الفكر المسيحي 1984

الفكر المسيحي1984

 

مجلة الفكر المسيحي 1984

72

المسيحية في المغرب العربيملف                  

193

آذار

1984

73

دير مار بهنام واخته سارة   تحقيق     

190

ك1

1984

المسيحية في المغرب العربي

ملف/ اذار1984 

       هل انتظرت المسيحية بواخر المستعمرين الفرنسيين أو الايطاليين لتبحر إلى ارض إفريقيا؟

       وإذا كانت فيها قبلهم، فكيف أتت وكيف تطورت؟

       وإذا أرست قدمها فيها بمجيئهم، فماذا بقي منها اليوم بعد أن غادرها الاستعمار؟

       هذا الملف يحاول الاب جرجس القس موسى الإجابة إلى هذه الأسئلة – وقد اعتمد في هذه الدراسة زيارة ميدانية لبعض اقطار شمال افريقيا العربية ورؤية الشواهد الشاخصة لتلك الكنيسة الحية حتى دخول الاسلام، الى جانب مصادر مكتوبة قديمة وحديثة. 

                                                كنيسة شمال إفريقيا، اليوم

        كانت الجزائر أول قطر من المغرب العربي تحتله فرنسا (1830)، ثم تبعته تونس (1881)، ومراكش (1912). وفي السنة ذاتها دخل الايطاليون ليبيا، بينما كانت اسبانيا تحتل بعض المدن الساحلية المراكشية (سبتة، طنجة) والصحراء الغربية التي كانت تضم قسما من جنوب المغرب وموريتانيا الحالية.

      من هنا نرى أن حصة الأسد كانت بيد فرنسا، ليس من حيث المساحة وحسب، بل من حيث الإمكانيات الطبيعية والبشرية والأهمية الستراتيجية والتاريخية للأقطار التي احتلتها، ومن حيث الفترة الزمنية التي بقيت فيها (132 سنة في الجزائر، 75 في تونس، 42 في المغرب ). وكانت سياسة فرنسا في هذه الأقطار ذات منحي استيطاني – ثقافي، حيث جعلت من اللغة الفرنسية قناة التعليم والتداول الرسمية الوحيدة، تاركة في الظل – فوق ما كانت عليه إبان الاستعمار العثماني – اللغة العربية. كما شجعت فرنسا الهجرة من “الوطن إلام” وأوربا إلى شمال إفريقيا، ولا سيما الجزائر. لذا فقد غطى المستعمرون المدنيون الفرنسيون سفوح جبال وهضاب مقاطعات وهران والجزائر وقسنطينة وعنابة بالكروم والأشجار المثمرة وحقول الحنطة. بينما اهتم الأسبان – وبعضهم ينحدرون من اسر أندلسية بدلالة أسمائهم العربية الأصل – والايطاليون بصيد الأسماك. أما المالطيون – وتكاد تسمع إحدى اللهجات العربية عندما تسمعهم يتكلمون – فيمتهنون التجارة في منطقة عنابة وفي ليبيا. إلى كل هؤلاء يضاف عدد لا يستهان به من الحرفيين والإداريين والعسكريين وكوادر التعليم والاقتصاد.

وافدون مقيمون

        وهؤلاء الذين ندعوهم “مستعمرين” كانوا يعتبرون أنفسهم بكل راحة بال، بل باعتزاز، مواطنين  جزائريين أو ليبيين، على قدم المساواة مع المواطنين الأصليين المسلمين. وقد قطع معظمهم فعلا، منذ الجيل الثاني، لاسيما في الجزائر كل صلة مع الوطن إلام، وتجذر  في الأرض وبنوا بيوتا وقرى وكنائس الى جانب أو وسط التجمعات السكنية العربية. وعندما نعلم أنهم تقلوا معهم إلى أوطانهم الجديدة كل تقاليدهم الاجتماعية والفكرية ومؤسساتهم الثقافية والدينية، وان الكنيسة نظمت خدمنها تجاه رعاياها ومارست نشاطاتها الدينية والاجتماعية والثقافية بصورة طبيعية.. عندما نعلم كل هذا، ونأخذ بعين الاعتبار العناصر السابقة يمكننا تكوين فكرة عن طبيعة المسيحية في أقطار شمال إفريقيا العربية إبان الوجود الفرنسي وعن كثافتها العددية والجغرافية وتركيبتها الاجتماعية. أما كوادر الكنيسة فكانوا فرنسيين –إلا ماندر– وفي فرنسا نالوا تنشئتهم، لذا كان وجه الكنيسة كاثوليكياً –لوفود إتباعها  من أقطار كاثوليكية في أكثريتها الساحقة– وفرنسيا أيضا، ليس في الأشخاص حسب، وإنما في الارتباط الفكري والمعنوي بكنيسة فرنسا.

     وقد تعززت مكانة الكنيسة الكاثوليكية ومؤسساتها المختلفة بصورة متميزة في الجزائر، لضمها اكبر عدد من المؤمنين ولتميز السياسة الفرنسية فيها حيث كانت تعتبرها إقليما فرنسيا. فنشأت الأبرشيات والخور نيات والمدارس، وأقبلت الرهبانيات المختلفة، بل تأسس بعضها فيها، ومنها انطلقت، كرهبانية الآباء البيض التي أسسها الكردينال لا فيجري عميد كنيسة شمال إفريقيا ورئيس أساقفة الجزائر عام 1916 للعمل في إفريقيا العربية؛ ومن وحي العلاقات المسيحية الإسلامية وعلى خطى الفيكونت المتنسك شارل دي فوكو لدى قبائل الطوارق في أقصى جنوب الصحراء الجزائرية تأسست رهبانية إخوة وأخوات يسوع الصغار(1932 و 1939).

       فحين تتجول في أقطار المغرب العربي اليوم، لا يمكن ألا تجذب نظرك – أنت المشرقي – هذه الكنائس الفخمة والبارزة، حتى بعد الاستقلال، مثل نوتردام دافريك (سيدة إفريقيا) المطلة على البحر من إحدى قمم مدينة الجزائر بشموخ، وكاتدرائية الاغواط في الصحراء، وكنيسة العذراء وتمثالها على جبل سانتاكروز المطل على خليج وهران، وكاتدرائية تونس ببرجيها الجبارين في شارع بورقيبة وهو الشريان الرئيسي للعاصمة، وكنيسة القديس اوغسطينوس الفخمة في اعلي خرائب قرطاجة بين تونس العاصمة وسيدي بوسعيد… وحتى الكنائس الريفية التي لازالت شاخصة –وان فارغة– في بعض القرى المبعثرة في سلاسل الأطلس الشمالي الجزائري. ناهيك عن المؤسسات الكنسية التربوية والمهنية والصحية والمعاهد الثقافية والمتخصصة بالدراسات العربية التي كانت تشغل –ومنها ما لا يزال قائما– أبنية واسعة وجذابة.

       كل هذا يعكس وجه كنيسة قوية البنية، ذات إشعاع معنوي وجغرافي لا يستهان به. 

o       البقية الباقية

      ولكن ماذا بقي بعد الاستقلال؟

      إن نقطة الضعف الوحيدة –وهي كبيرة وضخمة– في هذه الكنيسة “القوية البنية” هي أنها كانت مرتبطة أولا وأساسا بالرعايا الأوربيين الوافدين، ولم يكن لها جذور وطنية بشرية تعتمد عليها في المستقبل الا نفر قليل، يعدون على الأصابع من القبائل اعتنقوا المسيحية وبقوا على الهامش، لذا فقد وجدت نفسها بين ليلة وضحاها، بعد الاستقلال، كباخرة فرغت بغتة من ركابها على احد السواحل ولم يبق فيها إلا طاقم ملاحيها ونفر من العنيدين. فقد غادر الجزائر وحدها -وكانت تضم القسم الأكبر من المستوطنين المسيحيين المتجذرين من ثلاثة أو أربعة أجيال– مليون وربع المليون من المزارعين والتجار والحرفيين والإداريين أضافة إلى العسكريين، عام 1962 (1). أما ما بقي فأعداد قليلة ممن فضلوا “أرضهم الجزائرية” على العودة إلى بلد لم تعد لهم به أية صلة، وبضعة ألاف من “المتعاونين الثقافيين والفنيين”. أما البنية الكنسية فقد تقلصت إلى الحد الأدنى، مع احتفاظها بشخصيتها القانونية الرسمية أمام الدولة، وبأبرشياتها الرئيسة – وان مبتورة في مراكزها الثقافية والرهبانية ومقاماتها الدينية.

كنيسة إفريقيا

       هذه الكنيسة، الوافدة وحديثة الانتشار، ليست غريبة عن تراث هذه الأرض وتاريخها، فجذورها تمتد إلى أعماق التاريخ الميلادي، وقد لعبت دورا بارزا ومتميزا في تطور المسيحية ككل في الأجيال الأولى، ولمع فيها أكثر من اسم.

o       البدايات.. والانتشار

       المسيحية في إفريقيا يرجح أن تكون قد دخلت منذ القرن الأول، فقد ذكر كتاب أعمال الرسل (2: 1) إن من بين الذين سمعوا الرسل يوم العنصرة أناس جاؤوا من “نواحي ليبيا المتاخمة لبلاد القيروان”. فتفترض أن من بين هؤلاء من حمل معه البشرى الإنجيلية. وقد تكون تلك الخميرة تغذت بجماعات مسيحية اولى قدمت من فلسطين بعد خراب أورشليم سنة 70 واضطهاد تيطس. غير إن الشواهد تتعدى الافتراضات عندما نتغلغل في القرن الثاني لنرى انتشار تكريم الرسولين بطرس وبولس في كنيسة قرطاجة، مما يشير إلى الصلة الخاصة بروما – وكان شمال إفريقيا كله مستعمرة رومانية منذ سقوط قرطاجة الفينيقية عام 146 ق م على يد سيبيون اميليانس. أما أول شاهد مكتوب ومؤرخ فهي أخبار استشهاد الشهداء ألاثني عشر في سيللي عام 180م، ولاسيما قصة استشهاد الفتاتين بيريتوا وفيليسيتا في ملعب قرطاجة في 7 آذار 203.

         ففي نهاية القرن الثاني يبدو إن الكنيسة منتشرة ليس فقط في نوميديا (تونس وشرق الجزائر)، بل في المغرب وموريتانيا وفي بعض الواحات الصحراوية الشمالية أيضا. فقد كتب ترتليانس الإفريقي عام 197 عن انتشار المسيحية في بلاده مخاطبا السلطة الرومانية بتحد، إن دل على شيء، فإنما يدل على كنيسة ذات قاعدة واسعة قادرة أن ترفع رأسها بوجه القوة: “… المسيحيون في الحقول، وفي المدن المحصنة، وفي الجزر، في كل مكان… عمرنا لا يتعدى البارحة ومع ذلك فنحن نملا كل مكان… إننا لم نترك لكم سوى الهياكل. إن عددنا كبير، ونكاد نشكل الأكثرية في المدن “.

o       الحالة الاجتماعية

       أما الجذور الاجتماعية لمسيحية إفريقيا فتبدو في غالبيتها من الطبقة الوضيعة، وخصومها يعيبون عليها ذلك، مثل سلسيوس الذي يضع هذا الكلام في فم المؤمنين: “إذا وجد إنسان خشن، أو جاهل، أو معدم فليأت إلينا بكل ثقة”. غير إن الدين الجديد ما فتئ أن تسرب إلى الطبقات العليا تدريجيا. فالكنائس الفخمة والواسعة التي تكشف لنا عنها الآثار ومستواها المعماري والفني يعكسان وضعا اقتصاديا وحضاريا متقدما.

       فهذه بقايا كنائس قرطاجة وقسنطينة، وتيبازا التي تحتوي مقبرة مسيحية كبيرة دفن فيها مؤمنون من ايطاليا ولبنان ومن مناطق افريقية أخرى، كما تكشف شواهد القبور، تيمنا برفات القديسة سلسة. وشرشال التي وجدت فيها منحوتات تحمل رموزا مسيحية قديمة مثل الحمامة وغصن الزيتون والعنجر. ومدينة الأصنام حيث أزيحت الأتربة عن فسيفساء كنيستها الضخمة المبنية عام 324. وجميلة قرب سطيف التي لازال معبد المعمودية فيها قائما وبالإمكان استخدامه كما هو الآن. وتبسه وتيمغاد اللتان تشهد أعمدة كنائسها الشاخصة حتى اليوم بعظمتها التليدة. وبسكرى، والجزائر، وهيبون التي يردد أديم كنائسها المكسو بالحشائش صدى تعاليم أسقفها الشهير اوغسطينوس… وغيرها من الآثار واللقى المسيحية وبلاطات الفسيفساء الممتدة على طول الساحل من موريتانيا وحتى ليبيا: كلها شواهد على ذلك الماضي الثري.

o       كنيسة نشطة ووجوه لامعة

        كانت هذه المسيحية تتمحور إداريا حول كرسي قرطاجة –وهي أم وعمدة كنائس إفريقيا-. وكانت قرطاجة عاصمة إفريقيا مما يشير إلى مكانتها السياسية ومركزا ثقافيا وكنسيا يختلج بالحركة، فيه عقدت مجامع كنسية إقليمية عديدة ومنه انطلقت تيارات فكرية وجدلية. وإذا أردنا تكوين فكرة أولية على بنية الكنيسة الإفريقية في تلك الأزمنة الغابرة يكفينا أن نعرف أن مجمعا إفريقيا عاما عقد سنة 240 ضم لا اقل من 90 أسقفا إفريقيا، إلى رسوخ قدم المسيحية الإفريقية وتنظيمها. كما اشتركت كنيسة إفريقيا في مجامع مسكونية خارج حدودها الجغرافية، نذكر منها على سبيل المثال المجمع المسكوني الأول في نيقية عام 325، الذي اشترك فيه كما يذكر المؤرخ اوسابيوس “خيرة خدام الله قادمين من أوربا كلها وليبيا واسيا”، ومجمع القسطنطينية عام 533 حيث يرد اسم أسقف كويكول (جميلة). هذا وكانت منطقة قسنطينة غنية بالأبرشيات، ومدينة ايكوسيا (الجزائر) تقدس ذكرى ثلاثة من أساقفتها هم كريشنتس (411)، ولورنتس (419)، وفيكتور (484). ويذكر إن ثلاث باباوات أفارقة جلسوا على كرسي روما هم فيكتور الأول (189 – 199)، وملكياد (311 – 314)، وجيلاسيوس الأول (492 – 496).

        كنيسة إفريقيا، هذه، وَسَمتْها طبيعةُ أرضها ومناخها بطابع الاندفاع والحماس، بل الغلو أيضا، وقد انعكس ذلك ليس في الانحرافات المذهبية العاصفة وحسب، بل حتى في أسلوب الدفاع عن الحقيقة، لاسيما إبان الصراعات العقائدية وظهور البدع المونتانية(2) والدوناتية (3)  والبيلاجية(4). وقد تجسدت هذه الحدة والأمانة للمبادئ في إن واحد في كوادر تلك الكنيسة، اعني بهم الأساقفة بصورة خاصة. من بين تلك الأسماء نقتصر على ذكر أسماء ثلاثة تعد من ابرز وجوه كنيسة إفريقيا وهي: ترتليانس المجاهد الناري، وقبريانس أسقف قرطاجة، وأعظمهم طرا اغسطينوس أسقف هيبون  الذي لعب دورا قياديا ليس في كنيسة إفريقيا وحدها، بل في الكنيسة الجامعة بأسرها، وفي الكنيسة الغربية خاصة.

        ترتليانس:  ولد في قرطاجة نحو 160 م من أب ضابط  وثني، وبعد دراسة متعمقة في القانون الروماني وحياة صاخبة تنصر وهو في الثلاثين من عمره، واقتبل الكهنوت وهو متزوج، فوضع طاقاته وحماسه في خدمة الكنيسة. غير إن حدة طباعه وغلوه دفعا به دون هوادة في معارك جدلية طاحنة ضد الوثنيين واليهود المرتدين والهراطقة الذين وصفهم جميعا في سلسلة واحدة باسم “الأفاعي”. وما فتئ في تطرفه أن سقط في بدعة المونتانية ليجعل من المسيحية ديانة الكاملين وإبطال التقشف والتشدد الأقصى وحدهم. فارتد على إخوانه يصب جام غضبه على من لا يرحمهم في اندفاعه وصلابته ضد الضعفاء الذين كبوا أثناء الاضطهادات. ولكن إذا كان ترتليانس من طباع البراكين، فشخصيته تبقى جذابة، وقد أتحف اللاهوت الغربي، قبل انحرافه، بأسس فكرية ومنطقية متينة، وهو يعد من ابرز الكتاب المسيحيين الأوائل. وسنبقى نذكر عبارته الشهيرة: “دم الشهداء بذار المسيحيين”.

        قبريانس: هو أيضا من أصول ارستقراطية افريقية ولد نحو 210 م. مارس المحاماة ثم اعتنق المسيحية واقتبل الكهنوت وانتخب بشبه الإجماع أسقفا لقرطاجة. كان من معدن ترتليانس علما وحماسا ولكنه تميز عنه بروح الحلم والقداسة والرعاية حتى تألب حوله أساقفة إفريقيا. وحتى في مجابهته مع بابا روما بشان المرتدين عن الإيمان وشرعية عمادهم بقي أمينا لروح الإنجيل ولوحدة الكنيسة التي يعد منظرها الأول. وتكلل جهاد هذا الأسقف العظيم بالاستشهاد عام 258،

      اوغسطينوس: ركن من امتن أركان الكنيسة. ولد في سوق اهراس الحالية شرقي الجزائر عام 354 من أسرة برابرية عريقة. درس فن الخطابة وقضى شبابا متسكعا بين مادور وقرطاجة بإفريقيا وميلانو بايطاليا حيث اقتبل العماد من يدي أسقفها القديس امبروسيوس (387) –وكان لامه المسيحية دور في هذا الانقلاب-. بعد اهتدائه عاد إلى وطنه ليؤسس جماعة رهبانية في داره بمدينة تاغاست. وفي كاتدرائية هيبون المجاورة بايعه الشعب بالصوت الحي كاهنا ومساعدا لأسقفها، وبموت هذا الأخير عام 396 انتخب خلفا له.

        وعندما اقتبل اوغسطينوس الأسقفية كانت المسيحية الإفريقية عرضة لهزة عنيفة من جراء البدعة الدونانية التي لم تقتصر على الجدل الفكري، بل تعدته إلى إثارة الاضطرابات وشن الملاحقات الدامية ضد أتباع الكنيسة الرسمية. فجند أسقف هيبون طاقاته كلها للدفاع عن الحقيقة، وحماية وحدة الكنيسة، وتنظيم الحياة الكهنوتية، وتعميق الإيمان المستقيم وتطهيره من الشوائب الوثنية بالخطابة والتعليم والكتابة (232 كتابا وبحثا من ضمنها “اعترافاته” الشهيرة و “مدينة الله” في تنظيم المجتمع المثالي، إلى جانب مئات المواعظ والرسائل). هذه الغزارة والتنوع واسلوبه المتميز بالحيوية والعمق والوضوح تجعله في المقام الأول من الكتاب المسيحيين في جمع الأجيال. كما جعلته شخصيته الفذة واستقامة عقيدته وقوة حجته وقداسة سيرته يمارس أولوية أدبية في الواقع الكنسي الإفريقي على سائر زملائه الأساقفة، وزعامة حقيقية على شعبه طيلة 35 سنة التي قضاها على كرسي هيبون. وقد تجلى ذلك بأقسى صورة أثناء حصار مدينته على يد الفاندال. وتوفي الأسقف الكبير في آب 430 في الشهر الثالث للحصار.

o       عواقب الاضطهادات والهرطقات… او القمة والانحدار

       في السنة ذاتها التي صدر فيها “بيان ميلانو” الشهير (313) في الحرية الدينية لجميع رعايا الإمبراطور و “حق المسيحيين الكامل في أن يمارسوا ديانتهم من دون خوف”، شجب قسطنطين المتنصر حديثا زعيم الدوناتية وخلعه، وحرمه بابا روما والمجمع الملتئم حوله من أساقفة أوربيين وأفارقة. غير أن خروج النشاط المسيحي إلى وضح النهار لم يزد إلا من صلابة المجابهة، وبقي التناحر ينخر جسم كنيسة إفريقيا زهاء قرن كامل حيث قامت كنيسة دوناتية منافسة مستقلة بأساقفتها واكليروسها ومعابدها.

        وإذا كانت الاضطهادات المتواصلة منذ أواسط القرن الثاني وحتى بيان ميلانو قد حصدت ألاف الرؤوس المسيحية وخلفت بضعة مئات من أسماء الشهداء، فالبلاء الأكبر الذي ابتليت به كنيسة إفريقيا  وخلخل  كيانها كان من دون شك الارتداد والبدع. فالارتداد عن الإيمان الناتج عن الاضطهاد مع ما تبعه من معارك جانبية طاحنة وتطرفات في العقيدة والمسلك، والبدع مع ما رافقها من تناحر دموي ومن انشقاقات، فعلت فعل التدمير الذاتي في كنيسة إفريقيا. وإذا كان عهد اوغسطينوس يمثل القمة، فقد مات هذا من دون أن يقتلع البدع تماما، ولم يبلغ بالمسيحية الإفريقية عافيتها الكاملة عندما انقض عليها الفاندال القادمون من اسبانيا. وكان الفاندال هراطقة على المذهب الاريوسي، فانضموا إلى الدوناتيين في التصدي لحكم روما المدني والديني وملاحقة الكاثوليك وإضعافهم. ودام ذلك حتى 533 حين عاد الإمبراطور جوستينيان إلى إفريقيا وهزم الدويلات الفاندالية وانتصر للكنيسة الرسمية، وبذلك دخلت إفريقيا عهدها البيزنطي.

        ولكن يبدو أن العملية البيزنطية لم تكن أكثر من عملية طلاء لم تعد البلاد ولا المسيحية إلى سابق تألقها، لان أسباب الانحلال كانت لا تزال قائمة. فالبدو يتربصون بالحدود الجنوبية، والنزعة الاستقلالية تعتمل في نفوس البرابر، والمسيحيون انساقوا في مشاحنات دينية جديدة قادمة من المشرق. هذه الأسباب وما سبقها جعلت الإسلام عندما اقبل بقيادة عقبة بن نافع عام 670 أمام مسيحية منهوكة القوى. وإذا استطاع القائد المسيحي قصيلة أن يحقق نصرا عابرا بجيش بيزنطي – محلي على المسلمين فقد دحر عام 788 واستكمل فتح شمال إفريقيا بأسره. ولما انهارت المؤسسات الرومانية انهارت معها المسيحية كمؤسسة، لارتباطها العضوي بها، وانطفأت تدريجيا بالاختناق وبالعبور إلى دين الفاتحين، ولربما بالهجرة أيضا، على مدى أربعة قرون، هي المدة التي تمت فيها اسلمة شمال إفريقيا وتعريبها الكامل.

o       خاتمة

       ماذا بقي الآن من كل ذلك، وماذا نقصد عندما نتكلم عن “كنيسة شمال إفريقيا” أو “الكنيسة في المغرب العربي” اليوم؟

        إن كنيسة شمال إفريقيا تتكون حاليا من عناصر أربعة:

      1 – ما بقي في الأرض من لقى وآثار مسيحية رومانية – بيزنطية من عصور ما قبل الإسلام.

      2 – بقايا المسيحيين المنحدرين من أصل أوربي (من عهد الاستعمار) الذين اتخذوا جنسية أوطانهم بالتبني بعد الاستقلال، وقد انظمت اليهم مجموعات “المتعاونين الفنيين” لاسيما من فرنسا، بعقود ثابتة أو زمنية، لدفع حركة التحديث الوطنية بالزخم.

      3 – المسيحيون العرب الشرقيون الذين قدموا من سوريا ولبنان والعراق ومصر ليساهموا في حركة التعريب.

       4 – أفراد قلائل من القبائل المتنصرين.

        فالحديث عن “الكنيسة في المغرب العربي” اليوم هو حديث عن هذه “العناصر”، عن هذه “البقايا”.. وهو حديث أيضا، وبصورة خاصة، عن عدد من كهنة الرعايا المتبقين والأساقفة، وعلى رأسهم الكردينال دوفال رئيس أساقفة الجزائر السابق –وقد لعب دورا هاما في استقلال الجزائر– الذين اتخذوا الجنسية الجزائرية، وعن عدد لا باس به من الرهبان والراهبات.. كل هؤلاء الذين أحبو هذه الأرض وتعلقوا بشعوبها ويعتبرون بكل حق كوادر كنيستها في عهدها الجديد. كنيسة لازال المواطنون العرب والبرابر الأصليون يعتبرونها “غريبة” عن تقاليدهم وهامشية، ولربما بدت للبعض “طفيلية” أو مجرد “ضيف” في ذمتهم ولكنها، هي، تبذل جهودا جادة ومخلصة كي لا تكون “متغربة” عن هذا المجتمع الذي تبنته لها شعبا، طامحة إلى أن يتبناها هو بدوره جزءا منه.

      لا شك إن تلك “البقايا” لا ترتبط دوما مصائرها لتشكل مجموعة موحدة ثابتة القدم ودائمة. فرهان المستقبل، كي تصبح حقا “كنيسة المغرب العربي”، هو التجذر والاندماج الحضاري والبشري في الأرض – وذلك مشروع طويل الأمد وقد يكون للعنصر المسيحي العربي الشرقي ولهذه الخميرة القبائلية الوطنية، على ضالتها، دور الجسر الواصل. وما اتخاذ رعاة الكنيسة في الجزائر، مثلا، الجنسية الجزائرية إلا برهان على هذه الرغبة، مضاف إلى جهود الكنيسة ككل في الاستعراب والانفتاح ودور الخدمة الذي رفعته شعارا ومنهاجا للعمل.

((((((((((())))))))))

ديرمار بهنام الشهيد وأخته سارة ورفاقه الأربعين 

تحقيق /كانون الاول 1983

       دير مار بهنام  يستهويك في كل الفصول، وإذا زرته مرة تقودك خطاك إليه مرات.. فإذا قصدته ربيعا فرش أمامك “تله” المزدهر بورد “البيبون” وشقائق النعمان وأسكرك بشذى حقوله الخضراء على مد النظر. واذا عدته صيفا احتضنك في ظل أروقته كما تحتضن الواحة الضمان ومسح جبينك بنسيم سروِه وزيتونه. وإذا جئته خريفا رحب بك بأسراب الحمام التي تسبح في فضائه فتاتي لتحط عند قدميك أو تتغازل أمام ناظريك. وإذا وافيته شتاء كان في انتظارك على صهوة جواده في أعلى برج المدخل وبسط لك ذراعيه وقال: ادخل، فالداخلون عندي يجدون الدفء والسلام والمحبة.

       في كل الأيام بابه مشرع للاستقبال، ناره لا تنطفئ “كمضيف” شيخ عربي. وإذا كانت “دلة” القهوة لا تغادر كانون شيخ العشيرة، فشاي “مار بهنام – خضر الياس”  حاضر بين يديك   لذيذا معطرا، حال وصولك، يقدمه لك الأب الرئيس فرنسيس جحولا مع حبّه –أو أكثر–  من المصقول الناعم. ومع الشاي والمصقول يأسرك بحرارة استقباله وبشاشته.. قبل أن يضعك في أجواء “المقام” الذي أنت قاصده. ذلك إن جمال “مار بهنام” الحقيقي هو في الداخل، في داخل قلبه الواسع، بين جدرانه التي ترجع صدى مزامير الرهبان في الأجيال الغوابر، في حنايا كنيسته الأثرية التي تحكي قصة الإيمان والأمل في هذه الديار، في رهبة “الجب” الذي يأوي رفات شباب لازال تراب هذه الأرض يحمل عطر دمائهم المسفوكة من اجل المسيح.. بذارا للحياة والعطاء.

