إبان زيارته لبولونيا في العام الماضي وأفاق لديهم آمالا للعودة بالكنيسة إلى الهواء الطلق، لاسيما في ليتوانيا التي تتصل جذورها التاريخية ببولونيا المجاورة. والكل يعرف إن الحدود بين البلدين تتيح تسرب الأشخاص والمعلومات، فهناك من استطاعوا العبور خفية لسماع البابا، وهناك كتب دينية باللغة البولونية تجتاز الحدود.

                                                            الحياة الروحية والدينية

        بالرغم من كل المعوقات تشهد الجماعات الكاثوليكية حيوية إيمانية جديدة هي جزء من الانبعاث الديني الذي يحرك الكنيسة الروسية برمتها، فالكنائس مليئة بالمصلين – ونسبة الشباب ليست بقليلة – باكرا جدا في أيام الأسبوع، كما كان الأمر في قرانا قبل  بضعة سنين، ولازال في بعضها، أما أيام الآحاد فتتالى القداديس طوال النهار. ولما كانت التشريعات الرسمية تمنع إعطاء التثقيف الديني بصورة علنية وخارجا عن الاحتفالات الكنسية، فقد أصبحت الليتورجيا والوعظ القناتين الرئيسيتين للتثقيف المسيحي. التناول الأول الاحتفالي مثلا يجري بصورة طبيعية خلال القداس الاعتيادي حيث ينسل الأولاد من بين صفوف المصلين ويتقدمون باحتفال وشموعهم في أيديهم.

        أما الوعظ فغالبا ما يعطي قبل القداس مباشرة بمثابة مدخل لليتورجيا الكلمة، ويخصص له الوقت الكافي ليصبح تعليما حقيقيا وشبه مبرمج يمكن التحدث به في الأسرة. فقد صرح احد الكهنة  قائلا:” إننا نبغي الوضوح والبساطة وجوهر الإيمان بحيث يستسيغ ذلك المؤمنون الذين ليس لديهم فرصة أخرى لتعميق ثقافتهم المسيحية”. أما الليتورجيا فهي قريبة من روح الفاتيكاني الثاني لاسيما في ليتوانيا حيث كانت ترجمتها من أولى الترجمات التي أقرت رسميا –وكانت أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني قد نشرت باللغة الليتوانية منذ 1968– أما التطوير الليتورجي فهو يسير بهدوء وتعقل مما يساعد على تقبله من دون رجات.

       في ليتونيا لم تترجم النصوص الليتورجية بعد، والمؤمنون المنحدرون من أصل بولوني وحدهم يصلون بلغتهم ألام، وذلك لان كتبهم الطقسية تأتيهم من بولونيا، أو عبرها من روما.

                                                                              الدعوات

        في الاتحاد السوفييتي اليوم معهدان كهنوتيان وعدد الطلبة تحدده الدولة بحسب تقديرها “للحاجة الوظيفية” ومزاجها هي: الأول في كوناس (ليتوانيا) للطلبة الليتوانيين فقط وقد قدم للكهنوت 11 طالبا في 1978 و 6 في 1979، وفي خمس سنوات تخرج منه 45 كاهنا اخذوا مواقعهم في خورنيات الجمهورية البالغ عددها 620 خورنة. أما المعهد الثاني فهو في ريغا (ليتونيا) وفيه 24 طالبا، نصفهم من الليتونيين والنصف الآخر من روسيا البيضاء واوكرانيا، ومعدل الرسامات فيه بين 3 و 4 سنويا. أما المناهج الدراسية فهي في خط الفاتيكاني الثاني.

  هكذا يبدو إن نسبة الدعوات الكهنوتية جيدة، بل تدعو إلى التفاؤل، أما الرهبانيات فهي ممنوعة – وكان هذا المنع ساريا في ليتوانيا حتى في فترة الانفراج بين 1920 و 1940–غير إن ذلك لا يعني عدم وجود رهبان وراهبات. فالدومنيكان والفرنسيسكان المتواجدون يعملون في نطاق الاكليروس الأبرشي، وكذلك الراهبات اللواتي يساعدن الكهنة بصورة فردية في خدمة الكنيسة والليتورجيا.

                                                             بين روما.. وموسكو

  للعودة بالكنيسة الكاثوليكية في الاتحاد السوفييتي إلى الهواء الطلق هناك، بالإضافة إلى عنصر الخلاف الايدولوجي، قضية التقسيمات الأبرشية التي لازال بعضها متصلا إداريا ببولونيا.ومسالة إعادة النظر بهذه التقسيمات الإدارية من قبل الفاتيكان يتصل اتصالا مباشرا بموضوع اعتراف هذا الأخير بالحدود الدولية الحالية للاتحاد السوفييتي. لو فعل الفاتيكان ذلك لخطا خطوة جديدة في سبيل التفاهم. ولكن الشق الثاني من القضية  – وهو الأهم والأدق – هو إعادة بنية الكنيسة وكوادرها الإدارية والتعليمية سيما وان معظم الأبرشيات من دون أساقفة، والموجودين منهم – ويعدون على أصابع اليد الواحدة – إما طاعنون في السن وعرضة لشتى الضغوط، وإما منفيون خارج البلاد.

     لكن العقدة الشائكة ستبقى من دون شك مسالة كاثوليكية “الاتحاديين” ويقصد بهم هؤلاء الكاثوليك الروس الشرقيون المنحدرون من أصل أرثوذكسي منذ القرن السادس عشر والذين اعتبرتهم بطريركية موسكو – والقياصرة والدولة السوفيتية نفسها – قطيعا ناشزا.

      في 19 آذار من العام المنصرم بعث البابا يوحنا بولس الثاني برسالة إلى الكردينال جوزيف سليبي رئيس أساقفة لفوف الأكبر العائش في المنفى(2) وذلك بمناسبة الاحتفال بالذكرى الألفية لعماد القديس فلاديمير وسكان كييف عاصمة أوكرانيا. ويجدر بالإشارة إلى أن هذا العماد الذي يحتفل به “الاتحاديون” في أوكرانيا “الكاثوليكية” يصادف بدء دخول المسيحية إلى روسيا (على يد مبشرين بيزنطيين “أرثوذكس”). في هذه الرسالة امتدح البابا بحرارة الكنيسة الكاثوليكية الأوكرانية “الاتحادية” لأمانتها لروما بالرغم من المضايقات المستمرة. وباسم التقارب المسكوني طالب البابا بالحرية الدينية وباحترام هذه الكنيسة. باسم هذا التقارب نفسه، ولئلا يستفز بطريركية موسكو، لم يوافق بولس السادس أن يشكل الأساقفة الأوكرانيون في المنفى سينودسا، ورفض أن يتخذ الكردينال سليبي لقب (بطريرك أوكرانيا). كما إن حضور مراقبين عن بطريركية موسكو في المجمع الفاتيكاني الثاني وما تلا ذلك من مواقف وحدوية وانفتاحية على العالم قارب بين موسكو وروما.

       منذ ذلك الحين تتالت الاتصالات الثنائية وفي المؤتمرات الدولية بين الكنيستين الأرثوذكسية الروسية والكاثوليكية الرومانية وتبادلتا الرسائل والاعترافات والوفود في الاحتفالات الكنسية وتنصيب البطاركة والباباوات وتشكلت لجان لاهوتية مشتركة لدراسة الخلافات وسبل التقارب والتعاون.

       ولكن هذا التقارب، على ايجابيته، تشوبه غيمة على وجوه هؤلاء “الكاثوليك الاتحاديين” العائشين في المنفى أو الذين لازالوا داخل الاتحاد السوفييتي يتحملون في نفوسهم –ولربما في أجسادهم أيضا– نتائج بقائهم أمناء لروما ولطموحهم في الاستقلال –الديني والسياسي معا– وهم يرون وكان هذا التقارب يمرر فوق رؤوسهم. ومخاوف موسكو من “سلطة”روما، هي الأخرى، هل زالت حقا، وروما لا تريد، على ما يبدو، الفصل بين قضية الكاثوليك اللاتين والكاثوليك الشرقيين.

       حيث لم ينجح تماما بولس السادس بدبلوماسيته الصامتة، هل ترى، سينجح يوحنا بولس الثاني بأسلوبه المباشر في إخراج هذه الكنيسة من الدياميس فلا تعود، من بعد، قطيعا ناشزا يشار إليه بالريبة والحذر؟! 

————

تحدث الزميل نجيب قاقو في عدد ت2 1979 عن الكنيسة الروسية الارثوذكسية وبطريركية موسكو تحت

القياصرة  وما عانته وتعانيه تحت النظام الماركسي-الشيوعي من اضطهادات ومحاولات اجتثاث والتفاف، واشار الى اليقظة التي تدب من جديد في شرايينها والى انفتاحها في الاونة الاخيرة على الكنائس الشقيقة. هذا المقال سيكون ناقصا ان لم يقرأ على ضوء ذاك، فهو مكمل له. 

منذ 1963 يعيش الكردينال سليبي في روما،وكان يوحنا23 قد نال من خروشوف اطلاق سراحه بعد 22

سنة من الاعتقال والتعذيب لقاء تعهد من روما بعدم عودته الى اوكرانيا. وكانت السلطات السوفيتية قد اعتقلته مع الاساقفة “الاتحاديين” السبعة الاخرين في 11 نيسان 1945، وتحت ضغط الحكومة تشكلت لجنة من الكهنة للعودة بالكنيسة “الاتحادية” الى حضن الكنيسة الارثوذكسية، فقبل القرار 900 كاهن ورفضه 740 ومنذ ذلك الحين يعيش الكاثوليك الاتحاديون بصورة غير قانونية. وكان عددهم عام 1944 يربو على 4 ملايين.

 

وحدة الصف أم العودة إلى بيت الطاعة؟

وحدة الصف أم العودة إلى بيت الطاعة؟

سينودس كنيسة هولندا 

ش.ر/اذار 1980 

       بعد اخذ ورد وتراشق بتهمة “الانشقاق” بين أساقفة هولندا “المحافظين” و “التقدميين”، وفي شبه مقاطعة وعودة عنها بين “الكوريا الرومانية” وكنيسة هولندا –هذا “الولد العفريت للكثلكة” كما دعيت-، وبعد زهاء 15سنة من التجربة النبوية الرائدة والجريئة التي عاشتها هذه الكنيسة.. أوصل البابا يوحنا بولس الثاني إلى جمع أطراف الخلاف كلهم

-أساقفة هولندا “التقدميين” و”المحافظين” ورؤساء الدوائر الرومانية المعنية– في”سينودس خاص”، هو الأول من نوعه، برئاسته (من 14 كانون الثاني 1980 إلى 21 منه ) لإعادة الوحدة الداخلية والشركة التامة مع “روح” الكنيسة الجامعة. 

ما هي خلفيات الأزمة، كيف عالجها السينودس، وبأية حصيلة خرج؟ الأب جرجس القس موسى يضعنا في هذه الأجواء.  

     الهولنديون أناس عمليون وديمقراطيون حتى النخاع، لا تهمهم الفلسفات المثالية بقدر ما تهمهم واقعية الحياة والتعبير عنها قولا وفعلا. ولعل ما قالته عنهم الصحفية الفرنسية مارلين تويننغا يصفهم جيدا: “الهولنديون إذا كف قانون ما أن يكون قابلا للتطبيق، فهم لا يريدون الالتفاف عليه، إنما ينبغي تغييره”. وقد أيدت ذلك طالبة في اللاهوت من جامعة نيميغ– في هولندا اليوم 1100 شاب وشابة من العلمانيين يدرسون اللاهوت في كليات اللاهوت الخمس – حيث صرحت: “الإيمان الذي يعرض كلائحة من الحقائق تستلها من مكتبتك وتجلبها معك إلى القداس، أو كلوحة تقوية تعلقها في الصالون وتقف أمامها خاشعا في الملمات، مثل هذا الإيمان لا يستهوينا، ولكننا نتحمس لشيء آخر: “كوننا مسيحيين وكيف يغير ذلك حياتنا” و”ماذا تقول للعالم الكنيسة التي تنتمي إلى يسوع المسيح”

                                                                        أزمة نمو..

        لأسباب تاريخية –وليس اقلها بقاء الكثلكة الهولندية أقلية دينية (906،608، 5 أي 1، 40% من مجموع السكان البالغ عددهم 14مليون) محشورة في الجنوب (أكثر من 85%) على حدود شمال بلجيكي كاثوليكي أبا عن جد، وحفيدة عن جدة– عاشت كنيسة هولندا منطوية على ذاتها طويلا، حتى غدت الهوية الثقافية والهوية الكاثوليكية رديفين كما في ايرلندا. ولكن الأحوال تبدلت اليوم لعوامل رئيسية ثلاثة:

 أولا:  حركة التصنيع الهائلة والسريعة التي غيرت وجه الجنوب “الكاثوليكي” في الخمس عشرة سنة الأخيرة مع ما يرافق ذلك من اجتياح ذهنية الاستهلاك والرفاهية والربح لمجتمع كان بالأمس ريفيا قانعا منزويا مؤطرا في تقاليده وعلاقاته الخارجية، ومع ما يتبع ذلك من استقلالية في التفكير والتعامل مع الواقع، في مجتمع معلمن وفي ذهنية علمية نقدية.

ثانيا: الاندفاعة التي خلقها الفاتيكاني الثاني والأبواب الموصدة التي فتحها للمناقشة ومراجعة الحياة وإعادة تركيب البنية الكنسية والبحث عن مسيحية بديلة واعية متحركة عوضا عن مسيحية قطعان الغنم.

ثالثا: تعرض الكثلكة الهولندية، من حيث تدري أو لا تدري، لرياح الليبرالية الفكرية البروتستنتية السائدة..

      كل هذه العوامل مجتمعة ومضافة إلى حركة التمازج والتقابس التي تضاعف من مفعولها وسائل الإعلام والاتصال والمواصلات السريعة اليوم، على الصعيد الداخلي والخارجي، استحثت خطى كاثوليك هولندا إلى الخروج مما اسميه “كنيسة الخنادق” إلى كنيسة تحب الحياة مع الناس ومن اجل الناس. فالكاثوليك الهولنديون –كسائر المسيحيين في هذا البلد–  يشتركون اشتراكا مكثفا في الحياة الاجتماعية وفي النضال من اجل العدالة وفي قضية الوحدة المسيحية. الهولنديون يحبون الذهاب إلى نهاية الخط في تساؤلاتهم، لهم طريقهم الخاص في ممارسة وفهم السلطة، طريق لا زال غير مألوف بعد في الكنيسة. بين الأساقفة والكهنة والعلمانيين ينمو نمط جديد من التعامل والتعاون وتحطيم الحواجز النفسية والإدارية والمناقشة الحرة.. مثل هذه المواقف تقلب كل المفاهيم الموروثة وقد تولد إشكالات.. قبل أن تصبح إرثا يغرف منه الجميع بسلام وهناء.. بل قد ولدت فعلا خلافات في صفوف الرعية والرعاة بحيث انقسم الأساقفة أنفسهم إلى مجموعتين: مجموعة “المحافظين” ويمثلهم أسقف روتردام (800000 كاثوليكي يمثلون 26% من سكان المنطقة ) المطران سيمونيس، والمطران جيسين أسقف رورموند (مليون كاثوليكي يمثلون 95% من سكان المنطقة) ومجموعة “التقدميين” المتكونة من الأساقفة الخمسة الباقين وعلى رأسهم الكاردينال فيلليبراند أسقف اوترخت وعميد مجلس الأساقفة.

                                                        سينودس وحدة أم توحيد؟

      لا شك إن انقسام الأساقفة إلى جبهتين مع ما أثار ذلك من معضلات راعوية ولاهوتية، هو السبب الرئيسي في انعقاد سينودس أساقفة هولندا الأخير من 14 كانون الثاني الماضي وحتى 31 منه. والجدير بالذكر أنها المرة الأولى التي يتم فيها مثل هذا الحدث، ليس على صعيد كنيسة محلية لاتينية فحسب، بل أيضا لأنها المرة الأولى التي يدعو فيها البابا نفسه إلى عقد مثل هذا السينودس ويترأسه هو شخصيا. وقد حدد يوحنا بولس الثاني أهدافه في رسالة وجهها في 6 كانون الثاني بصفته “أسقف روما” إلى “الكنيسة التي في هولندا” بقوله بأنه “لممارسة العمل الراعوي في كنيسة هولندا في الظروف الراهنة لكي تظهر الكنيسة “شركة “بصورة أفضل”.

     هل كانت، إذن، كنيسة هولندا متفككة إلى هذا الحد، وجاء السينودس كآخر الدواء كي يتلافى انقسامها النهائي؟ لقد قالها البعض، وبات منهم يترقب العواقب كيونان النبي أمام نينوى! ولقد حاول الأساقفة “المحافظون” –وحتى الكاردينال فيلليبراند نفسه منذ 1978– الاحتكام إلى البابا، وحاول هذا الأخير تقريب وجهات النظر، باستدعاء كل أسقف على حدة؛ ولما لمس صلابة الموقف لدى الجانبين، قرر، في نيسان 1979، استدعاء كل الأساقفة الهولنديين في سينودس خاص لتدارس الأوضاع  برئاسته والعودة بهم إلى وحدة الصف. ولكي تكون المصالحة لا رجعة عليها وتتم الشركة في إطار الكنيسة الجامعة اشترك البابا في هذا السينودس، بالإضافة إلى أعضائه الأصليين السبعة اعني بهم أساقفة هولندا أنفسهم، السكرتير العام لسينودس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية، وعميد أساقفة بلجيكا الجديد، والكرادلة رؤساء المجامع الرومانية ذات العلاقة بالقضايا المطروحة، مع ممثلين اثنين عن الرهبانيات الهولندية. ويجدر بالإشارة إلى أن البابا يوحنا بولس الثاني قلما تغيب عن جلسات السينودس.

                                                                 مفاتيح القضية

       لو القينا نظرة دقيقة على خلفيات الأزمنة الهولندية وتطوراتها وكيفية معالجتها من خلال أعمال هذا السينودس على مدى 15 يوما من المناقشات المستفيضة حتى التكرار، لرأيناها تتمحور حول ثلاثة مفاتيح هي:

1 – ممارسة السلطة الأسقفية

2 – الكهنة والكهنة المتزوجون

3- “تسرب” روح العلمنة والعلمانيين إلى “شؤون” الكنيسة

السلطة الاسقفية

     “إن المعضلة الأساسية هي بكل تأكيد معضلة ممارسة السلطة” هذا ما أكده عدة أساقفة في السينودس مشيرين إلى توجيهات المجمع المسكوني التي أرادوا وضعها موضع التنفيذ عن طريق المسؤولية الجماعية لدى الأساقفة أنفسهم ومع احترام وتشجيع دور العلمانيين ومؤهلاتهم الخاصة في الإطار الثقافي والاجتماعي الهولندي الخاص. ذلك لان على الأسقف أن يكون صوتا لمن يفقدون شجاعتهم اليوم ويمد “الجسور” من دون كلل مظهرا استعداد الكنيسة الدائم للخدمة والحوار” 

      هذا الروح “أعاد” الأساقفة وكهنتهم إلى صفوف المؤمنين، فقد اثروا “التجربة” على “التقليد” و “الضمير الشخصي” على “السلطة”. لقد أطلق في الكنيسة الهولندية، أكثر من سواها، عنصرة جديدة من المبادرات الجريئة والرائدة في حقل التربية المسيحية، والدراسات اللاهوتية، وتغلغل العلمانيين في الوظائف التي كانت سابقا وقفا على الكهنة، وقبول كهنة متزوجين في الخدمة، وتراجع مفهوم الكنيسة “كمؤسسة هيراركية” هرمية..

     هذه وغيرها أطلقت حفيظة المحافظين، بل جابهتها روما بالقلق والحذر وبفرض أسقفين محافظين لإعادة التوازن. ولقد لوحظ واضحا منذ اخذ يوحنا بولس الثاني زمام الأمور بيده إن على السينودس أن يعيد ترتيب البيت بما يعيد للسلطة الأسقفية هيبتها وقيادتها ويعين لكل واحد موقعه الوظيفي. ففي الرسالة التي وجهها بمناسبة انعقاد السينودس تبنى البابا عبارة قالها الكاردينال الفرينك، رئيس أساقفة اوترخت السابق، في نيسان 1969: “على الأساقفة أن يسمعوا صوتهم، ليس فقط كما يفعل مؤمن من وسط الجمهور، بل ليكن كصوت رجل انيطت به رسالة وهو يسير في الرأس”.

      في وحي هذه الرسالة التي كانت بمثابة توجيه خفي لمناقشات السينودس صبت كل قراراته. فقد جاء في الوثيقة الختامية التي كتبت بالهولندية والفرنسية: إن “الأساقفة يعلنون إيمانهم بالنظام الهيراركي الهرمي للكنيسة، وبان لا الأساقفة ولا الكهنة هم مندوبو المؤمنين، وإنما هم عمال يسوع المسيح في خدمة الجماعة الكنسية”. كما أكدت الوثيقة بان “الأسقف يجب أن يبقى ذلك الذي يسير على رأس القطيع، وبان الأساقفة هم المسئولون الحقيقيون عن قرارات مجلس الأساقفة”– وفي ذلك تنويه لا يخفى إلى وجوب بتر تأثير الكهنة والعلمانيين في إدارة الكنيسة.

الكهنة والكهنة المتزوجون

       في هولندا اليوم 3684 كاهنا في الخدمة الفعلية، غير أن عددهم في نقصان لسببين رئيسيين: قلة الدعوات وعدد الكهنة الذين يتركون الخدمة، ومرد ذلك بالدرجة الأولى إلى “مشكلة”عزوبية الكاهن  و “مشكلة” قناعاته الذاتية في طبيعة دعوته. فقد هبط عدد الكهنة الراعويين مئة كاهن في عام واحد.

        أن يهبط عدد الكهنة في هولندا، وان يقل حماس الشباب في اعتناق الحياة الكهنوتية ليس حدثا هولنديا خاصا، وإنما أسلوب معالجة الأزمة هو الذي يشكل “حدثا هولنديا”.

        أولى هذه المعالجات استدعاء رهبان (في هولندا 1587) راهبا لخدمة الكنائس الشاغرة (26% من الخورنيات في1976، 32% في 1979) إلى هؤلاء ينظم “العاملون والعاملات الرعائيون” (276 منهم 29 امرأة)، وهم رجال ونساء متزوجون منتدبون رسميا من قبل الأساقفة –ومنهم برواتب– بعد دراسة لاهوتية جادة (حوالي 6 سنوات) بمهام راعوية وتعليمية وليتورجية واستشارية واسعة. ويجدر بالإشارة إلى إن عددا من الكهنة المتزوجين الذين هجروا الحالة الكهنوتية العازبة  رأوا في هذه الصيغة –بالاتفاق مع أساقفتهم وبسماح منهم–  بديلا طبيعيا يتيح لهم الاستمرار في الخدمة. هذا وهناك عدد آخر من هؤلاء “الكهنة المتزوجين” لازالوا يمارسون التدريس في المدارس والجامعات الكاثوليكية رسميا.

        وجاء السينودس.. ولعل الفقرة الخاصة بالكهنة في الوثيقة الختامية هي من أكثر نصوص الوثيقة جذرية وحزما. فقد أعلن أعضاء السينودس رسوخ إيمانهم “بالتمييز الجوهري بين الكهنوت الخدمي أو السري والكهنوت العام المشترك لدى المعمدين “وكذلك” بديمومة الكهنوت الخدمي”. ولقد أكدوا “إرادتهم في إتباع مقررات الباباوات الخاصة بالتمسك بقانون العزوبة بأمانة” –هم الذين كانوا قد طالبوا روما، بإلحاح وتكرار، عكس ذلك– أما الكهنة المزوجون الذين يمارسون وظائفهم ضمن المؤسسات الكنسية فقد سلم أمر “تصحيح وضعهم” إلى الأساقفة –ومعنى هذه العبارة في القاموس الكنسي إيقافهم عن العمل–. 

العلمانيون و “شؤون” الكنيسة.

      قد تكون مشاركة العلمانيين في حياة الكنيسة ورسم معالمها في هولندا أوسع واقوي مما هي عليه في إي بلد أخر، وقد اعترف السينودس بفضل “ألاف العلمانيين الذين يشاركون بانتظام وبطرق مختلفة ومن دون مقابل في شتى النشاطات الراعوية” والليتورجيا، والعمل الاجتماعي، والتثقيف الديني للصغار والبالغين، وفي تبادل الخبرات والإعانات، وفي دعم مبادرات العدالة والسلام”. ولكن هذه الظاهرة الصحية اعتبرها “المحافظون” “تسربا” خطيرا على “شؤون الكنيسة”. فقد خصت الوثيقة بقلقها الجماعات التي أسمتها “بالجماعات الناقدة التي تمارس ضغطا زائدا على حياة الكنيسة” وحذرت منها.

        ولكن الجماعات الأكثر “تسربا” (! ) إلى شؤون الكنيسة هم من دون شك “العاملون والعاملات الرعائيون” الذين، لاتساع التزاماتهم الرعائية، كانوا يموهون الحدود الفاصلة بين الكهنوت والحالة العلمانية، وهذا بالذات ما اتكأت عليه روما لرفض اقتراح تقدمت به الأساقفة، في وقت سابق، لمنح هؤلاء “العاملين” صيغة “قانونية تنظيمية”. وقد جددت الوثيقة السينودسية هذا الرفض”لتلافي الوقوع في “اكليروس” مزدوج يؤخذ بمثابة بديل الكهنوت أو الشماسية”.

الخلاصة: فتش عن  الفا رس!

    عندما احتكم المنسنيور جيسين إلى البابا لمعالجة الأزمة الهولندية كان يعرف انه يراهن على الحصان الرابح. فمقررات السينودس جاءت بالفعل مؤيدة لمواقف زعيم المحافظين. إن الايجابية الكبرى لهذا المؤتمر هي انه أنقذ الوحدة الأسقفية وجنب كنيسة هولندا الانشقاق، ولكن بأي ثمن؟ -ثمن خنق روح النبوة وتفتيت دينامية التجربة الهولندية! “لقد كان حملا ثقيلا علينا، صرح الكاردينال فيلليبراند رئيس مجلس ألاساقفة الهولنديين بعيد انتهاء أعمال السينودس، وأملنا أن كهنتنا ومؤمنينا سيساهمون معنا في حمله”. ولكن هل حقا سيسمع هؤلاء لهم بنفس الحماس السابق، وقد كانوا “الغائبين الكبار” عن هذا “السينودس الخاص” الذي”كان ينبغي أن يكون سيندوسا عاما” كما صرح احد الطلبة؟!

     اجل، على جيسين أن يدفع ثمن الوحدة –هو الذي كان قد اتهم زملاءه “بالانشقاق”- وذلك “بعودته إلى التعاون مع الأساقفة الآخرين في حقل المشاريع الحبرية الإرسالية، ومشروع الصوم، والأسبوع الارسالي الهولندي”،  ولكن ما هذا التنازل بالنسبة إلى ما فرض على رفاقه وعلى الجماعة الهولندية كلها التي انتزعت منها ديناميتها الخاصة. إذا زيد عدد الأبرشيات والأساقفة –كما تقرر من حيث المبدأ-  فهل سيكون التوازن أفضل؟

     إننا لسنا نبالغ إذا ما قلنا بان مقررات سينودس أساقفة هولندا أعادتنا إلى أجواء ما قبل المجمع. فقد جاء للأساقفة المحافظين سينودسا لرد الاعتبار، واراءه الأساقفة التقدميون سينودسا يكرس روحانية المجمع، فإذا به يصبح سينودس إعادتهم إلى بيت الطاعة؛ أما للبابا وللكوريا الرومانية، فقد كان سينودس احتواء وتطبيع!

لقاء على العاصي…

لقاء على العاصي…

شباط 1980 

      شهادة حية واحدة ابلغ من مئة مقال ومحاضرة. هذا ما يريد عكسه صاحب التوقيع عن كاهن متزوج شاب لا تزيده ثقافته العالية وحياته العائلية إلا بساطة ورسوخا في التزامه الكهنوتي والرسولي. 

     في عينيها شيء من خضرة الأندلس، وضحكتها الصافية تصدح كزقزقة البلابل في خمائل غرناطة موطنها إلام. من قمم السييرا نيفادا المطلة بآباء على عنفوان قصر الحمراء الشامخ جاءت، وفي عروقها حنين وحب، لتعانق مياه العاصي الكسولة. ولتعتنق دورا في الحياة لا تربيتها الأساسية أعدتها له ولا هي خططت له.. إنما الروح قادها إلى صحراء حمص لتكون “خورية” كما يقول إخواننا السوريون، أي زوجة كاهن. كاهن لا فقط “يزاول مهنته” بانتظام وسلام، بل يحيا رسالته باعتزاز واندفاع وحب.. إنما لا يحياها وحده، بل مع زوجته التي أصبحت شريكة حياته وشريكة رسالته معا.. وهذا ما حداني إلى إدلاء شهادتي تجاه هذا “الثنائي الكهنوتي” شهادة أقدمها نموذجا لنمط آت، أجلا أم عاجلا، للالتزام الكهنوتي في كنيستنا، من دون عقد ولا استصغار.