       لقد سكت الرهبان اليوم وصارت صوامعه. تستقبل الزوار من كل وصوب حدب..

      هذا ليوفي نذرا عليه، وذاك ليعمد طفلا مطلوبا بشفاعة بهنام أو سارة، وآخر ليستكمل بحثا من بطون مخطوطات المكتبة، ورابع ليريح النفس من عناء العمل والحياة، وغيره ليصلي ويتعبد كهؤلاء الكهنة الشباب الثلاثة الذين رأيناهم يذرعون الرواق ذهابا وإيابا وقد جاءوا ليقضوا ثلاثة أيام في الخلوة للتأمل والصلاة.. أما نحن فقد جئنا لنقرا صفحات من “سفر” هذا الدير ونكتب صفحة عن الحياة والإيمان اللذين نشا هنا ولا زالت تنبض بهما هذه الأرض.

 في قديم الزمان..

في  قديم الزمان –في القرن الربع يقول تاريخ الرهاوي المجهول–  فارسي في منطقة أشور، ولدان، بهنام وسارة، اعتنقا المسيحية على يد راهب من جبل مقلوب يدعى متي الشيخ، فقتلهما والدهما لنكرانهما الإلهة وأصبح موضع استشهادهما مع رفاقهما حجة للمؤمنين. وبعد تلك الأيام مر بذلك المقام تاجر مؤمن في طريقه إلى القدس نال شفاء عبده بشفاعة الشهيدين فابتنى كنيسة أوى فيها رفات الشهداء وديرا للرهبان عرف “بدير الجب”. 

.. وفي العهود العربية

       عن “دير الجب” هذا تكلم ياقوت الحموي والقزويني وغيرهما فيما بعد. وقد ذكرا أن “الناس يقصدونه لدفع الصرع فيبرا منهم كثيرون”(1).

      وقد تقلبت يد الحدثان بهذا الدير بين مد وجزر إلى أن انبعث مجددا على يد التكريتيين النازحين منذ القرن العاشر إلى الموصل وقرة قوش وبرطلة وبعشيقة، ودخل عصره الذهبي في العهد الاتابكي (القرن 12 – 13) الذي إليه تعود معظم الآثار الشاخصة والزخارف المحفورة أو البارزة في المرمر الأسود أو الجبس، وفي المقرنصات المتساقطة من السقوف أو المتدلية من رتاج الأبواب، وفي الكتابات الرائعة بالسريانية – الاسطرنجيلية والعربية وحتى الارمنية والايغورية، أي التترية، التي تزين الأبواب والحنايا وتحكي أحداثا من الزمان الغابر أو ترسم أسماء فنانيها أمثال أبو نصر وأبو الفضل والأخ حسن وأبو البركات وأبو عيسى… أو تلتمس رحمة من الرحمن وتحتمي بحمى بهنام.

     غير إن نجم الدير أفل مرات ولمع مرات، بحسب تقلبات الأيام، وعبث به المغول والتتر ولا زالت آثار التخريب بادية على بعض الصلبان ورؤوس التماثيل، وانتقل  من يد إلى يد فاستولى عليه الأكراد وضبطه اليزيدية وهجر مرارا.. قبل أن يعود فيصبح قلبا نابضا للسريان، عامرا بالرهبان، ومقرا لمفارنتهم بعد تكريت في القرن 15 وقد دفن ثلاثة منهم فيه، أولهم ديوسقورس الثاني المعروف ببهنام شتي الاربوي المتوفي في قره قوش عام 1417. وفي أواسط المئة 17جعل مقاما أسقفيا تسمى أحباره “بمطران دير مار بهنام وبيث خديدا” (أي قره قوش الحالية). ومنذ ذلك التاريخ ارتبط الاسمان معا في السراء والضراء، وكثير من الرؤساء الذين تعاقبوا على إدارة الأبرشية والدير كانوا قره قوشيين. ولما اعتنق أهالي البلدة الكثلكة انتقلت ملكية الدير أيضا إلى السريان الكاثوليك. 

.. واليوم

     عن هذا الأثر الجليل الذي ظل شاخصا كالطود المارد بوجه الأعادي والغزاة وسط سهل فسيح على مسافة 35 كم جنوب شرقي الموصل في زاوية التقاء الزاب الكبير بدجلة، بجوار قرية خضر – البساطلية  مركز ناحية النمرود حاليا، كتب المستشرق الفرنسي بونيون الذي زاره عام 1893: “انه ليس في الشرق اثر عربي للقرن 12 أجمل من الكنيسة”. والانكليزي لوك قال: “إن هذا الدير هو احد الآثار المسيحية الأكثر أهمية في العراق”. ونقول نحن انه متحف حقيقي للفن المسيحي المشرقي في الريازة والزخرفة والنحت المتداخل. وذلك “سجل الدير الذهبي” يعج بما يختلج في نفوس زواره من إعجاب بروعة الآثار “وهمة الأجداد، موعظة للأبناء”.

      يتألف الدير من بنائين منفصلين: الجب والدير يحيط بهما بستان واسع معظم أشجاره من الفستق والزيتون. ويقع الجب في سفح تل اثري ينزل إليه الزائر بدرجات عبر نفقين منخفضين متوازيين من الآجر المتآكل. أما الدير فيتألف من فنائين فسيحين، يأوي الخارجي منهما في ضلعه الشرقي كنيسة الدير الأثرية ويحتوي على 25 غرفة لاستقبال الزائرين وعلى صهريجين لخزن مياه الشرب. أما الداخلي –وكان يسكنه الرهبان في السابق–  فيتصدره جناح جديد وقد هيأه الرئيس الحالي لاستقبال الجماعات التي تنشد خلوة الدير للرياضات الروحية، من كهنة وعلمانيين، ويحتوي على مكتبة نفيسة وغنية بالمخطوطات تعتبر ثروة علمية نادرة. وقد وضع الأب بهنام سوني فهرسا تفصيليا لمخطوطاتها ينتظر الطبع. 

رسالة الدير وإشعاعه

      كانت الساعة تقترب من العاشرة مساء عندما عاد ألينا الأب الرئيس بعد أن فرغ من استقبال أو توديع الزوار، أو استكمال تلبية حاجات من سيقضون الليلة في الدير –ولا يخلو منهم على مدار السنة-. الم يأتِ  دورنا  نحن؟ حدثنا، إذن، عن رسالة الدير وإشعاعه، قبل أن يخطفك منا زائر مفاجئ!

     ابتسم الأب فرنسيس ومر بيده على جبينه العريض ثم قال بكلمات هادئة وكأنه يؤدي امتحانا:

لن أحدثكم عن إشعاع الدير في الماضي البعيد، فذلك تجدونه في الكتب. وإنما اقتصر على السنوات المتأخرة اليوم. وراح الأب يربط بين الإشعاع ألرهباني الذي انطلق من هذا الدير في العصور الماضيات حيث عاش أناس تغذوا من حضور الله وتعبدوا له في حياة الزهد والشهادة للايمان، وبين تجربة الدير في الربع الاول من هذا القرن وحتى الخمسينات حيث اخذ على عاتقه تهيئة التلاميذ الراغبين في الكهنوت وإعدادهم لتكميل دراستهم في الاكليريكية السريانية في القدس والشرفة بلبنان أو في معهد مار يوحنا الحبيب بالموصل. ثم أوى ميتما لبضع سنوات. أما اليوم وقد أصبح الأب الرئيس الكاهن المقيم الوحيد والمشرف الأوحد على إدارة شؤونه وأوقافه وخدمته الروحية، فجل وقته يصرفه في استقبال الزوار وشرح معالم الدير لهم والإشراف على أعمال الصيانة والتطوير. غير أن الأب فرنسيس لا يرغب في أن تكبله هذه المهام في وجهها المادي الصرف: ففي استقباله يضع اللطف والطيبة وروح الخدمة – وتلك أيضا رسالة إنجيلية – ويلتقي بالأسر التي تمكث في الدير بضعة أيام فيجيب إلى تساؤلاتهم الدينية ويغني أحاديثهم بخبرته الروحية.. وقد اطلعنا على تجربة جديدة ساعدته فيها شقيقته الراهبة في الصيف الفائت وهي إعداد 12 طالبا وطالبة من مرحلتي الابتدائية والمتوسطة من الأسر الساكنة بجوار الدير لأول حفلة تناول أول تقام في الدير.

     ولمسنا من حديث الأب المسؤول إن الدير صار في الآونة الأخيرة يقدم صيغة جديدة من الإشعاع الروحي باستقباله مجموعات من الشبان والشابات بقيادة كاهن أو راهبة لقضاء يوم أو أكثر في الصلاة والتأمل، ويوفر لهم جوا مؤاتيا من الخلوة والخدمات في الجناح الداخلي الذي زوده بمطبخ مستقل وغرفة مؤثثة وماء حار وبارد. كما يحاول الأب بالتعاون مع كهنة آخرين وشمامسة إن ينعش الاحتفالات الدينية في مواسم الميلاد والقيامة وعيد مار بهنام (10 ك1) حيث يتضاعف عدد الزوار فيشكلون مهرجانا حاشدا وصاخبا. ويجدر بالذكر الاحتفال الكبير الذي نظمته في الدير كنائس الموصل بمناسبة السنة المقدسة في ت2 الماضي وقد ناهز المشتركون فيه الإلف.

      لعل هذه الصيغة من الإشعاع الروحي للدير هي شرط مصداقية رسالته وضمان ديمومة دوره الكنسي، فينبغي التركيز عليها، برأينا. 

الوجه الجديد للدير

       إن من يذكر دير مار بهنام  يذكر للحال رئيسه الأسبق الخوراسقف المرحوم افرام عبدال (+1965). فقد عمل في عمرانه وتجديده مدة 30 سنة وجعل منه أثرا عالميا يحج إليه القاصي والداني وعمل على إدراجه رسميا كأثر قومي في مديرية الآثار العراقية. ووضع له دليلا سياحيا مصورا بالعربية والانكليزية والفرنسية والألمانية، وطبع مجموعة من البطاقات البريدية تمثل روائعه الفنية، ونشر عنه كتاب “اللؤلؤ النضيد في تاريخ دير مار بهنام الشهيد” مقدما إياه كصفحة لامعة من أروع صفحات الآثار المسيحية العراقية، إضافة إلى كناب آخر في سيرة الشهيد ورفاقه وصور كبيرة ملونة تمثل الشهيدين.

       الأب فرنسيس جحولا – وقد تعين رئيسا للدير في 11 نيسان 1982 وتثبت في 20 ك2 الماضي – تلميذ ذاك الرجل، ما أن استلم مهامه حتى شمر عن ساعد الجد ليضع لبنته في خطى أسلافه وباشر بإجراء الترميمات والإصلاحات في كافة أقسام الدير الفسيحة. فأعاد تقسيم شبكات الماء والكهرباء وصبغ الغرف من الداخل والخارج وزودها بأسرة وفرش جديد وبمغاسل ومرافق حديثة وجدد مطبخ الدير المركزي ونظم الجناح الداخلي بكل الخدمات. وها هو منهمك الآن –بهمة احد المحسنين–  في ترميم وبناء الجب وإكسائه بالحجر الأبيض المنحوت مع واجهة الكنيسة الخارجية.

       إذا كان الدير جميلا وجذابا فسيكون إشعاعه الروحي والثقافي اكبر. هذا ما يفكر به الأب الرئيس. لذا كان من مشاريعه المستقبلية أيضا:

       تطوير المكتبة واغناؤها بكتب حديثة لتتناسب ومركز الدير الثقافي والتاريخي ونقلها إلى بناء أوسع واهدأ.

       تنظيم “رهرهة” الدير الكبرى الداخلية كقاعة للندوات والمحاضرات واللقاءات وتزويدها بالأجهزة السمعية والبصرية.

      إعادة طبع الدليل السياحي وكتاب سيرة مار بهنام والبطاقات البريدية وإصدار فولدر سياحي عن الدير.

      إعداد استمارات خاصة للأسر التي تقصد الدير.

      الاهتمام بالتثقيف الديني لأبناء الأسر المسيحية الساكنة في الجوار.

       استثمار البستان بعد انجاز مشروع الماء الموحد.

       يا لطموحات الأب الرئيس الشاب (مواليد 1937)! ولكن هل يكفي كاهن واحد لكل ذلك؟ اوليس بالإمكان العثور على شخص أو أكثر لمساعدة الرئيس –براتب–  في الشؤون المادية والعمرانية والتموينية؟ أليست صيغة مرغوبة من صيغ التعاون الإنجيلي أن يكون الدير ملتقى لنشاطات ومبادرات روحية (رياضات، لقاءات الشباب) ومهرجانات دينية بتنسيق بين الكهنة أو الراهبات ورئيس الدير، وبمبادرة من هذا أو أولئك؟

      كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل عندما سكت الأب الرئيس عن الكلام المباح. ولكنه استدرك وهو يصب آخر قدح شاي وقال: لا تنسوا أن تذكروا القراء في تحقيقكم بحرم الدير وقدسيته، فهو ليس موضع لهو، مما يوجب على الزوار احترام الجو العام وعدم تشويه الجدران والمعالم الأثرية بالكتابات وتسليم الغرف والأثاث بالنظافة ذاتها التي استلموها.. 

                                  (شاركت الأخت سانت آتيين في إعداد التحقيق وكتابته) 

—————–

(1) “اللؤلؤالنضيد” للخوري افرام عبدال/ ص67- وللمزيد عن اخبار الدير طالع هذا الكتاب، فمنه استقينا فذلكتنا التاريخية.

Advertisements

الفكر المسيحي 1989

مجلة الفكر المسيحي 1989

96

المنظمات الدولية الكاثوليكية   ملف   

241

كانون2

1989

97

   كيف تنظم الصوم الكبير عبر

243

شباط/اذار

1989

98

  وطن خليق بالإنسان رسالة   ش.ر

245

ايار

1989

99

مقابلة البطريرك روفائيل الأول بيداود 

246

حزيران/تموز

1989

100

 الفكر المسيحي في يوبيلها

247

اب / ايلول

1989

101

مسيرة الفكر المسيحي خلال 25

ت1– ت2

1989

102

مقابلة مع الأب جوزيف مونس 

250

كانون1

1989

 

1989 المقالات:

المنظمات الدولية الكاثوليكية 

ملف/كانون الثاني 1989

       “إن آمال وأفراح البشر في زمننا هذا، وأحزانهم وضيقاتهم، ونخص منهم الفقراء وكل المعذبين، لهي أفراح وآمال تلاميذ المسيح، وهي أحزانهم وضيقاتهم، وليس من شيء أنساني حق إلا ويرن صداه في قلوبهم “. بهذه العبارة استهلت ابرز وثيقة صدرت عن المجمع المسكوني “الكنيسة في عالم اليوم”. هذا التضامن بين الكنيسة والمجتمع البشري تعكسه المنظمات الكاثوليكية الدولية التي كانت وما زالت تؤمن، في القطاعات الثقافية والتربوية والاجتماعية والخيرية  الخ…، حضور الكنيسة في العالم بصفتها خميرة في العجين.

      الملف التالي هو أشبه باستعراض لعدد من المنظمات الكاثوليكية التي لها وزنها في مجمل نشاطات الأمم المتحدة، ولها مكانتها المرموقة على الصعيدين الوطني والدولي. 

       المنظمات الدولية الكاثوليكية التي نحن بصددها هي غير البعثات البابوية الرسمية التي تمثل الكرسي الرسولي في الهيئات الدولية. فلهذه الأخيرة صفة دبلوماسية وتمثل السلطة الكنسية العليا كمؤسسة، أما المنظمات التي نقدمها في هذا العرض، فهي هيئات نابعة من القاعدة، وقد نشأت كوجه من أوجه رسالة العلمانيين المختصة لتجسيد روح الإنجيل وقيمه في قطاعات الحياة المختلفة. ولكن طموحها منذ البداية كان يتخطى جانب التوعية الذاتية والتوجيه الداخلي إلى العمل المنظم والمؤثر لتطوير أوضاع العلاقات والقوانين الوطنية الإقليمية والدولية لبناء عالم أفضل أكثر إخوة وعدلا وتعاونا.

      فمن رغبة توحيد الجهود على الصعيد العالمي، وفي خط التوجيه الدولي للتعاون بين الشعوب الذي تجسد بعد الحرب العالمية الأولى “عصبة الأمم”، ثم بعد الحرب العالمية الثانية بقيام “الأمم المتحدة” ومكاتبها المختلفة قامت عشرات المنظمات الكاثوليكية ذات الأهداف الإنسانية والاجتماعية والثقافية المتنوعة لحماية حقوق الإنسان وخلق مناخ فكري وروحي أفضل في إنمائه المتكامل. وقد كان هذا التوجه إحدى علامات التجدد الذي هب على الكنيسة الكاثوليكية بدءا من العشرينات.

      ففي 1921 ظهرت الحركة الدولية للطلبة الكاثوليكية، وفي 1925 قام “الاتحاد الكاثوليكي الدولي للخدمة الاجتماعية”، وفي السنة ذاتها أخذت “الشبيبة العاملة المسيحية” مع مؤسسها الأب كاردين انطلاقتها العالمية.. ثم توالت الحركات. أما الانطلاقة الكبرى للمنظمات الكاثوليكية على الصعيد الدولي فقد شهدتها الأربعينات والخمسينات، وكانت قمتها المؤتمر العالمي الأول للعلمانيين الذي نظمته حركة العمل المسيحي الايطالي في روما عام 1951 وتمثلت فيه 38 منظمة دولية كاثوليكية من 74 بلدا. ومن هذا المؤتمر انبثقت سكرتارية دائمة للتنسيق والتعاون. وفي سبيل تامين حضور المنظمات الكاثوليكية الدولية لدى الهيئات الدولية الرسمية انشأ المؤتمر مركزين للإعلام والعلاقات لدى منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة في مقريها الدوليين في باريس وجنيف. أما الهدف الأساس الذي تتوخاه المنظمات الدولية الكاثوليكية – ومجموعها حوالي 70 منظمة تشكل سوية المؤتمر العام –من توجهها الدولي فيتلخص في كلمة واحدة هي الخدمة وحمل مساهمة المسيحيين في تنظيم المجتمع. إما أسلوب تعاونها مع الأمم المتحدة وهيئاتها المختصة فيعتمد البند 71 من شرعة سان فرانسيسكو الذي يقر مبدأ التشاور والتعاون مع بعض المنظمات الثقافية غير الحكومية– والمنظمات الدولية الكاثوليكية منها كما أسلفنا-. وصفة المراقبين الاستشاريين التي تتمتع بها المنظمات الدولية الكاثوليكية لدى هيئات الأمم المتحدة الثقافية والإنسانية المختلفة تعطيها حق الاطلاع على الوثائق الرسمية الدولية، وتمنحها تسهيلات للاتصال بالموظفين الدوليين والرسميين وتتوجه إليها المنظمة الدولية بصورة منتظمة لتوافيها بتقارير ودراسات تستخدمها في وضع برامجها أو تعديل مشاريعها. وهكذا تعبر هذه المنظمات عن الرأي العام المسيحي، وتسمع صوت من لا أصوات لهم، وتساهم في الدفاع عن حقوق الإنسان في المنابر الدولية.

      في العرض التالي لن نأتي على ذكر جميع المنظمات الدولية الكاثوليكية المتمثلة في الهيئات الدولية. وإنما نقتصر على أهم تلك التي تتسم بطابع أنساني وثقافي شامل: 

المكتب الكاثوليكي الدولي للطفولة  (بيسBICE)

       ليس “البيس” حركة اطفالية بالمعنى التنظيمي، وإنما نشاطا دوليا تحت تصرف الهيئات الكاثوليكية أو الجهات التي تعني بشؤون الطفل والعناية به صحيا وغذائيا وتربويا، وقد تأسس هذا المكتب عام 1947 في باريس، أما مقر سكرتاريته العامة حاليا فهو في جنيف “سويسرا”. ويضم المكتب هيئات وأشخاصا في العالم المسيحي يعملون لخدمة الأطفال والطفولة في أكثر من 30 بلدا. ومن بين اعضائه مندوبون عن بعض مجالس الأساقفة والرهبانيات والكليات الجامعية والمكاتب الاجتماعية وحركات الطفولة والمنظمات التربوية ومجالس الأساتذة والآباء والأمهات ودور النشر المسيحية، لاسيما تلك المتخصصة بأدب الأطفال. أما اللجنة الدائمة للمكتب فتضم عدة فرق عمل متخصصة منها بالأطفال المشردين، والمعوقين، ومنها بالتربية عن طريق الفن، وغيرها بالتنشئة الدينية… و”للبيس” نشرة إعلامية تصدر 3 مرات في السنة باسم “الطفولة في العالم”. ويتمثل “البيس” بصفة مراقب استشاري لدى صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، ومنظمة الأمم المتحدة للثقافة (اليونسكو). والجدير بالذكر إن “البيس” كان في أساس مبادرات أو مشاريع دولية لصالح الأطفال والطفولة، وقد ساهم بصورة مباشرة في تحرير شرعة حقوق الطفل الدولية، وإطلاق أول حملة عالمية لإغاثة أطفال الأسرى والمعتقلين   وكان له الفضل الكبير في إطلاق العام الدولي للطفل سنة 1979. ومن وحي هذا “العام الدولي” وكز “البيس، اهتمامه في المدة الأخيرة على جوانب تربوية حساسة مثل توجيه الأسر للوقاية من أسباب العوق، والرعاية الروحية للأطفال الأسرى، ودعارة الأطفال، والمخدرات، والعناية الصحية.

حركات الشبيبة

الحركة الدولية للشبيبة المزارعة والريفية الكاثوليكية (ميجاركMIJARC)

        “ميجارك” منتشرة في أكثر من 30 بلدا في أوربا وإفريقيا وأميركا اللاتينية واسيا، وقد أنشئت عام 1954، ولها  صفة استشارية لدى اليونسكو ومنظمة الغذاء الدولية (فاوFAO). مقر سكرتاريتها الدائمة هو في لوفان (بلجيكا)، ولها مكاتب إقليمية لأوربا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. ونعتبر “الحركة، إحدى المنظمات الشبابية المسيحية الأكثر حيوية في 44 في القارات الثلاث. أما اهتماماتها فهي تطوير الريف، تقييم دور المرأة الشابة، الدفاع عن حقوق الإنسان. وقد اهتمت مباشرة في إحياء السنة الدولية للشبيبة. والسنة الدولية للسلام. وتهتم نشرتها الدورية “أخبار ميجارك، بكافة القضايا التي تمس شؤون الريف والجفاف والديون الدولية. كما تنظم حلقات دراسية وطنية وإقليمية لتحسين أوضاع الفلاحين، وتعمل جهدها لتمثيل مصالح الطبقة الفلاحية وقضاياها المهنية والروحية لدى الكنيسة وضمن البني الاجتماعية – الثقافية المختلفة.

    رئيس “ميجارك” الحالي هو فلاح شاب من مدغشقر، انتخب في آخر مؤتمر للحركة عقد في ساحل العاج (إفريقيا) عام 1985.

الشبيبة العاملة المسيحية (جوكJOC)

الشبيبة الطالبة المسيحية (جيك JEC)

  الشبيبة المستقلة المسيحية (جيك JIC)

الكشافة

         هذه الحركات هي من أكثر الحركات الشبابية العالمية المسيحية شهرة، وتتلخص أهدافها في السعي إلى جعل مبادئ الإنجيل وقيمه حية معاشة بإباء واندفاع والتزام في القطاعات الشبابية المختصة، مع انتمائها العضوي والتضامني الكامل مع قضايا ومعانيات وطموحات هذه القطاعات. ولها كلها صفة قانونية استشارية لدى منظمة اليونسكو أو المكتب الدولي للعمل، بحسب الاختصاصات.

       غير إننا نعرض عن الحديث عنها بالتفصيل هنا لكوننا قد تكلمنا عنها وسبقنا أن قدمناها لقراء الفكر المسيحي (انظر العدد الخاص: “الشباب.. وعي وطموح” ت1 ت2 1985 وكذلك في “السلسلة” عدد18 حول رسالة العلمانيين).

حركات البالغين

الحركة العالمية للشغيلة المسيحية (MMTC)

        تأسست عام 1966وتضم حوالي أربعين حركة عالمية مسيحية تعني بشؤون الطبقة العاملة. وتتراوح الهوية النوعية لهذه الحركات بين هوية الحركات الجماهيرية القاعدية العاملة في القطاعات الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية، وهوية الكوادر المسيحية التي تتوزع على فرق دراسية لتحليل الوضع العمالي والالتزام المسيحي وتعميقهما. وهناك حلقة دراسية موسعة تعقد كل أربعة أعوام بمناسبة انعقاد الهيئة العامة للحركة، لتحليل الوضع العمالي في العالم ووضع خطة عامة للفترة التالية. وتعهد متابعة هذه الخطة إلى المجلس التنفيذي الذي يلتئم مرة في السنة. أما السكرتارية العامة للحركة فمقرها بروكسل “بلجيكا.. وتصدر نشرة فصلية لتبادل المعلومات والخبرات على صعيد القاعدة. وتمثل الحركة عالم العمال والشغيلة البالغين لدى الهيئات الدولية بصفة مراقب لدى اليونسكو والمكتب الدولي للعمل.

حركات البالغين الريفيين الكاثوليك (فيماركFIMARC )

       تضم “فيمارك” حوالي 40 حركة ريفية مسيحية في العالم، وقد نشأت عام 1964برغبة من الفروع القطرية لخلق مرجع دولي للالتقاء وتبادل الخبرات حول سبل المساهمة الفعلية في رسالة الكنيسة في المحيط الريفي، ويتمثل هذا المرجع في مقر “فيمارك” الدولي الكائن في بروكسل أيضا.

      وتهتم “فيمارك” بصورة خاصة بمشاكل الفلاحين في قارات أسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية وتسمع صوتهم في محافل الأمم المتحدة عن طريق بعثتها الدائمة لدى اليونسكو حيث تنقل مطالبيهم وتعكس خبراتهم وانجازاتهم واقتراحاتهم. ومن المبادرات العملية التي تبنتها “فيمارك” تشجيع الجمعيات القروية الإفريقية فى زيادة إنتاجها لتحقيق استقلاليتها الغذائية. وكل هذه النشاطات والخبرات تصدي لها النشرة الإعلامية الفصلية التي تصدرها “فيمارك” بعنوان “صوت العالم الريفي”. ولعل مقولة المؤتمر العام السابع الذي عقد عام 1986 تحت شعار “ملتزمون في نضال الريفيين لبناء عالم عادل وكنيسة متضامنة “هي أوضح موجز لأهداف “فيمارك” الأساسية.

الاتحاد الدولي للمنظمات النسوية الكاثوليكية (اوموفكUMOFC )

      هذا “الاتحاد” هو من أقدم المنظمات الدولية الكاثوليكية حيث يرقى تأسيسه إلى عام 1910، وهو الاتحاد المسيحي الذي يضم اكبر عدد من الأعضاء تحت لوائه مع أكثر من 30 مليون امرأة، ينتمين إلى 140 منظمة نسويه في 80 بلدا.

       في 1968 أطلق “اوموفك” فريق عمل باسم “المرأة في الكنيسة” بهدف تشجيع اشتراك المرأة في حياة الكنيسة ونشاطاتها، وذلك انطلاقا من شخصيتها الذاتية وحقوقها كعضو كامل العضوية في كنيسة المسيح، وقد اتخذ هذا الفريق اليوم اسم “النساء والكنيسة” هذا الموضوع بالذات كان محور أعمال الهيئة العامة للاتحاد في مؤتمره الدولي في لندن عام 1987، كما كان “اوموفك” قد ساهم مساهمة فعالة عام 1985 في أعمال المؤتمر العالمي الذي نظمته هيئة الأمم المتحدة بمناسبة ختام عشرية المرأة حول موضوع “المساواة” بين النساء والنمو، السلام”. ف اوموفك يتمتع بوضع قانوني استشاري لدى منظمات دولية كاليونسكو والفاو، وقد قام بدراسات عدة حول حقوق الأسرة، ورقي النساء، وحرية الأديان، واشترك في حملات اليونسكو لمحو الأمية ومكافحة الجوع في العالم. كما نظم الاتحاد بالتعاون مع اليونسكو دورات في إفريقيا وأميركا اللاتينية حول دور المرأة في عالم متغير. أما المركز الرئيسي ل “اوموفك” فهو في باريس، ويصدر نشرة باسم “أخبار اوموفك” تظهر خمس مرات في السنة.