      والكاهن الذي سأتحدث عنه كاهن سوري شاب في العقد الثالث من عمره من أبرشية حمص للسريان الكاثوليك أكمل دراسته الفلسفية واللاهوتية في اكليريكية دير الشرفة وفي جامعة الروح القدس بلبنان وحاز على شهادة الدكتوراه في الأدب الفرنسي من باريس حيث تعرف على زوجته الاسبانية. نال الرسامة الكهنوتية بعد زواجه في روما ثم عاد إلى وطنه مصمما مع قرينته أن يشتركا معا في أداء “رسالتهما الكهنوتية” سوية في النطاق الأبرشي ومع صغار الناس. وهو بالإضافة إلى ذلك محاضر في الجامعة السورية بدمشق. وإذا كان لي من اعتذار فلصديقي على هذه الصفحة من حياتهما الخاصة. 

     على طاولة صغيرة أمام سمكة مشوية ومقبلات فيها “الحمص بطحيني” و”والتبولي” في احد مطاعم “ديك الجن” على ضفاف العاصي في مشارف مدينة حمص جلسنا نتجاذب الأحاديث والذكريات ونتبادل الخبرات وحتى العتاب:

إني أهنئكما يا ميشيل ويا فينا على حبكما.. وعلى هذه الرسالة المشتركة الرائعة التي

سمعت أصداءها والتي تؤديانها سوية وبهدوء… وما عتابي إلا لانقطاع إخباركما عني..

     مسح صديقي نظارته بمنديل الكلينكس الذي كان على الطاولة وشكا لي باقتضاب من قلة وقته وكثرة انشغالاته فهو بالإضافة إلى اهتماماته الرسولية في مدينة حمص وفي قرية تومين المجاورة، يقضي يومين في الاسبوع  في دمشق في الجامعة.

      لقد خبرت ذلك بنفسي. فإذا كان صديقي قد دعاني إلى المطعم، ذلك المساء، فلان “الخورية” كانت قد رافقته وشاركته في السهرة الإنجيلية التي حضرتها أنا ذاتي معهما في حي شعبي، ولم تستطع إعداد العشاء في المنزل.

     هذه السهرة يقوم بها “أبونا ميشيل” كل يوم سبت مساء وتتضمن تأملا في الإنجيل وتراتيل وقداسا “عائليا” ويشترك فيها ما بين عشرين وثلاثين شخصا ونفر من الراهبات:

     ارتدى “أبونا ميشيل” ثوبا عسليا طويلا ووضع البطرشيل الكنسي على كتفيه وجلس أمام مائدة صغيرة تحمل كأسا وخبزا بين شمعتين يندفع لهبهما هادئا ثم يثور لغير سبب. وزع احد الصغار كتب التراتيل وتعانقت أصوات خشنة بأخرى ناعمة وطفولية لتنشد “تعال بيننا، أقم عندنا”. رفع “أبونا” الخبز بيد والكأس بأخرى وتلا صلاة التقدمة ثم أشار إلى نص من الإنجيل “روح الرب علي، مسحني لأبشر المساكين..”. قرأت النص امرأة شابة تحتضن طفلها الذي غفا في حضنها.. ثم انطلق التأمل حذرا.. وتنشط شيئا فشيئا، وكان الجميع –تقريبا– يدلون بآرائهم أو يبدون ملاحظاتهم وقد لا يكون دوما على اتفاق مع علماء الكتاب المقدس، ولا هؤلاء يتفقون مع جميع تفسيراتهم. وقد يصبح التأمل أحياناً شبه درس يجيب فيه “أبونا ميشيل”على أسئلة واعتراضات سمعها هذا أو تلك في إثناء العمل أو في السوق أو في الكلية.

     بعد التأمل عادت “الجماعة” إلى أجواء القداس بخشوع  وصمت. وتتالت الصلوات والتراتيل حتى جاء وقت الطلبات. وكم سرني أن استمع تلك الطلبات الصادرة من شفاه بسيطة تجهل البديع والبيان ولكنها صورة لثراء القلب والإيمان. وكنت أراني منشدا إليها لاسيما عندما كانت تصدر عن الصغار وقد كتبوها على وريقة لئلا ينسوها أو يتلعثموا بها.. وتقدم الجميع باسطين اكفهم أو أفواههم لاقتبال خبز الحياة. وساد سكوت لبضع دقائق خلتني فيها في جو المسيحية الأولى حيث كان يجتمع الرسل في البيوت مع حفنة من تلامذة يسوع لكسر الخبز والتبشير بالكلمة.

      هكذا نمت الكنيسة الأولى قبل أن تتفجر خلايا وجماعات حية تحمل معها الفرح والحب.

      ولما ذكرت الصمت والخشوع اللذين كانا يخيمان على المشتركين ابتسمت “الخورية” وصرحت بأنها بذلت كثيرا من الجهد والصبر لإشاعتها، ففي البداية كانت الأحاديث الهامسة تتناوب مع صراخ الأطفال وحتى مع الضحكات الخافرة أحيانا. وبأسلوب تربوي هادىء عرفت “الخورية” -وهي تجيد العربية الحمصية بطلاقة–  أن تفرض روح الجد، وصار هذا القداس ملتقى منتظرا يلقي فيه النجار والمعلم والموظف والطالبة والميكانيكي وربة البيت ثقل إتعابهم ويتساوى الأب والابن والجدة والحفيد في سماع الكلمة.

       واذكر إن “أبونا ميشيل” لا يكتفي بهذا الإرشاد العام فقط، فلطالما حضر قبل السهرة أو بقي بعدها في فض بعض المشاكل العائلية، وقد تساعد زوجته مع النساء حيث تفهم منطقهن وأحاسيسهن كامرأة. وليس هذا فقط، فقد هيأتها دماثتها ورقة كلمتها بالإضافة إلى ثقافتها الدينية والطبية والاجتماعية لتكون مرشدة صحية وأسرية. فكم من النساء يتوجهن إليها في أمورهن الخاصة فترشدهن إلى السبل السوية في الوقاية الصحية ونظافة الأولاد ومعاملة الأزواج ورعاية الذوق في الملبس والمسكن واستعمال العقاقير –وفينا حاصلة على خبرة واسعة ودبلومات في التمريض من اسبانيا وباريس -.

    وتشعب الحديث إلى الذكريات، فعدت ب “أبونا ميشيل” إلى منتصف الستينات يوم كان تلميذا يتدفق حياة وحيوية، منذ ذلك الحين كان ميشيل يضيق بالأطر التقليدية ولا تكفيه الدروب المطروقة، فكان يدفع بجدران الاكليريكية إلى أوسع ليهتم بتدريس صغار المنطقة التعليم المسيحي، وانضم إلى فريق الشباب في حريصا في السهرات الإنجيلية التي كنا نحييها في الأسر.

     من هناك وبالروح عينه انتقل ميشيل إلى باريس بزمالة دراسية. ولشحة هذه الزمالة اضطر الطالب إلى العمل في أوقات فراغه في إحدى المستشفيات وهناك التقى برفيقة حياته. وتكررت اللقاءات وتعمقت الصداقة على صعيد الزمالة المهنية وعلى صعيد النشاطات الإنجيلية واكتشف الواحد غنى الآخر وارتاح إليه، حتى صارحت فينا ميشيل يوما ببساطة الرائي:

“أنت لن تكون سعيدا إلا كاهنا” 

      وبدأ التخطيط ليكون الشاب اليبرودي والفتاة الاندلسية جنبا إلى جنب في كهنوت واحد وفي رسالة مشتركة يؤديانها في الشرق وضمن الكنيسة التي ينتمي إليها الكاهن العتيد بالذات.

“ولكن الأمر لم يكن بهذه السهولة”. قالتها “الخورية” بحسرة معبرة. ثم استطرد “أبونا ميشيل”: “كاهن متزوج”، ولا يرتدي الزى الكهنوتي التقليدي: أمر لم “يبتلعه” بطريرك الطائفة إلا على مضض وبعد إصرارنا –وكنا قد تكللنا في روما على يد المطران معتمد الطائفة هناك– وبفضل تقبل ودعم أسقف الأبرشية الحمصية.

      في اليوم التالي –وكان يوم احد– منذ الصباح الباكر رافقت صديقي إلى قرية تومين خورنيتهما التي تبعد عن مركز المحافظة، حيث يسكنا، بحوالي 30 كم؛ وتومين قرية صغيرة وادعة مستلقية على كتف تلة خضراء تطل على بحيرة اصطناعية في قعر واد عميق، ويشقها شارع يتيم تتفرع منه طرقات وأزقة متعرجة أحالها مطر الليلة الماضية إلى “مطينة” لازجة.

      قرع “أبونا” الناقوس وكان الصغار أول الوافدين راقبتهم كيف يمدون أيديهم بحياء واحترام ليحيوا “الخورية” في رواق الكنيسة وقد صارت صديقتهم المنتظرة  تناولت “الخورية” حبلا وأمسكت بأحد أطرافه وأمسكت طفلة بالطرف الآخر وبدأت تلاعب الأطفال إلى أن حان وقت القداس. اشتركنا أنا والأب ميشيل بالاوخارستيا، بينما اهتمت “الخورية” بالنظام. وبعد القداس بقي “الثنائي الكهنوتي” في الكنيسة مع الأولاد والبنات الصغار لشرح مبادئ التعليم المسيحي وتهذيب أصواتهم على التراتيل الدينية. بعدها خرجا لزيارات المرضى والعائلات. ومثل هذه اللقاءات التي يقومان بها سوية تعزز ثقة المؤمنين بالكنيسة وتجعل الناس ينظرون إليهما كرسولين للإنجيل وليس كمجرد كاهن وزوجته.

      أيام الجمع منذ التاسعة صباحا، تسري حركة غيرعادية في فناء كنيسة حمص الذي يغدو عيادة شعبية للمعاقين والمشلولين والمشوهين من الأطفال والأحداث من كل الملل والأديان، هذا محمولا على ذراعي أمه، وذاك تحمله عكازاه، وتلك جاء والدها بملف فحوصاتها وهو يدفعها أمامه في عربتها، ويصبح “أبونا” المرشد والطبيب والصديق. ذلك لان الأب ميشيل وقرينته يديران مركزا للعناية بالمعوقين تابع لجمعية الإخاء السوري، ويسدون لهم العلاج الطبيعي المناسب في المختبرات التابعة للمركز أو يرسلونهم إلى الأطباء أو المستشفيات والمختبرات المختصة داخل القطرأو خارجه للمعالجة مجانا أو على حساب جمعية الإخاء. وتقوم مطرانية السريان الكاثوليك في حمص حاليا ببناء مستشفى ومختبر للمركز المذكور.

     لقد رأيت بأم عيني حشد المراجعين. وبعضهم قادم من بعيد، جاء ينشد العافية والعون لدى هذا الكاهن الذي قرر أن يكون ألسامري الصالح، هو وزوجته، على مثال سيدهما، يصبان زيت التعزية وخمر العافية على ماسي إخوة يسوع المتألمين من كل دين وطائفة.

       ومساء ذلك اليوم كان موعدنا مع “الخوري والخورية” في دارهما بمناسبة عيد مار ميخائيل شفيع الأب ميشيل، وقد رافقت سيادة راعي الأبرشية وكهنته في تلك الأمسية العائلية. استقبلتنا “الخورية” على المدخل بفستان غامق فضفاض. بينما ارتدى الأب ميشيل للمناسبة بدلة داكنة ورباطا احمر بلون شعره ولحيته الكثة، وجلجل صوته مهللا ضاحكا، وهذه عادته في الترحيب، مما يبعث فيك الارتياح والألفة. وأمام المشروب الأندلسي الحلو الذي قدمته “الخورية”، مع الكرزات الشرقية التي لا يخلو منها بيت حمصي، تفرع الحديث إلى جولة “البعثة الرسولية”، التي قام بها الأب ميشيل وقرينته بمعية بعض الكهنة في مدن وقرى الجزيرة وحلب قبل أيام لزيارة مراكز”الإخاء” و”فرق السيدة”.

      و”فرق السيدة ” مجموعات مكونة من أسرتين أو ثلاث تجتمع للصلاة والتأمل في الإنجيل سوية بمعية كاهن.

     لقد كانت الأحاديث تنتقل بين الجد والهزل، وكان سيادة مطران الأبرشية بدماثته ولطائف حديثه يبدو بين كهنته كزميل وأخ لهم. أما فينا فكانت ككل امرأة، دقيقة الملاحظة إلى كل ما قد ينقص أو يشح وتشترك في الأحاديث وتعطي رأيها في المواضيع المطروحة، سواء كانت اجتماعية أم دينية أم كنسية بكل اتزان ووضوح رؤية وشعرت بأنها ليست مجرد زوجة كاهن يتكئ عليها في إنسانيته، بل انها قد تبنت رسالته تماما، بل كلاهما يزاولان الكهنوت نفسه معا ويحملان بشرى الإنجيل سوية. وأكثر من ذلك، تحققت انها أضحت جزءا من كنيستها وعونا رسوليا وإنسانيا ليس لزوجها حسب، بل لسائر كهنة الأبرشية. الم يصرح احدهم: “لقد علمتنا أن نحطم عقدنا تجاه المرأة”! 

 

افريقيا.. كنيسة تبحث عن ذاتها

43

افريقيا..كنيسة تبحث عن ذاتها-  ملف                    

151

كانون2

44

يسوع والحرية            – ملف                    

152

شباط

المقالات1980:

افريقيا.. كنيسة تبحث عن ذاتها 

ملف/كانون الثاني 1980 

    لقد انتهى عهد الرضاعة والطفولة والتبعية، وكنيسة افريقيا تتمخض، كما تتمخض القارة السوداء بأسرها سياسيا واجتماعيا وحضاريا، لاكتشاف جذورها الذاتية وتوظيف كافة طاقاتها وطموحاتها لبناء كنيسة افريقية ناضجة تساهم مباشرة في إثراء الكنيسة الجامعة من جهة، وفي تحقيق مجتمع إفريقي متضامن لبناء سيادته وصيانة حضارته وأصالته. الأب جرجس القس موسى يعكس بعض أوجه الصورة الجديدة للمسيحية الإفريقية ودور العلمانيين  في صياغة هذا النموذج.

        أول احتكاك مباشر لي مع كنيسة إفريقيا كان سنة 1975، وكان ذلك في نطاق مؤتمر عالمي حضرته في روما حول رسالة العلمانيين نظمه مجلس العلمانيين واشترك فيه ممثلون عن القارات الخمس. في ذلك اللقاء اكتشفت كنيسة افريقية ترويها دماء شابة معطاء وحبلى بالآمال الكبار تتحرك واعية نحو الأصالة والمسؤولية. ومما كان قد جذب اهتمامي بصورة خاصة، أنا القادم من كنيسة قمتها تكاد تحتوي قاعدتها وتخنقها، دور العلمانيين البارز في الكرازة الإنجيلية والتخطيط لافرقة الكنيسة. ومثل هذا المشروع يدعمه، لا بل يدعو إليه ويعمل من اجله أساقفة إفريقيا يدا بيد مع العلمانيين، وقد اعطى المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني زخما كبيرا وحاسما لا عودة عليه لتيار الافرقة  والعلمنة هذا. فقد صرح الكاردينال يوسف مالولا رئيس أساقفة كينشاسا (زائير) منذ 1973: “البارحة نصر المبشرون الأجانب إفريقيا، واليوم مسيحيو إفريقيا مدعوون إلى افرقة المسيحية”.

      وافرقة المسيحية هذه مشروع يطمح إلى العودة إلى التراث الافريقي الزاخر بالقيم الجماعية والديمقراطية ونطعيمها بروح الإنجيل وروح الخدمة ومشاركة شعب الله بأسره في بناء قاعدة شعبية واعية مسؤولة. كيف تتم هذه المشاركة فعليا؟ إلى هذا السؤال يجيب الكردينال مالولا، وهو من ابرز وجوه المسيحية الافريقية: “سينبغي علينا أن نقصف الخورنيات الموجودة لتتطاير وتلد جماعات صغيرة بإحجام إنسانية مقبولة.

بين الاصالة الافريقية والاصالة المسيحية

      في بوجورا (تنزانيا)، في معبد ريفي هو أشبه بزريبة منه بكنيسة، يرافق أعضاء الجوقة الإلحان المرتلة بلغة الكيسوكوما بحفيف مروحات طويلة مصنوعة من الريش الناعم يهد هدونها ذات اليمين وذات الشمال.

      في غابة ساكابي في بوبو ديولاسو (فولتا العليا) تتقدم فتيات رشيقات بلباسهن القومي حاملات تقادم المؤمنين إلى المذبح وهن يؤدين رقصة طقسية على أنغام التام تام الافريقي وهو يشبه طبلنا المشرقي إلا أن جوانبه معدنية. في إحدى خورنيات كينشاسا (زائير) توشح الكاهن بزي زعيم افريقي تقليدي ووقف بين صفين من حملة الرماح لإقامة القداس بحسب الطقس الزائيري المستحدث.

      قد نكتفي بابتسامة عابرة أمام مثل هذه المشاهد أو نستلطفها بسطحية كما يستلطف السائح كل ما يراه في دربه، وقد نكشح مستغربين، بل قد نستهجن كيف يتفق الرقص والقداس والرمح والصلاة. أما إذا قيل لنا بان ثمة في ابيجان (ساحل العاج) خورنية أو خورنيات  تؤدي ليورجيتها باللاتينية أو ترتل بالانكليزية كما في كاتدرائية نيروبي (كينيا) أو بالفرنسية لما فكرنا بالاستنكار مع إن هذه اللغات مستوردة ومفروضة على افريقيا، بينما تلك عادات افريقية عريقة!

     ولكن إذا ظننا أن الافرقة تتوقف على هذه المظاهر لوقعنا في الفولكلور كما صرح احد التلامذة الاكليريكيين من كومي بفولتا العليا لجوزيف ليمان الذي نستلهم هنا مقاله “الكنيسة الافريقية في حالة حبل”. اجل، انه من الضروري للافرقة أن تتخلى كنيسة إفريقيا عن الليتورجيات المستوردة وتوفق في طقوسها الدينية بين الإيمان وتراث الشعوب التي تنتمي إليها. كما انه من الضروري أيضا أن يستلم إدارة الأبرشيات أساقفة افريقيون ويحمل الشعلة كهنة أفارقة يحلون محل المبشرين الأوربيين، فهم ادرى بحاجات قارتهم ويفهمون لغة شعوبهم، غير إن هذه التجديدات تبقى مجرد واجهة لو لم يحركها تيار قوي قد شق طريقه في الواقع الافريقي منذ بداية السبعينات هو تيار”الأصالة”.

     ويتجلى هذا التيار في كافة المجالات السياسية والثقافية والدينية وككل تيار”قومي” و”حضاري” من هذا النوع قد تشوبه، على ايجابياته، جوانب سلبية فيتوقف لدى الشكليات مثلما حدث في زائير موبوتو أو في التشاد في عهد طومبلباي حيث تحولت “الأصالة الإفريقية” إلى شبه عقيدة قومية شنت الحرب ضد كل ما اعتبر أجنبيا أو مستوردا كالأسماء المسيحية مثلا أو النمط الثقافي الذي كانت تعطيه الكنائس والمدارس المسيحية. وقد ذهبت بعض الأنظمة السياسية في القارة إلى طرد المرسلين والحد من نشاط الكنيسة والتضييق حتى على الاكليروس المحلي الأسود وتقليص تعامله مع المؤمنين كما في انغولا وزائير وبوروندي مؤخرا.

ففي أيار الماضي اصدر الرئيس باغازا  الذي يحكم البلاد حكما شبه فردي منذ انقلاب تشرين الثاني 1976 قرارا بعدم السماح بالاجتماعات المسيحية سوى في أيام الآحاد وضمن الخورنات وملحقاتها.

      إذا كانت مثل هذه القرارات تدعو إلى الاستغراب وتبدو وكأنها محاولة للسيطرة على الكنيسة أو احتوائها، فهي في الواقع معضلة ذات وجهين سياسي وثقافي، تعاني منها كل دول العالم الثالث. فالجانب السياسي من المعضلة  يضعنا أمام ازدواجية في السلطة، اعني بها سلطة الكنيسة وسلطة الدولة هذه الأخيرة تابى أن يزاحمها احد في الهيمنة، بالرغم مما تعلنه الكنيسة، من أنها للخدمة لا للسيطرة. أما من حيث الجانب الثقافي فتعلن الكنيسة حقها في تثقيف بنيها التثقيف الديني الملائم وبالسبل التي تراها ضرورية وفعالة، بينما تصر الدولة على أن لا تتعارض هذه الثقافة مع النمط الثقافي الرسمي، وهذا يؤدي حتما وفي واقع الممارسة أما إلى تجنيد التوجيه الكنسي لتأييد الحكم القائم وأما إلى تحييده، والتحييد تجميد في أفضل الاحتمالات. إما البديل الثالث وهو التثقيف المسؤول والملتزم الذي يبقى أمينا لروح الإنجيل ويستلهم الإيمان المسيحي في الالتزام السياسي والاعتماد على تراث الأمة والوطن دون أن يكون “ملحقا ذيليا” للنظام السياسي القائم، ولا أن يتجاهل القضايا القومية والوطنية ويتغرب في نماذج ثقافية مستوردة أو دخيلة، مثل هذا البديل يتطلب توازنا فكريا واعيا وشجاعة لنبذ الغريب والدخيل دون الدخول في القوقعة، واستعدادا لتقبل التطور والحوار من دون الانسياق وراء كل ما هو وراء الحدود سيما وان افريقيا برمتها تعاني من الازدزاجية الثقافية والتبعية الحضارية.

       إذا كان المرسلون الأجانب قد وقعوا في مثل هذا الخطأ، فالاكليروس المحلي نفسه لم يسلم دوما من التنكر وتجاهل الإرث الثقافي والحضاري للقارة، ذلك “لأننا لم نكن مهيئين، على حد قول المطران سانون أسقف بوبو ديولاسو الأنف الذكر، ولا تلقينا التربية اللازمة لتحقيق هذا اللقاء بين تراثنا الثقافي والإيمان الجديد، بل بالعكس، كنا نضع المسيحية –أقول المسيحية وليس الإيمان– على طرف نقيض مع التقاليد الإفريقية”.

       إننا إزاء ثورة ثقافية تعم إرجاء إفريقيا. وروح المجمع الفاتيكاني الثاني هبت هناك بقوة لاكتشاف القيم التقليدية الإفريقية وتنصيرها. فالعبرة ليست في العودة إلى كل قديم بل في اكتشاف روح هذا القديم ودينامية ، فقد أكد احد الطلبة في كلية طب ابيجان: “المهم هو تغيير الذهنية”. وان يكون المرء مسيحيا معناه أن يحيا الإنجيل في خضم الحياة اليومية: ومعنى ذلك بالنسبة لنا نحن الافريقيين أن يحياه بحسب النمط الافريقي”.

       هكذا يعمل كثير من الكهنة والعلمانيين على اقتباس حركات ورموز افريقية في الليتورجيا  والاحتفال بالإسرار لاسيما العماد والزواج وتنصير بعض الأعياد الافريقية وربطها بالأعياد المسيحية التقليدية وإضفاء روحانية الإنجيل على القيم التقليدية في التضامن والأسرة والعلاقة بالأرض والكون والحياة والموت والروح… هذه الثورة الثقافية تشبه تلك التي حققتها المسيحية في فجر نشأتها تجاه اليهودية ولاسيما تجاه النمط الحضاري الوثني الإغريقي.

        ولكن، ككل ولادة فكرية وحضارية جديدة، لهذه الحركة مناصرون ومناوئون وانجازات ايجابية أكيدة ومخاطر. فهناك الجيل القديم الذي يخشى الخلط العشوائي بين الاستعقادات والعقيدة وبين الاجتهادات الجادة في تجسيد الإنجيل والبدع الشاذة المستوحاة من المسيحية أو من غيرها من الأديان والتي تزدهر هنا وهناك لاسيما على الساحل الأطلنطي وفي كينيا. ففي ساحل العاج هناك بدع الهاريست والمسيحيون السماويون وإتباع النور السماوي  وإتباع النبيه ماري لالو وبدعة ماهيكاري الياباني وغيرها.. ومن دواعي نجاح هذه البدع تعاطفها مع اهتمامات الأفارقة تجاه المرض والموت والسحر وعالم الرموز الذي تزخر به الحياة الافريقية. غير إن هذا النجاح  بحد ذاته يعتبر محكا لأسلوب الكنيسة في التبشير: “لذا كان من واجبنا نحن اللاهوتيين الأفارقة، حسب قول المطران سانون، أن نعيد قراءة نموذج ثقافتنا التقليدية على ضوء الإنجيل ونستوحيه لدعوة الناس إلى عيش إيمانهم المسيحي بأسلوب لا يبدو فيه إيمانا منسلخا عن واقعهم”،.

      من أروع أدوات العمل لهذا التحول المسيحي نذكر الجماعات المسيحية المستوحاة من روح الجماعات المسيحية الأولى ومن التقليد الجماعي الافريقي الأصيل، هذه الجماعات التي ندعوها “جماعات القاعدة” هي التي تعمل اليوم في افريقيا لإيجاد نمط ملائم للعيش الإنجيلي ضمن الكنيسة والمجتمع.

“جماعات القاعدة” المسيحية

     حدثني الأب فرانسوا، وهو راهب بندكتي بلجيكي كان قد قضى أكثر من 15عاما مرسلا في زائير، عن انطباعاته عن هذا البلد اثر زيارة له في الصيف الفائت بعد تغيب دام خمس سنوات. ومما جذب نظره وراى فيه إحدى علامات اليقظة والحياة لدى كنيسة زائير ظهور جماعات القاعدة بكثرة ونمو دور العلمانيين في الكرازة الإنجيلية وحمل مسؤولية الجماعة المسيحية في الخورنيات وفي المجمعات الريفية. لا غرابة في ذلك فزائير كانت السباقة في إقامة هذا النمط من المسؤولية الجماعية في كنيسة إفريقيا. فمنذ 1970. أعلنت أبرشية كينشاسا “ضرورة تطوير جماعات القاعدة حيث وجدت وتكوينها حيث لم توجد بعد وتسليم مسؤولياتها للعلمانيين”.

     أما أساقفة إفريقيا الشرقية المجتمعين في نيروبي عام 1976 فقد أعلنوا هم أيضا بان “تكوين جماعات مسيحية صغيرة تكوينا مبرمجا يجب أن يأخذ الأسبقية في التخطيط الراعوي للسنين القادمة”. مثل هذه القناعة تبنتها معظم مجالس الأساقفة الأفارقة، فقد ناقش أساقفة تنزانيا (في 1977) وكينيا والسودان (في 1978) الموضوع ونشروا فيه رسائل راعوية، وكذلك الأمر في زامبيا (1973) وكاميرون (1974)  وفولتا العليا (1977) والكونغو وانغولا وموزمبيق. أما مجلس أساقفة بوروندي التي تستغرق دورته الحالية اربع سنوات فقد جعل من موضوع جماعات القاعدة مركز اهتمامه، ويشمل المخطط ألرسولي لكنيسة السنغال من 1978–  1982″إنشاء جماعات مسيحية بمقاييس إنسانية تكون بمثابة علامة وخميرة للتطوير الشامل”.

   “جماعات القاعدة” كما يوحي به الاسم هي وحدات مسيحية ملتزمة وواعية على شكل مجموعات عمل أو صلاة أو تفكير تستوحي الإنجيل والإيمان المسيحي في حياتها وممارساتها، وإذ تنطلق من القاعدة الشعبية تهدف إلى تطوير المفهوم المسيحي الجماعي الشعبي وتطعيم الحياة المسيحية الاعتيادية بالالتزام الإنجيلي وتطوير المجتمع المدني نحو الأفضل ونحو المشاركة الجماهيرية في صياغة القرارات وإشكال الممارسة الدينية والاجتماعية والزمنية. ليس ثمة “نموذجا” موحدا لوظيفة جماعات القاعدة، فهذه التسمية تحمل في طيها أشكالا متباينة في الممارسة المسيحية مثل إعداد الليتورجيا والتثقيف المسيحي للإحداث والبالغين وزيارة  المرضى  ومساعدة الفقراء والمعوزين.. وهناك قرى عديدة تتصل يبعضها بعلائق التضامن والتقابس الروحي والعلمي يمكن  اطلاق تسمية “الجماعة المسيحية القاعدية” عليها، بينما يتعذر إطلاق هذه التسمية على أجزاء خورنية قطعت إداريا إلى وحدات مستقلة لا ترابط بين أعضائها. كما إن هناك في المدينة وفي الريف، جماعات من العلمانيين الحريصين على تحمل مسؤولياتهم في الكنيسة قد انتظموا في”جماعات قاعدة” كما تشير الشهادة التالية للوران غيلان (65 سنه) وهو مدير مدرسة في واغادوغوو رئيس الجماعة المسيحية في فولتا العليا. “في السادسة مساء يقرع الناقوس كل خميس في الحي الذي اسكنه وتجتمع الجماعات السبع في أماكن مختلفة من المدينة، وتضم كل منها بين 15 و 20 أسرة. بعد فاصل من القراءات الكتابية والصلاة تتناقش في شؤون الخورنة أو الجماعة أو الحي، ويأخذ كل واحد مسؤولية خاصة ولا يبقى احد من دون عمل”. وتستوحي  هذه الجماعات في تنظيمها وطرائق عملها البنى الاجتماعية السائدة ويتراوح عدد أعضاء الجماعة الواحدة بين عشرة أشخاص ومئة  شخص أو حتى 15.. أما المواضيع الدراسية فهي مستوحاة من الواقع المعاش وحاجات البيئة.