عالم الثقافة

المكتب الدولي للتعليم الكاثوليكي (اويكOIEC )

       يضم هذا المكتب 87 فرعا عاملا في إفريقيا ومدغشقر وأميركا واسيا واوقينوسيا وارويا والشرق الأوسط، تمثل مرافق التعليم الكاثوليكي والجمعيات الرهبانية التي تهتم بالتعليم، ويقدر عدد الطلبة الذين يتوجه إليهم المكتب ب 40 مليون شاب وفتاة. ويهتم المكتب بكل ما يمت بصلة إلى شؤون التعليم والطلبة في المؤسسات الكاثوليكية في العالم وتبادل الخبرات التربوية، وتنظيم المؤتمرات والحلقات الدراسية. ويصدر المكتب نشرة فصلية.

     و “اويك” عضو استشاري لدى اليونسكو واليونيسيف والمجلس الأوربي ويتعاون مع منظمة الفاو والمكتب الدولي للتربية، وله علاقة وثيقة مع منظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة دول أميركا، أما مقره الرئيسي فهو في بروكسل (بلجيكا).

الاتحاد الدولي للجامعات الكاثوليكية (فيوكFIUC )

       في آب الماضي عقد الاتحاد مؤتمره العام السادس عشر في جاكارتا (اندنوسيا ) وحضره مندوبون عن 170 جامعة كاثوليكية في العالم لدراسة موضوع “الإيمان والثقافة: دور الجامعة الكاثوليكية”. فالاتحاد الذي تأسس عام 1949 قد ولد فعلا لتعزيز التعاون بين الجامعات المسيحية الأعضاء ومع المنظمات الجامعية الدولية، وهو يؤمن حضورا مسيحيا متميزا في الأوساط الفكرية العمالية. ومن المواضيع التي تتناولها المؤتمرات أو اللقاءات الدراسية التي ينظمها “فيوك” ما يخص الحضارات المختلفة وحوار الثقافات، وعلاقة الأخلاق بالأبحاث البيولوجية الحديثة، والكنيسة والاقتصاد، وقضايا السلام وحقوق الإنسان. ول “فيوك” صفة عضو استشاري لدى اليونسكو وله دور فعال في نشاطات المنظمة الدولية. أما المقر العام للاتحاد فهو في باريس، وله مركز للتنسيق والبحوث في روما.

عالم الصحة

الاتحاد الدولي للجمعيات الطبية الكاثوليكية (فيامكFIAMC )

       هناك جمعيات طبية مسيحية عدة في العالم يعود إنشاء أولاها إلى عام 1884. أما “الاتحاد الدولي” الحالي فيعود إنشاؤه إلى عام 1966، بعد اجتياز مراحل توحيدية وتأسيس سكرتاريات عامة منذ 1924 و 1954.

      و”فيامك” ينظم مؤتمرا عالميا كل أربع سنوات، وكان أخر مؤتمراته ذلك الذي في بوينس ايرس (الارجنتين) عام 1986 لدراسة موضوع “تقدم الطب واحترام الحياة البشرية”.

      وتعتبر الأوساط العلمية العالمية التقارير التي تنشرها الجمعيات الطبية الكاثوليكية وثائق علمية رصينة وثمينة حول كل القضايا التي تخص تطور الأبحاث الطبية منذ 30 سنة. وقد انشيء مركز للأبحاث الخلقية –البيو– طبية مؤخرا في بومبي بالهند (1981) برعاية الكرسي ألرسولي وقد اعد هذا المركز نص شرعة أخلاقية تقود العلماء المسيحيين في أبحاثهم الطبية،

      ويتمتع الاتحاد بصفة عضو استشاري لدى منظمات دولية عدة كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي، الفاو، ومنظمة الصحة العالمية، هذا وتعمل إلى جانب “فيامك” جمعيات صيدلانية وأخرى للموظفين الصحيين المسيحيين تتمتع هي أيضا بتمثيل دولي وتؤمن الحضور المسيحي في الأوساط والمنظمات العالمية.

وسائل الاتصال الاجتماعي

الاتحاد الكاثوليكي الدولي للصحافة (اوسيبUCIP )

        لعل الاتحادات الدولية الكاثوليكية للصحافيين والإعلاميين هي من أقدم المنظمات الدولية الكاثوليكية، لأنها كلها ظهرت قبل الحرب العالمية الثانية. فقد تأسس “اوسيب” في بروكسل عام 1927 باسم “المكتب الدولي للصحافيين الكاثوليك” قبل أن يتخذ اسمه الحالي عام 1965

       ويضم هذا الاتحاد “اوسيب” خمسة اتحادات فرعية هي “الاتحاد الدولي لوكالات الإنباء الكاثوليكية” (FIAC) – 1954) المتكون من وكالة فرعية و”الجمعية الكاثوليكية الدولية للمدرسين والباحثين العلميين والتقنيين الإعلاميين” (ACIESTI)،- 1968، التي تملك 35 مدرسة صحافية، “والاتحاد الدولي لجمعيات الصحافة الكنسية” (FIAPE) – 1974)  و”اتحاد الصحافيين والصحف اليومية والدورية الكاثوليكية”. ويضم “اتحاد اوسيب” عشرات الآلاف من الإعلاميين المسيحيين في العالم. أما مقره الرئيسي فهو في جنيف. وأهداف “اوسيب” تتلخص في كونه المرجع المسيحي العلمي للعمل الإعلامي والصحفي لتطوير الإعلام المسيحي والدفاع عن حقوق الإعلام وحرية الراي والنزاهة في نقل الخبر في الأوساط الإعلامية العالمية وضمن الكنيسة نفسها، وذلك بوحي من الأخلاقية المسيحية.

      ويصدر الاتحاد نشرة فصلية بثلاث لغات باسم (أخبار او سيب). و “اوسيب” بمثل الصحافة الكاثوليكية لدى المنظمات الدولية الحكومية المختلفة، وله صفة مراقب استشاري لدى اليونسكو، وله في هذه المنظمة الدولية صوت مسموع.

الأعمال الخيرية والاجتماعية

منظمة المحبة الدولية (كاريتاسCAIRTAS INTERNATIONALIS )

     تضم هذه المنظمة مجموعة الهيئات الخيرية المسيحية، ومنها ما يسمى “الغوث الكاثوليكي، (SOS)، لتشجيع وتنسيق مبادرات الاغاثات والعون الذي تقدمه باسم الكنيسة إبان الكوارث الطبيعية والجوع في العالم”، أو لسند بعض المشاريع الخيرية الدائمة للمتضررين والمشردين واللاجئين. وفي ما يخص منطقتنا العربية، للمنظمة وفروعها دور مبرور وفاعل في المخيمات الفلسطينية عبر مستوصفاتها ومراكزها الاغاثية المتنوعة. وتقوم المنظمة أيضا بدراسات تحليلية لأسباب الفقر في المدن والجوع في العالم ولا سيما في إفريقيا.

        نشأت “منظمة المحبة” في صيغتها الحالية عام 1951 ضامة 120 فرعا قطريا ومركزها روما ورئيسها الحالي هو الكردينال ناشيمنتو (انغولا)، أما سكرتيرها العام فهو سويسري. وقد وضع مؤتمرها العام الذي عقد سنة 1987 منهاج عملها للسنوات الأربع القادمة تحت شعار “لبناء السلام. فلنبن جماعات العدل والمحبة”.

      وللمنظمة صفة مراقب استشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، ولدى منظمة الغذاء الدولية  FAO، واليونسكو، واليونيسيف، والمكتب الدولي للعمل. ويذكر إن جائزة “لوميير – نور” الدولية لعام 1987 منحت لمنظمة “كاريتاس، لعملها من اجل السلام والتقدم والعدالة والمحبة. 

      وهناك هيئات خيرية مسيحية عديدة أخرى تمد نشاطها الإنساني على الصعيد العالمي مثل “الجمعية الدولية الخيرية لمار منصور دي بول”، و”اللجنة الدولية الكاثوليكية للمهجرين”، و “الاتحاد الكاثوليكي الدولي للخدمة الاجتماعية”…الخ. 

       جولة سريعة ولا شك. فهناك منظمات مسيحية دولية عديدة أخرى لم نأت على ذكرها. غير إن ما استعرضنا منها كاف ليمد أفاق رؤيتنا إلى إبعاد لا حدود لاتساعها عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان وبصيغ تجسيد الإيمان والشهادة الإنجيلية في الحياة، بكل ألوانها وإشكالها ودروبها.

      ونكتسب الشهادة التي تحملها هذه المنظمات بعدا متميزا ومصداقية خاصة على الصعيد العالمي والوطني العام بانضمام هذه المنظمات المسيحية القاعدية إلى خيمة الأمم المتحدة ذات الشمولية الدولية عبر هيئاتها المختلفة.

         ففي هذه الهيئات الدولية –ولاسيما في اليونسكو حيث تتمثل المنظمات الدولية المسيحية بكثافة اكبر– تسمع الكنيسة صوتها، صوت الحق والعدل، وتصبح صوت من لا صوت لهم أمام ضمير الإنسانية عبر هذه المنظمات بالذات وعبر تضحيات ومواقف وشهادة أبنائها العاملين فيها،. وبهذا الصدد يسرنا أن نختم استعراضنا بأقوال التشجيع والدعم التي أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني إلى أسرة اليونسكو لدى زيارته مقرها الرئيسي في2 حزيران 1980:

      “لقد أعطى لي اليوم أن ألج إلى داخل هذا المنتدى الذي هو منبر العالم اجمع. لقد أعطي لي أن أقول لكم، انتم يا أعضاء منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم الثقافة، انتم  يا من تعملون من اجل خير البشر والشعوب ومن اجل مصالحهم عبر سائر ميادين الثقافة والتربية والعلوم والإعلام، لقد أعطى لي أن أقول لكم، أن اهتف بكم من أعماق نفسي: اجل أن مستقبل الإنسان منوط بالثقافة! اجل! إن سلام العالم منوط بأولوية الروح! اجل! إن مستقبل نوعية البشرية منوط بالحب!

      “إن مساهمتكم الشخصية أيها السيدات والسادة، مهمة وحيوية. ونوعية هذه المساهمة منوطة بطبيعة معالجتكم الصحيحية  للقضايا التي تكرسون أنفسكم لخدمتها وإيجاد الحلول لها. استمروا، أخيرة هي هذه: “لا تكفوا عن العمل. استمروا، استمروا دائما”.

 

كيف تنظم الصوم الكبير عبر التاريخ

(لمناسبة الصوم الكبير) 

شباط – اذار 1989 

      الصوم زمن مقاسمة وتحرر وتحرير.

      يتوقف المؤمن فترة من الزمن ليعيد التفكير في ذاته. في حياته.. ثم في الآخرين، كل الآخرين. فيلتزم كل واحد في هذه الفترة بمبادرات عملية ملموسة وذلك بحسب الوسائل، الكبيرة أو الصغيرة، المتوفرة لديه، كمبادرة يعقوب (50 سنة، رب أسرة) الذي قصد أن يتوقف عن التدخين طيلة فترة الصوم الكبير وتوفير ثمن السيكاير التي كان سيدخنها، للفقراء. أو كمبادرة أطفال الخورنة بإلقاء نقود من “خرجياتهم” في صندوق خاص لخياطة بدلة التناول الأول لولد وبنت فقيرين أو أكثر.

      فإذا كان الصوم في وجهه المنظور انقطاعا عن كل أو بعض الأطعمة، فهناك صيغ عديدة لممارسته. أما الهدف فهو، التوبة واستغفار الله وتطهير الذات وكسر الإرادة ونبذ الأنانية والتفكير بمن هم أفقر واضعف منا. هذا كله نسميه الاهتداء إلى الله، أي السير بنوره ونحوه. فسيكون الصوم الكبير فترة استعداد روحي مكثف لعيد القيامة، عيد الفرح.. والرجاء. 

         إن الكنيسة الناشئة لم تكن بحاجة إلى أن تخترع الصوم. فممارسة الصوم كانت قد دخلت في التشريع اليهودي منذ زمن طويل. غير إن تاريخ الصوم المسيحي وصيغه قد تنوعت عبر الزمن. فمن يومين في الأسبوع في البداية (الجمعة العظيمة وسبت النور)، امتد إلى كامل الأسبوع السابق لعيد القيامة (أسبوع الآلام).غير أن الكنيسة لم تنشي الصوم الكبير بأربعين يوما الا في القرن السادس. أما كون الصوم الكبير أربعين يوما فلذكرى صوم يسوع في البرية مدة أربعين يوما قبل بدء رسالته. ولكنه في الواقع 48 يوما إذا احتسبنا أيام الآحاد التي لم تكن أيام صوم في الكنيسة. لذا قيل أيضا “صوم الخمسين”. وإذا اقتطعناها عدنا إلى رقم 40 (أما اللاتين فيحتسبون الأيام بشكل آخر: مع استقطاع الآحاد يبقى لهم 36 يوما، فيضيفون إليها 4 أيام الأخيرة من الأسبوع الأول. فيبدأون الصوم يوم الأربعاء المسمى بأربعاء الرماد ليكمل العدد الرمزي (40) لذكرى صوم المسيح). 

       وكان الصوم الكبير في الكنائس الشرقية (أرثوذكسية وكاثوليكية) لمدة طويلة يقضي بالانقطاع القطعي، أي الانقطاع عن أكل اللحم والمنتوجات الحيوانية الأخرى (الدهن، البياض). والصوم عن أي طعام أو شراب حتى الظهر، وبعد إن كان حتى غروب الشمس في أزمنة أقدم. أما في الغرب فكان الصوم حتى الظهر، أيضا مفروضا لمدة طويلة ما عدا أيام الآحاد، والانقطاع عن اللحم مرتين في الأسبوع على الأقل، أما أيام أربعاء الرماد والجمع والسبوت كلها فكان الصوم والقطاعة مفروضين، وكان كل إلزام يبطل منذ ظهر يوم سبت النور، أي أن الصوم الكبير كان ينتهي مع غداء ظهر السبت (وعند الشرقيين مساء).

       وبقي الصوم شديدا لقرون طويلة، ولا زال كذلك في بعض المناطق كما في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر، ثم تغيرت أحوال الصوم خلال القرون بسبب تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وبسبب الحروب أيضا.. حتى وصلنا إلى القرن العشرين.

       ففي بداية هذا القرن كان يقضي الصوم، في الغرب في أيام القطاعة (وهي مدخل الصوم وأيام الجمعة والسبت) الانقطاع عن أكل اللحم ومشتقاته والبيض والحليب ومشتقاتهما. وكان الصوم يقوم على تناول وجبة واحدة في وقت متأخر من النهار لا تتضمن لا لحما ولا بياضا، أما في الشرق فكان الصوم حتى الظهر والانقطاع عن اللحم والبياض كل أيام الصوم، حتى في الآحاد، وفي 1917 خفف الحق القانوني الكنسي الكاثوليكي قانون الصوم فأباح أكل البيض والحليب، وأبقى على الاكتفاء بتناول وجبة واحدة في النهار، كما أوضح القانون الكنسي إن القطاعة تشمل حتى الأطفال بعمر 7 سنوات. أما الصوم المفروض على البالغين من عمر21 سنة إلى 60 سنة، أما شرب الماء وغيره من المشروبات فكان مباحا، كما أن القوانين الكنسية كانت تمنع الاحتفال بالزواج منذ مدخل الصوم وحتى احد القيامة. وأبان الحرب العالمية الثانية صدر تخفيف آخر في كانون الأول من 1941. في الغرب، برفع إلزامية الصوم والقطاعة، ثم تثبت هذا التخفيف بنص قانوني آخر صدرعام 1946. وفي 28 ك1 1949 صدرت تعليمات كنسية جديدة أعادت بعض جوانب الصوم مثل فرض الصوم حتى الظهر والانقطاع عن أكل اللحم في أيام أربعاء الرماد والجمعة العظيمة وسبت النور، والانقطاع عن اللحم فقط في جمع الصوم الكبير كلها، وذهبت النصوص الكنسية في الغرب تدريجيا إلى تخفيف الفرض وترك صيغ الصوم لحرية كل واحد، أما في الشرق فبقينا حتى منتصف القرن نتبع التقاليد العريقة الصارمة في الصوم (الصوم حتى الظهر والانقطاع عن اللحم والبياض، ثم عن اللحم وحده طيلة أيام الصوم بما فيها أيام الآحاد). ثم بعد الخمسينات صار الصوم الإلزامي حتى الظهر في اليوم الأول والجمعة العظيمة فقط، أما الانقطاع عن اللحم فيشمل الأسبوعين الأول والأخير من الصوم إضافة إلى أيام الجمع.

أما الوضع الكاثوليكيي فهو كالتالي:

·        الطوائف الكاثوليكية:

         الصوم حتى الظهر والانقطاع عن أكل اللحم في يوم الاثنين الأول (مدخل الصوم)،

وفي يوم الجمعة العظيمة.

         الانقطاع عن أكل اللحم كل أيام الجمعة من الصوم.

         يشمل الصوم كل البالغين وحتى الستين. وتشمل القطاعة كل المؤمنين من السابعة من

العمر (وفي الغرب من سن 14).

·        السريان الأرثوذكس:

         الصوم حتى الظهر والانقطاع القطعي (عن أكل اللحم والبياض) في الأسبوعين الأول

والأخير من الصوم.

         القطاعة القطعية كل أيام الأربعاء والجمعة من الصوم.

·        الكنيسة الشرقية (النساطرة):

         الصوم حتى الغروب والانقطاع القطعي (عن اللحم والبياض) في الأسبوع الأول

والوسط والأخير من الصوم.

         القطاعة القطعية تشمل أيام الأربعاء أو الجمعة أيضا.

·        الأرمن الأرثوذكس:

         يبقى الصوم والقطاعة حرين. يختار كل مؤمن ما يناسبه.

طبعا هذا هو الحد الأدنى المطلوب من المؤمنين غير إن الكنيسة تتوجه إلى كل مؤمن ألا يكتفي بهذا الحد الأدنى وتترك له حرية اختيار صيغ أخرى –وأكثر سخاء–  بحسب إمكانيته الصحية  ورغبته وتقواه لممارسة الصوم واعمال التوبة وإقرانها بالصلاة التي تبقى عنصرا جوهريا يرافق الصوم.               

                                               ((((((((((())))))))

وطن خليق بالإنسان

“رسالة راعوية صادرة عن بطاركة وأساقفة لبنان” 

ش.ر/ايار1989 

       انطلاقا من فكرة الاحتفال بالذكرى الاربعين لصدور شرعة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1948، والتي كان لبنان احد محرريها ممثلا بمندوبه آنذاك الدكتور شارل مالك، اصدر مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، اثر اجتماعهم السنوي (28ت2– 3ك1 1988) رسالة راعوية ضمنوها منظورهم للبنان “وطنا خليقا بالإنسان”. وقد حملت الرسالة تحليلا اجتماعيا وواقعيا للازمة اللبنانية.

       صدرت الرسالة بعد فراغ كرسي رئاسة الجمهورية، وقبل العمليات العسكرية الأخيرة بين الجيش اللبناني بقيادة الجنرال ميشيل عون والقوات السورية، وبينما كانت هذه الأخيرة تسيطر على ثلثي لبنان، وإسرائيل تسيطر على الشريط الحدودي الجنوبي، وتتقاسم البقية الباقية قوى الجيش الشرعي والميليشيات الحزبية المتصارعة. لا شيء من هذا الواقع تبدل على الأرض بالرغم من جهود اللجنة السداسية العربية. لذا تبقى معطيات الرسالة قائمة، وتبقى أمنية البطاركة والأساقفة في “التحرر من الخارج والاستقرار في الداخل” “أملا يتحدى عوامل الخيبة.. والفرقة والدمار”.

      تتكون الرسالة التي  نقدمها عن نصها الفرنسي الرسمي المنشور في عدد 2 نيسان 1989 من مجلة “الوثائق الكاثوليكية” (D.C) من مقدمة و3 أقسام وخاتمة.

     يتحدث القسم الأول عن أن “وطنا خليقا بالإنسان يعني وطنا يحترم حقوق الإنسان”. فيبحث في نقطة أولى في “حقوق الأشخاص”، وفي نقطة ثانية في “حقوق الأسر” ثم في “حقوق الشعوب”. وبعد استعراض المبادئ الأساسية التي تقررها الشرعية الدولية في هذه الميادين، تأتي الرسالة إلى الواقع اللبناني  تشخص بعض الظواهر الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والسياسية التي، بابتعادها عن مبادئ العدل والحرية والتكافؤ واحترام الحقوق المتبادلة وانجرافها مع منطق الأنانية والجشع والفوضى وغياب التخطيط والتفاوت في عملية التطوير ووسائل الإنتاج، قد أعدت منذ أيام السلم، الدوامة التي تعصف بلبنان اليوم.

      فبعد شجب “قوانين العمل” السابقة والسياسة السكنية. تتصدى الرسالة لقطاعي التربية والصحة –وكانا ولا يزالان قطاعين خاصين بصورة واسعة–، وتقول: “وكذلك الأمر في ما يخص واقع المدارس والمستشفيات الذي يشكل أبشع ما يمكن فرضه على الطبقة الوسطى والفقيرة لدينا”. ثم تفضي الى “احترام البؤس” الذي يلف بيروت ومدن لبنانية أخرى. ونعزي هذا الواقع إلى نقص في الإرادة السياسية: “إن السياسة الوطنية في الإنماء لم توفر ما كان ضروريا ” في المناطق اللبنانية المختلفة، لحياة الأسر من  مدارس  ومستوصفات وسكن وفرص عمل تتيح للجماهير المعنية حياة كريمة. فمن منا يجرؤ على الادعاء بان لبنان النمو والشبع في الستينات ما كان قادرا أن يوفر هذه الظروف في المدن والأرياف؟”.

       ثم تأتي الرسالة إلى العوامل السياسية المباشرة التي أوصلت لبنان إلى جلجلته الحالية: “قيل ويقال في أوساط محلية ودولية واسعة بان حرب لبنان هي حرب أهلية تشعل فتيلها الطائفية. انه لحكم خاطئ وغير عادل يخلط ما بين النتائج والمسببات. ويحمل من يعاملون في لبنان أسوا المعاملة ذنب أولئك الذين وضعوا أيديهم على هذا البلد، لبنانيين كانوا أم غرباء. إن العوامل الداخلية قد فرضت على لبنان بكل تأكيد محنة اجتماعية واقتصادية كوطن وكدولة ليس من فعل هذه العوامل مهما كانت خطورتها: أن تدمير لبنان هو فعل قوى إقليمية ودولية لم تحترم حقوق لبنان كشعب وكوطن وكدولة”.

    وتتطرق رسالة البطاركة والأساقفة إلى القضية الفلسطينية التي هي، من دون شك، محور قضايا المنطقة كلها: “أنها قضية واضحة تتطلب إعطاء الحق لشعب طرد من أرضه وتشرد”. وفيما لا تنكر الرسالة الإشكالات الدستورية والأمنية التي تسببت عن “ضيافة” الفلسطينيين في لبنان، تنحى باللائمة على “الدول المسؤولة عن مصير هذا الشعب. هذه الدول التي “عوض أن تحرر لبنان من عبئه وتعترف للفلسطينيين بحقوقهم”، بمساعدتهم على إنشاء دولتهم على أراضيهم، على العكس من ذلك، وضعت الشعب الفلسطيني في صدام مع الشعب اللبناني، فنالت تدمير الشعبين”. وتستخلص الرسالة: “هكذا، فان ضرب شعب بشعب آخر قد أوقع الفرقة بين مواطني القطر الواحد. تلك كانت المؤامرة التي استخدمت اللبنانيين أداة لجرائمها (…) حينذاك تكلموا عن حرب أهلية تارة، وعن حرب دينية تارة أخرى. ولكن الحقيقة التي انكشفت ولا زالت قائمة هي إن الحرب كما قيل، هي حرب الآخرين على الأرض اللبنانية”. أما عن “الإصلاحات” التي “يطالبون بها برياء” فتعلق الرسالة بان “لا إصلاح ذا قيمة طالما لم يتحرر لبنان ممن سلبوا حريته في اتخاذ القرار”.

       في قسم ثان تتحدث رسالة البطاركة والأساقفة اللبنانيين عن أن “وطنا خليقا بالانسان يعني وطنا يتمسك بشريعة الله” التي هي الأساس الثابت والمصدر الملهم لكل حق وحرية.

أما القسم الثالث –وهو قسم تطبيقي– فعنوانه “الوطن اللبناني وأولوياته الخمس في الوضع الراهن”. وفيما تتهم الرسالة من تنعتهم “بأمراء الدويلات في استغلال الدولة”. ومن اجل إصلاح “اهمالات زمن السلم وأخطاء زمن الحرب” ويصور البطاركة خمس اولويات لعافية لبنان:

1-    الحفاظ على البيئة:

        إن طبيعة لبنان الجميلة تصفها الكتب المقدسة والتاريخ “بفردوس ارضي”. ولكن “ماذا فعلنا بهذا الفردوس؟ كيف حولنا هذا الفردوس، في زمن السلم وثم في زمن الحرب، إلى جحيم؟”. وتشير الرسالة الى التجاوزات الفظيعة في فوضى البناء وتشويه المعالم وتلويث البيئة حتى “أسلمنا سواحلنا أخيرا لتكون مزابل لنفايات العالم”. وإذ تبقى الرسالة واقعية، فهي لا تدافع عن البيئة من زاوية جمالية حسب، بل من حيث مردوداتها الاقتصادية أيضا” ليكون (لبنان) صالحا للسكنى وجذابا للتجارة والأعمال المالية والبحث العلمي والنشاط الثقافي والسياحة” 

2-     الخدمات العامة:

        فيما تشجب االقوانين: الأنانية في التعامل مع المصلحة العامة، سواء قبل الحرب وبعدها، تطالب بعودة هذه “الخدمات” إلى الدولة لتكون حقا في خدمة الجميع ولمصلحة الجميع: “أن لبنان لن ينقذ ولن يجد استقراره وانتعاشه، إلا إذا ألزم الوعي الوطني الجديد بوجوب عودة خدمات الدولة الكبرى إلى الدولة، واستلام الشرعية الجمهورية كافة القطاعات الحيوية للبلد”.

3-     احترام القوانين:

       ولكن هل من فائدة لعودة الخدمات العامة إلى الدولة إذا لم تتبدل ذهنيتنا نحو احترام القانون؟” اجل للشبيبة: صفات كثيرة، منها الذكاء، والشجاعة، وروح المبادرة، وبعد النظر، والسخاء، ولكن ذلك كله يوجه لمصلحة الفرد والعائلة أو للجهة الاجتماعية التي ينتمي إليها،  ونادرا ما للمصلحة العامة”. وتردف الرسالة: “يقال بان لبنان ما بعد الحرب يحتاج إلى رئيس قوي، ولكن ما جدوى ذلك ما لم يعمل على تطبيق القانون، وذلك بإفساح المجال أمام المحاكم لا أن تصدر أحكامها حسب، بل أن تطبقها أيضا. إذ ذاك ينال كل مواطن حقه، وحق لبنان يعلو على كل حق”.