        وهناك اعتراض حول ما إذا لم يكن هذا الأسلوب مدخلا مبرقعا للعودة إلى القبيلة في الكنيسة مع ما في ذلك من سلبيات، والمعلوم إن القبيلة والنزعة العرقية والعشائرية هي آفة المجتمع الإفريقي بما تمليه من أثرة وعنصرية وصرعات من اجل السلطة غير إن المطران سانون يرى عكس ذلك إذ يرى في جماعات القاعدة دعوة إلى الانفتاح والمشاركة في المسؤولية ونبذ الأنانية القبلية فيقول: “بوسع كل منكم أن يعيش بحسب تقاليده، ولكن عندما تجتمعون ضمن الجماعة المسيحية، فذلك لأنكم للمسيح” ويستطرد: “إننا نأخذ ما تحويه النماذج من ثراء أنساني لاغتنائه بالإنجيل وإضفاء نمط إفريقي على كنيستنا”.

      هناك اعتراض آخر يتعلق بالدور المتزايد الذي يحتله العلمانيون في حياة الكنيسة وتخوف بعض الكهنة وحتى الأساقفة من أن”يجردهم” العلمانيون تدريجيا من سلطاتهم وتصبح الكنيسة”كنيسة معلمنة” مثل هذا التخوف يدعمه ما جاء في دراسة للفريق الافريقي في مؤتمر العلمانيين الأنف الذكر بروما عام 1975:” لا ينبغي أن نعتمد فقط على الكهنة والرهبان ومعلمي التعليم المسيحي وننظر أن يأتوا للبحث عنا. علينا أن نخرج مع الآخرين ونتخذ مبادراتنا في الالتزام. يجب أن نرضى بان نعطي حياتنا، وقتنا، طاقاتنا فنلتزم بالأعمال الرسولية وحتى الشؤون المادية كي نحرر الكهنة منها لكي يكرسوا أنفسهم أكثر لإعلان كلمة الله.

     لاشك إن مساهمة العلمانيين في إدارة الجماعات المسيحية وتكوين جماعات القاعدة ستخلف واقعا جديدا في ممارسة السلطة في الكنيسة وفي علاقة القاعدة مع القمة، سيما وان الأساقفة في إفريقيا، كما في بلداننا المشرقية، كانوا إلى وقت قريب يمارسون سلطاتهم في شبه تفرد ثيوقراطي دونه تفرد الرئاسات العشائرية التقليدية، حيث إن هؤلاء يمكن إزاحتهم إذا فقدوا ثقة مرؤوسيهم، بينما الأساقفة يحكمون (بفتح الياء وكسر الكاف) ولا يحكمون (بضم الياء وفتح الكاف).       

     ولكن قضية مشاركة العلمانيين في حياة الكنيسة الإفريقية  ليست مجرد مشاركة في السلطة الإدارية، بل هي قبل كل شيء مسؤولية رسولية. لذا ظهر إشكال راعوي آخر وهو مسالة رسامة كهنة متزوجين ممن تتوسم فيهم الصفات الروحية والرسولية والإدارية. والإشكال يأتي من أن الكنيسة الإفريقية تنتمي إلى الطقس اللاتيني وتأتمر بقوانين الكنيسة اللاتينية التي تستبعد أية إمكانية لرسامة رجال متزوجين لا سيما في عهد يوحنا بولس الثاني. وبما إن الحاجة ماسة في إفريقيا لمثل هذا الإجراء، سيما وان عدد الكهنة الأفارقة قليل ولا يمكن الاعتماد على الكهنة والمرسلين الأجانب إلى مالا نهاية، فقد طرح الأساقفة القضية على بساط البحث منذ الستينات كما فعل المونسنيور ياكو رئيس أساقفة ابيجان في سينودس 1969. بينما تساءل الأسقف نامبولا (موزمبيق) في (1976) عما إذا لم يكن “قد حان الوقت للتفكير جديا برسامة مسيحيين متزوجين ترشحهم الجماعة المسيحية”. في كينشاسا بادر الكردينال مالولا منذ سنوات إلى تسليم مسؤوليات كنيسة في الخورنيات ابى عدة أرباب عائلات وجعل منهم شبه”قسس علمانيين” إذا صح القول. كما إن هناك دراسات أجريت في زائير حول إمكانية منح صلاحيات كهنوتية مؤقتة لبعض العلمانيين لترأس الاحتفالات وحتى لإقامة القداس. ولكن يبدو إن هذا الاتجاه قد غض النظر عنه.

      من هنا انطلق المجددون أيضا في ترسيخ دور المرأة في حياة الكنيسة وتوطيد تحررها الإنساني والاجتماعي.

دور الكنيسة في التحرر الاجتماعي والسياسي

      إن احدى مزايا جماعات القاعدة المسيحية هي أن تندمج بحياة الحي والقرية والأمة وتنفتح إلى قضايا الناس فتساندهم مهما كانت عقيدتهم كما جاء في إعلان منظمة المجامع الأسقفية لإفريقيا الشرقية في دورتها المنعقدة في بلانتير (ملاوي) في أيلول 1978: “إننا لا نجعل اهتمامنا بالكاثوليك وحدهم. إننا نريد أن يعرف جميع المسيحيين وغير المسيحيين بان مصيرهم يهمنا. إننا نرغب مقاسمة حياتنا الجماعية معهم”. وهكذا تفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الكنيسة والدولة، وتصبح جماعات القاعدة خميرة تحرر وتعاون وانفتاح وحوار.

       إلى اليوم كانت السلطات السياسية تتعامل مع السلطة الكنسية وكأنها هي وحدها الكنيسة. ومما كان يسهل هذا التعامل كون الوزراء والأساقفة في معظم الأحيان من خريجي المدارس أو الجامعات نفسها أو كانوا أصدقاء الطفولة، مما يوحي بتلاحم  مصلحي ومصيري بين الكنيسة والدولة في بعض الأقطار. غير إن ظهور جماعات القاعدة في حضن الكنيسة، يعيد كنيسة إفريقيا إلى الشعب وتبدو هذه الأخيرة كلسان حال الوضعاء والفقراء ولا تعود تعكس مصالح طبقة حاكمة معينة. وبقدر ما تلتصق هذه الجماعات بمعانيات الناس وطموحات الشعب وتأخذ على عاتقها مهمة توعية الريف والمدينة معا، بقدر ذلك تصبح خميرة تحرر اجتماعي واقتصادي وسياسي.

    إن المسيحيين الإفريقيين يريدون اليوم المساهمة في بناء إفريقيا عصرية وأصيلة ويطالبون بان يكونوا “في قلب الاختيارات الكبرى لبلادهم ويلعبوا فيها دور الخميرة الإنجيلية من اجل الحرية الحقة” بكلمة واحدة مثل هذه الكنيسة تطمح في أن تصبح “ضمير المجتمع” ولكن هذا الطموح هو للخدمة لا للتسلط. فقد جاء في محضر الفريق الإفريقي في مؤتمر العلمانيين الأنف الذكر:” إن إفريقيا بحاجة إلى تحرر يأتي عن طريق التربية وإنماء الموارد البشرية والطبيعية. وأننا لا نصبح أولاد الله ولا نحصل على هويتنا الحقيقية إلاعبر جهودنا في التطوير والأصالة”.

    ولكن مثل هذه الكنيسة التي تتحرك وتحيا قد تمسي خطرا على بعض الأنظمة التي تفضّلها هيكلا حجريا وجامدا أو مؤسسة تأتمر بأمرها أو في الأقل تبقى على الحياد هامشية. لذا لجأت بعض هذه الأنظمة إلى ضرب الكنيسة واحتواء نشاطاتها كما حدث في جنوب إفريقيا حيث أجبرت السلطات العنصرية مسؤول كنيسة سويتو في نيسان الماضي على غلقها بوجه السود الأفارقة لإغراض غير دينية صرف. كما أوقفت السلطات الإثيوبية في حزيران حوالي 200  شخص من كوادر كنيسة ماكينا يسوس الانجياية لعدم رضوخهم لاستفزازات السلطة. أما في بوروندي فقد طردت السلطات من البلاد 63 مرسلا كحل للخلاف الناشب بين النظام والكنيسة حول جماعات القاعدة  كما أسلفنا.

     ولكن هذه الجماعات الإنجيلية الصغيرة لا زالت في خطواتها الأولى وتجربة السنين القادمة ستكشف لنا عن قابلياتها لتطوير المفهوم الدينامي للحياة المسيحية بصفتها التزاما جدليا وواعيا بالإيمان وبالواقع المعاش. وغني عن القول إن مثل هذا الالتزام الجدلي سيوجب على معتنقيه إعادة نظر جادة في الأطر والبنى الاجتماعية والدينية والكنسية السائدة. وستحتاج هذه الجماعات باستمرار إلى تعميق الثقافة الدينية لفهم الأسس الفكرية الرسولية واللاهوتية لهذه القراءة الجديدة للالتزام المسيحي، لئلا تتيه في الشكليات وتبقى عالقة على السطح.  

)))))))))))))))(((((((((((((((

يسوع والحرية 

ملف العدد/152 لعام 1980 

لكثرة ما ملئت اذاننا منذ طفولتنا وما قراناه في كل الكتب الدينية والتقوية واللاهوتية

عن ان المسيح ابن الله، وما طبعت عليه اذهاننا وحسن عن عن عجائب المسيح وخوارقه، بدت حياته لنا تسبح في جو من الروحانية المجردة وفي شبه تسام لايلمس البشرية الا من عل. وفي هذا الملف يقدم لنا الاب جرجس القس موسى يسوعا مناضلا ونبيا الى جانب الفقراء والمقهورين، اليوم.. كما كان البارحة.بذلك لايدعو الى طمس وجه يسوع الالهي في الظل، واما الى روية جديدة ليسوع التاريخي، والى قراءة جدلية لبعض النصوص الانجيلية المالوفة واعادة “هجوميتها الثورية” اليها.

في اواسط الستينات شاهد اباء المجمع الفاتيكاني الثاني في روما العرض الاول لفيلم بعنوان “انجيل القديس متى” للمخرج الايطالي الشهير بازوليني.

وهناك رواية تقل بان  لاخراج هذا الفيلم قصة مفادها ان صاحبه، وهو ماركسي النزعة والتفكير، عثر على نص انجيل القديس متى عن طريق المصادفة في غرفته في الفندق. فتناول الكتاب بدفع الفضول ولم يلقه،ولا استجاب لنداء النوم حتى جاء الى اخره، فاكتشف من خلاله رجلا احب الفقراء ووضعاء الناس واستمات في سبيل تحريرهم من الاستغلال وكل انواع الاستلابات. فكان جزاءه ان اعدم لانه زعزع ركائز الحكم القائم وفضح مصالح الطبقة الحاكمة وزرع بذرة الثورة في نفوس المستغلين.

لم يكن بازوليني لاهوتيا ولا ازاد من خلال صوره ان يقدم شحصية المسيح الالهية، بل استبعد من عمله مثل هذا التصوير، لذا تململ بعض الاباء من “روح” الفيلم،

غير انه ببقائه امينا وحريصا على النص الانجيلي “بمادتيه” جعلنا نكتشف الوجه الاصيل الاخر ليسوع، اعني به وجهه التاريخي الانساني بكل غناه ومعانيه من اجل تحرير الانسان الكامل،وبذلك كشف لنا جانبا ديناميا من وجه يسوع المخلص.

وهو هذا البعد نفسه الذي نحاول الكشف عنه في هذا المقال. من خلال نصوص انجيلية تعودت عليها اذاننا حتى فقدت “هجوميتها” سنحاول العودة الى يسوع التاريخي- وهذا مايجعلنا نفضل هنا اسم “يسوع”على لقب “المسيح” باعتباره الاسم الشخصي الذي ناداه به الناس-ومن خبرته الذاتية سننتقل الى تعليمه ومن ثم الى مشروع الانسانية الجديدة التي جاء لتحقيقها. اليس ذلك معنى “العهد الجديد”؟

ولكن هذه القراءة الجديدة للانجيل سنقوم بها على ضوء التحدي الذي يشهده مقهوروا العالم وصغاره بوجه تلامذة يسوع اليوم بالذات،هولاء المقهورون الذين يطالبون كنيسة يسوع ان تكون امتدادا وتجسيدا واقعيا محسوسا وجهاديا لرسالة يسوع التحررية.

                     نبي الانسانية الجديدة

من وجهة نظر تاريخية وموضوعية لم تكن الديانات على اختلاف انواعها مجرد اطر “روحانية” و “وجدانية” اتنظيم علاقة الانسان بالطبيعة وبخالق الطبيعة،بل كلها جمعاء لعبت وتلعب دورا وظيفيا مهما في تكوين وتطبيع المجتمع سواء بتاطير ضمن سنن وشرائع وثوب وعقاب،او بمقاومتها اخطاءه وانحرافاته.

واذ اخذنا الديانات السماوية لراينا ان الانبياء مثلوا بالاحرى هذا الجانب الاخير حيث لعبوا دور الناقد والرائي والشاعر الذي يرى ماوراء الظواهر ويسلط الاضواء على جوهر الامور ويستبق وقوعها بحدسه النبوي.

يسوعنا ياتي في خط هؤلاء “المناضلين” الذين ما انحرفوا عن وظيفتهم النبوية حتى قادتهم صلابتهم وامانتهم لرسالتهم الى الاستشهاد. اننا لاننتقص من

شخصية المسيح اذا ما جعلناه في صف الانبياء –وهو الاعظم– لان النبوة ليست قراءة الغيب بقدر ماهي قراءة الحاضر لاعداد المستقبل او قراءة المستقبل على ضوء الحاضر، من جهه، ومن جهة اخرى النبوة غوص في البعد الجوهري للاشياء والاحداث وللحياة الخاصة و العامة ولتقويمها ولوضعها في اطارها الكوني والاجتماعي الطبيعي، هذا الاطار الذي يضم الله والانسان –كفرد ومجتمع– في علاقة صميمية من المشاركة والمحبة والانجذاب والوحدة. وهل اكثر من يسوع من عاش وعلمنا ودعانا الى هذا الكشف والى مثل هذه الرؤية الالهية – الانسانية للكون والحياة والمجتمع؟!

                              “ملكوت الله” – الانسانية الجديدة

ولكن ماهي رسالة يسوع النبوية الى الانسانية؟

الاناجيل اربعتها تعكس لنا يسوعا همه الاكبر ان يجعل الانسان وارادة الله المتجلية  في التاريخ “في حالة مجابهه”، وان يدعو الجميع التجاوب مع هذه الارادة بصورة شخصية وحرة. ودعا يسوع هذا التجاوب “توبة”، والوحدة بين الله والانسان دعاها “ملكوت الله”: “لقد تم الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وامنوا بالانجيل” (مر1 :15).

 يسوع لم يعطنا اي تحديد منهجي لهذا “الملكوت” ولكن تعاليمه تحمل الاسس الوافية التي بموجبها يمكننا تحديد صفاته لاسيما في خطبة الجبل:

“هنيئا لاولئك الذين عرفوا حاجتهم الى الله، فان لهم ملكوت السماوات

هنيئا للباكين، فانهم سيعزون.

هنيئا للمساكين بالروح، فانهم سيرثون الارض.

هنيئا للجياع والعطاش الى انتصار العدل، فانهم سيستجابون.

هنيئا للرحماء، فانهم سيرحمون.

هنيئا لانقياء القلوب، فانهم سيعاينون الله.

هنيئا لفاعلي السلام، فان الله سيدعوهم اباءه.

هنيئا للمضطهدين من اجل قضية الحق، فان لهم ملكوت السماوات”

ان قراءة دقيقة لهذا النص تكشف لنا عن ان يسوع يرى في كل خبراتنا البشرية وجهين، احدهما سلبي والاخر ايجابي. فالسلبي يعكس نقصا المعرفة والتفكير والحب والوجود، اما الايجابي فيضم عناصر الحقيقة والجمال والصلاح التي فينا. فالرفض والقبول هما وجهان لعملة واحدة. ورفضنا الشر معناه قبولنا للخير، لذا كان مثل هذا الرفض مدخلا الى تحقيق الخير، وبذلك يصبح نذيرا لللامل.

هكذا يمكننا اعتبار خطبة يسوع على الجبل خطبة الامل والرجاء اللذين يبشر بهما كحل بديل لاخراج الانسان من ضعفه ومن استسلامه للامر الواقع وبعث النخوة فيه لاكتشاف قابلياته وامكاناته الذاتية لتحريره من عبودية وسلبيات اليوم،وذلك لبناء غد افضل. من هذا المنظار يحمل الامل الذي يرشح من روح الخطبة ومفرداتها عنصر التحدي والدينامية والتغيير وليس الاستسلام والمسكنة كما قد يخال للبعض.لذا دعيت هذه الخطبة “ميثاق العهد الجديد” لانها تضع اسس التعامل الجديدة بين الانسان والله وبين الانسان واخيه الانسان، ويطيب لنا نحن ان نسميها مشروع الانسانية الجديدة التي يعبر عنها يسوع بعبارة “ملكوت الله”.

                                                        مشروع ضمن التاريخ

صفات ملكوت الله او الانسانية الجديدة في تفكير يسوع هي اذن ورقة الروح ونقاوة القلب والضمير،انها القناعة والسلام ونفي لكل جشع واستغلال وانانية في التملك والتسلط. انها العمل من اجل اعادة الحقوق المهضومة واحقاق العدل وبناء الاخوة. ملكوت الله هذا يصبح اداة للقضاء على التفرقات العنصرية والحضارية والجنسية وحتى الدينية ومرجعها لتحرر الانسان من كل استلاب وعبودية مهما كان مصدرها ومهما كانت طبيعتها. ولكن هذا التحرير ليس فقط تحررا “من”، بل ايضا “تحررا “من اجل”، اعني ليس مجرد تحررمن قيد ما، بل تحرر من اجل قضية، من اجل تحقيق مشروع ما. بهذا المعنى يعني التحرر “القدرة على” – القدرة على الخلق والمبادرة، القدرة على التعاون والعمل المشترك، القدرة على النقد الذاتي، القدرة على الحب مع كل ما تتضمنه هذه المسميات من الم وتضحية وداب واستعداد دائم للبدا يات.

وملكوت الله هذا ليس مشروعا لما بعد الموت، كما يتوهم قوم، خارج التاريخ الانساني. انه يمد جذوره هنا والان في خبرتنا وضمن جماعتنا الانسانية وتاريخنا الشخصي والجماعي: “ملكوت الله فيما بينكم” لذا فتحقيقه منوط بتحقيق المحبة في ومع الاخرين. ان اروع شاهد لذلك نراه في مثال السامري الصالح (لو:25 – 37) وفي اسس الدينونة الاخيرة حيث تقتصر المحاسبة على المواقف تجاه الجائع والعطشان والسجين والعريان والمنبوذ والمظلوم (متى25 :34 – 46).

هكذا الانسانية الجديدة انسانية منفنحة،متجددة،مسؤولة بامكاننا ان نتعرف على وجهها حيث العميان يبصرون، والصم يسمعون، والعرج يمشون، والبرص يشفون، والمعتقلون يطلقون احرارا، وغيرالمحبوبين يصبحون موضع حب، وفاقدو  الامل يكتسبون الامل من جديد.

انها رؤية نبوية ولا شك للعهد الجديد الذي لا يتحقق الا عن طريق المشاركة بين الله والانسان، هذه الرؤية التي نرى صداها في ما يمكننا تسميته “بيان يسوع” وقد تلاه في مجمع الناصرة في مفتتح بشارته: “روح الرب علي، لانه مسحني لا لابشر المساكين، وارسلني لانادي للماسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، واطلق المرهقين احرارا” (لو 4 :18).

        انها رسالة تحرير وتحد وثورة حقيقية .

                         الفقراء سيرثون الارض

عندما قال يسوع : “طوبى للفقراء فانهم يرثون الارض” بمن كان، ياترى، يفكر وممن كانت تتكون طبقات الشعب الفلسطيني في زمانه؟

اذا كان الانجيل “كتاب سيرة يسوع” فهو يعكس ايضا اوجهها من التركيبة الاجتماعية والفكرية والسياسية في زمانه، واذا حللنا مليا هذه التركيبة لوجدناها هرما تتصدر قمته اسر الاغنياء التي تشكل الطبقة الحاكمة السياسية (الهيرودسيون وانصارهم وعملاء روما ) والدينية ( رؤساء الكهنة والصدوقيون والفريسيون والكتبة )، اما قاعدته فكانت تتزاحم فيها الطبقات الفقيرة المتمثلة بهؤلاء الفلاحين الصغار الذين يعملون في حقول اسياد غائبين وهم ضحة استغلال متعدد الجوانب، اذ كان عليهم دفع الجزية لروما تعادل 25% من الانتاج، ورسوم الهيكل تصل الى 22% من المتبقي. كما كانت تجمع “عشور” اضافية منهم للمعوزين والعاجزين. بعد هؤلاء ياتي الكيبة الذين بالكاد يحصلون على ما يسد احتياجهم اليومي، هذا اذا وجد من يؤجرهم كما جاء في قصة فعلة الكرم (متى 20 : 1– 7)

وكان هذان الصنفان تحت رحمة المرابين وقد يتعرض الواحد لبيع نفسة، ولربما زوجته واولاده،الى ان يوفي اخر فلس (متى25:18). ويضاف الى هؤلاء المغلوبين في قاع السلم الاجتماعي العبيد الذين لم يكن لهم اي دور يذكر في العملية الاقتصادية سوى خدمة الاسياد والموسرين في اورشليم.

 نحو هؤلاء كانت تتوجه بالدرجة الاولى ابصار يسوع : “روح الرب علي لابشر المساكين” (لو18:4). ولكن الفقراء والمساكين الذين عناهم يسوع ليسوا فقط ذوي الدخل الشحيح والمعدمين اقتصاديا، انما يجب اخذ التسمية ببعدها الكتابي كما جاء في اشعيا (فصل61). فالمساكين هم اولئك “المنكسروا القلب” و “الماسورون” و”المعتقلون” و “المحزونون” والمظلومون”، اولئك الذين يسميهم الكتاب المقدس بالعبرية “عناويم” اعني “المنسحقين” ففي مفهوم اشعيا وعلى لسان يسوع يكون الفقراء والمساكين هذه الطبقة البائسة من الشعب التي ترزح تحت عبء الاستغلال ولا تنتظر التحرير من المؤسسات الطاغية ولا من الطبقات “الشبعانة”، بل تضع املها الاخير في الله وحده.

                                                        ثورة على النظام القائم

ولكن يسوع يتكلم بلغة الانبياء، اعني بلغة الطموح والمشروع الذي ينبغي ان ينجز، وانجازه منوط بقلب موازين القوى والتقييم راسا على عقب. فهذا الشاب الغني الذي جاء ينشد “طريق” الحياة لاينظر اليه يسوع بعيني الاغنياء الذين يقيسون كمالهم بتطبيق القانون وببعض التبرعات التي يتصدقون بها من فائضهم على الفقير وبيوت العبادة، بل ينظر اليه بعيني “المعلم” الذي لم يغادر صفوف الفقراء، وهو، لذلك، يتحدى نظاما اقتصاديا وسياسيا يخلق طبقة من المحظوظين على حساب الفقراء. فما يدعو اليه الشاب ليس مجرد تضحية ببعض المال وانما الثورة على هذا النظام والخروج منه لانه “مترع ظلماء”: “امض وبع مالك واعطه للفقراء” (مر21:10)، لا لتنشلهم من الجوع والفاقة وحسب، بل لتساهم في تحريرهم من استغلال ذلك النظام بالذات،  فيشعروا مثلك بانهم بشر ذوو كرامة ومستقبل. هكذا تعود قيمة المال والتملك الى المنطق الذي انطلقت منه اساسا: اداة للانتاج وخدمة لحاجات الانسان والمجتمع، وينتفى منها عنصر التكدس واستغلال التكدس كأداة لبسط النفوذ والسيطرة، كذلك نفهم ملاحظة يسوع تجاه فلسي الارملة. ان هذه الارملة الفقير القت اكثر من جميع الاغنياء لان اولئك القوا مما فضل عندهم اما هي فكل معيشتها بيسوع لم ينظر الى فلسي الارملة بقيمتهما الشرائية بل بقيمة العمل الكامنة فيها بذلك جاء العطاء عطاء فيسوع اذ يجرد الاغنياء من جاه المال انما يفضح زيفهم ويوقظهم على حقيقتهم العارية وينشل من يدهم ثمن السيف الذي يحكمون به والة الاستغلال التي يتخدرون وبخدرون بها لان يسوع جاء من صفوف الفقراء وعلم مخاطر الملكية الخاصة اذا لم تكبح ولانه تحقق بنفسه  كم انه عسر على ذوي الاموال ان يدخلوا ملكوت الله  جعل من قلب هذا النظام شرط اتباعه واملاه على تلاميذه وترك سمعان واندراوس  اخوه شباكهما للحال وتبعاه كذلك فعل يعقوب بن زبدي ويوحنا اخوه العشار وسائر التلاميذ.ولكن ماذا ياترى ينالون لقاء هذا التخلي؟ بطرس احد هؤلاء الاصدقاء الاولين نفسه سأل معلمه بشئ من القلق (ها نحن قد تركنا كل مالنا وتبعناك؟ فماذا يصيبنا) فاجاب يسوع (ما من احد ترك بيتا او امرأته او الدين او ابنين من اجل ملكوت الله لاينال اضعافا في هذا الزمان والحياة الابدية في الدهرالاتي اننا نفهم من ذلك ان السعادة الموعود بها في الانسانية الجديدة تضم كمال الحياة بشقيها المادي والروحي وان حياة الاخوة والمشاركة والعمل  لاحياة الانانية والجشع هي التي تتيح للا تحقيق العدل والحب الحقيقي هذا ما سيفهمه المسيحيون الاولون في اول تجربة اشتراكية وكان كل شئ مشتركا فيما بينهم  وكانوا يبيعون املاكهم ومقتنياتهم ويوزعون اثمانها على الجميع بحسب حاجة كل واحد منهم  وما التجارب الرهبانية اللاحقة سوى صدى ومحاولات لانجاح هذه التجربة،

الروح والكلمة 

ولكن ككل تجربة انسانية قد تحمل هذه المبادرات عنصر ضعفها وقد تصبح مع الزمن اداة تكديس جماعي ومن ثم ركيزة احتواء وانحراف للسلطة كما يحدث اليوم في اصفى التجارب الاشتراكية في العالم فما ينبغي العودة اليه في نداء يسوع هو الجانب النبوي فيه اعني روح المساواة والمشاركة ونبذ مبدأ استغلال الانسان لاخيه الانسان واعادة قيمته الذاتية اليه فلا الفقر بحد ذاته سمه دخول مجانية الى ملكوت الله وللالغني محروم منه لمجرد انه يملك انما الروح هو الذي يحيي فما هو هذا الروح لقد عرض الشاب الغني حظه في الدخول الى الملكوت للخطر حين رفض مقاسمه ثروته بينما حصل الخلاص فعلا لزكا وكان هو ايضا غنينا حين قرر وضع حد لاستغلال الشعب ووزع نصف ماله للمعوزين وفتح اذنيه لسماع احتجاجهم ان امتلاك المال او عدمه حالة طارئة بينما الشرط الثابت لرواد الملكوت وورثة الانسانية الجديدة هو الانفتاح نحو الاخرين ونحو المستقبل وهذا الفقر بالروح                                                 يسوع والمستغلون اليوم

في رسالة يسوع صرخة لايمكن للاجيال الاان تكثف دويها من اجل تحرير الانسان الكامل وولادة هذه الانسانية الجديدة ولكن ما يصيب املنا بالنكسة هو ان بعد الفي سنة من القاء تلك الصرخة لازلنا امام واقع اجتماعي فيه الاغنياء والاقوياء  سواء كانوا ام مؤسسات ام انظمة سياسية او اقتصادية يدرسون من اجل مصالحهم ونفوذهم حقوق الفقراء والضعفاء وحيث دماء الابرياء تمتص وتباع بالسر والعلن فهل اخفق يسوع في مشروعه كما اخفق يسوع في مشروعه كما اخفق انبياء اخرون من قلبه                                                   

  جماعة يسوع

يسوع حي بتعليمه وشهادة حياته وبتلاميذه الذين يترجمون انفتاحهم في واقع التاريخ نحو الاخريين ونحوالمستقبل بصيغة جوع وعطش الى العدل. ويظهر هذا الجوع وهذا العطش، حين يكونان اصيلين، كنضال منظم من اجل التحرير، حتلى اذا جابه هذا النضال قمع السلطة ونقمة الانظمة : “طوبى للمضطهدين من اجل قضية الحق،فان لهم ملكوت السماوات ” متى 5 :10).

من اجل ذلك ستبقى رسالة يسوع ملاذا واملا اخضر لملايين المستغلين ولضحايا الانظمة ذات الحكم المطلق، وللمسحوقين تحت لا مبالاة المجتمعات الاستهلاكية، ولمكبلي اللسان والحرية، وللكادحين الذين ينقدون حياتهم نقدا وبالكاد يحصلون على مايسد حاجاتهم الاساسية :هؤلاء كلهم فقراء الله اليوم. من اجل ذلك سيبقى يسوع هذا يلهم نفرا من الناس اثرو النضال من اجل الحق والعدل والحب،لهم ولللاخرين، على الموت البطيء او السكوت على الظلم والاستغلال.. وليس الاختيار اختيار راحة وطمانينة !ذلك لان لا تغيير جذريا ممكن لا على الصعيد الفردي ولا الاجتماعي، طالما يبقى الحب مكبلا. كما انه لا تغيير جديا يذكر من دون زعزعة البنى الاجتماعية نفسها التي تولد الظلم او الفروقات الطبقية او تكرس نظام الامتيازات.ومثل هذا المشروع لايمكن ان يعالج بالجهود الفردية المبعثرة والمتجاهلة فيما بينها، انما بتظافر الجهود وتنسيقها وتنظيمها وبالانضمام الى كل القوى الخيرة والعاملة من اجل انسانية افضل حتى اذا كانت هذه “القوى” لاتنتمي الى يسوع بصورة معتلنة.