4-     الشبيبة:

       وهنا يسترسل البطاركة والأساقفة في إبراز دور الشبيبة في إعادة بناء لبنان، ذلك أن “الشبيبة نالتها الحرب أكثر من أية شريحة أخرى من الشعب، ولأنه لا أمل بالنهوض والإصلاح وتطوير البلد من دون الشبيبة”. وفيما أبدت الرسالة أسفها على أن “الشبيبة دفعت ضريبة الدم على حساب نمائها الأدبي والثقافي” تطرقت إلى بعض مخلفات الحرب على سلوكية الشبيبة، مثل “ممارسة العنف   وتعاطي المخدرات، والتفكك الأخلاقي، والجشع وروح السيطرة “، وخاصة “ظاهرة الفصل الفعلي الذي استمر 14 سنة بين فئات الشعب، من منطقة إلى أخرى. وهذه الظاهرة لم تقتصر (في نتائجها) على التجاهل المتبادل بين المسلمين والمسيحيين من قطاع إلى آخر في العاصمة وحسب، بل الأسوأ من ذلك الانعزال الذي حوصرت فيه كل منطقة”. “ومع ذلك، يستخلص البطاركة مشيرين إلى وجوب إشراك الشباب في صنع قرار لبنان الجديد، إننا لواثقون بان شبيبتنا ستقوم بواجبها وستبني لبنان، إذا توجهت إليها العناية، ومنحت الثقة، ونالت الوعي بالمسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقها”. 

5-     التعايش الإسلامي – المسيحي:

       “تلك هي دعوة لبنان الخاصة في تركيبته الاجتماعية – الدينية (…) والحال أن أعداء لبنان، في الداخل وفي الخارج، أولئك الذين يحركونهم، لا ينون يوجهون إليه الضربة تلو الضربة بتشجيع التفرقة الطائفية بين الجماعات، وبتكريس التقسيم على الأرض اللبنانية. فبين اختصار المسافات الهائل الناتج عن وسائل الاتصال السريعة، أكثر فأكثر، في العالم المعاصر ومظاهر التوتر الكبرى الناجمة عن الاختلاط المفروض على الجماعات –هذا الاختلاط نفسه الذي هو وليد هذه المجاورة الجديدة– كان النموذج اللبناني في التعايش بين الديانتين العالميتين الكبريين قد أصبح مثالا تبحث عنه الدول والمجتمعات المضطرة إلى التعددية في مناطق واسعة من العالم وضمن أنماط حضارية مختلفة. فلقد بات من الضروري أن يبرهن لبنان من جديد، على أن صيغة هذا التعايش الذي يملك عنه خبرة مؤلمة ولكن حيوية، شيء حسن وممكن”.

        وختمت الرسالة التي وقعها أعضاء مجلس رئاسة مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان نصر الله صفير بطريرك الموارنة، ومكسيموس الخامس حكيم بطريرك الروم الكاثوليك، وانطوان الثاني حايك بطريرك السريان الكاثوليك، وجان الثامن عشر كسباريان بطريرك الأرمن الكاثوليك، ختمت تحليلاتها وتوجيهاتها بتوصيات خمس.  

 ((((((((())))))))))))

الفكر المسيحي في يوبيلها الفضي

 (1964- 1989)

آب- ايلول1989 

        كان حلما أن تحتفل “الفكر المسيحي” باليوبيل الفضي. وهي المجلة التي لم يكن يقدر لها أنبياء الشؤم أن تعيش طويلا!وها هي قد شقت طريقها طيلة ربع قرن. عبر نجاحات وإخفاقات. وتالقات وكبوات. لتصل إلى اليوم الذي طالما تمناه لها قراءها وأصدقاءها، وكثيرون منهم واكبوا طفولتها في الستينات وحداثتها في السبعينات وشبوبيتها في الثمانينات…

     احتفالات اليوبيل في الموصل (7 – 10 تموز) وبغداد (21 – 28 تموز) كانت أشبه بمهرجان استقطب قابليات ومواهب وطاقات العديد من أصدقاء “الفكر المسيحي”. وذلك بعطاء وسخاء لا مثيل لهما… فيما نصدي هنا لهذا المهرجان. يطيب لنا أن ترفع أسمى آيات الشكر والتقدير والثناء إلى كل الذين. في الموصل وبغداد. ساهموا، من بعيد أو قريب، بقليل أو كثير، في جعل هذه المناسبة تظاهرة إعلامية في خدمة “الفكر المسيحي” التي نأمل –كما يأمل قراؤها–  أن تبقى شمعة موقدة دوما في كنيسة العراق. 

التقرير التالي يصدي لاحتفالات بغداد

        … وكان عام 1989 عام اليوبيل الفضي كونه العام الخامس والعشرين من مسيرة  “الفكر المسيحي” الفعلية –وكانت تعرضت عام 1969 لتوقف دام قرابة عام-. وكان لابد أن يعطي لهذه الذكرى ما تستحقه من الأهمية. ليس لكون “الفكر المسيحي” صمدت بوجه المتاعب طيلة 25 عاما حسب. وإنما لكونها المجلة الوحيدة في تاريخ الصحافة المسيحية في العراق بلغت هذا الشوط من عمرها!

        ومنذ بدء هذا العام انطلق نداء إلى المشاركة في نشاطات ثقافية تصب في معارض تقام في الموصل وبغداد. وسرعان ما بدأت المشاركة تتجسد من قبل الفنانين والهواة، وفي مختلف الحقول، حتى أنها فاقت  حدود التوقعات… ولنقلها بصراحة: لقد وقفنا مشدودين إزاء مساهمات فنية رائعة اتسمت بالعطاء والإبداع، سيما إن الاحتفال باليوبيل تزامن مع اقسي أزمة مالية عرفتها المجلة في تاريخها.

       وكان يوم 7/7 موعدا في الموصل لافتتاح احتفالات  اليوبيل برعاية المطران قورلس عمانوئيل بني رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك بصفته صاحب الامتياز. وتميز الافتتاح الاحتفالي بقداس شكر مشترك أقامه سيادته في كنيسة مار توما “مقر المجلة” بمعية سيادة المطران كوركيس كرمو رئيس أساقفة الموصل للكلدان وخمسة من الكهنة أعضاء هيئة التحرير، وحضره المطران غريغوريوس صليبا شمعون للسريان الارثوذكس والمطران توما كوركيس للكنيسة الرسولية الجاثيليقية القديمة، وعدد غفير من الكهنة والرهبان والراهبات والمؤمنين من مختلف الطوائف. وكان فناء الكنيسة قد اتشح بحلة المهرجان من أشرطة الزينة واللافتات والشعارات الخ…لتقول ما حمله “بوستر” اليوبيل “الشمعة المتوهجة”: ” 25 عاما في خدمة كنيسة العراق”.

      وتخللت القداس –وقد تناوب الشعب وهيئة التحرير وجوقة الكنيسة في المشاركة بصلواته وقراءاته وتراتيله–  كلمة بليغة للمطران عمانوئيل بني ذكر فيها ببدايات “الفكر المسيحي” حين كانت مشروعا يخطط له “كهنة يسوع الملك” في بدء حياتهم الكهنوتية المشتركة… وفيما أكد سيادته على أهمية الصحافة المسيحية وحاجة قطرنا الملحة إليها، خلص إلى إبراز الأهمية والضرورة اللتين  تكتسبهما مجلة الفكر المسيحي، مثنيا على “الاستمرارية ” التي تميزت بها (انظر الاطار) .

          وفي ختام القداس ألقى رئيس التحرير كلمة بالمناسبة شدد فيها على كون “الفكر المسيحي” رسالة من والى كنيسة العراق. عبر قرائتين: قراءة للشوط الذي قطعته المجلة، وقراءة باتجاه المستقبل. وفيما عبر، في ختام كلمته عن شكره لمختلف الجهات واعتزازه بكل أشكال المشاركة، استخلص أمانتين يتحتم على “الفكر المسيحي” الالتزام يهما في أداء رسالتها الإعلامية والثقافية لدى مسيحيي العراق: ” أمانة لكلمة الله التي يجب أن تعلن بحرية وجرأة دون أن تخبو أو تشوه أو توثق، إذ (أن كلمة الله ليست بموثقة). وأمانة لطبيعة العمل الصحافي في كل مقوماته وأسسه وأساليبه “.

        وبدا افتتاح المعارض بموكب سار فيه 25 من المتناولين الجدد حاملين الشموع، وتلاحم الآباء الكهنة والسادة الأساقفة الذين تناوبوا على افتتاح معرض المجلة والإيقونة والأشغال اليدوية والخط ورسوم الأطفال. وبعد استراحة قصيرة في فناء الكنيسة توجه موكب السادة الأساقفة إلى دير الاباء الدومنيكيين الذي كان قد احتضن معرضي الفنون التشكيلية والفوتوغراف.

       وتميزت المعارض على اختلافها بالطابع الفني الذي اتسمت به المعروضات. وقد وضع فيها صانعوها كل طاقاتهم الفنية مما أضفى عليه سمة الإبداع– وينطبق ذلك في أعمال الصنارة والمنسوجات. كما في السيراميك والأعمال الخشبية.. وبشكل خاص في الأزياء الشعبية (36 دمية تمثل أزياء القرى الشمالية). كما ينطبق في اللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية ولوحات الخط العربي والسرياني الخ… وإذ لا يتسع المجال لوصف أكثر دقة لما امتاز به كل معرض. نكتفي هنا بوصف سريع لما تضمنه معرض المجلة الذي لم يكن يحيل لغالبية الزوار انه سيضم تلك الموسوعة” من المعلومات عن مسيرة المجلة خلال ربع قرن!. كانت نواة هذا المعرض مجموعة من الأعداد والتقاويم والفولدرات التي أصدرتها المجلة… وسرعان ما امتدت المخيلة إلى جوانب كثيرة من عمل المجلة، فكانت لوحات جداريه شارك فيها عدد من المصممين والخطاطين والرسامين الشباب كانوا هم أول المكتشفين  لما تعنيه وتتطلبه صناعة المجلة!

       وأول ما تقع عليه المشاهد مجموعة كاملة مجلدة من “السلسلة” (6 مجلدات: 1964– 1970) ومن المجلة (18 مجلدا: 1971 – 1988). وتبدأ الزيارة من ثم بلوحة “المجلات المسيحية في العراق”، وقد عكست تاريخها شجرة حملت أغصانها اسما ونماذج من المجلات والنشرات. أولها “إكليل الورد” (1902) وأخرها (النور) (اختفت عام 1956) وحتى ظهور “الفكر المسيحي” (1964). وفيما استعرضت لوحة “الفكر المسيحي في سطور”التطورالذي عرفته “الفكر المسيحي”. عاما بعد عام، من حيث الحجم وعدد الصفحات والأبواب المستحدثة الخ… كان بوسع الزائرين أن يشاهدوا مجموعة من أوراق الإعلان والتقاويم والاستفتاءات والفولدرات التي أصدرتها المجلة، وتوقفهم لوحة أخرى على المراحل التي تمر بها المجلة قبل أن تصل إليهم: من المسودة المكتوبة إلى المسودة المنضدة التي تم تصليح أخطائها الطباعة… ومن التنضيد اليدوي طيلة 18 عاما في الموصل إلى التنضيد بالاينو في بغداد منذ نيسان 1977، ومن ثم الطباعة بالاوفسيت والألوان.. وصولا إلى التنضيد التصويري الالكتروني… فضلا عن لوحة تفصيلية حول صناعة العدد.

        وفيما رسمت بعض اللوحات أسلوب إدارة الاشتراكات وأسماء وكلاء المجلة ووتيرة الاشتراكات عبر خطوط بيانية وخارطة للعراق تحمل نسب المشتركين… رسمت لوحات أخرى “الأعداد الخاصة” (14عددا) ومواضيع منها. وأثبتت غيرها صور أعضاء هيئة التحرير إلى جانب أسماء الكتاب الذين كان لهم مساهمتان فما فوق. وفي نطاق الأبواب الثابتة في المجلة كان لابد للملفات الإعلامية (50 بلدا في مختلف القارات) والدراسية أن تبرز. فضلا عن المقابلات   و ” شؤون راهنة “، وكل ما نشر عن “كنيسة العراق”..وكانت قمة العرض قسم الأرشيف: وقد تناول مصادر المجلة عبر عرض رائع لمجموعة كبيرة من المجلات والصحف العربية والأجنبية. وثقت المجموعات الشهرية والفصلية منها في بطاقات (فيش) فيما احتفظ بقصاصات من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية في مجموعة كبيرة من الفايلات، علما بان البطاقات والفايلات مبوبة بحسب موضوعات رئيسية تنقسم بدورها إلى مواضيع فرعية. وكان هناك عرض لنماذج منها في اتجاهين: بحسب البلدان وبحسب الموضوعات. وذلك بالنسبة إلى الصحف والمجلات الأجنبية من جهة، والصحف العراقية من الجهة الأخرى.

        ومن جانب آخر تضمن جناح الأرشيف كشافا بمقالات “الفكر المسيحي” مستلة ومبوبة بحسب موضوعات رئيسية وفرعية، فضلا عن أرشفة كاملة لباب “الأنباء” مستلة ومبوبة بحسب البلدان في مختلف القارات (130 بلدا). وخلص الجناح إلى عرض “أرشيف الصور” الذي منه تستقي المجلة صورها إبان إعداد ماكيت العدد. وهي مبوبة بقسمين رئيسيين: قسم الشخصيات باختلافها، وقسم الموضوعات بتعددها. وهكذا الحال بالنسبة إلى أرشيف الأفلام الذي يوثق المسودات “السالبة والموجبة للصور المنشورة. مبوبة بالأسلوب ذاته.

       وفي إطار انشطة اليوبيل الثقافية أقيم في 13 تموز في خورنة مار افرام الكلدانية (الموصل الجديدة) معرض الكتاب المسيحي العراقي –بإشراف الأب يوسف حبي وبالتعاون مع الآباء الدومينيكيين وجهود لجنة مشتركة نشطة من راهبات وعلمانيين ضم مجموعة كبيرة من الكتب الدينية والروحية والطقسية الخ…. باللغتين السريانية والعربية، وفي مقدمتها طبعات الكتاب المقدس، وذلك على مدى أكثر من 100عام كان لمطبعة الآباء الدومينيكيين فيها دور الريادة من حيث القدم والكثافة.

         وفي نطاق النشاطات الثقافية ايضا نظمت الفكر المسيحي ثلاث محاضرات عامة ألقيت في قاعة مار نرساي (كنيسة أم المعونة) من 21 – 23 آب، وهي على التوالي: 1– حركة النشر المسيحي في العراق (للأب يوسف حبي )؛ 2– الإعلام في الصحافة المسيحية (للأب بيوس عفاص)؛ 3– مسيرة المجلة خلال 25 عاما (للأب جرجس القس موسى).

        في بغداد كان موعد الاحتفال باليوبيل يوم الجمعة 21 تموز 1989، حيث ازدانت واجهة كاتدرائية القديس يوسف اللاتينية في العلوية وأروقتها باللافتات الترحيبية وشرائط الزينة لتستضيف فعاليات اليوبيل المختلفة. وكان من دواعي غبطتنا واعتزازنا إن يشمل هذه الاحتفالات برعايته الكريمة غبطة البطريرك مار روفائيل الأول بيداويد بطريرك بابل على الكلدان الكلي الطوبى.

        وقد افتتحت الاحتفالات بصلاة شكر حضرها صاحبا السيادة المطران اثناسيوس متي متوكا رئيس أساقفة بغداد للسريان الكاثوليك والمطران بولص دحدح مطران اللاتين في العراق مترئسا الصلاة بصفته أسقف الكاتدرائية التي احتضنت الاحتفال   ولفيف من الآباء الكهنة والراهبات وجمع غفير من قراء وأصدقاء “الفكر المسيحي”. وقد تضمنت الصلاة تراتيل لجوقة الكاتدرائية وقراءات من الكتاب المقدس ومزامير وطلبات، واقيمت بجو من الخشوع والتأمل. وقرئت في الاحتفال رسالة التهنئة الأبوية التي بعث بها إلى هيئة تحرير المجلة غبطة مار روفائيل الأول بيداويد –وقد تعذر حضوره شخصيا لمصادفة سفره إلى لبنان في يوم الاحتفال ذاته، كما تليت البرقية التي أرسلها الكردينال رئيس مجمع الكنائس الشرقية من الفاتيكان إلى المجلة بمناسبة يوبيلها.

       وبعد قراءة نص إنجيل يوحنا حول “كلمة الله” الذي كان منذ البدء (1: 1 –  18 )، انبرى سيادة المطران دحدح في كلمة بليغة استهلها بتأمل لاهوتي في الكلمة وقدراتها في التبشير. وخلص إلى الحديث عن رسالة الكنيسة في نشر كلمة الحق عبر وسائل الاتصال والإعلام.. وبين إن “الفكر المسيحي” قناة من هذه القنوات في خدمة رسالة الإنجيل والكنيسة، ثم استطرد موضحا طبيعة العمل الصحفي الذي يتميز عن تعليم الكنيسة الصادر عن السلطة الرسمية بأسلوب العرض والتحليل وحتى في عكس التباين في الآراء. وفيما أشار إلى الروح النقدية التي ينبغي أن يتحلى بها القارئ تجاه ما يقرا من طروحات:  دعا بالأحرى إلى الحوار “طالما بالحوار تدوم الكلمة وتنمو، وبالحوار أيضا تنمو الكنيسة”.(انظر مقتطفات منها في الاطار).

       وفيما كان الأب يوسف توما الدومنيكي قد افتتح “صلاة الشكر” بكلمة ترحيبية بوصفه رئيس اللجنة التحضيرية لليوبيل في بغداد، اختتم الصلاة الأب بيوس عفاص، رئيس التحرير، بكلمة أوجز فيها رسالة “الفكر المسيحي” وطبيعة عملها ضمن كنيسة العراق التي هي في خدمتها.

       بعدها افتتحت المعارض الفنية في جو من البهجة العامة ووزعت المرطبات، وشملت

المعارض: معرض المجلة الذي سبق وان عرض في الموصل. ومعرض الأشغال اليدوية من تطريز وتخريم ورسم على القماش ومجموعة الدمى بأزياء القرى الشمالية الخ… ومعرض الفنون التشكيلية للوحات الزيتية وأعمال السيراميك والأشكال الخشبية. ومعرض الفوتوغراف وقد ساهم فيه الفنان حازم باك وهيثم فتح الله وغيرهما، ومعرض الخط العربي والسرياني. وأخيرا معرض رسوم الأطفال. هذا واستمرت المعارض مفتوحة طيلة ثمانية أيام.

      ومن فعاليات اليوبيل البارزة الأخرى في بغداد الأمسية الموسيقية التي أحيتها عازفة البيانو الشهيرة بياتريس اوهانيسيان في قاعة نادي جمعية الشبيبة الارمنية يوم السبت 22 تموز 1989. وقد شرف الأمسية بحضورهم سيادة المطران افاك اسادوريان رئيس أساقفة  بغداد للأرمن الأرثوذكس، والمطران سويريوس حاوا رئيس أساقفة  بغداد للسريان الأرثوذكس  والمطران بولس دحدح ورهط كبير من أصدقاء “الفكر المسيحي”. والجدير بالذكر لفنانة ان الفنانة بياتريس قدمت عزفها هدية “للفكر المسيحي” مساهمة منها في دعم مسيرة المجلة، كما قدمت جمعية الشبيبة الارمنية أيضا قاعتها مجانا لهذه الأمسية الرائعة، فأليهما شكرنا العميق.

       أما مساء الاثنين 24 تموز فقد قدم الأب جرجس القس موسى، نائب رئيس التحرير، محاضرة في كاتدرائية القديس يوسف حول مسيرة المجلة خلال 25 عاما. 

       وكان مسك الختام في أمسيتي الخميس والجمعة (27/28 تموز 1989)، حيث كنا على موعد في قاعة الكاتدرائية الرئيسية مع مسرحية “ترنيمة الكرسي الهزاز” تأليف فاروق محمد، شعر عريان السيد خلف، إخراج الدكتور عوني كرومي – وقد تابع المسرحية في غيابه مساعده ناجي عبد الأمير – تمثيل الفنانتين إقبال نعيم وإنعام البطاط. والجدير بالذكر إن هذه المسرحية قد حازت على جائزة أفضل عمل مسرحي عراقي لعام 1988، وبالجائزة الكبرى لمهرجان المسرح العربي في قرطاجة بتونس كأفضل عمل مسرحي عربي لعام . 1988 ويطيب لنا هنا أن نعبر عن شكرنا الخالص لفريق الدكتور عوني كرومي الذي قدم ريع المسرحية هدية “للفكر المسيحي”، وخاصة للكفاءة العالية التي أديت فيها المسرحية. إخراجا وتمثيلا.

      وعلى هامش اليوبيل أقامت إدارة المجلة حفلة غداء في نادي الهندية تكريما لأعضاء اللجان التحضيرية لليوبيل والمساهمين في أعماله ونشاطاته ومعارضه.

      إن كل هؤلاء الجنود المجهولين، من إخوة وأخوات وآباء، الذين لولاهم لما جاء اليوبيل بهذا النجاح، نتقدم بشكرنا. كما نسجل شكرنا العميم لسيادة المطران بولص دحدح لوضعه كاتدرائيته وقاعتها وحدائقها تحت تصرف المجلة طيلة أيام احتفالات اليوبيل في بغداد. كما نتوجه بشكرنا إلى أصحاب السيادة الأساقفة الأجلاء والآباء الكهنة والأخوات الراهبات وجميع القراء والمناصرين، في الموصل وبغداد، الذين شاركونا أفراح اليوبيل سواء بحضورهم الشخصي هذه أو تلك من الفعاليات، أو بزيارتهم المعارض المختلفة، أو بإرسالهم برقيات التهنئة ورسائل المودة.

                                           كلمة المطران عما نوئيل بني

    (…)

 لست هنا في صدد تقييم الفكر المسيحي. فذلك امر متروك لكم، انما اريد ان اوكد على نقطة قد تكفي وحدها لتبرز ما للقائمين على اصدار هذه المجلة من دور يستحقون عليه الثناء والتشجيع وهو الاستمرارية في اداء الرسالة.

     انه ليس بالامر الهّين ان تستمر مجلة، طيلة ربع قرن. على الصدور لا سيما اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار بعض العوامل التي من شأنها ان تعقل هذه المسيرة او ان تثبط عزيمة اصحابها. وإذا ما القينا نظرة على المعوقات التي رافقت مسيرة مجلة الفكر المسيحي فباستطاعتنا حينئذ ان نقدّر حق قدرها الجهود التي بذلها القائمون على هذه المجلة. ليس فقط لكي تبقى بل ايضا لتتطور شكلا ومضمونا. ففي مقدمة المعوقات كانت ضآلة الموارد وهي تنحصر في بدلات الاشتراك والمناصرة. وهي بالواقع ابعد من ان تسًد المصاريف لو أتبع هنا اسلوب المكافآت للعاملين في المجلة كما هو الحال في المجلات الاخرى يضاف الى ذلك متاعب الطباعة وارتفاع الاسعار واسعار الورق بالذات بشكل لا يكاد يُصدّق (…). وهنا لا يفوتنا ان نذكر بعض المواقف غير المشجعة ان لم المناوئة وقد تكون هذه المواقف مبررة احيانا الى حد ما  التي كان على هيئة التحرير مواجهتها! واننا لعلى يقين ان ذلك كله قد أكسبها خبرة واسعة تساعدها على اداء رسالتها بشكل انجح.

      تمنياتنا لمجلة الفكر المسيحي ان تبقى وان تسير من حسن الى أحسن. وان تكون اداة للتثقيف المسيحي الرصين وللاعلام الجاد والبنّاء اننا نقر ان ذلك ليس بالامر الهّين لاننا نعلم انه من الصعب جدا ان ترضي مجلة. اية مجلة. جميع الاذواق. ولكننا نؤكد هنا. وهذا ما قلناه مرارا لهيئة التحرير. ان القاعدة الذهبية التي يجب الا تغيب عن بالهم. وهم يحررون المقالات وينقلون الاخبار . ان من يكتب يجب عليه اولا ان يعرف لمن يكتب. فهناك بعض المقالات التي هي فوق مستوى القراء. وهي اشبه بالطعام الثقيل والدسم الذي يُعطي لطفل صغير لا يقوى على هضمه. مثل هذه المقالات لا تأتي بفائدة تذكر إن لم نقل انها قد تشوش وتبلبل افكار القراء. كما ان هناك بعض الاخبار المثيرة التي إذا نشرت وإن كانت صحيحة. قد تهدم ولا تبنى. لأن القارىء. غالبا ما. ليس بمستوى يؤهله لفهم الخير على حقيقتة واستخلاص العبرة من نشره.

     مع اعتزازنا بما حققته مجلة الفكر المسيحي خلال هذه المسيرة الطويلة. ومع الثناء على القائمين عليها للجهود المضنية التي بذلوها. نتمنى عليهم ان يبدأوا هذه المرحلة الجديدة بايمان راسخ وهمة عالية ووعي متزايد لكي تستمر المسيرة في خدمة الكلمة والكنيسة على بركة الله.   

رسالة البطريرك بيداويد

      حضرات ابنائنا الاعزاء رئيس واعضاء هيئة تحرير مجلة “الفكر المسيحي” المحترمين.

      نشارككم في صلاة الشكر لله العلي القدير بمناسبة احتفالات اليوبيل الفضي لمجلتكم الغراء “الفكر المسيحي” راجين ان تكون جهودكم المشكورة خدمة للكلمة الذي هو الله والذي صار بشرا فسكن بيننا مفيضا علينا الحياة والنور والنعمة والحق (يوحنا 1/1، 3، 9 ،14). وان تكون مجلتكم شهادة للنور ليؤمن عن شهادتها جميع الناس عن طريق ترسيخ العقيدة السليمة ونشر تعاليم الكنيسة وتوجهاتها لخير الانسان الجديد المفتدى (يوحنا 1: 7 -8).

     فاليكم محبتنا الابوية وتقديرنا مع تشجيعنا لمتابعة مسيرتكم البناءة حفظكم الرب بعنايته وسندكم في رسالتكم الشريفة مع تهانينا القلبية وادعيتنا الحارة لدوام نجاحكم وتوفيقكم مستمطرين على حضراتكم وسائر قراء “الفكر المسيحي” الكرام فيض البركات السماوية.

                                                                     روفائيل الاول بيداويد                                       

                                                          بطريرك بابل على الكلدان

رسالة الكردينال

رئيس مجمع الكنائس الشرقية حاضرة الفاتيكان

    غبطة البطريرك روفائيل الاول بيداويد بطريرك بابل على الكلدان – بغداد

       بمناسبة الاحتفال البهيج بمرور 25 عاما على تأسيس المجلة الشهيرة “الفكر المسيحي”، وفيما اتمنى لها نموّاً مطرداً مع التأكيد، بامانة متواصلة، على التعليم المسيحي الرسمي، وبانسجام بنوي مع الكنيسة المحلية، اتقدم باسمى وبأسم سيادة امين سر المجمع وكافة معاونيّ، باصدق التهنئات، مستمطراً على ادارة المجلة وجميع قرائها غزير البركات الالهية.