بهذا المعنى نقول بان جماعة يسوع،اي تلامذته المنتمين الى اسمه والى انجيله ليسوا جزيرة منعزلة في عرض البحر، انما هم متصلون اتصالا عضويا وانسانيا بغيرهم من الناس ذوي الارادة الصالحة، عبر الزمان والمكان.  

                                                                 الامل ليس افيونا

ان تضامن المسيحيين مع مواطنيهم،على اقطارهم الخاصة او على صعيد الكرة الارضية، يخلق منهم جميعا مجتمعا انسانيا واحدا، وتضامنهم عمل ليس

“من اجل” تحرير الاخرين  فقط،  بقدر ماهو تحرير “مع” الاخرين. فلهم ان يتعلموا كثيرا من الاخرين، ولهؤلاء الكثير مما يتعلمونه منهم، ومشروع التحرير الذي ورثوه من يسوع لا يتقدم الا عن طريق مثل هذا الحوار والتعاون مع الاخرين. فيسوع عندما رفض المسيحانية السياسية وتحويل الحجارة الى خبز انما رفض اقامة ملكوت الله بوسائل القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ورسالة تلامذته هي رسالته نفسها، اعني جعل حضور الله فيهم مصدر حياة ودينامية من اجل تحرير المقهورين وحفظ قنديل الامل بالتغيير والعدل والحب مضيئا في قلوب جميع هؤلاء. اليس فقدان الامل هو الموت، هو العدم! اليس الرجاء هو مايحفظ الانسان في الحياة والعمل! اليس الامل والرجاء، بهذا المعنى هما التاريخ وهما الرؤية المستقبلية لانسانية متجددة ! اليس هذا الامل بعهد جديد، كما ارسى قواعده يسوع، حافزا ومحركا لمستغلي الارض نحو العمل الجذري للتحرر من طغيان الماضي وعقلياته الجامدة والانفتاح نحو المستقبل ونحو الانسان الحر الواعي المتكامل في ثورة دائمة!

مثل هذا الامل ليس استلابا للجماهير ولا افيونا مخدرا. انما الافيون سيكون في الضياع في متاهة صراع الطبقات، متاهة لا توصلنا سوى الى تكريس هذا الصراع حين يعتبر شبه قدر لا مفر منه. الافيون يكون في المفهوم التقليدي لخلاص النفوس الشخصي، حين ينفرد كل واحد في انانيته ويتخدر في تامين مرقد عنزة له في الجنة لقاء بعض الممارسات التقوية المزاجية. الافيون يكون في مقولات

“الامن القومي” التي على مذبحها تنحر بعض الانظمة – باسم المسيح، ياللسخرية!

الحريات تبرر القمع والانفراد بالسلطة. الافيون يكون حتى في صراع الكنائس المبطن بحجة الحفاظ على اصالة العقيدة.

ان جماعة يسوع لاتشترك في تحرير المساكين وبناء الانسانية الجديدة الا بقدر تضامنها معهم ومشاركتها فعليا في صراعات الشعب اليومية، ليس بالوعظ والارشاد فقط، بل بالتضحية والمجازفة والالتزام الفعلي، وبالعيش ضمن التاريخ والمجتمع، لا على الهامش او في الماضي. بغير ذلك لا يكون لدعوة  يسوع اي تاثير ايجابي يذكر على الجماهير، لان الانسان لا يتحمس لمبدا فلسفي مجرد، وكل مبدا، مهما سما، لايكون واقعيا  في تجسده، لايتبرج في مشاريع ملموسة  تهم حياة الانسان المادية مباشرة لايمكن ان يجذب احدا ولا ان يقنع احدا.

                                                                بين المبدا والسلوكية

من هنا جاءت اهمية تحطيم الفاصل، بين المبدا والمسلك بالنسبة لكنيسة يسوع، وليس لكنيسة يسوع في منظورها الشامل المسكوني فقط، بل حتى في منظورها الوطني المحلي. فمسيحية العراق، مثلا اذا ارادت ان تكون اصيلة وتؤمن استمراريتها في هذا البلد في جو من العافية والخلق، واذا ارادت ان تساهم حقا في بناء العراق الجديد عليها ان تتحرر في الداخل من تقوقعها وخوفها من اطارها البنيوي شبه الاقطاعي، علينا ان تخرج من نزعة المزج برياء بين المواقف اللفضية التقدمية المعلنة والمواقف التقليدية او الرجعية او الاستسلامية التي تمارسها في سلوكيتها واقعا. عليها ان تحرر من لا منطقية الفطنة التي تتحصن وراءها بحجة الحفاظ على استقلاليتها او خوفا من الوقوع في المجهول. عليها ان تفتح ابوابها للامل وللروح النبوي الذي وحده بضمن مستقبلها وعافيتها: في الايمان والشهادة.

 

                                                        الاب جرجس القس موسى  

 

بين الحرية والتشريع

                        بين الحرية والتشريع

منبر حر/نيسان 1978

      بين الحرية والتقليد، بين ديانة الحرف وديانة الروح، بين جمود التشريعات وبين انطلاقة الايمان في البحث عن حرية ابناء الله.. صراعات لا زالت قائمة في الكنيسة، وقد تهدد وجودها ان هي قبلت ان تبقى مؤسسة يطغي عليها روح التشريعات على حساب شريعة المحبة.

     في هذا المنبر يدعو الاب جرجس القس موسى الى تجاوز كل ما يكبل الكنيسة من قيود تفقدها حريتها وديناميتها.  

      عهود طويلة أذلت الإنسان وجردته حتى من إنسانيته، فاستعبدته الطبيعة، واستعبدته الإلهة، ولعبت به الأقدار واستغله المستبدون الذين يعج بهم التاريخ، وقهرته الأديان القديمة بقساوتها وتهويلاتها ومطالبيها، فجاء المسيح وفجر ثورة تحررية شاملة وجذرية تقتلع النظام القديم وتبني على أنقاضه نظاما جديدا في علاقات الناس مع الله، وفي علاقاتهم فيما بينهم، وفي نظرتهم إلى الكون. بكلمة أخرى، جاء المسيح ليحرر الإنسان، كانسان، وهذا التحرير يهدف إلى:

إعادة الإنسان إلى الله، وإعادة الله إلى الإنسان. 

إعادة كرامة الإنسان وقيمته الذاتية إليه. 

إعادة الدين إلى صفاته. 

فتح الإنسان الديني إلى الحياة والكون. 

    الدعوة إذن هي الى التخلص من كل أشكال العبودية والقهر والخوف، حتى إذا فرضت باسم الله أوالدين وذلك لصالح الإنسان، لان الله خلق الإنسان ليسعده، لا ليقمعه. هذه الدعوة بالذات تفتح الصراع

بين الحرية والتقليد

بين المسيحيين والفريسيين

بين شريعة الحياة وشريعة الكتاب

بين الحب والميزان

بين المسؤولية الذاتية والوصاية

  صراع الحرية والتقليد

ما هي الحرية؟

يمكننا أن نعرف الحرية بأنها قدرة الكائن العاقل (الإنسان) على الاختيار في السلوك

والتفكير بحسب قناعاته الذاتية. إذن، الحرية معناها التصرف بمسؤولية، والمسؤولية وليدة البلوغ واستقلالية الشخص. فإذا دعونا إلى أن يمارس الإنسان حريته فمعنى ذلك اننا:

نحترم شخصيته، ونثق بقدرته على التمييز، ونعتبره شخصا بالغا، إذن مسؤولا عن اختياراته وتقرير مصيره، حتى إذا تعرض للخطأ.

ولكن حرية الفرد تقف عند حدود حرية الآخر، وإلا اصبحت فوضى.

والتقليد ما هو؟

التقليد هو مجموعة الأسس والعادات والممارسات التي خلفها الآباء نتيجة خبرتهم

الشخصية أو ما ورثوه هم أيضا من أجدادهم.

      وفي المفهوم الضيق يكون التقليد هذه القواعد الموروثة والتي نسير عليها أو فرضت علينا بحكم العادة والخوف من تبديلها أو تطويرها، وكأنها هي الأساس الوحيد الذي يمكن أن ينقذنا.  ولكن لا ننسى إن التقليد هو أيضا سلوكية قامت على حركة الحياة وأضيف بعضها إلى البعض عبر الزمان والمكان. فإذا اتسم التقليد بالجمود،وجاءت “قدسيته” من كونه “تقليدا موروثا” لاغير، دون الاهتمام الموضوعي بمضمونه ومراميه، انتفت فائدته وأصبح استلابا وانتقاصا، وبالتالي فاسدا وعرضة لأن يستعبد الإنسان ويكبل حريته، فيجب، والحالة هذه التخلص منه.

من هنا، جاء الصراع بين المسيح والفريسيين بين شريعة الروح الذي يحيي وشريعة الحرف الذي يقتل

     ليس الفريسيون أعداء المسيح، كما يتوهم البعض، فإذا ناوء المسيح الفريسيين على طول الخط، فلان هؤلاء القوم، وهم رعاة الشريعة ومفسرو التوراة المتعصبون لقداسة الله والداعون إلى الممارسة الدينية بأمانة وحرص، قد حنطوا الديانة وجمدوها في قوالب مادية صدئة، فجعلوا من قشور تقاليدهم واجتهاداتهم الضيقة ديانة جديدة، ديانة الحرف والكلمة التي تقتل، وأهملوا الروح الذي يحيي. فآل بهم منطقهم المرائي إلى تصفية البعوضة وابتلاع الجمل.. لقد صوروا الله عاتيا، مستبدا، بينما هو أب رحيم. يتنجسون من العشارين والوثنيين. بينما يسوع يشرب الخمر مع العشارين ويصادق البرص والخطاة وكل من نبذهم المجتمع، متحررا من كل عقدة تجاه أي إنسان، يتصرف بحرية وصفاء واحترام تجاه ألسامري والمرأة والفقير والغني والوثني.. الفريسيون حللو وحرموا، بينما يسوع يقول: كل شيء طاهر لذوي النيات الطاهرة. الفريسون يقولون: موسى قال كذا، أما تلميذ يسوع فليس هو من يكتفي بالقول: يا رب، يا رب، ويستكن إلى بورجوازية دينية لا تكلفه شيئا، بل هو من التزم واستمع وانفتح وكان جريئاً على أن يتحاور مع ذاته ومع العالم.. للفريسيين السبت أعظم من الإنسان، بينما يسوع يريد تحرير الضمير المستعبد ويتمرد على استعباد الشريعة للإنسان، لان السبت والشريعة والدين نفسه، كلهما في خدمة الإنسان، لتحرره لا لتجمده: “الساجدون الحقيقيون، بالروح والحق يسجدون”.  هكذا انتشل المسيح الدين نفسه من براثن الشريعة والفريسية التي خنقت حرية الفرد ومبادرات الجماعة في ممارسات خارجية جامدة ابتعدت كثيرا عن الهدف الذي وضعت من اجله.

     ولكن هل انتهت الفريسية تماما؟

     الفريسية تتخذ، أو اتخذت فعلا، أقنعة جديدة:

     1 – في ما يخص الممارسات الدينية والمواقف الجامدة من كل تطويرأو تجدد في الحياة المسيحية.

     يستند الإيمان على  حقائق وعقائد ثابتة، إلا أن التعبيرعنها يمكن ان يتخذ أشكالا مختلفة باختلاف العقليات والحضارات والمكان والزمان. والتعبير، مهما كان ضروريا فهو نسبي، ومن ثم مرحلي يمكن تجاوزه إلى صيغ جديدة.

2 – في ما يخص العقلية التي ألهمت الشرائع والقوانين التي تسير سلوكية المسيحيين أو التي نعتمدها السلطة الكنسية في كثير من الأحيان.

دور الشريعة في الحياة المسيحية الشريعة لماذا، إذن، ما هو دورها في الحياة المسيحية؟

      الشريعة ضرورية لتنظيم حياة المجتمع، والكنيسة، كأي مجتمع أنساني، تحتاج إلى تعبير تشريعي لتنظيم حياتها وطقوسها وعلاقات بنيها يبعضهم ومع غيرهم، ولكن هذا التشريع يبقى للخدمة، لا للسيطرة انه بمثابة إشارات ضوئية للتنبيه، أو صيغ مقترحة لمساعدة المؤمن قبل أن تصبح فرضا، أو نداء يجب  تجاوزه إلى ما يرمي إليه،لا إلى الحرف الذي يحدده، ويجعله لا أكثر من نص جامد أو مادة قانونية جل ما تستطيعه إن تعاقب من يخالفها. فكل شريعة تتوقف قدرتها عند تطبيقها الحرفي تعتبر فاشلة.

كل شريعة تقمع حرية الإنسان يجب أن تقتلع. كل شريعة ترفض أو تستعبد التطور والتجدد والتغيير، تعتبر غير إنسانية، لان الإنسان كائن، حر، يتطور. 

فإذا كانت الشريعة أداة تنظيم، فالخطر كل الخطر يكمن في أن يجمد التنظيم، وتبتلع الروح الخلاقة، باسم النظام والمطابقة وحصر الحياة كلها في قوالب مرسومة مسبقا.هكذا يكون الأمر عندما يصبح الدين مجموعة معتقدات يجب أن يؤمن بها الإنسان، أو مجموعة وصايا يجب أن يتبعها، أو نواحي يجب أن يتجنبها. وإلا خسر الجنة وورث العقاب.. وتسيطر هذه المفاهيم على حياة الناس فيصبح الدين. عوض أن يكون سبيلا إلى إسعاد الناس، أداة لقمعه وتنغيص حياته. 

عن ذلك نتيجتان:

أما أن يبقى الإنسان مستلب الشخصية تحت هذا المنير، في قلق مستمر من مصيره

وفي موقف المتهم والمجرم والخائف.. سيف الله مجرد عليه دوما والويل له إن لم يسترضه بالف وسيلة ووسيلة. 

وأما أن يهجر الإنسان مثل هذا الدين الضيق، بل مثل هذا الإله القاسي. وفي كلتا

الحالتين تشويه لروح الدين، وطبيعة الله، وخسارة للمسيحية، وظلم الإنسان المدعو إلى السعادة والفرح والحرية. 

 

الكنيسة هي وريثة حياة يسوع ورسالته، ويسوع يقول:

“إن حرركم الابن كنتم في الحقيقة أحرارا”

“لم آت لأدين العالم، بل لأخلص العالم”

“وجئت لتكون لهم الحياة، ولتكون لهم أفضل”

     هذه هي أيضا رسالة الكنيسة، والخطر يهددها إن هي أمست مجرد مؤسسة أو مؤسسة بين مؤسسات أخرى تطغي عليها روح التشريعات والمفاهيم الإدارة الفوقية، بكلمة أخرى اقسي ما يهدد الكنيسة هو الانغلاق على الذات الذي تفرزه العقلية الثيوقراطية والبيروقراطية التي تسيطر على كثير من إداراتها ومؤسساتها المسيحية، ديانة نداء لا ديانة سلطة، والديانات السلطوية في طريقها إلى الزوال. في المسيحية السلطة ليست عنصرا جوهريا فيها، ولكنه ضروري، لذا كل مرة جعلت الأولوية للسلطة في الكنيسة على حساب الروح اختل توازنها. والتاريخ شاهد على ذلك. السلطة والطاعة يجب أن تكونا في خدمة مسيحية مؤسسة على النداء الحر والعطاء الحر، شريعة الكنيسة الكبرى هي نفسها شريعة المسيح الجديدة: شريعة الحب. ونحن نعلم أن رباطات وصية الحب هي أقوى من كل رباط آخر. فالحياة في ضل الشريعة والتمسك بحرفيتها أسهل من شريعة الحب التي تجعلنا في حالة اكتشاف مستمر للتصرف الصحيح، الحر،الواعي، المسؤول.. مما حدا بالقديس اوغسطينوس أن يقول: أحبب وافعل ماشت، أي انه جعل المسؤولية في قلب الإنسان ونيته، كما جعل المسيح قاعدة الشريعة في أعماق النفس والضمير. 

        من هنا نصل الى:

دور الضمير ومعنى حرية ابناء الله التي دعانا إليها المسيح  

    الضمير هو قاعدة قناعتنا الذاتية الأساسية، وبالتالي أداة إحساسنا بشخصيتنا واستقلاليتنا، ولا يمكن لهذه القناعة أن تكون سوية إذا فرضتها ضغوط خارجية أو فوقية أو قمعية.. بكلام آخر نفقد شخصيتنا واستقلاليتنا إذا حرمنا من الحرية، وبفقدان الحرية يفقد الإنسان العمود الفقري لإنسانيته. 

فالدعوة إلى اعتماد الضمير والحرية منطلقا لسلوكيتنا وقناعتنا معناه إننا:

– نرفض الوصاية على ضمير الإنسان. 

– ونعترف ببلوغه سن الرشد ونضوجه.  

– ونعيد إليه شرف مسؤوليته الذاتية مع كل ما قد يشوب هذا الموقف من تلمس وبحث، وحتى من احتمال الخطا.

وحرية ابناء الله –بحسب الإنجيل– نفهمها على أنها. 

* دعوة إلى المسؤولية الشخصية.

* دعوة إلى المسؤولية الجماعية.

* الأخذ بشرعية المناقشة والحوار.

* الاعتراف بالروح النبوية في الكنيسة.

* قبول التعددية في الفكر والمبادرات والوسائل.

* فعل إيمان بالروح القدس العامل فينا.

* وممارسة الرجاء المسيحي وثقة بالمستقبل.

أمنيات وحدوية أم

1978 المقالات 

أمنيات وحدوية أم تخطيط نحو الوحدة..!! 

منبر حر/ شباط 1978 

      أصبح الحديث عن الوحدة المسيحية نغمة طالما فقدت عذوبتها لكثرة ما تغنينا بها! ففي كل عام –وبالتحديد في اسبوع الصلاة لاجل وحدة المسيحيين (18-25ك2)- يشدد الخطباء في الكنائس على الم الانقسام وعلى اهمية الوحدة وضرورتها.. وقلما خرجت هذه الامنيات الى حيز الواقع، أو ترجمت بتخطيط جاد من اجل تحقيقها!

     هذا المقال هو في الاصل كلمة القيت بمناسبة اسبوع الوحدة في 25 ك2 1977 في كنيسة الطاهرة للسريان الارثوذكس بالموصل، نثبتها هنا علها تلقى صدى في نفوس من يهمهم ان تصبح هذه الامنية العزيزة واقعا ملموسا.

      إننا لا نفصح سراً إذا ما قلنا بأننا أصبحنا أضحوكة وموضع تندر بانقساماتنا –لاسيما في مناسبات الأعياد-، حتى الكنيسة الواحدة مقسومة إلى فريقين أو أكثر: هذا واقع مر ولا منطقي. اللامنطق ليس أن تضم الكنيسة شعوبا وطقوسا ولغات وثقافات مختلفة، فهذا غني ودليل على شموليتها اللامنطق ليس في أن تعتز كل جماعة بتراثها وطقوسها وتاريخها، فتلك غريزة طبيعية وحرص على الأصالة. إنما اللامنطق والشكوك هو أن نكون على مسيح واحد ورجاء واحد وإنجيل واحد وأسرار واحدة ونبقى مع ذلك منقسمين عل ذواتنا ونحوم حول مشكلة انقسامنا وكأننا العبرانيون ندور حول اسوار أريحا لتسقط من ذاتها بفعل نفخنا، وهكذا نعيش دوامة الأزمة سنة بعد سنة .

       طالما قيل إن اللاهوتيين والفلاسفة  والساسة والرؤساء الكبار هم الذين صنعوا الانقسام، وان الإيمان بيننا واحد، وان ماسيعيد الوحدة هو المحبة! رؤساء الكنائس أنفسهم، وحتى المثلث الرحمة البابا يوحنا الثالث والعشرون بكل طيبة قلبه،  قالوه بصورة أو بأخرى.. ومع ذلك لازلنا منفصلين، إذ بعد التصريحات نعود إلى انفراديتنا واكتافئنا الذاتي الذي ولدته أجيال من الانفصال والتربية المتوارثة وحتى الحذر.. ونبقى نسير في طريق مسدود.

      بماذا يحكم المسيحي الاعتيادي على مثل هذه التصريحات “الوحدوية” والأمنيات البروتوكولية التي لا تترجم إلى واقع ملموس. هذا المسيحي الذي يصدق مربيه الروحيين وقادته لا يفهم شيئا من كلام الفلسفة وفلسفة الأولويات والكراسي، ويهمه فقط أن يكون المسيح الرب واحدا للكل وإنجيله  قاعدة حياة للجميع، بماذا يحكم هذا المسيحي الاعتيادي على رؤسائه في مثل هذه الأحوال؟ يحكم عليهم بأنهم: إما لا يريدون الوحدة الفعلية حقا لئلا يخسروا امتيازاتهم أو يعكروا صفو طمأنينتهم، فأمورهم ماشية جيداً هكذا، وإما أن لهم مرامي احتوائية للوحدة، اعني أنهم يرفضونها إلا إذا كانوا هم مصممي الحركة وبحسب وجهات نظرهم الخاصة التي قد لا تخلو من التحجر والتعصب! قد يكون الحكم قاسيا، واستميح المعذرة من السادة رؤسائنا. ولكن بماذا نصف تعثر الحركة المسكونية، حتى على الصعيد العالمي، وتراوحها في محلها في الفترة الأخيرة؟ بما نصف الخوف من الاقتراب أكثر من بعضنا المعلنة إلى وقائع  الشعب المسيحي هنا في شرقنا؟

      إننا أصبحنا نعرف بماذا يجيب المسؤولون الكنسيون، لاسيما في المراتب الكبرى، عندما يجابهون بمثل هذه المواقف: “أنها ليست قضية رفض، يقولون، بقدر ما هي فطنة، فطنة لئلا نخطو خطوات عرجاء بتهورنا واندفاعنا العاطفي فنسيء إلى قضية الوحدة بالذات!”. نحن نؤمن بالفطنة، ونريد أن تكون خطوات الوحدة والتقارب ثابتة، ولكن الفطنة تصبح عقيمة والتشبث بها نوعا من التهرب والقبول بالأمر الواقع عندما لا ترافقها أية حركة أو محاولة أو دراسة أو تهيئة نفسية. اجل، من لا يتحرك لا يتعرض للسقوط، ولكنه يتعرض للجمود، والحياة ليست للجامدين. الوحدة المسيحية، كأي مشروع كبير، تتطلب الشجاعة ولا تنفي المجازفة. أنها تتطلب قبل كل شيء إرادة الخروج من الانفرادية والأطر المألوفة للقاء الآخر للعمل سوية كل ما يمكن عمله سوية، سبل تحقيق الوحدة كثيرة ومتعددة وعلى أكثر من صعيد، ولكنني أركز هنا على نقطتين هامتين، يمكن، في تقديري، أن تكون لهما أبعاد ايجابية جدا على الصعيد المحلي، أوجزهما بعبارتين مركزتين:

لا تعملوا منفردين ما استطعتم عمله سوية.

إخراج قضية الوحدة من انتظار مبادرات السلطة الكنسية إلى إرادة الشعب المسيحي.

 قد يبدو الشعاران متناقضين، ويحملان بعض الاستفزاز.

لاتعملوا منفردين ما استطعتم عمله سوية:

     هذا القول ليس لي، فقد قاله أسقف من المع أساقفة الكنيسة الأولى هو القديس اغناطيوس الإنطاكي. ففي رسالة إلى مسيحيي مغنيزية عن الوحدة كتب: “عبثا تحاولون امتداح عمل أتيتموه منفردين ، فليس صالحا إلا ما تصنعون مشتركين”.

    الوحدة ليست مجرد وثيقة يوقعها الرؤساء، بل اقتناعا يكتسب تدريجيا، وحياة تعاش كل يوم، غير إن الحوار الذي فتح بيننا وصل منعطفا سيبقى فيه مجرد مجاملات ما لم تعززه مبادرات عملية على الصعيد الواقعي.

    إننا لا ننكر أن تبدلا محسوسا في المواقف قد حدث، وبعض المبادرات قد اتخذت فعلا كالمشاركة في الصلاة في بعض المناسبات، وتسهيل الزيجات المختلطة، ومناهج التعليم المسيحي الموحدة، وفي بعض الأماكن كالموصل التقويم الموحد، والندوات الدينية المشتركة، ولجنة التثقيف المسيحي. ولكننا نتطلع إلى المزيد. فكم من أمور نستطيع ان نقوم بها مجتمعين ولا زلنا نعالجها منفردين، كل طائفة على حدة، أو كل أسقف حسب اجتهاده الشخصي، فتاتي ناقصة!

    في ما يلي أورد بعض الأفكار والاقتراحات أرضية للعمل الوحدوي المشترك على المدى القريب، وعلى صعيد أبرشيات القطر العراقي، وبالتالي لكنائسنا البطريركية:

القيام بحملات توعية عن طريق المواعظ والمحاضرات والندوات والصحافة المسيحية

وتربية الناشئة تربية مسيحية تنزع الانفرادية والطائفية الضيقة من أذهانهم.

استحثاث الوحدة بالصلاة المشتركة في الكنائس المختلفة، ليس فقط بمناسبة أسبوع

الصلاة السنوي. وكذلك بالمشاركة الطبيعية في الاوخارستيا التي تجمعنا إلى المسيح الواحد. ويمكن أن تكون قداديس الشباب الشهرية التي تقام في الموصل نموذجاً لذلك.

إزالة كافة الشكليات أو التعقيدات التي ترافق الزيجات المختلطة.

التعاون وتنسيق العمل إلى أقصى حد في مجالات النشاطات الاجتماعية.

توحيد الجمعيات الخيرية والأوقاف.

تشكيل لجنة مشتركة لشؤون المدارس وتطوير مناهج التثقيف المسيحي الموحد

ومتابعتها بحسب ما يلائم روح العصر وحاجة الناشئة والبالغين.

تشكيل هيئة عليا، من أساقفة وكهنة وعلمانيين من جميع الطوائف لدراسة مبادرات

التقارب والتنسيق والتوحيد في جو ديمقراطي اخوي، وتكون مسؤولة أيضا عن توحيد الكلمة في المناسبات الوطنية والالتزامات القومية وتمثل المسيحيين لدى السلطات المدنية.

مشاركة الأساقفة الأرثوذكس في اجتماعات الأساقفة الكاثوليك الدورية.

ولعل أهم اقتراح وأقربه إلى قلوب جميع المسيحيين هو العمل الحثيث لتوحيد عيد القيامة، اقله على صعيد العراق.   

        أما النقطة الأخرى:

  إخراج قضية الوحدة من انتظار مبادرات السلطة الكنسية إلى إرادة الشعب المسيحي     فقصدنا منها هو الأتي:

        إلى الآن كنا نقول بان تحقيق الوحدة هو بيد السلطة الكنسية، فان قالت توحدنا وإلا… وهكذا وضعنا المفتاح بين أيديها وحدها ووقفنا ننتظر. لاشك إن للسلطة الكنسية دور القيادة، ولكن القائد الحكيم والناجح هو من يحسن سماع أماني شعبه ولا ينفرد في طريقة حكمه، والشعب الواعي الناضج هو الشعب الذي يدعم قائده بمبادراته واقتراحاته وحتى بإصراره. بوسع الشعب المسيحي، من أية طائفة كان، ومن دون أن يتنكرلعقيدته وتقليد كنيسته الخاصة، أن يبادر إلى تنوير رؤسائه بسبل تحقيق خطوات عملية معينة نحو الوحدة، فيكون عنصر ضغط ومبادرة في آن واحد. إن نحن، كشعب مسيحي، أردنا تحقيق خطوة وحدوية لا تمس العقيدة، وألححنا على ذلك قولا وفعلا،،أفلا يستجيب الأساقفة؟ أفلا يوصلوا أصواتنا إلى البطاركة ويدعموها ويعملوا على تنفيذها؟

      لقد آن الأوان لان يمارس الشعب المسيحي دوره –أو على الأقل أن يمارس دورا اكبر– في تحقيق الوحدة المسيحية، وعدم الانتظار بجمود أن تأتي كل المبادرات من السلطة. إن بقينا على ذلك فسوف نصل متأخرين على كل شيء. ولربما بعد فوات الأوان! طالما سمعنا بان الوحدة تبنى بالمحبة، فهل ننتظر إشارة من الرؤساء كي نحب بعضنا بعضا  ونوحد جهودنا في كل ما لا يخضع لسلطتهم المباشرة؟

     إننا لا ندعو إلى التمرد، بل الى تحمل المسؤوليات مع رؤسائنا الأجلاء. فهم بحاجة إلى دعمنا وتأييدنا، ونحن معهم  وهم معنا نكون كنيسة المسيح. لا يجوزلنا أن نلقي على الرؤساء تبعة الانقسام كلها وعبء إعادة الوحدة. الوحدة عمل جماعي. فكم من مبادرة محلية تقع ضمن صلاحية الأساقفة وضمن الضوء الأخضر الذي أعطته السلطة البطريركية أو البابوية أو المجامع لا تحتاج لكي تتجسد في الواقع، سوى إلى تفهم الشعب المسيحي أو مطالبته وإصراره!