                                                        الكردينال سيمون لوردو سامي

                                                         رئيس مجمع الكنائس الشرقية

مقتطفات من كلمة المطران بولس دحدح

       (…)

        انا لا اتصوّر ان وراء هذا المشروع (مجلة الفكر المسيحي) اية مصلحة مادية. المجلة مشروع لنقل الكلمة. كلمة الله. الكلمة الحق. التعليم المسيحي الصادق بكل نزاهة واخلاص وانا لا اتصور، حتما، ان مجلة الفكر المسيحي هي الناطق الرسمي باسم كنيسة العراق… فهي تضع امامنا اخبار الكنيسة في العالم اجمع، منها الرسمية ومنها غير الرسمية…

     الكنيسة لا تسير فقط انطلاقا من الكتاب المقدس ومن التعليم الكنسي الرسمي. وانما ايضا من الطروحات اللاهوتية والفلسفية والتحليلات. ومن هذا المنطلق تبقي الكنيسة الباب مفتوحا امام مؤمنيها ولاهوتييها ومعلميها والصحفيين فيها ليتطرقوا الى بعض المشاكل التي، وان اثارت احيانا بعض التساؤلات، فالكنيسة تستخلص منها ما تستطيع لتعطينا الجديد. والكنيسة. برئيسها المنظور واساقفتها. لا تعطينا تعليما من لا شيء. وانما تطرحه على اللاهوتيين ليحللوه. ليدرسوه. ليضعوا الحجج اللازمة لاسناده. وان تباينت الاراء… الكنيسة ليست حاكما قاسيا يقطع راس كل من يختلف رايه عن رايها. فاذا تمسكت الكنيسة ببعض الامور. لاسباب. فهي لا تمنع ان تطرح في اطار مغاير ومن وجهات نظر اخرى. مع الاستعداد لقبول القرار الرسمي عندما يصدر.

     لا تتصوروا ان من واجب قراء اية مجلة. الفكر المسيحي او غيرها. ان يقبلوا بكل ما تطرحه. فلكل واحد منا عقل وتفكير وروح نقدية لا بد منها. عندما نقرأ. علينا ان نحلل ونستخلص وربما ان نحاجج وننقل رأينا الى المسؤولين عن هذه المجلة. طالما الكلمة هي حوار. وبالحوار تدوم الكلمة وتنمو. وبالحوار ايضا تنمو الكنيسة وليس بالشجار او التناحر وكسر الرؤوس (…). فاذا بلعتم كل ما يرد في هذه المجلة. فهذا يعني انها تعمل لغسل دماغكم. وتلك ليست مهمتها. مهمتها هي ان تحسسنا بالمشاكل المسيحية المعاصرة… فعلينا ان نساهم وندافع وننمي ونعمل كل شيء لدعمها، لا مسايرة لأصحابها. بل لان كلمة الحق نقولها: انها. منذ 25 عاما. المجلة المسيحية الوحيدة. عسى ان تنافسها مجلة اخرى

      اخيرا. اتقدم بالتهاني، والتمنيات خاصة. الى ادارة الفكر المسيحي لكي لا يخافوا. لا يتراجعوا، لا يهابوا، ليتقدموا! ان طريق الكلمة طريق شائك. (…) فالى الامام. صلاتنا معكم وادعيتنا. وكذلك مساهمتنا المادية وغير المادية. لا للفكر المسيحي كمجلة وحسب. بل لكونها خدمت كنيسة العراق. والعراق اولا. 

  ))))))(((((((((

Normal
0

false
false
false

EN-US
X-NONE
AR-SA

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-qformat:yes;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin-top:0cm;
mso-para-margin-right:0cm;
mso-para-margin-bottom:10.0pt;
mso-para-margin-left:0cm;
line-height:115%;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:11.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;}

مسيرة الفكر المسيحي خلال 25 عاما

ت1 ت2 1989

        بمناسبة مرور 25 عاما على ظهور “الفكر المسيحي”، رسم هذا المقال مسيرة كانت بداياتها متواضعة عسيرة، ولكنها بداية ما فتنت تزداد رسوخا واتساعا وعلى اكثر من صعيد – وليس التطور في المضامين التي تلقاها القراء وتفاعلوا معها، من اقلها شأنا ! ولاسيما حين اتضح، مع الاعوام، خطها الفكري الواضح والمتسم بالروح النقدية والجرأة، بعيدا عن كل اشكال المساومات والتواطآت … هذا الخط، حددته الاهداف التي ما انفكت المجلة تعلنها               منذ عام 1977.

      من اجل تلك الاهداف انطلقت “الفكر المسيحي” – سلسلة (1964- 1970) فمجلة (1971) لخدمة الكلمة في كنيسة عرفت منعطفا دقيقا من تاريخا، فكانت فيها صوتا نبويا، وأي صوت … وبسبب تلك الاهداف، كان لها “قراؤها” الذين التقت توجهاتها مع تطلعاتهم …ولا شيء يغني عن مطالعة هذا العدد الخاص برمته، لما فيه من الذكرى والمتعة !

*     الانطلاقة والمراحل

    الساحة خالية خاوية. آخر مجلة دينية مسيحية انطفأت منذ 8 سنوات، والنشر

المسيحي يكاد يكون معدوما لولا سلسلة “كلام الله” المترجمة التي تعهدها الآباء الدومنيكان في الموصل عام 1959 للتعريف بالكتاب المقدس.

    عطش الشبيبة الى ثقافة مسيحية جادة تجيب الى التساؤلات الدينية والطروحات الفكرية والتيارات الفلسفية التي جاءت بها ثورة 14 تموز 1958، في خضم الغيير النوعي الكبير في الحياة الاجتماعية والسياسية الذي احدثته في حياة العراقيين عامة،  والمسيحيين بنوع خاص.

         حماس تتأجج به قلوب فريق من الكهنة، كهنة يسوع الملك، اخطتوا لانفسهم ان يعيشوا تجربة الحياة المشتركة للتعاضدالاخوي في ما بينهم وللتعاون في الرسالة. لا رصيد لهم – وقد رسموا حديثا – غير الطموحات والاحلام والعزم على تحقيق شيء في باب النشر كبداية، سيما وان رياح المجمع الفاتيكاني الثاني في الستينات هي في عز هبوتها .

     هذه كانت الاجواء التي ولدت فيها “الفكر المسيحي” عام 1964 . ولقد توخينا البدء بمشروع وضيع ونفتح للتطوير والتوسيع، فتبنينا صيغة نشرة شهرية تحمل في كل عدد مقالا واحدا، ضمن مخطط سنوي يشمل العقيدة، والاخلاق المسيحية، والكتاب المقدس، والحركة المسكونية، والتربية، والقضايا الاجتماعية، وحياة أحد شهود الايمان، وعددا للاجابة على الاسئلة الواردة باسم “صندوق الاسئلة” …وسميناها “سلسة الفكر المسيحي”، وتشكل كل سنة حلقة، وتتكون الحلقة من 10 أعداد (حجم 16X20 سم).

    ظهر العدد الاول من “السلسلة” في ك2 1964 بعنوان “الكنيسة عبر القارات”ب 16ص و 200 نسخة، وكانت قيمة الاشتراك السنوي 200 فلس. اما في السنة الثانية فقد ارتفع عدد المطبوع ليستقر في 3000 نسخة مع اضافة في الصفحات (20ص)، وفي عام 1968 اضيفت 8 صفحات اخرى كملحق يتضمن افتتاحية قصيرة وانباء العالم المسيحي .

    وقد كانتحصيلة ما نشرته سلسلة الفكر المسيحي خلال سبعة اعوام 60 عددا في شتى المواضيع الدينية والتربوية والكتابية والراعوية والمسكونية .

    وفي سنة 1971 ، تحولت السلسلة الى مجلة شهرية متعددة الابواب (حجم 24 x17 سم ب 32 ص لتستقر عام 1975 في 48 ص ). بهذا التحول حققت الفكر المسيحي نقلة نوعية جوهرية ، حيث اتخذت لها طابع  مجلة دورية  حقيقية كقناة للتثقيف والاعلام المسيحيين في خدمة كنيسة العراق. وحددت اهدافها وطبيعتها بكونها مجلة مسيحية لا طائفية تتوجه الى القراء، بمختلف كنائسهم، لتقدم لهم، بلغة العصر وبنظرة انجيلية منفتحة، ثقافة مسيحية اصيلة وواعية، من خلال معالجاتها للقضايا التي تواجه الكنيسة في عالم اليوم والاحداث المتصلة بحياتها وبشهادة المؤمنين، في خط المجمع الفاتيكاني الثاني وبروحه .. فصار الملف– ويتناول جانبا من جوانب من حياة الكنائس او دراسة ما- يحتل مكانا متميزا منذ البداية في كل عدد، من حيث المضمون والمساحة . واصبح باب اخبار العالم المسيحي القناة الوحيدة للسواد الاعظم من القراء للاطلاع على نشاطات الكنيسة في العراق والعالم. وتصدر ركن التاريخ اعداد المجلة لثلاثة اعوام ليستذكر تاريخ كنيستنا الشرقية وعمق تجذرها في ارض الرافدين. وكان ركن التربية يعالج قضايا تربوية ملحة برغبة فتح حوار بناء بين الاولاد وذويهم، وتوعية الاهل بمشاكل اولادهم وبناتهم ومعانيات عمرهم … ومواضيع متنوعة اخرى مما هو في صلة مباشرة مع اهتمامات القراء الفكرية والروحية والدينية، مع تعاطف مقصود مع شريحة الشباب والجيل الجديد .

      وجاء عام 1977 ليشكل منعطفا جديدا في حياة المجلة، حيث اتخذ نهجا اعلاميا واضحا، سواء في التصاقها بالحدث الكنسي والمسيحي في العام وفي العراق، ام باسلوب تعاملها مع هذا الحدث، ومتابعة حيوية الشهادة المسيحية في مختلف القارات والجماعات الكنسية. فاستحدثت ابوابا ثابتة وزوايا حرة، واتجهت لمعالجات شطر القضايا الفكرية والاجتماعية والشؤون الراهنة المطروحة في حياة الكنيسة الجامعة والكنائس الخاصة، وكنيسة العراق بشكل خاص، وذلك وفق نهج اعلامي يتوخى الامانة للحقيقة ولطبيعة العمل الصحفي . والاسلوب الصحفي يعتمد اساسا العرض والتحليل والنقد، ويتحاشى الطروحات النظرية والتعليمية المباشرة.

*    خط المجلة وتشخيص معانياتها

          غير ان للفكر المسيحي، لكونها المجلة المسيحية الوحيدة في العراق، وايمانا منها بأن لها رسالة انجيلية ودورا نبويا في نهظة كنيستنا، ارادت ان تزاوج، في طبيعة اخراجها وتكوينها، بين الاسلوب الصحفي واسلوب الدوريات الثقافية المسيحية، لتغدو قناة توعية واعلامفي خدمة مسيحيي العراق… علٌ مجلة اخرى تنافسها فتحمل عنها، لربما، ما لا تستطيع حمله، او يراد لها ان تحمله، مرة واحدة !   

     وتجاه بعض الاراء التي تتجاهل طبيعة الصحافة وقوانينها واسلوب عملها، وتنكر على الفكر المسيحي الاحتفاظ بخصوصيتها واستقلاليتها، ولا ترى فيها الا مجرد اداة نقد وتشكيك واعادة نظر في المسلٌمات، او لا ترتاح الى الوعي والانفتاح والتساؤل الذي تطرحه المجلة عبر معالجاتها … عمدت الفكر المسيحي الى تحديد اهدافها بوضوح منذ ك2 1977 ، وذدذكرنا بها “فولدر” اليوبيل الفضي هذا العام، وهي أن الفكر المسيحي :

*     مجلة ثقافية

        تسعى الى تطعيم قرائها بروحانية الانجيل

        في بحث عن اصالة الايمان والتجدد

        وتقصد : بذلك اعطاء  الاولوية للروح والشهادة، اي للجانب النبوي للرسالة الانجيلية وحياة الكنيسة ، ولاصالة  الانجيل المنفتحة نحو التجدد لا الركود، للجوهر لا الشكليات .

*     مجلة اعلامية ملتزمة

      تقدم لقرائها اعلاما جادا

      حول حياة الكنيسة في العراق والعالم

    وتقصد بذلك ان تكون قناة توعية وايقاظ ، ليس لمجرد الاثارة ، وانما للتحريك وكدعوة الى العمل .

*    مجلة تؤمن بالوحدة المسيحية

         فوق الفوارق الطائفية والمذهبية

         وتسعى الى اشاعة الاخوة والتضامن .

   وتقصد بذلك الركيز على ما يوحد، لا على ما يفرق، والانفتاح على الافكار والنشاطات في الكنائس الشقيقة المختلفة  ونبذ اية نعرة مذهبية او طائفية . سيما واننا في العراق، لربما اكثر من غيرنا، بحاجة لأن تظهر الكنيسة موحدة، وتكون كذلك فعلا. ملاحظة واحدة وهي ان المجلة ليست مجلة وحدوية متخصصة بشؤون الحركة المسكونية، ووضوح انتمائها الكاثوليكي لا يؤثر على خطها الوحدوي .

*    مجلة مسيحية

لا تدعي انها لسان الكنيسة الرسمي

بل تؤمن بتعددية الاراء والتعبير

ضمن وحدة الايمان

   وتقصد بذلك انها، اذ تنطلق من القاعدة وللقاعدة، لا تدعي انها الناطق باسم السلطة الكنسية، مع حرصها على البقاء امينة للعقيدة المسيحية والايمان . وانها، اذ تقدم اجتهادات وابحاثا وتحليلات وآراء  تعكس حركة الحياة والبحث ضمن الكنيسة، فهي لا تلزم السلطة الكنسية بتبنيها بالضرورة، من جهة، ولا تدعي انها التعليم الرسمي النهائي للكنيسة، من جهة اخرى، فالمجلة تصدي للتعليم الكنسي الرسمي عبر الوثائق التي تنقلها، وتنقل الطروحات غير الرسمية ايضا، مفترضة الوعي عند القاريء.

      وهكذا يتحتم على الفكر المسيحي ان تحافظ على موازنة دقيقة بين اربعة عناصر وهي :

1-    القراء : الذين يتكونون من شرائح مختلفة من المؤمنين، ومن مختلف الطوائف

المسيحية ، ومن اعمار وثقافات متفاوتة ، بينهم المتفتح والتقليدي والثوري، مع تفضيل ملتزم للجناح المتحرك والمنفتح بينهم .

2-    الرؤساء الكنسيين : الذين بصفتهم حماة المؤسسة الدينية واستقامة العقيدة، يميلون عادة

الى تكريس الوضع القائم ولا يرون دوما بعين الرضى ان يعكر صفو الافكار السائدة ا وان يزرع التساؤل، لا سيما في ما يخص قوالب التعليم الديني المتوارث او طرائق ممارسة السلطة.

3-    البيئة الايديولوجية السائدة في البلاد .

4-    واخيرا منظورنا الخاص لحياة الكنيسة – ونريده انعكاسا امينا لروح المجتمع –

وطريقنا في مواكبة والتزام هذه الحياة، عبر المجلة كقناة ثقافة وتوعية مسيحية عراقية ملتزمة . وذلك وفق الاسلوب الاعلامي الذي له خصائصه ومقوماته، ورغبتنا في الحفاظ على الاستقلالية كشرط للحيوية والتعبير الحر البناء .

    ولو امعنا النظر في الاهداف التي رسمتها المجلة  لنفسها وفي هذه الموازنات، لا سيما النقطة الاخيرة منها، لوجدنا الجواب لكثير من الاسئلة التي يطرحها البعض حول انفتاح المجلة- عبر ابوابها الاعلامية ومعالجاتها – الى التيارات الفكرية المستجدة في الكنيسة الجامعة، في ميادين البحث اللاهوتي والاساليب الراعوية والتربوية، وفي نماذج الشهادة المسيحية التي تؤديها الكنائس المحلية، او جماعات القاعدة فيها ، في اطار واقعها التاريخي والاجتماعي الخاص . ففتح افاق القراء على حركة الحياة في الكنيسة الجامعة جزء من رسالة المجلة ، سواء كان من جانب الاطلاع ام الشعور باننا جزء من كل اوسع …فلا نتقوقع على معانياتنا الذاتية وننحصر في خبراتنا الذاتية في حالة حلزونية وقائية .

      هذا وكان بودنا ان نضيف عنصرين اخرين يدخلان طرفا في معادلات الفكر المسيحي كمجلة شهرية الصدور، الا وهما ظروف التحرير وشحة الكتاب من جهة ، حيث يقع العبء الاكبر على اشخاص معدودين يتكررون، وظروف الطباعة من جهة اخرى (التصاعد المرعب لاسعار الورق مع ركود الاشتراكات).. الى جانب المعوقات الكثيرة التي تعترض عملية متابعة الطباعة والتوزيع ..)  .

      اما لماذا يعتبر انتشار المجلة محدودا نسبيا (7500 مشترك) بعد 25 سنة ، فلربما لان الفكر المسيحي تمثل نمطا من صحافة الراي، والراي الديني بصورة خاصة .وهذا النمط من الصحافة ليس كعكة يتهافت عليها القراء .فضلا عن ان اوساطا غير قليلة لا زالوا يجهلونها او لم يسمعوا بها او لا يعرفون كيف يشتركون . اما ان يمتنع البعض عنها بسبب خطها ، فهناك بالمقابل اخرون ايضا يطلبونها من اجل خطها .

       هل تحقق المجلة كل طموحنا ؟ كلا ! بل نسعى دوما الى عطاء افضل . 

        ولكن مع ذلك، بوسعنا القول انها، في مسيرتها على مدى ربع قرن، قد ساهمت من موقعها في خدمة كنيسة العراق وتجديدها، فلقد ادخلت ، من دون اي شك ، تيارا فكريا يتسم بالشباب والحيوية ، ونمطا من الانتماء الى الكنيسة  يتسم بالوعي والفاعلية والنضوج . فالحصيلة تبدو لنا ايجابية : دور القاعدة، اي العلمانيين في الكنيسة، نظرة الى عيش الايمان تتميز بالاصالة والشخصانية وتتجاوز الطروحات النظرية الى الشهادة الحية ؛ التزام خط تجددي بالعودة الى الجذور دون القشور واستلهام روح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني؛ التركيز على الحوار والمسؤولية وليس على الادانة والخوف، اولوية الانسان على الشريعة ؛ دينامية كنيسة جامعة موحدة اكثر مما تبدو في اختلافاتها ؛ الكلمة الحرة والشجاعة لقولها ؛ الانفتاح على العالم وعلى الافكار والاراء؛ الطاقة غير المستثمرة للشبيبة والنساء في حياة الكنيسة الخ …، هذه هي بعض المفردات التي تتناولها المجلة بصيغ مختلفة، شهرا بعد شهر . فبالنسبة لها، كل تقرير تقدمه عن الخبرات الانجيلية او المسكونية للجماعات المسيحية التي تشهد، في القارات المختلفة، للرجاء الذي فيها، وعندما تتصدى لتباين الاراء ووجهات النظر في الكنيسة ، او تشير الى الاولويات … فهي تعتبر ذلك اصغاء الى الروح الذي يتحدث الى الكنائس . اليس ذلك تجسيدا لدينامية المجمع الفاتيكاني الثاني وجراته ؟ الفكر المسيحي تحاول ان تفعل كل ذلك في محبة عميقة للانجيل والكنيسة . 

 

                                                               الاب جرجس القس موسى

الفكر المسيحي1988

الفكر المسيحي1988

ت

المقال

العدد

الشهر

السنة

92

مقابلة مع المونسنيورجيرار دوكور        

231

كانون2

1988

93

   حج إلى تلة الرجاء    شهادة                     

233

شباط/اذار

1988

94

 بوروندي كنيسة التلال  – ملف                                 

234

نيسان

1988

95

مرحلة الأخيرة من قصة المطران لفيفر ش.ر     

236

حزيران- تموز 

1988

1988 المقالات:

حج إلى تلة الرجاء

شهادة/شباط – اذار1988

        سييللو.. تلة الرجاء والصمت والاختلاء، مشلوحة على سفوح سوباسيو الايطالية الخضراء، إلى الشمال الشرقي من روما بحوالي200كم. مناسك متناثرة، منها 5 من مجموع 25، ليس فيها حتى الكهرباء، يقضي فيها شباب من كافة إنحاء العالم أسبوعاً.. أو شهرا.. أو سنة في الصلاة والتأمل والبحث عن الله في الأعماق.. برفقة الأخ  كارلو كاريتو.

      كارلو كاريتو، احد انبياء هذا العصر، عرفناه من خلال كتابه “بحثت ووجدت” الذي نقله الى العربية الاب جرجس القس موسى، وقد التقاه في الصيف الماضي في سبييللو وقدم له ترجمته. في الشهادة التالية يتحدث عن هذا اللقاء.. وعما رأى وسمع على تلك “التلة” المنفتحة على اللا نهاية، فلا تشعر بغير نسيم الروح يلامس روحك بجناحيه..

كيف يعيش الأنبياء؟

       تعال وانظر!… وأخذت  عصا الحجاج صباح يوم ممطر وقلبي يسبق خبب القطار الصاعد مخترقا الضباب الكثيف من روما نحو سبيللو.

      في فولينيو تستقبلني الأخت كابرييلا، من أخوات الإنجيل الصغيرات، وتقودني بسيارتها الصغيرة التي تتراقص تحت المطر الذي لم ينكف لحظة، في طريق حجرة ملتوية صاعدة. في اعلي أكمة، إلى اليسار، قلعة ضيقة من قلاع القرون الوسطى تتدافع بيوتها الصغيرة حول كنيسة قديمة تطل على السقوف القرميدية ببرجها الأحمر المربع، وكأنها مشدودة إليها: سبيللو! وعلى مشارفها في السفح المقابل، بيت ريفي عتيق ضائع بين حقول الزيتون تحتضنه اذرع شجرة ضخمة يابسة إلا من بضعة خصل خضراء في أطرافها. نوافذ خشنة غير متجانسة تتقاسم واجهة كلسية بانت حجارتها هنا وهناك، باب ارضي واسع تخاله باب طاحونة أو زريبة ماشية ينفتح مباشرة على الرياح، ومدخل مكشوف على كتف درج رصف بحجارة تسللت إلى شقوقها الأعشاب: هذا هو “منسك يعقوب”.. هنا يسكن كارلو كاريتو!

      وخرج وهو يعرج قليلا على عصاه، فمد إلي يدا خشنة كيد فلاح من عندنا وهو يبتسم ابتسامة عريضة تقرا فيها الطمأنينة والمودة:

      إي ريح تقودك ألينا… اجلس هنا بقربي وحدثني..؟

      قالها وقد احتضنني بذراعيه القويتين بالرغم من عوقه وسنيه التي واسطت السبعين، وجلسنا أمام طاولة واسعة من الخشب الأبيض كست الكتب طرفيها.

      لماذا جئت إلى سبيللو؟ من أين سمعت بنا؟

      قبل أن أجيب إلى سؤاله كانت قد جذبت انتباهي مكتبة ذات رفوف منحرفة في إحدى زوايا غرفة الاستقبال الصغيرة، عرضت عليها مجموعة من الكتب بلغات مختلفة، وكلها تحمل اسم “كارلو كاريتو” في أعلاها، فقلت:

…      –  كتبك هي التي عرفتنا باسم سبيللو وببعض ما تفعلون..:، فجئت حاجا إلى الينابيع لأستقي لنفسي ولأنقل مشاهداتي إلى إخواني.

…      – ابتسم وقال وهو يضع عصاه المعقوفة على حافة الطاولة:

         لسوء الحظ، مجيئك يصادف ما نسميه “بالسنة السباتية ” –أي سنة الراحة– ففيها لا

يوجد استقبالات جماهيرية، ولا نستطيع إيواء الجماعات في المناسك، فإننا نعيد النظر في أساليب حياتنا وندرس الإمكانات الجديدة لنخدم انتظارات الأصدقاء الذين يقصدوننا بصورة أفضل. وأردف: ولكن لحسن الحظ أيضا، وإلا لما استطعنا الحديث على هوانا… في كل الأحوال “السنة السباتية”  تدوم شهرين فقط.

         وما أن علم أني قادم من العراق حتى قال بنبرة أسى: الحرب.. الحرب..!

          وكانت تلك ردة اسمعها كل مرة  ذكرت إني من العراق – معبرا عن ألمه لعمانياتنا

وتضامنه معنا في ألتوق إلى السلام.. “تلك نعمة كبيرة من الله”، قالها ثم تذكرانه مر ببغداد قبل نحو30 سنة. أما انأ فكان قلبي يخفق لأحدثه عن الحرارة والارتياح الواسع اللذين قوبل بهما في العراق كتابه “بحث ووجدت”. ولعل السبب الأساس في ذلك هو معالجته مواضيع خطيرة وهامة من حياة المؤمن والكنيسة، والجرأة التي اتسمت بها هذه المعالجة. ليس كلاهوتي يعلن آياته ومذاهبه من اعلي المنبر، وإنما كمؤمن وشاهد يعيش الإنجيل بمثابة غذاء يومي ويصاحب المسيح كصديق وأخ ومرشد، لا كديان أو مؤسس ديانة مهما سمت.. فيقول بحرية وصفاء نية وعفوية ما يرى ويسمع!  ولما قدمت له نسخة من الترجمة العربية صفق بيديه كطفل يتلقى هدية غير مألوفة وضحك ضحكة طويلة وقال: “آه، شكرا، شكرا… هذه أول ترجمة عربية تصل إلى سبيللو! ستنظم اللغة العربية أيضا إلى شقيقاتها الأخر…”.   

        ثم استرسل في حديث عن روح البساطة والتواضع التي ينبغي أن تقود العلاقات بين القمة والقاعدة في الكنيسة، بين الرئيس والمرؤوس، بين الأخ والأخ.. بين المؤسسة والإيمان.. فلا يقتل ولا يخنق روح النبوة. الكنيسة لا تستطيع أن تحيا من دون أنبياء، كما الكائن الحي لا يستطيع أن يحيا من دون الهواء، فالسماع المتبادل هو شرط ثابت  لحيوية البشرى الإنجيلية. وقال متنهدا: “آه من خطيئة الكبرياء في الكنيسة.. الكنيسة لا تعترف بأخطائها، أنها تعترف بأخطاء الآخرين…”. واستطرق معلقا على “الصدام المزمن بين السلطة والخدمة.. أننسى أن يسوع قتلته “كنيسة” –أي مؤسسة دينية– لأنه فضح أعمالها؟.. لا افضع من استغلال الدين وتسخيره..!”. ثم ابتسم وقال كمن لا يريد أن يعطي انطباع التمرد والثورة: “أنهم يعتبرونني كالابن المشاكس للكنيسة، ولكن الإخوة الصغار محبوبون في الفاتيكان”!…

       بينما توارى في غرفته ليريني نص رسالة مفتوحة كان قد وجهها إلى يوحنا بولس الثاني حول روح النبوة والفقر والحوار في الكنيسة، كان نظري يتجول في مدخل الاستقبال، حيث كنا جالسين، فلم أر بين الصور لا البابا ولا فنفاني أو أي زعيم ايطالي آخر، بل صورة غاندي  وشارل دي فوكو.. ثم علقت عيناي ببوستر كبير لفنان امتزج لديه الحس التصوفي بنكهة المرح فتزاوجا بانسجام في لوحة تمثل مجموعات من الرهبان الصغار يسبحون في الهواء متكاتفين، وكأنهم نازلون بالمظلات فوق حقل يحصده رهبان آخرون، وبين الحصادين عربي بكوفيته البيضاء يحصد هو أيضا إلى جانب يهودي يعرف من خصلات شعره، وصيني بقبعته المخروطية الواسعة، وزنجي، وابيض، ولاتيني… وغيره بينما ذهب ذئب هنا يداعب حملا، وطفل هناك يعلو ظهر أسد، وآخر يلاعب حية، وعنزة اتكأت على كتف فهد، والطيور تشاطر الرهبان سابحة في الفضاء… تلك هي الأزمنة المسيحانية، وقد كتبت تحت اللوحة كلمة “سلام” بلغات مختلفة، ومنها العربية..

      وجلسنا إلى المائدة ظهرا.. هو في الرأس، وانأ إلى جانبه، وكنا حوالي اثني عشر شخصا في صالة منفتحة على المطبخ كل ما فيها يعطي رائحة الريف وخشب الزيتون والبلوط، واخذ يقطع الخبز بيده بحسب العدد، ويملا صحن كل واحد من القارورة التي أمامه ويناوله إياها، فتذكرت والدي كيف كان يوزع قطع اللحم علينا بالتساوي ونحن ننتظر خاشعين.. أم هو يسوع يطعم تلاميذه بيده!

      أما عصاه التي لا تفارقه أبدا منذ 33 سنة، حتى لكانها قد أصبحت جزءا من شخصيته، فلها قصة طريفة: في الرابعة والأربعين من عمره ترك الأخ كارلو مهامه كرئيس لمنظمة الشبيبة المسيحية الايطالية –هذا المركز الذي كان يتيح له الاتصال مع البابا بيوس الثاني عشر وزعماء الحزب الديمقراطي المسيحي، وكان مفتاحا لمستقبل سياسي مضمون– وتخلى عن كل شيء استجابة لنداء داخلي قاده عند إخوة يسوع الصغار ليعيش حياة الإنجيل مع الناس، في الفقر والصداقة. وبينما كان يقضي فترة الابتداء ألرهباني في الصحراء الجزائرية كان حلمه أن يعود إلى جبال الألب ليعيش حياة الشهادة والأخوة الشاملة مع المتسلقين وإدلائهم في اعلي الجبال. “وبينما كنت احلم، يقول الأخ كارلو، كان علي يوما قطع مسافة 600 كم في صحراء “الخلوة”، ووضع رجلي لم يكن جيدا، فعرض علي ممرض يود خاطري أن يزرق لي بعض الإبر لتساعدني على السير، فتركته يفعل. ولكن في اقل من 24 ساعة كان قد شل لي احد ساقي. فالمسكين كان قد أخطا اختيار الشحنة، المناسبة”. وهكذا جاءت العصا!

     ولكن النفوس الكبيرة لا يعيقها شيء، فتتجاوز محنها لتستخرج الخير من وسط العتمة. فبعد عشر سنوات قضاها في الصحراء الكبرى في أخوة “إخوة الإنجيل الصغا” –وهي إحدى الأسر الرهبانية التابعة لروحانية شارل دي فوكو–  قال له رئيسه الأب فوايوم يوما: “يا كارلو، هذه عشر سنوات قضيتها سعيدا. جيد! وسيكون جيد أيضا أن تعود إلى الناس لترى ماذا يحدث!”. وجاء إلى سبيللو أساسا للعناية “بالأخوة الصغار” العائدين للراحة من شتى زوايا العالم.. وصار يكتب ويكتب، وتترجم كتبه إلى مختلف اللغات.. وصارت سبيللو، تدريجيا، محجة، لا

“للأخوة الصغار” وحدهم، بل لآلاف الشباب.

       وتقتضي العادة أن يتحدث كل واحد عما ساقه إلى سبيللو. فهذا دوناتو جاء ينشد جو الصلاة والهدوء تاركا عمله لبضع ساعات في كشك – مطعم قرب اسيزي. وهذه فاليريا جاءت إلى سبيللو لأسبوع واحد، فمكثت فيها ستة أشهر: فبعد طلاقها من زوجها شعرت بعزلة قاتلة  “لان إخواني المسيحيين كلهم كانوا قد ابتعدوا عني”،  فذهبت إلى “اشرام هندوسي” في الهند بحثا عن السلام، ثم سمعت بسبيللو وجاءت: “هنا فهمت إني اكتشفت موضعا يهب فيه الروح”. وهذا ادريانو فقد ابنه الشاب في العشرين من عمره.. وهذه جيوفانا التي كانت تأتي إلى سبيللو عدة مرات في السنة كمرافقة للفرق القادمة، ثم استقرت هنا منذ ثلاث سنوات للاستقبال. جيوفانا هذه التقيتها، وحدثتني عن بدايات سبيللو وعن هذه المناسك التي تطرز تلال سبيللو، كما رأيتها على غلاف كتاب من تأليفها قدمته لي، يحمل عنوان “تله الرجاء”.     

       “فالمناسك” مزارع قديمة مهجورة من الحجر الخشن والكلس، منتشرة على سفوح “سوباسيو” الخضراء في قطر15كم، من سبيللو وحتى اسيزي، وضعها أصحابها الفلاحون تحت تصرف الأخ كارلو، وقد حول الأخ كارلو المزارع إلى مناسك للصلاة والتأمل والخلوة. ويستقبل كل منسك فرقا من عشرة إلى عشرين أو ثلاثين شخصا تحت إمرة مسؤول، ينظمون  حياتهم وطعامهم الذي يجلبونه من “الأخوة المركزية”، إخوة القديس جيرولامو- وهي دير متروك يعود إلى القرن 15، كان أول “زاوية” سكن فيها الأخ كارلوعام 1966-. ولكل منسك معبده الخاص في إحدى غرفه، غير أن لا تلفون ولا راديو ولا تلفزيون فيه.

       وتتوزع حياة المناسك  بين الصلاة والعمل. فينصرف الشباب صباحا إلى خبرة الحياة العملية مع الفلاحين حيث يعملون لأربع ساعات في قطف الطماطة أو الزيتون مجانا، أو حراثة الأرض، أو تقليم الأشجار.. وغير ذلك من أعمال الأرض. أما فترة ما بعد الظهر فمخصصة للصلاة والتأمل. فبعد ساعتين من السجود في وقت واحد في كل المناسك، ينزل الجميع إلى “الإخوة المركزية” للقداس أو التأمل الجماعي في الإنجيل. أما ليلة المغيب، يوم السبت فهناك ساعة سجود ليلية بين الثانية والثالثة فجرا، ثم يبدأ ما يطلق عليه “نهار الصحراء” حيث يقضيه كل على هواه في الصمت والوحدة، فيفضل هذا الاستمرار في الصلاة في المعبد، ويذهب الآخر سيرا على الإقدام ليستقبل الشروق على القمم، ويتهجد غيره في قراءة الكتب المقدسة..

       وقبل وقت المغيب، وجدنا كلنا سوية في المعبد لصلاة السجود. غرفة صغيرة مفروشة ببساطة، يدخلها نور وحيد من كوة جانبية باتجاه بيت القربان، وقد عبقت برائحة البخور وزيت القناديل التي ترسل أطيافها متراقصة على وجه الإيقونة البيزنطية الرزين. صمت خاشع عميق لا يقطعه سوى صوت الديك الذي يصيح غير بعيد، والتراتيل المسجلة التي يختارها الأخ كارلو بين حين وآخر. ساعة خلناها دقائق، الله وحده يعرف ما  اختلجت به  القلوب. تركت سبيللو والصمت لازال يغمرني.. همس واحد يخالج أعماقي: لقد رأيت نبيا وتحدثت إليه.

(((((((())))))))))))

بوروندي كنيسة التلال

ملف/ نيسان 1988

       ملفات “الفكر المسيحي” الإعلامية تبدو لأول وهلة بعيدة عن اهتمامات القراء بقدر بعد تلك البلدان عن العراق! انه أول رد فعل يطلقه بعضهم تجاه ملفات أحاطت بالأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية الخ.. لبلدان في أقصى القارات –وهذا الملف لا يعفى من مثل هذه الردود، وكثيرون يجهلون اسم بوروندي!

      من هذا المنطلق بالذات تسعي المجلة الى توسيع آفاق القراء باتجاه بلدان تختلف عنا في تاريخها وحضارتها وشعوبها ودياناتها ومعضلاتها.. بلدان دخلتها المسيحية، قديما أم حديثا، ويجدر بنا أن نطلع كيف يعيش مسيحيون آخرون إيمانهم والتزامهم الكنسي والوطني في ظروف سياسية واجتماعية متباينة.

       فالي كنيسة بوروندي التي عانت كثيرا من اضطهاد سافر -ولم تمض سوى بضعة أشهر على هبوب نسيم الحرية فيها-  يحملنا الأب جرجس القس موسى في هذا الملف.

1)    دولة بوروندي:  

                                                 البنى الاجتماعية والاقتصادية

         بوروندي قد يكون البلد الوحيد في العالم الذي ليس فيه قرى بالمعنى التقليدي،  مع أن الأكثرية الساحقة من سكانه يقطنون الريف. فطبيعة البلاد المتموجة، والتي هي أشبه بقمم يتشتت السكان على التلال وفي وحدات سكنية من 30 – 40 بيتا متباعدا. وقد قسمت هذه التلال إداريا إلى 2427 تلا. ففي بوروندي يشكل “التل” مركز الانتماء والالتقاء وفيه تتجمع المعلومات والأخبار ومنه تتوزع. وتشكل كل مجموعة عائلية عشيرة، أو قبيلة تنحدر من جد معروف واحد. وسيكون “للتل” كتجمع بشري تقليدي قائم بذاته اثر كبير على السياسة الراعوية للكنيسة، من جهة، وعلى السياسة الإدارية للدولة، من جهة أخرى.

       وسكان بوروندي القدماء كانوا من الأقزام المدعوين باسم “توا”. أما اليوم فشعب بوروندي يتكون من قوميتين رئيسيتين هما “الهوتو” – وهم الأكثرية (85%) و “التوتسي” –وهم الأقلية (14%)– اما “التوا”  فلم يعودوا سوى نحو 1% فقط، وهم فقراء جدا ويعيشون على الصيد. وقد جاء “الهوتو” إلى بوروندي من مناطق تشاد ونيجر في حدود القرن الأول للتاريخ الميلادي، ويشتغلون بالزراعة. أما “التوتسي” فهم من أصل نيلي – حبشي (منابع النيل الأبيض في إفريقيا الشرقية)، سكنوا بوروندي بين القرنين 15 – 18، ويزاولون تربية الماشية والبقر خاصة. أما من الناحية الاقتصادية فهم الأوفر حظا.

        ويعتبر بوروندي اليوم من أفقر بلدان العالم. فطبيعة تكوينه الجغرافي الذي يجزؤه إلى عدد هائل من التلال العالية المنعزلة والمبعثرة لا يتيح له المشاريع الزراعية الإنتاجية الكبرى. فيبقى النمط التقليدي –كما ونوعا ومن حيث صعوبة استخدام التقنيات الحديثة– هو النمط السائد. ويذهب 70% من المحصول الزراعي للاستهلاك الذاتي. غير أن الهضاب المتوسطة الارتفاع تصلح لزراعة القهوة التي تشكل 90% من صادراته. ومن منتوجات بوروندي المهمة أيضا الشاي والقطن والموز (غير أن هذا الأخير يستهلك معظمه محليا بهيئة كحول). أما القطاع الصناعي (صابون، ونسيج) فلا يحظى بأكثر من 4% من الدخل القومي العام. وقد اكتشفت مؤخرا مناجم نيكل مهمة تقدر ب 5% من احتياطي العالم، تضاف إلى احتياطي الطاقة الهيدرولية (الماء) الغزيرة الموجودة في البلاد.

                                              نظام الحكم التقليدي وتطوره المعاصر

        في قمة التركيبة السياسية في بوروندي التقليدي هناك الملك. وهو أكثر الرعاة التوتسي نفوذا وأغناهم بفضل قطعانه الملكية التي تتضخم بالهدايا والأتاوى المفروضة على رعاياه، وبالمراعي والممتلكات التي يكتسبها لقاء حماية مصالح الرعية. وقد توحدت البلاد تحت سلطته  منذ حوالي 1680 م حين جاءت إلى الحكم سلالة من أصل تنجانيقي ظلت بيدها مقاليد البلاد زهاء 300 سنة.

       غير أن سلطة الملك ضعفت في أواخر القرن 19 بسبب غزوات العرب القادمين من زنجيبار لأخذ العبيد ثم بدخول الألمان واستسلام الملك موازي جيسابو عام 1903. بعد اندحار الألمان في الحرب العالمية الأولى وتوزيع مستعمراتهم على الحلفاء، كان بوروندي من حصة بلجيكا، وقد ألحقته عام 1925 مع رواندا المجاورة بمستعمرة الكونغو البلجيكي، مع الحفاظ على نوع من الذاتية الخاصة. فلقد اعتمد الانتداب البلجيكي على البنى القبلية التقليدية وعلى سلطة الملك وعلى الأقلية التوتسي لتعزيز مصالحه. غير أن رياح الديمقراطية والاستقلال التي هبت بعد الحرب العالمية الثانية دفعت ببلجيكا، تحت ضغوط الأمم المتحدة، إلى تسليم الحكم تدريجيا إلى أهل البلاد، فكانت انتخابات 1952 – 1956 التي ثبتت من جديد أولوية قبائل التوتسي، وكانت الأحزاب تتقاسم البلاد على أساس قومي تقليدي وعلى أساس الايدولوجيات السياسية الحديثة، في أن واحد. أما أقوى هذه الأحزاب فكان حزب اوبرونا” UPRONA – الوحدة والتقدم القومي) الذي فاز بالانتخابات عام 1961. وقد ساهم في جعل هذا الحزب في الواجهة كون رئيسه ابن الملك نفسه، وما قد اسندت اليه رئاسة الوزراء شخصيا. غير انه اغتيل بعد شهر واحد فقط. وبدأت فترة من الاضطرابات والصراع العنصري بين التوتسي والهوتو. فكانت الجماعتان تتعرضان لمجازر متبادلة لسبب أو لأخر، أو بتحريك من الأصابع الأجنبية، كما حدث في 1963 و 1965، حتى قام نديزي، ابن الملك نفسه، بانقلاب على أبيه عام 1966، واستلم الحكم باسم نتاري الخامس. غير أن احد ضباطه، ميشيل ميكومبيرو، طرده بعد 4 أشهر وأعلن النظام الجمهوري مع حكم الحزب الواحد (اوبرونا)، وصار أول رئيس لجمهورية  بوروندي.

        بعد فترة من الهدوء عاد شبح الموت إلى سماء بوروندي كانت قمته مذابح 1972– 1973، ذهب ضحيتها بين 10 – 20 ألف قتيل من الهوتو. وانتهت بهزيمة ميكومبيرو على يد الكولونيل باكازا عام 1976. وكان باكازا قد جاء إلى الحكم بانقلاب ابيض، وقد استقطب الشعب كله منذ البداية بانتهاجه سياسة المصالحة الوطنية. وقد اقر دستورا جديدا عام 1981 يضمن الوحدة بين التوتسي والهوتو تحت قيادة الحزب الواحد، حزب “اوبرونا “. غير أن باكازا نفسه، بعد حكم رئاسي قوي دام 11 عاما، تميز بهيمنة الدولة على كل مرافق الحياة – وقد عانت منه الكنيسة كثيرا كما سنرى – أطيح به هو أيضا بانقلاب عسكري قاده الرئيس الحالي الميجر بيير بويويا في 3 أيلول 1987.

2)    كنيسة بوروندي

         دخلت المسيحية إلى بوروندي عام 1896 على يد الآباء البيض الفرنسيين والبلجيكيين. فكنيسة بوروندي كنيسة فتية إذن. ولكن ليس فقط لحداثة تاريخها، بل للطاقات الواسعة التي تمتلكها ولحيويتها المتجهة نحو المستقبل. ويبدو ذلك من تلاحم العلمانيين والكهنة فيها بصورة فريدة، والمتتبع لتاريخ هذا القرن من النصرانية في بوروندي لا يمكن إلا يلاحظ سرعة  انتشارها، حيث تقدر نسبة المسيحيين اليوم 75 % من السكان (65% كاثوليك). قمم التلال مطرزة بالكنائس الريفية وبملحقاتها الراعوية ومراكز التعليم المسيحي والمدارس  والمستوصفات والأديرة. جميع أساقفة البلاد (7 أبرشيات)هم بورونديون، وكذلك معظم الكهنة (بعد حملة طرد المرسلين الأجانب في عهد باكازا). ثراء في الدعوات الكهنوتية والرهبانية والحركات الرسولية. فهناك جمعيتان رهبانيتان رجاليتان محليتان، وعدة رهبانيات نسائية، إضافة إلى الرهبانيات الغربية المتواجدة. وهناك 8 حركات للشبيبة تضم أكثر من 30000 مسيحي يعملون في حقول الرسالة العلمانية، إلى جانب بضعة ألاف أخرى يعملون في حقل التنشئة المسيحية وتنشيط الجماعات الراعوية.

         غير أن كنيسة بوروندي تلقي على نفسها اليوم عدة أسئلة أساسية تخص كيانها ومستقبلها –ولا شك أن عهد باكازا الذي لم يكن رقيقا معها أبدا قد استحثها على مثل هذه المراجعة الذاتية–  ومن هذه الأسئلة: ما هو دورها في النماء الإنساني؟ لقد أنتشرت مسيحية نشطة وحية على الصعيد الداخلي ومترامية الكثافة والتأثير في فترة زمنية شبه قياسية، فهل سعت من خلال تبشيرها بالإنجيل وممارساتها الدينية، تنشئة أجيال من المواطنين الملتزمين بأرضهم ومستقبل بلادهم؟ فلقد وعت الكنيسة البوروندية التي توسعت قدراتها ومؤسساتها أنها لن تستطيع الإجابة إلى نداء المسيح اليوم إلا إذا وضعت نفسها في حالة خدمة للمجتمع الذي هي جزء منه، وخاصة الشرائح الفقيرة. وكم تبدو هذه المسؤولية حيوية عندما نعرف إن بوروندي هو احد أفقر أقطار إفريقيا.

         وهناك سؤال آخر يخص ديمومتها وهو مسالة إعداد كوادر بوروندية (رهبانية وكهنوتية وعلمانية) ليس لمجابهة توسع المسيحية جغرافيا وعدديا وحسب، بل خاصة لتعميق التنشئة والتوعية الإيمانية لدى هذه الجماهير التي لا زالت جذورها القريبة انيمية أو وثنية، أو أخذت تعصف بها تيارات فكرية وايدولوجية حديثة.

                            سينودس الكنيسة البوروندية وجماعات التلال

         كل هذه الأسئلة طرحها الأساقفة البورونديون في دورتهم العامة لعام 1976، فأرادوا زج كنيسة بوروندي بأسرها في (حالة سينودس) تشترك فيه ليس “النخبة”  الكهنوتية فقط، بل كافة شرائح المؤمنين، سعيا إلى تجديد حياة الكنيسة وأساليبها الراعوية وإعادة النظر في دور الكنيسة في حياة البلاد. وكانت أداة هذا التجديد، كما أوضح الأساقفة أنفسهم في حينه، قيام وتطوير الجماعات المسيحية الصغيرة على التلال وفي المدن. ومن خلال هذه الجماعات يتصل الإنجيل بالحياة المعاشة.

         وهكذا قامت بالفعل مئات الجماعات الصغيرة على التلال خاصة تتكون كل واحدة من 30 – 50 شخصا تحت إشراف احد العلمانيين من معلمي التعليم المسيحي الذي ينسق نشاطاتهم. وتتكون كل جماعة صغيرة شبه أسرة متقاربة، فيها الرجال والنساء والشباب والفتيات والمسنون، يمثلون حياة “التل” او المحلة. وتنظم كل جماعة، بحسب ما تقتضيه الضرورة، إلى جماعة أخرى فتأخذ على عاتقها الالتزامات الراعوية المختلفة كالتثقيف المسيحي للصغار، واستكمال تنشئة الكبار، وإعداد الشباب لسر الزواج، وإعداد ليتورجيا أيام الآحاد في الكنيسة. وتحتوي هذه الليتورجيا –التي يحتفلون بها في غياب الكاهن– على قراءات من الكتاب المقدس وتراتيل وموعظة يلقيها العلماني المشرف والصلاة الربية والتناول. كما ابتكرت “خدمة مستحدثة” أخرى يقوم بها العلمانيون نفسهم مثل “خدمة التعزية” لزيارة المرضى والمسنيين وحمل التناول إليهم، أو مرافقة المدنفين وتسلية أسرهم، والقيام بطقوس الدفن، ومساعدة المحتاجين والفقراء.

          والجماعات الصغيرة الجديدة لا تلغي الحركات الشبابية والرسولية الأخرى، ولا تهدف إلى القضاء على دور الكاهن، بل تمنحه بعدا جديدا –لاسيما وانه لا يتاح له زيارة “جماعات التلال” إلا بين حين وأخر–  في إطار التعاون الوثيق مع العلماني الذي يأخذ دورا متميزا كأداة فاعلة في حياة الكنيسة لتعميق الوعي المسيحي وتغيير الواقع الإنساني.

     كما انها تتيح استمرارية الدينامية والعطاء في كنيسة يتناقص عدد كهنتها.

                                                  3 )  الكنيسة والدولة: قطبان متوازيان

           لمدة طويلة ظلت الكنيسة والدولة قطبين متوازيين يتقاسمان النفوذ على القبائل البوروندية  كل بأسلوبه وأهدافه الخاصة  التي تلتقي حينا وتتميز أو تختلف حينا أخر. ولما جاءت دولة الاستقلال رأت نفسها إزاء كنيسة منظمة ونشطة ذات دور كبير في حياة الأمة وواسعة النفوذ. فهذه مدارسها التي تأوي 4/5 الطلبة في مرحلة التعليم  ومراكزها لمحو الأمية  ومؤسساتها الإنسانية والصحية  وحركاتها الشبابية والعلمانية التي تجند خيرة القاعدة  وحتى وسائلها الإعلامية. كل ذلك يضاف إلى بنية موحدة، متماسكة وقاعدة شعبية واسعة وعميقة الولاء.. مما يجعلها تبدو كجسم موحد، قوي البنيان، مستقل. حتى جاء باكازا!!

         فلقد ورث هذا دولة منهوكة القوى من جراء الحروب الأهلية، مفككة الأوصال بسبب الأحقاد القبلية بين التوتسي والهوتو. فعزم على بنائها وتوحيدها ومسك زمام الأمور كلها بيده بفرض هيمنة حزب “اوبرونا” فوضعت السلطات خطة واسعة لإيقاف الكنيسة عند حدها، وذلك باسم مبدأ سيادة الدولة ورفع الإنتاجية.

                                                                             المجابهة

         وبدأت المجابهة الحقيقية بقيام “جماعات التلال” (ايناما سهوانيا) عام 1976 التي فجرت طاقات الكنيسة على صعيد القاعدة وعلى أوسع مدى جغرافي وحركت الجميع، بما فيهم الأميين البسطاء، أن يأخذوا الكلام ويبدوا آراءهم في ما يخص حياتهم اليومية، ويلتزموا توعية أنفسهم بأنفسهم، ليس فقط من الناحية الدينية، بل ثقافيا واجتماعيا أيضا، وذلك خارجا عن اطر الدولة وبتوجيه من الكنيسة. فرات الدولة في هذه “الجماعات” منافسا حقيقيا لتنظيماتها الحزبية. فكان الإجراء الاحترازي الجدي الأول أن ألغت الدولة “جماعات التلال” عام 1979، ومنعت الاجتماعات الدينية إلا في أمكنة العبادة وحدها وفي يوم الأحد فقط. وواجه الرئيس باكازا اعتراض الأساقفة على هذا الإجراء بطرد نحو مئة مرسل من البلاد. وأصبح مبدأ “العلمنة” الذي أعلنه باكازا وكأنه مرادف لمبدأ العداء  للكنيسة والدين، وبدأت حملة إعلامية واسعة لتسويد صفحة المسيحية عامة والكنيسة خاصة.

         وتصاعدت المجابهة بإجراءات  قمعية متتالية لتحجيم دور الكنيسة ولجم صوتها، حتى أخذت منعطفا خطيرا في 1984. فمنعت الحكومة إقامة القداس في أيام الأسبوع، ثم تراجعت لتسمح به فقط مساء وبعد ساعات العمل –وكانت قد ألغت قداس الراديو منذ 1977-. كما أوقفت الصحيفة الكاثوليكية الأسبوعية الوحيدة “ندونغوزي”، وأسكتت “راديوكورداك” البروتستنتي. وكان يرافق كل ذلك الموجة تلو الموجة من طرد المرسلين الأجانب وملاحقة الكهنة والعلمانيين البورونديين الرافضين للانصياع لسياسة الدولة تجاه الكنيسة. بل فرضت القيود حتى على اجتماعات الأساقفة الراعوية نفسها. وقامت حملة لتحطيم كافة الرموز الدينية في المرافق العامة مثل الصلبان والتماثيل وغلق الكنائس خارج أوقات الصلاة. وكان الأساقفة يرفعون الاحتجاج تلو الاحتجاج ويدافعون عن حقوق المؤمنين كمسيحيين وكمواطنين انتزعت منهم حريتهم الدينية. غير أن النظام ما كان ليسمح بأي تدخل يلقي اللوم على سياسته، حتى وان كان ذلك باسم حقوق الإنسان أو باسم مبدأ لاهوتي ما. فقد صرح سفير النظام في بروكسل آنذاك في نطاق مؤتمر صحفي: ” إن بوروندي لا يمكنه السماح بان يكون مسرحا لتجربة أنماط جديدة من اللاهوت وخاصة من نمط لاهوت التحرير”.

         واستمر التصعيد حتى وضعت الدولة اليد على المدارس المسيحية واستبدلت مدراءها بأعضاء من الحزب الحاكم. وفي محاولة لإحكام السيطرة على كوادر الكنيسة مباشرة أصاب التأميم في أيلول 1986 المعاهد الكهنوتية نفسها. ولحق ذلك إلغاء نظام “ياغا موكاما” الذي كانت الكنيسة بموجبه تدير شبكة واسعة من مراكز محو الأمية تشمل زهاء 300000 طفل ممن لا تستوعبهم المدارس الابتدائية. وفي تشرين الأول من العام نفسه منعت الحركات الشبابية والقاعدية المسيحية، وأغلقت مراكز التعليم المسيحي، واستغني عن عدد كبير من الأساتذة الرهبان والراهبات البورونديين في المدارس والجامعات والعاملين في المؤسسات الصحية. وحذف التعليم المسيحي من المدارس، وأممت كل المشاريع الاجتماعية المسيحية.. وهكذا تأزمت الحياة بين الكنيسة والدولة حتى وصلت خط اللا رجعة.

                                                                              الانفراج

        ولكن الذي “انكسر” كان باكازا نفسه حيث أطيح به في الانقلاب الأبيض الذي قام به الميجر بيير بويويا  في أيلول الماضي.

        وفي ما يخص السياسة الدينية الجديدة، وكتعبير للنيات الطيبة تجاه الكنيسة هرعت سلطات الجمهورية الثالثة إلى إصدار بيان رسمي في21 تشرين الأول 1987 أعادت فيه الحرية الدينية بكامل جوانبها وبحسب الأسس التالية:

X      الحق في الحرية الدينية يقضي باحترام هذا الحق نفسه للآخرين أيضا.

X      الجمهورية الثالثة تتبنى مبدأ علمانية الدولة، ولا تحتضن دينا على حساب آخر، ولا تعترف بأي دين رسمي للدولة، وتضمن حق الجميع في ممارسة دينهم ضمن القانون.

X      النشاطات الاجتماعية والاقتصادية هي من اختصاص الدولة. غير إن بإمكان الهيئات الدينية أن تساهم فيها بحسب شروط تتفق عليها مع الدولة.

     ثم يقضي البيان إلى رد الاعتبار إلى الكنيسة بإعادة حقوقها في مؤسساتها ونشاطاتها التي كانت قد ألغتها حكومة باكازا، وفق ما يلي:

X      إقامة الشعائر الدينية مسموح به في أيام الأسبوع، على أن لا يعيق وتيرة العمل.

X      فتح مدارس خاصة مسموح به، وذلك وفق السياسة التربوية لوزارة التربية الوطنية.

X      إعادة الشرعية إلى هيئات معلمي التعليم المسيحي.

X      إعادة الشرعية إلى المجالس الخور نية.

X      الاجتماعات الدينية مسموح بها في الأبنية التابعة للكنيسة.

X      جماعات “ياغا موكاما” الشبابية يعاد تنظيمها بالتنسيق مع الدولة، بما يعمم فائدتها ويخدم المصلحة العامة.

X      الحركات المسيحية الرسولية تسمح بها الدولة، على أن تتقدم بطلب رسمي لذلك.

X      استخدام وسائل الإعلام والاتصال المختلفة من قبل الهيئات الدينية حق مشروع، ولكن وفق قوانين تصدر لاحقا.

X      الرهبان والراهبات الأجانب بإمكانهم  أن يخدموا كنيسة بوروندي، وذلك بطلب من مطران الأبرشية.

X      الممتلكات الكنسية، تدرس أوضاعها حالة بحالة.

        مرحلة جديدة، إذن، تنفتح، أمام كنيسة بوروندي، و “والعبور من علمنة عدائية إلى علمنة ايجابية يلزم الجميع بلقاء نظرة جديدة إلى الحقائق الاجتماعية والسياسية في البلاد. انه تحد جديد لكل الأطراف المعنية” كما قال المطران نغو ياغوي رئيس مجلس الأساقفة البورونديين.

        ولعل الجواب إلى هذا التحدي  تجده  كنيسة  بوروندي في الإجابة الفعلية إلى السؤال الذي ألقته على نفسها بمناسبة “سينودسها”، والخاص بهويتها البوروندية بالذات، ويتمثل في عملية “الافرقة” التي انتهجتها كنائس افريقية أخرى بزخم خاص مثل زائير. فلقد عاشت هذه الكنيسة –أي كنيسة بوروندي– من دون تساؤل أو اعتراض، مدة ثلاثة أرباع القرن، على النموذج الغربي الذي أتى به المرسلون، واليوم عليها أن تكتشف أساليبها  الخاصة لعيش إيمانها وأمانتها للمسيح في إطار حضارتها الإفريقية الخاصة، على حسب ما قال الكردينال ما لولا: “الكنيسة نصرت إفريقيا، وعلينا اليوم مهمة  “أفرقة” المسيحية”. وتشمل عملية “الافرقة” هذه أن تستنبط إفريقيا –وبوروندي– صيغ افريقية – بوروندية – لالتزامها الإنجيلي، بل لطقوسها وحياتها ورهبانياتها وجماعاتها القاعدية وتعبيرها اللاهوتي.. وذلك ضمن شمولية الإيمان الواحد ووحدة الكنيسة الجامعة، بحيث تعود كنيسة بوروندية أصيلة، متجذرة في صلب حياة الشعب البوروندي وتاريخه ومعانياته. 

هوية بوروندي

 المساحة: 27834كم2

 السكان: 5 ملايين تقريبا – اعلى كثافة سكانية في افريقيا بع رواندا (150 في كم2)، نسبة الولادات 4,20%، 50% من السكان هم ما دون العشرين، بيئة ريفية بنسبة 96%،     القوميات: هوتو (85%) وتوتسي (14%).

 العاصمة: بوجومبورا (150000)

 اللغات: كيروندي (اللغة القومية الرسمية)، الفرنسية (اللغة الرسمية الثانية)، السواحلية: (لغة التجارة).

 الديانة: 75% مسيحيون (65% كاثوليك و 10% بروتستنت)، 23,5% انيميون، 1,5% مسلمون.

 النظام: جمهورية علمانية ديمقراطية. حكم الحزب الواحد UPRONA

 الارض والمناخ: تحدها تنزانيا من الشرق وزائير من الغرب ورواندا من الشمال، وتحتضنها جنوبا كل من تنزانيا وبحيرة تنجانيقا. سطحها مجموعة من التلال يبلغ عددها 2427 تلا، اعلاها جبل هيها (2670م) وتقسم الى 4 مناطق طوبوغرافية: الهضاب الوسطى (معدل 1500م)، هضبة الكونغو النيل (2500م)، سهل ايمبو (معدل 800م)، المنخفضات الشمالية الشرقية. الانهار عديدة، المناخ معتدل (درجة الحرارة بين 14- 24). امطار غزيرة، وبقايا غابات استوائية ومساحات من الاشجار والشجيرات. 

(((((((((()))))))))

المرحلة الأخيرة من قصة المطران لفيفر

المساومة على المجمع  أم على الانفصال

ش.ر/حزيران-تموز1988 

      “في 30 حزيران القادم سأرسم أساقفة، هذا شيء أكيد”. “شاء أم آبى البابا”!. هذا التحدي الذي كرره في الآونة الأخيرة، المطران لفيفر، زعيم خط التقليديين الرافضين للمجمع الفاتيكاني الثاني (ف0م 0 شباط / آذار1988). ينتصب كسيف داموقليس فوق رؤوس أعضاء المجالس الأسقفية الكاثوليكية في كل من فرنسا وسويسرا وألمانيا وبلجيكا حيث ينتشر أنصار الاسقف المتمرد”. فالكل يمسك أنفاسه ليرى ماذا ستسفر عنه أخيرا المفاوضات الناشطة بين الفاتيكان وأنصار لفيفر في عملية موازنة دقيقة تحاول جماعة لفيفر الضغط فيها على روما إلى أقصى حد لتفريغ المجمع من محتوياته لقاء بقاء صوري في حضنها، وتحاول روما جهدها لاحتواء “الجماعة” في عملية إخراج قانونية لربطها الاسمي بالسلطة البابوية المباشرة لقاء عدم إعلانها الانشقاق الرسمي.

لعبة خطرة!

      ولقد وصفها الصحفي الفرنسي في صحيفة “الشهادة المسيحية” برنار اسطيفان، برقصة باليه غريبة يتقن لفيفر فنونها: “لدى أقدام الجبل السويسري (“أيكون”، مركز حركة لفيفر تقع في سويسرا)، نشاهد المطران الذي تحدى ثلاثة بابوات يقوم بحركات غريبة: خطوة إلى الأمام ليبدو وكأنه يتقدم نحو محدثه (البابا) الذي لابد من إغوائه، وخطوة إلى الوراء لإثارة الرغبة نحوه لدى الطرف الأخر، مع الاحتفاظ بكرامته والبرهنة على قوة شكيمته “! لعبة خطرة بنتائجها مهما كانت. اجل! فجماعة لفيفر تعلن بلسان نائب لفيفر وخليفته، القس الألماني فرانز شميدبرجر، الذي قد يكون المطران الذي سيرسمه لفيفر في 30 حزيران المقبل.. بان “الكنيسة تبتعد أكثر فأكثر عن تعاليم البابوات الاسبقين، فلا مجال للمساومة”. أو بعبارة أخرى –وقد قالها اللفيفريون أنفسهم– بان الكنيسة الكاثوليكية هي التي تنفصل عنهم فعلا، وليس العكس! أليس إن المطران لفيفر نفسه أعلن لصحيفة لفيغارو الفرنسية الصادرة في الأول من حزيران الحالي إن “بروتوكولا” تم التوقيع عليه مع روما مؤخرا، يعترف بموجبه لفيفر بالأولوية البابوية، “ولكن الاعتراف بكل المجمع الفاتيكاني الثاني شيء غير وارد لديه –على حد قوله هو نفسه– ولاسيما في ما يخص النصوص حول الحرية الدينية.. بل على العكس، إن الفاتيكان هو الذي يعترف بحسب ادعاء لفيفر –إن ثمة عناصر “في المجمع والحق القانوني والليتورجية الجديدة جاءت غير متوافقة مع التقليد”.. أما من  جانب الكنيسة فان أي تنازل من قبل روما لصالح جماعة لفيفر لا يرضى بأقل من أن يقبل المجمع الفاتيكاني الثاني بكل طروحاته وروحه، يعتبر مساومة على المجمع. افيعقل أن يكون هذا هو الذي يبتغيه يوحنا بولس الثاني –هو الذي أعلن مرارا وتكرارا بان تطبيق المجمع هو من أقدس مهامه– وقد أكد مجددا أولوية المجمع في هذه القضية في الرسالة التي وجهها مؤخرا إلى الكردينال راتزينغر.

       عن هذه المرحلة الأخيرة من قصة المطران لفيفر وأعوانه كتب هنري دنيس –وهو كاهن اشترك في اعمال المجمع الفاتيكاني الثاني بصفة خبير–  مقالا “أمجمع للاشيء؟” ننقله للقراء عن صحيفة “الشهادة المسيحية” (12 حزيران 1988):

تنقسم قصة المطران لفيفر مع روما إلى 3 مراحل:

     المرحلة الأولى  بدأت عام 1975 بإعلان لفيفر تمرده الرسمي على مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني وعدم قبوله توجيهات البابا بولس السادس. فسحب، اثر ذلك، الاعتراف القانوني الكنسي بمعهد “ايكون” الكهنوتي الذي أسسه لفيفر عام 1970. غير انه، بالرغم من إدانة البابا، رسم المطران لفيفر وجبة أولى من الكهنة في حزيران 1976، فصدر بحقه حرم بابوي بمزاولة الخدمة الكنسية. ولكنه لم يذعن للأمر، وصارت رساماته تقليدا سنويا. ومع مجيء البابا يوحنا بولس الثاني لم يرفع الحرم، وضاعف لفيفر من تهجماته على المجمع وشخص البابا في أعقاب اجتماع يوحنا بولس الثاني مع رؤساء الأديان في اسيزي للصلاة سوية من اجل السلام عام 1986.

المرحلة الثانية بدأت في حزيران 1987عندما أعلن لفيفر بانه سيرسم أساقفة “شاء أم أبى البابا”. فتحركت الدبلوماسية الفاتيكانية وجاء لفيفر الى روما في تموز1987 للتفاوض مع الكردينال راتزينغر رئيس مجمع عقيدة الإيمان. وفي ت2 من العام نفسه أوفد البابا الكردينال غانيون لتقصي الحقائق باسمه، فوجد هذا بان” 80% من التقليديين يريدون السلام والشركة مع روما”.

المرحلة الثالثة بدأت في ربيع 1988 حين شعر الطرفان بان الوقت قد حان للمصالحة لا للتحدي. غير إن التصريحات المتضاربة والمواقف المبهمة وبقاء التحدي اللفيفري قائما بأنه سيرسم أساقفة لا محالة في 30 حزيران الحالي لتامين خطته.. يجعل لعبة جر الحبل مستمرة.. إلى متى؟.

       “إن كثيرا من المسيحيين يشعرون بشيء من الحرج، بل من القلق الذي يصل حد القرف، من جراء سياق المفاوضات بين روما والمطران لفيفر. ويلاحظ إن هذه المفاوضات تجري في السر وبحسب سياسة الخطوات الصغيرة. والأساقفة والكنائس الذين تألموا أكثر الكل من الأسقف المتمرد هم خارج المفاوضات في الواقع. وقد يأتي يوم، ولعله قريب، نسمع فيه بان المطران لفيفر قد عاد إلى الحضيرة، ولكن من دون أن نعلم طبيعة تنازلاته بصورة واضحة، ومن دون الحصول منه سوى على اعتراف كلامي مبهم بالحبر الأعظم.

      إن ما يبعث إلى الاستياء العميق من هذا الوضع، هو موقف المطران لفيفر إبان المجمع  الفاتيكاني الثاني وفي الحقبة التي تلته، ولاسيما منذ 1976. ففي الفاتيكاني الثاني لم يني الأسقف المتزمت يقاوم مفهوم الكنيسة الذي استعاده المجمع من جديد على ضوء معرفة أعمق لمعطيات الكتاب المقدس والتقليد، ولقد رفض بنوع خاص “جوهرتين” مجمعيتين وهما: وثيقة الحرية الدينية ووثيقة الحركة المسكونية. بعدها، لا يخفي على احد إن هذا المطران اعتبر البابوات الأخيرين منذ يوحنا 23 “منشقين”…

                                                              حالة الانشقاق

       والانكى من ذلك، إن هذا المطران اقترف فعلا ذا مردودات شنيعة من وجهة النظر اللاهوتية في الأسرار: فلقد أعاد منح سر التثبيت لأطفال سبقوا أن نالوه على يد أساقفة أمناء لروما. يضاف إلى ذلك إن اقتحام هذه الجماعة لكنائس باريس وفرساي كانت بادىء الأمر فعلا ضد العدالة، ثم جعلتنا نرى أن القوة تخلق الحق، لذا فإننا نتساءل ما الذي ينبغي أن يضاف كي يعتبر هذا المطران وإتباعه قد وضعوا أنفسهم في حالة انشقاق فعلي. فبالنسبة لي لا ادري ضرورة الاستشهاد بالانحرافات التي تلت المجمع. أنها ذريعة. بالفعل، لم تسمع الشكاوي التي صدرت بحقها، إلا يوم بلغت إذانا صاغية في المقامات العليا.

      لقد صدق المثل القائل: “من أراد قتل كلبه، قال انه مكلوب”. السنا نشهد منذ سنوات حركة نسف تحاول استئصال المجمع، أو كسراندفاعاته، أو تقليصه إلى نوع من امتداد إيضاحي للمجمع التريدنتيني؟…

       لنكن صريحين، فالقضية تمسنا في الصميم. لقد شهدت روما اختفاء الآلاف، بل عشرات الآلاف من الكهنة الذين تركوا الخدمة. البعض منهم ليتزوجوا والبعض الآخر لأنهم رأوا، منذ ذاك، أن المجمع لن يطبق. اسمحوا لي أن أقول، فانا عارف بعدد منهم، بان البعض من هؤلاء الكهنة كانوا من أفضل رفاقي في الخدمة، وأكثرهم غيرة وروحا إنجيلية.

      فهل سمعنا، يا ترى، بمفاوضات تحاول مساعدتهم لإبقائهم في خدمة الكنيسة؟ لا شيء! ولا كلمة، اللهم إلا كلمة الإدانة! صمت مطبق بشان ألاف الكهنة الذين خسرناهم للرسالة الإنجيلية! مقابل ذلك، هناك من يفعل المستحيل، ويقيم السماء والأرض، وهو مستعد لمساومات مؤسفة في سبيل “احتواء” 260 كاهنا رسموا في “ايكون” وإعادتهم إلى الحضيرة.

                                                                اختيار القرن 21

       هذه الحالة لكانت مجرد حالة تدعو إلى الشك، لو بقيت ضمن الكنيسة، ولكننا نخشى أن تكون هذه العملية مرة أخرى على حساب الفقراء. والفقراء الذين نعنيهم هم كل هؤلاء الذين ينتظرون كنيسة أكثر انسجاما مع روح الإنجيل، كنيسة لا تخيفها قوى المال (حتى إذا ما آمنت لها الدعوات الكهنوتية)، كنيسة تحاول أن تعيش لنفسها ما تطالب به غيرها، فكيف نكرز بحقوق الإنسان للعالم والأمم، إذا لم نمارسها نحن داخل الكنيسة نفسها؟

       لقد آن الأوان لنسمع تساؤلات البشر الحقيقية، تلك التي بوسعها أن تزج هذه البشرية

–حتى وسط نجاحات العالم المعاصر–  في اللامبالاة أو اليأس. إن الوقت الحاضر ليس زمن العودة إلى مسيحية سلطوية، لها كهنتها الذين لا يمسون، وذهنية المنتصرين المتبجحين الانفعالية أو العقائدية، وأخلاقيتها الصلبة التي لا تلين.

      إن قضية لفيفر هي المحك “ترى، هل نريد البقاء في القرن 19 أم هل نريد تبشير القرن 21؟ مهما كان الزمهرير الذي يهب علينا من هنا أو هناك  فأملنا أن الربيع الآتي لن يخنق”.

الفكر المسيحي 1987

مجلة الفكر المسيحي 1987

86

أطول رحلة بابوية          ش.ر             

221

كانون2

1987

87

كنيسة اليابان..الأولوية للتبشيملف                   

222

شباط

1987

88

سينودس العلمانيين أم للعلمانيين ش.ر             

226

آب / ايلول

1987

89

مقابلة مع الكردينال روجيه اتشيغاري       

227

آب/ ايلول

1987

90

الأسس الكتابية للاهوت التحري-ملف                      

229

تشرين2

1987

91

   الدورات اللاهوتية ، مدرسة تحقيق    

230

كانون1

1987

1987 المقالات:

أطول رحلة بابوية

ش.ر/كانون الثاني 1987

       49000 كم. قطعها يوحنا بولس الثاني في 13 يوما (18 ت2– ك1 1986) زار خلالها 6 أقطار في جنوب الشرق الأقصى تفصلها عن بعضها مساحات شاسعة من البحار والمحيطات:

       بنغلادش. سنغافورة، جزر فيجي، نيوزيلاند، تسمانيا، استراليا، جزر سيشيل. وألقى خلالها 5. خطابا في 17 مدينة. ماراثون حقيقي..ولكن  ليس ركضا على الأقدام، بل على متن طائرة! والكاثوليك في كل هذه المناطق النائية لا يشكلون سوى أقليات طالما حوصرت بعيدا عن الحياة العامة، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، كما كان الشأن خاصة في استراليا الانكليكانية التي استأثرت بالحيّز الأكبر من الزيادة البابوية.

      بنغلادش، بلد الأكثرية الإسلامية (86% من أصل 98 مليون، وقد دخله الإسلام في القرن 15) والأقلية المسيحية الضئيلة (0,2%، وقد دخلته المسيحية في القرن 16)، هذا البلد استقبل البابا في المحطة الأولى من رحلته العالمية رقم32، ليسمعه يكلمه عن ضرورة الحوار المسيحي– الإسلامي والانفتاح على الأديان:

     “عليكم أن تسعوا لتبينوا لإخوانكم المسلمين ولمؤمني التقاليد الدينية الأخرى بان إيمانكم المسيحي، عوض أن يضعف اعتزازكم وحبكم لوطنكم، هو الذي يدفعكم إلى تقدير واحترام ارث بنغلادش الثقافي والتراثي”. هذا ما أعلنه في دكا العاصمة أمام زهاء 25000 مؤمن في أثناء قداس جماهيري رسم فيه 18 كاهنا بنغلادشيا. وفي لقاء آخر في فناء كاتدرائية دكا مع حوالي 6000 شخص من القوى الروحية والتوجيهية في البلاد، بينهم العاملون في المؤسسات التربوية الكاثوليكية، خاطب البابا الأساقفة بان يكونوا “معلمين وآباء وإخوة وأصدقاء” لكهنتهم، وحرضهم على قيادة الجماعة المسيحية “لخدمة الفقراء، بهدف إقامة مزيد من العدالة في الشؤون الإنسانية”.

       وكنيسة بنغلادش على فقرها وضالتها (174000) كاثوليكي، 6 أساقفة كلهم بنغلادشيون، 50 كاهنا و 180 راهبة، منهم 102 أجانب) كنيسة نشطة، وللعلمانيين فيها دور حيوي سواء في نشاطاتها الرسولية أو في مؤسساتها التربوية والاجتماعية، وقد اكتسبت شعبية في البلاد بما قدمته من مساهمة وخدمات اجتماعية في السبعينات في أعقاب حرب التحرير واستقلال البلاد عن باكستان.

       بعد 24 ساعة قضاها في بنغلادش الفقيرة (19 ت2)، توجه البابا إلى سنغافورة، جزيرة الشبع والرفاهية (20 ت2). وفي الخمس ساعات التي قضاها هناك أقام قداسا في ملعب المدينة اشترك فيه معه كاردينالات و 20 مطرانا و 150 كاهنا جاء بعضهم من الأقطار المجاورة. وبالرغم من جو ماطر طوفاني، فقد حضر القداس جمهور قدر ب 70000 شخص، بينهم عدد من غير المسيحيين، تحدث فيه البابا عن وحدة الإيمان والمحبة التي تضم المؤمنين من أي جنس كانوا. وقال مشيرا إلى الروح ذاته الذي يلهم الكنيسة في كل مكان: “الروح القدس هو عينه في سنغافورة وروما”. ثم أشار إلى دور كنيسة سنغافورة في المساهمة الفاعلة في إرساء السلام والعدالة. وفي خطاب أثار القضية الشائكة لتنظيم الأسرة وحقها في تربية أبنائها “من دون إكراه أو ضغوط “.

       وقفة أخرى في جزر فيجي (21 ت2) حيث استقبل بحسب تقاليد قبائل تلك المناطق. فأهدوا له ناب حوت مصقول وهم يرقصون وظهورهم عارية وعلى احقائهم تنورة من الحشائش، وفي اعناقهم قلادة من أسنان سمك القرش وعلى وجوههم رسوم ورموز قبلية، وقدموا له شرابهم القومي في قشر جوز الهند. بعدها وجه البابا خطابا قصيرا ركز فيه على الجانب المسكوني للعلاقات المسيحية، علما بان المسيحيين يشكلون 50% من سكان الجزر من أصل 650000 نفس (38% بروتستنت و 8% كاثوليك). وأقام قداسا في الهواء الطلق أمام حوالي 20000 مؤمن بينهم وفود جاءت من تاهيتي وجزر ماركيز وفاناتو وكاليدونيا الجديدة.

      من هناك طار إلى نيوزيلاندا (22–24ت2) حيث زار أوكلاند وويلنغتون وكرايستشرش. ويشكل الكاثوليك في الجزيرة 13% من السكان البالغ عددهم 2،3 مليون، أما البروتستنت فيشكلون 47% (30 % انكليكان وهم أحفاد الانكليز الذين استعمروا البلاد في القرن 19، و 17 % من المشيخيين). أما البقية فهم من قبائل الماوري الأصليين.

       ثم جاءت المرحلة الرئيسية لرحلة البابا، استراليا (24– 30 ت2) حيث زار مدن كامبيرا وبريسبان وسيدني وهوبارت وملبورن وداروين والبس سبرنك وادلائيد وبرت.

       ويشكل الكاثوليك في استراليا 26 % من أصل 15,5مليون. وإذا كانوا في السابق من أصول ارلندية وايطالية وبولونية ويوغسلافية، فقد تطعمت صفوفهم في الآونة الأخيرة من فيتنام والفيليبين والصين ولبنان والبلاد العربية الأخرى. وهذا التنوع يفتح آفاقا من الثراء والخبرة والحيوية لكنيسة استراليا بالرغم من الركود والتقليدية اللذين توسم بهما عادة السلطة الكنسية. ولعل تماسك الجماعة الكاثوليكية في السابق حول ذاتها من جراء إبعادها عن الحياة العامة هو الذي حافظ على كيانها وديمومتها. الأحوال تبدلت ووجودها لم يعد نكرة، وزيارة الباباوات (بولس السادس في 1970) لا بد أن “تفجر الشرنقة”…

      اسم بريسبان استأثر ببرهة انتباها غير وارد في برنامج البابا يوحنا بولس الثاني عندما ألقت سلطات الأمن القبض على شاب متهور خطط لإلقاء قنبلة على البابا “لأنه يملك مالا كثيرا”، كما صرح للشرطة. باستثناء ذلك سار كل شيء بحسب المنهاج المرسوم حيث صب البابا لقاءاته على أصناف أخرى من “المخلوقات” ومنهم الصحفيون.. والدببة الاسترالية البيضاء. وقد التقى بالصحفيين سوية في احد الملاعب حيث خاطب رجال الصحافة بعد أن التقطت له صورة وهو يلاطف ويحتضن دبا صغيرا، قال: “وسائل الإعلام قوة، وعليها تقع مسؤولية ليس فقط أن تخبر عن الشر، بل أن تساعد في استئصاله، ليس فقط أن تخبرعن الأفعال الحميدة، بل أن تشجع عليها أيضا”. بعدها التقى بالمرضى والمعوقين.

       من هناك نزل إلى سدني العاصمة الاقتصادية والتقى بالعمال وأساقفة البلاد. وفي سياق حديثه معهم أكد على قرب صدور وثيقة رومانية حول موقف الكنيسة من الأبحاث البيولوجية وعلاقتها بالأخلاقية المسيحية. ولعل هذا الموضوع كان من اخطر المواضيع التي أثارها البابا في رحلته إلى استراليا، إلى جانب موضوع السكان الأصليين. وقد عاد إليه مرتين أخريين، الأولى مع الجامعيين الاستراليين في سدني، والثانية في مستشفى الأمومة الكاثوليكي في مدينة ملبورن التي تعتبر في الطليعة فيما يخص الأبحاث البيولوجية والاجتماعية والإخصاب في العالم. فأشار البابا إلى علاقة البحث العلمي  بنوعية الحياة البشرية وقال: “إذا فصل العلم عن مردوداته الأخلاقية والأدبية، فلا يمكنه مطلقا أن يقود البشرية إلى حياة أفضل”.

     وفي ملبورن أيضا –التي تسكنها جاليات كاثوليكية من حوالي 30 جنسية مختلفة– عقد البابا مؤتمرا صحفيا من نوع خاص: الصحفيون كانوا أطفال مدرسة الرعية ما دون العاشرة من عمرهم جالسون على الأرض بين كتبهم ولعبهم يسالون البابا وهو جالس على كرسي المعلم  منشرحا:

أبانا الأقدس، هل حقا تلعب كرة القدم كحارس مرمى؟

كنت العب كرة القدم منذ زمن طويل، ولكن ليس دوما كحارس مرمى.

لماذا تلبس اللون الابيض دائما؟

هذه هي العادة.

هل تحب الموسيقى؟

أحب الموسيقى الكلاسيكية ولكني أحب الإيقاعات العصرية والروك أيضا.

         أما قنبلة الرحلة كلها فقد ألقاها البابا يوم 29 ت2 في أليس سبرنك في وسط استراليا حيث رفع صوته محتجا بشدة ضد سياسة “التهجير” و “التفرقة العنصرية” بحق السكان الاستراليين الأصليين.

        فبعد أن امتدح البابا عراقة التاريخ والتراث التي تعكسها “أغانيهم وحكاياتهم ورسومهم ورقصاتهم ولغاتهم” خاطبهم قائلا: لا ينبغي أن تموت عبقرية شعبكم وكرامته. ثم دعاهم إلى “الاتحاد” لنيل “انبعاثهم”، وطالب المسؤولين معاملتهم معاملة المواطنين الأصليين “ليسيروا مرفوعي الرأس”: “انتم جزء من استراليا واستراليا جزء منكم”.

      ويعيد علماء الآثار وجود هذه القبائل على ارض استراليا إلى حوالي 40 ألف سنة، ويرجحون أن يكونوا من أصول أسيوية. وتعكس تقاليدهم عبقرية متميزة تظهر في دقة نظامهم الاجتماعي وتراثهم الثقافي وعلاقتهم الوجدانية بالأرض التي يعتبرون أنفسهم عنصرا منها فلا يتلفونها. لا آلهة لهم ولا أصنام وإنما يكنون صلة عميقة بأجدادهم وبالأرض التي عاش هؤلاء في كنفها.

     لدى مجيء الانكليز في نهاية القرن 17 كان مصير هؤلاء الأقوام الطرد والاستئصال من أراضيهم والإبادة كالحيوانات الضارة التي تقضم مزارع المستعمرين. في 1770 كان يقدر عددهم ب 300000، وبعد مرور قرن لم يبق منهم سوى 60000. ثم خفت المطاردة. في 1967 صدر قانون بتجميعهم في مناطق محددة وشبه مغلقة (في أليس سبرنك يشكلون 1/5 السكان: 5000 من أصل 24000). وفي إحصاء 1981 كان عددهم الكلي 160000،  

     غير أن “اقتلاعهم” من جذورهم الجغرافية والثقافية من جراء التهجير والتهميش جعل من هؤلاء السكان الأصليين لاجئين وغرباء ومحاصرين في عقر دارهم. بالإضافة إلى البؤس الاقتصادي الذي يعيشون فيه والغربة الاجتماعية التي يحسون بها تجاه الحضارة الحديثة. إلا أن الكنيسة تقف بجانبهم وتحسس أوضاعهم أكثر فأكثر.

      لحقوق وإنسانية هؤلاء لم يتردد البابا من أن يقيم نفسه محاميا ومدافعا بوجه البيض الوافدين، قبل أن يغادر استراليا عائدا إلى روما بعد محطة أخيرة في جزر سيشيل (1 ك1) في المحيط الهندي، جنوب شرق مدغشقر.

 

(((((((())))))))))

كنيسة اليابان… الأولوية للتبشير

ملف / شباط1987

 

     اليابان: ثالث العمالقة التسعة الكبار في نادي الدول الصناعية. وفرة مادية، رفاهية، التكنولوجيا في أعلى مستوياتها وتشكيلاتها .. ومع ذلك الياباني اليوم يشعر بالجوع والعطش .. انه يبحث عن الروح، عن معنى للحياة.

    الكنيسة الكاثوليكية ترفع شعار الأولوية للتبشير.. فتعقد مؤتمرها الوطني الراعوي العام لتنسيق العمل. ولكنها تريد بناء مسيحية يابانية أصيلة نابعة من رافدي الإنجيل والإرث الروحي والفكري الياباني. هذا ما يعكسه الأب جرجس القس موسى في الملف التالي: 

       اليابان …

       أول ما يتوارد إلى ذهنك وأنت تسمع هذه الكلمة أسماء سحرية أخرى مثل تويوتا، داتسن، ميتسوبيشي، مينولتا، كونيكا، يوكوهاما، هوندا، سانيو .. ومئات الأسماء الأخرى من عالم الالكترونيات والأجهزة المطبخية والإنشائية والزراعية وتشكيلات لا متناهية من المعدات والآلات الكبرى والدقيقة ذات الوظائف المختلفة التي غزت أسواق العالم في الشرق وفي الغرب … وحتى هذه الشفرة الأنيقة التي افتح بها رسائلي (Made in Japan).

         في هذا الملف لن أتحدث عن تقدم اليابان المدهش ولا عن هذه الزحمة من المنجزات الصناعية المثيرة التي جعلت من اليابان ثالث دولة صناعية في العالم تنافس عمالقة الغرب في عقر دارهم، بعد أن “بطحها” هؤلاء عسكريا عام 1945، وإنما سأحاول الإجابة على سؤالين أساسيين وهما:

       الوفرة المادية والتقنية في المجتمع الياباني الجديد هل تركت لله مكانا، وهل أشبعت المادة الروح اليابانية حقا؟ ما هو جواب الكنيسة إلى كل ذلك؟

المؤتمر الوطني الراعوي العام

        في ختام اجتماعهم الاعتيادي المنعقد في طوكيو في حزيران 1984 اصدر الأساقفة اليابانيون الكاثوليك بيانا استعرضوا فيه أولويات الكنيسة في اليابان منذ السبعينات. فذكروا بالرسالة الراعوية المشتركة التي نشروها في حزيران 1972، في خط المجمع الفاتيكاني الثاني، بعنوان “إعلان الإنجيل للمجتمع”. وقد تضمنت الرسالة محاور رئيسية ثلاث هي: إعلان الإنجيل، شهادة الحياة المسيحية الأصيلة، بناء جماعة مسيحية حقة.  وفي 1974 بحث سينودس الأساقفة موضوع “التبشير بالإنجيل للعالم المعاصر”، وفي هذه المناسبة نشرت لجنة الرسالة  والعمل الراعوي التابعة لمجلس الأساقفة بيانا في 1976 “التبشير بالإنجيل في اليابان”. وفي 1977 انشأ الأساقفة  “المركز الرسالي والراعوي في اليابان”. وبعد سنتين نشر المركز توجيهات بعنوان “نحو تبشير المجتمع الياباني بالإنجيل”. وقد حثت هذه التوجيهات كنيسة اليابان أن تبدأ بتبشير نفسها بنفسها في مجتمع الوفرة الذي يسم اليابان كما حثها على أن تعمل بجد لتبشير المجتمع، ولكن مع انتباه خاص “إلى الضعفاء من إخوتنا وأخواتنا” وتركيز على “اليابان من زاوية انتمائه إلى البيئة الأسيوية”. وفي آذار 1982 نشرت لجنة الرسالة والعمل الراعوي الأنفة الذكر رسالة مفتوحة بمناسبة زيارة البابا لليابان (شباط 1981) بعنوان “لنشارك أصدقاءنا بهبة عمادنا”.

       وهكذا نجد فكرتين رئيسيتين تسيطران على اهتمام الأساقفة اليابانيين منذ السبعينات وهما: توسيع نشاطات التبشير المباشر بالإنجيل، وتبشير المجتمع. ويعمل الأساقفة على أن يعم هذا الجهد كافة قطاعات الكنيسة ويتجند له العلمانيون والكهنة والرهبان والراهبات. فقد جاء في بيان الأساقفة الذي اشرنا إليه في بداية هذه الفقرة: “ينبغي على كل كاثوليكي منا أن يكون رسولا وينقل فرح الإيمان إلى إخوته وأخواته الذين لم يجلسوا بعد على مائدة المسيح. ينبغي أن نقود خلقا كثيرين إلى العماد ونكون وإياهم معاونين في مشروع الخلاص”.

         في سبيل ذلك يعلن الأساقفة عن خطة عمل تتم على ثلاث مراحل:

         أ –  تنشئة الأبرشية والخورنات على أن تصبح جماعات مبشرة.

         ب – وضع السبل الكفيلة لخلق روح التعاون مع الرهبان والمرسلين والمؤسسات الكنسية الأخرى كالمدارس والنشاطات الاجتماعية.

         ج – عقد مؤتمر وطني راعوي عام يضم الأساقفة والكهنة والرهبان والعلمانيين والراهبات لتنشيط عملية التبشير بالإنجيل.

         هذا المؤتمر سيعقد في خريف هذا العام (1987). وهدفه واضح ومحدد ويتلخص في بعث الوعي الشامل في كل قطاعات الكنيسة اليابانية تجاه التبشير بالإنجيل واتخاذ السبل الجديدة ميدانيا لإنجاحه أفقيا وعموديا، أي كما ونوعا.

الأولوية  للتبشير… لماذا؟

ولكن ما هي أسباب ودوافع هذه “الاقتحامية” الجديدة في كنيسة اليابان؟

      لاشك إن العوامل؟ إنجيلية تنطلق من مبدأ الالتزام بنقل بشرى الخلاص والحياة إلى الناس، غير أن في البيئة اليابانية المعاصرة عوامل تتيح، بايجابياتها وسلبياتها، لهذه الضرورة المبدئية أن تصبح مشروعا له فرص النجاح، مما يدفع الكنيسة بهذا الاتجاه.

         ما هي هذه العوامل؟

         أ – بين المادة والروح: يتميز الشعب الياباني بإرادة صلبة في البناء والتفوق وبضمير مهني عميق يسبق أحيانا الجانب الشخصي والأسري من الحياة، مما يجعل منه شعبا منتجا دؤوبا. ففي غضون أربعين عاما انتقل من بلد مهزوم عسكريا، محطم الأوصال والمؤسسات، منهار اقتصاديا ومعيشيا، منغلق على ذاته إلى بلد من ارقي دول العالم في كافة الميادين. معدل الحياة فيه يشكل أعلى نسبة في العالم (8. سنة للنساء و 75 للرجال)، مجتمع رخاء وشبع واكتفاء. وفوق هذا كله شعب مثقف ومنفتح (126 صحيفة يومية، اثنتان منها تصدران بسبعة ملايين نسخة، 300000 كتاب في السنة مع 800 مليون نسخة، 107 محطة راديو خاصة، 54 قناة تلفزيونية أهلية).

        ولكن دخول  اليابان في نادي الدول الصناعية الكبرى لم يستثنها من الأمراض التي تعاني منها كل المجتمعات الاستهلاكية والرأسمالية. وأول هذه الإمراض التهافت على المادة والحياة السهلة القريبة الأهداف مع ما ينسحب على ذلك من معضلات اجتماعية خطيرة لم يكن يعرفها المجتمع الياباني المحافظ سابقا مثل: ازدياد حالات الطلاق، تخلخل استقرار الأسرة وما يجره ذلك على الأولاد، جو الامتحانات الخانق حيث يثقل الأهل والمدرسة كاهل الطلبة حتى الإرهاق منذ طفولتهم في سبيل الحصول على تأهيل للمعاهد والجامعات الشهيرة، استلاب الشخصية نتيجة للمكننة العالية في العمل، والبحث الدائم وعلى كل المستويات عن الربح ..

        ولكن”هذه البحبوبة الاقتصادية سئمنا منها، اليابان تعب من جراء نموه الاقتصادي”، يقول الأديب الياباني الكاثوليكي شوساكو اندو الذي يستطرد قائلا: “إننا نبحث عن شيء يعطينا معنى للحياة”!

        صراع المادة والروح هذا يعانيه الشباب أيضا وخاصة إذ يشعرون بفراغ وضياع وهم أمام مفترق: فقدان القيم التقليدية من جهة، وعجز الحضارة الصناعية المادية على أن تشبعهم تماما من جهة أخرى، فيهرب الكثيرون منهم من ذواتهم وإخفاقاتهم بتناول الكحول والمخدرات، أو يختاروا طريقا ثالثا بانسياقهم وراء “ديانات جديدة” كديانة “الأرض الطاهرة” المتفرعة عن البوذية والتي تعتمد بعض الخبرات الصوفية والباطنية، أو البدع المستوردة من الغرب كشهود يهوه، أو من كوريا كإتباع مون الذين ينتشرون خاصة في الجامعات. وتلتقي هذه البدع أو “الديانات” كلها في ما تفرضه من سلوكية متشددة بوجه التحرر المادي والأخلاقي المحيط، وتكمن جاذبيتها بما توفره لهم من مظاهر الروح الجماعية والتضامن الداخلي والعودة إلى الطبيعة والبساطة، والانعتاق ن العقد النفسية، والعودة إلى الذات والمسؤولية الشخصية أو تهد الدولة او المؤسسة الصناعية للفرد بكل حاجاته المادية.

          تجاه هذه المعضلات الاجتماعية المستجدة وهذا الانفصام الوجداني في الشخصية اليابانية المعاصرة تتساءل الكنيسة: ترى، أليس بمقدور الإنجيل أن يساهم ايجابيا في الحلول؟ اليس بمقدوره أن يقدم الطرق الكفيلة بتحقيق التحرر الحقيقي والعميق الذي يتوق إليه المجتمع الياباني الحديث؟ سيما وان الديانات التقليدية الكبرى الشنتوية والبوذية، لم تعد تستهوي كالسابق، فضلا على أن الشعب الياباني شعب روحاني بطبيعته بالرغم من مظاهر المادية ويتقبل دور الله في حياة الإنسان، يقدس حرية الآخر، شعب رقيق مسالم.

           فيستخلص الأب نيميشيجي اليسوعي الياباني قائلا: ” هكذا، فان الشعب الياباني ينتظر بفارغ صبر، وان بغير وعي على الأغلب، كلمات الحياة والرجاء آلاتية من المسيح “.

          ب – جو الحرية: يبلغ عدد سكان اليابان الكلي (120 مليونا)، والديانتان الرئيسيتان الكبريان هما الشنتوية، وتعتبر الدين القومي للبلاد حيث أنها دين العائلة الإمبراطورية، والبوذية، وهي دين أغلبية الشعب بمذاهبها المختلفة. أما المسيحية فلا تتجاوز نسبتهم 1 %، والكاثوليك أنفسهم لا يعدون أكثر من  0,3  – 0,4%،  ومع ذلك فالمسيحية تتمتع بالحرية الكاملة، ولا شيء يعيق نشاط الكنيسة التربوي أو التثقيفي أو التبشيري، لا على صعيد الدستور ولا على صعيد الأشخاص أو المؤسسات أو الأديان الوطنية المسالمة الأخرى. فالباب مفتوح على مصراعيه لتغلغل الإنجيل في المجتمع الياباني الجديد. المسيحية لم تعد نعتبر ديانة مضلة محتقرة أو غير يابانية. وللمدارس المسيحية دور أكيد في إزالة الأحكام السلبية القديمة وهي نعم المدخل لحوار ودي بين المسيحيين وغير المسيحيين. كما أن زيارة البابا يوحنا بولس الثاني لليابان عام 1981 ساهمت مساهمة كبرى في رفع شان المسيحية وجاذبيتها –والكثلكة  بالذات– لدى الرأي العام الياباني. ومن بعض دلائل هذا التحول أيضا أن معارض وبرامج تلفزيونية عديدة صارت تخصص لمواضيع مسيحية من زاوية متعاطفة جدا، وصدرت طوابع بريدية تخليدا لذكرى المسيحيين الأربعة الذين أوفدهم اليابان إلى بابا روما في القرن السادس عشر.

          هكذا إذن… يقول الأب نيميشيجي الأنف الذكر “تلاشت معظم الحواجز التي تجمعت عبر الأجيال لمنع الشعب الياباني من إيجاد الإيمان بيسوع… لقد هوت الجدران، وأشرقت الشمس في الأفق، وانفتح الباب الذي أوصد بإحكام، وعاد أوان لقاء المسيح مع اليابان”.

عودة إلى التاريخ 

         اجل، إن بين بدايات المسيحية في اليابان والليالي الحالكة التي مرت بها وبين أجواء اليوم الحبلى بالرجاء لبون شاسع.

          فلقد نزل فرنسيس كسفاريوس اليسوعي الاسباني على البر الياباني في 15 آب 1549 مع راهبين آخرين مبشرا بالإنجيل، ولكن ما عتم أن غادره بعد سنتين بنتائج غير ذات بال. وفي 1552 أرسل إليه من الصين قبيل موته، مبشرين شبابا آخرين … وكان عدد المعمدين بعد خمسين سنة 300000 مسيحي.

         غير إن الحكومة المركزية رأت في الدين الجديد الذي حظي بتأييد الحكام الإقطاعيين في الجزر الجنوبية تهديدا لها وخطرا وافدا من الخارج، فلاحقت المسيحيين وسقط الشهداء ألاولون في ناكازاكي عام  1597، وفي 1613 صدر قرار باستئصال الدين المسيحي في البلاد، وطرد المرسلون، وطورد المسيحيون بضراوة وزجوا في السجون وفي المياه الكبريتية، وفي 1634 أغلق اليابان تماما بوجه الأجانب.

         وبعد قرنين من الزمن اضطر اليابان لعوامل اقتصادية وعسكرية إلى فتح أبوابه للخارج.. فجاء كاهن فرنسي يدعى بيتيجان وبني كنيسة صغيرة في ناكازاكي لخدمة الأوربيين مبدئيا. وحدثت المعجزة يوم 17 آذار 1865 حيث قصده نفر من الفلاحين والنساء اليابانيين من بقايا المسيحيين القدامى الذين حافظوا على إيمانهم مدة تنيف على المئتي سنة من دون كنيسة ولا كاهن. وكانت تلك النواة لانبعاث أكثر من 20000 مسيحي مبعثرين في إرجاء البلاد، وخاصة في جزيرة كيوشو الجنوبية. وثارت ثائرة السلطات المحلية من جديد، فسقط الآلاف من المسيحيين شهداء، من بينهم أول كاهن ياباني يدعى بولس هوندا.

           وكان على المسيحية أن تنتظر عام 1889 ليعترف لها الدستور الياباني رسميا بالحرية في عهد الإمبراطور ميجي. واكتسبت هذه الحرية في المئة سنة الماضية طاقات أكثر فأكثر ثراء واتساعا، حيث يبلغ عدد المسيحين اليوم، بحسب إحصائيات 1986، زهاء مليون، والكاثوليك 432850 (البروتستنت أكثر بقليل)، وقد اقتبل العماد في غضون العام المنصرم 10000 بينهم عدد كبير من البالغين، وتتمتع الكنيسة بحيوية كبيرة في اكليروسها وعلمانييها وراهباتها ومؤسساتها التربوية والاجتماعية والثقافية التي تعد بالمئات. وما العدد المتزايد من غير المسيحيين (30000 من 1975 – 1985) الذين يتوجهون إلى الكنيسة للاحتفال بزواجهم بحسب الطقوس المسيحية إلا دليلا على هذه الجاذبية التي تحدثها المسيحية على الجيل الياباني الجديد.

ثوب ياباني لمسيحية يابانية

        في مقاله الذي ضمنه تصوره لطبيعة ومراحل التبشير بالإنجيل لليابان اليوم(1)، يقدم الأب نيمشيجي المار ذكره مثال كوريا وينسج على منواله طموحا للوصول إلى عشرة آلاف عماد للبالغين في السنة.

        ولكن التبشير بالإنجيل ليس مشروعا أفقيا وحسب، وإنما تهمه النوعية والأصالة أيضا. كنيسة اليابان لم تمهل هذا الجانب لذا فهي تعمل بجدية في اتجاهين: لبنى الكنسية الراعوية واللاهوتية، والتجذر الثقافي. وكلا الاتجاهين يصبان في نهر واحد إلا وهو إعطاء وجه ياباني أصيل للمسيحية اليابانية.

        ففي الاتجاه الأول يدعو الأساقفة في رسالة مفتوحة وجهوها إلى الكهنة والمؤمنين قبيل انعقاد المؤتمر الراعوي العام، إلى “إعادة النظر في سبل التبشير السابقة والبحث عن مداخل جديدة. ويوضحون قائلين: “هذا لا يعني إدانة الجهود المبذولة حتى الآن، وإنما النظرة التي نلقيها على كنيستنا اليوم تثير عدة أسئلة: هل هي منفتحة على المجتمع كما ينبغي؟ وضع الكنيسة من حيث ضخامة التخصيصات المادية للعمل الراعوي تجاه المؤمنين، واكليروسها المنهمك في إدارة النشاطات الداخلية.. والمفردات المستهلكة والمواعظ البعيدة عن واقع الحياة اليابانية.. تلك معضلات لا تحل بين ليلة وضحاها. مفهوم الكنيسة والاسر، وصورة الكاهن والعلمانيين الجامدة.. كل هذا يتطلب مراجعة للمنطلقات الفكرية اللاهوتية”(2).

        أما الاتجاه الثاني الذي تقوده النخبة من المفكرين والكتاب والمتصوفين الكاثوليك اليابانيين فيستهدف استبدال “البدلة غير المناسبة التي تلبسها المسيحية اليابانية” على حد تعبير شوساكو اندو، واعتماد صيغة “تعميد” القيم اليابانية التقليدية الإنسانية  والدينية التي لا تتنافى والإنجيل وإعادة صياغتها ضمن التصور المسيحي كجزء مكمل للإرث الإنجيلي، بذلك تتخلص الكنيسة اليابانية من القوالب الغربية الجاهزة المستوردة وتصبح جزءا من التراث الثقافي الياباني. ويتضمن ذلك ما يتضمن استلهام القيم البوذية في الرحمة الإلهية الشاملة، والرقة تجاه الكائنات الحية، والصمت، والصلاة التأملية العميقة. في عمق هذا التقليد بالذات يعرف الدومنيكاني الياباني اوشيدا مبادئ “الزن المسيحي” في العودة إلى أعماق الذات الهادئة والاتحاد بالله وبالطبيعة، وذلك منذ انشأ أول منسك للزن المسيحي عام  1963. اما الشنتوية  فتقدم  قيم التضامن مع الطبيعة، والترابط الأسري الداخلي ومع الأسلاف، وخبرة الانسجام الباطني الموسوم بانشراح الوجه كانعكاس لانسجام الطبيعة والمجتمع. الم تصرح إحدى المهتديات  تدعى تاكوشي لمراسل أجنبي: “سأظل مسيحية ما دامت المسيحية تعني الفرح”. الكونفوشية بدورها تقدم قيم الإنسانية، والشعور بالمسؤولية، وروح التعاون، والحس الجماعي. ترى أليست كل هذه القيم ثراء ينسجم مع الإنجيل وينعش مسيحية اليابان والكنيسة الجامعة!

        أضف إلى ذلك أن الدعوة الإنجيلية تتضمن نداء إلى العمل من اجل العدالة والتحرر ورقي لإنسان والتضامن مع الفقراء والوضعاء. بهذا يشارك المسيحي في حب الله الشامل. أليس ذلك ما يحاول عيشه الكهنة البراد وزيون كعمال في كاواسكي، أكثر المدن اليابانية الصناعية “بروليتارية”؟  وهذا بالذات ما حدا بأحد الأساقفة اليابانيين إلى دعوة راهباته إلى عدم التفرد بمدارسهن ومؤسساتهن الاجتماعية واهتمامهن لخدمة الطبقات المترفة  والبورجوازية  فقط ، كما هو الحال في أحيان كثيرة، بل لينحدرن إلى خدمة الطبقات الدنيا ويعشن تضامن المسيح مع الفقراء وصغار الشعب أيضا(3).

        هذه هي كنيسة اليابان الحديث:  كنيسة شابة، ممتلئة بالحيوية والطموحات الإنجيلية. كنيسة لها طعم سفر أعمال الرسل، ولكن وسط الأزمنة الصناعية الحديثة. في حرارتها وعنفوانها تريد في جيل واحد أن تستثمر ما حققه غيرها في عشرين جيلا. كنيسة تريد أن “تنفذ إلى دم اليابانيين وفي كيانهم وجذورهم” بحسب تعبير رئيس أساقفة طوكيو المطران شيرايا ماجي. 

————————–

 – Mission de LEglise du Japon (Dec. 1986)

انظر ف . م . ك1 1974: المسيحية في اليابان.

– ICI – 15-12-64: Japon, Etre  Pauvres 

الروائي الياباني الكاثوليكي شوساكو اندو

     “الياباني يفضل ديانة امومية، رقيقة، متفهمة، على ديانة أبوية، باردة، قاسية. فإذا ما وجد اليابانيون في الإنجيل بعده الامومي والحبي، فبوسعهم إذ ذاك أن يتعلقوا به”.

     “إننا في حالة بحث عن شيء يعطي المعنى للحياة. افليس مدهشا ومؤشرا بليغا أن يكون لنا هذا العدد الكبير من الكتاب المسيحيين؟”. “لقد لقنوا المسيحية في قوالب غربية. ولكن ثمة كهنة يابانيين شباباً يحركون الأمور بشكل آخر”. 

                                     (عن مقابلة في “لاكروا” – 28 ت1 1981) 

اليابان

      مجموعة جزر سابحة في المحيط الهادي إلى الشرق من الصين. أهمها جزيرة هوكايدو شمالا، هونشو في الوسط –وهي أكبرها– فيها العاصمة طوكيو (8،5 ملين)، وكيوشو وشيكوكو جنوبا. المساحة الكلية 372313 كم2. السكان 120 مليون.

التاريخ المسيحي

1549:  مجيء القديس فرنسيس كسفاريوس كأول مبشر

1582:  82 مرسلا، 200 كنيسة، 150000 مسيحي

1597:  استشهاد 26 مسيحيا صلبا في ناكازاكي

1610 :   طرد جميع المرسلين الأجانب

1613:  الاضطهاد الكبير، منع المسيحية، استشهاد الآلاف

1858:  عودة المرسلين، أول كنيسة في يوكوهاما

1865:  اكتشاف وجود “بقية” من المسيحيين القدامى في ناكازاكي

1870 :   اضطهاد جديد

1889:  منح الحرية الدينية دستوريا

1891:  وإقامة أساقفة وتنظيم الأبرشيات

1927:  رسامة أول أسقف ياباني: هاياساكا

1940 :   كل الأساقفة يابانيون. اعتراف الحكومة رسميا بالكنيسة الكاثوليكية

1960 :   أول كاردينال ياباني: بطرس دوي

1973:  في البرلمان 12 مسيحيا من أصل 491، 4، 2 % من أعضاء المجلس الأدنى

1981:  زيارة البابا يوحنا بولس الثاني

1984:  مجلس الأساقفة يقر أولويات التبشير

1987:  المؤتمر الوطني الراعوي العام 

 

الكنيسة الكاثوليكية في أرقام

432850. (المسيحيون ككل زهاء مليون)

16 أبرشية/ مجلس أساقفة مركزه ناكازاكي /23 أسقفا وكردينال واحد / 1936 كاهنا / 395 راهبا / 7136 راهبة / 1378 معلما علمانيا للتعليم المسيحي / 198 تلميذا كهنوتيا / 12 جامعة كاثوليكية مع 25000 طالب بينهم 1250 كاثوليكيا /28 معهدا عاليا و 172 إعدادية و 55 ابتدائية مع 300000 طالب / 602 روضة للأطفال.

                                         (أرقام 1985 عن “تبادل فرنسا / أسيا” ومصادر أخرى)

الراهب الدومنيكاني الياباني اوشيدا معلم الزن المسيحي

  “يجب أن نحيا إيماننا حقا، أن نصلي حقا، أن ندخل أجواء التأمل حقا.. فغالبا ما نثرثر كثيرا!

ما الفرق بين البوذية والمسيحية؟

 الجواب في قصة هذه الراهبة البوذية التي حضرت قداسه وخرجت وهي تبكي: “لقد

كانت هنا حقا، لقد شعرت بها من دون أن انظر إليها… وعندما سألتها ماذا حدث، قالت لي: “في البوذية اتحاد بين بوذا وبيننا، اتحاد بين كائنين، أما عندكم، فيد الله تظهر أمامنا واضحة”. لقد بكت، وكان ذلك حقا إشراقا (دنح) لها”.

                                             (عن “لاكروا” – 15– 16 ك1 1985) 

((((((((((()))))))))))))

سينودس العلمانيين أم للعلمانيين؟ 

ش.ر/حزيران- تموز1987 

        خلال 22 عاما بعد اختتام المجمع المسكوني عقد سينودس الأساقفة العام 6 دورات اعتيادية: في بعض القضايا الراعوية الملحة (1967). في موضوعي “الخدمة الكهنوتية” و “العدالة في العالم” (1971)، وكان موضوع الدورة الثالثة “الكرازة بالإنجيل” (1974)، والرابعة “تعليم مسيحي لعصرنا” (1977)، والخامسة “دور الأسرة المسيحية” (1980)، والسادسة “المصالحة والتوبة” (1983).

المقال التالي يضعنا في جو السينودس عشية انعقاد دورته السابعة حول (دعوة العلمانيين ورسالتهم في الكنيسة ). 

       من 1 – 30 ت1 1987 سيعقد في روما سينودس الأساقفة الكاثوليك العام. و”السينودس العام” مؤسسة أسقفية استشارية حول البابا انبثقت من المجمع الفاتيكاني الثاني لتعميق دراسة بعض القضايا الراعوية الهامة في حياة الكنيسة واتخاذ التوجيهات العملية على صعيد الكنيسة الجامعة للتنسيق بين العقيدة والحياة. وأعضاء هذه “المؤسسة” قانونا هم البطاركة والكرادلة ورؤساء المجالس الأسقفية الوطنية. أما الخلاصات والتوصيات فلا تأخذ قوة القانون أو التعليم الرسمي إلا إذا اقرها البابا في منشور أو وثيقة تصدر باسمه. وبما أنها مؤسسة أسقفية صرف ولا يدخلها سوى الأساقفة، فقد تبحث في قضايا تهم غيرهم من المؤمنين –ولربما تهم هؤلاء مباشرة وبالتخصيص– من دون حضورهم. هكذا كان في “سينودس الأسرة” مثلا (1980)، وهكذا سيكون، على الأرجح، في “سينودس العلمانيين” في الخريف المقبل. إلا إذا حضر بعض ممثليهم كمراقبين من دون حق التصويت، كما تردد في بعض الأوساط الرومانية.

      ولكن إذا كان حضور العلمانيين غائبا عن قاعة السينودس فآراؤهم  ورغباتهم ستجد صداها حتما – وان بصورة غير مباشرة، عبر ما سيعكسه الأساقفة الأعضاء. ففي 28 نيسان الماضي قدم كل من المونسنيور جان سكوت (بلجيكا) السكرتير العام للسينودس ومعونة المونسنيور ادمون فرحات (لبنان) “ورقة العمل” التي “تجمع وتنسق بصورة عقلانية” المقترحات والآراء التي نتجت عن الاستطلاع الواسع الذي كان قد أرسل منذ شباط 1985، وبالتنسيق مع المجلس ألحبري للعلمانيين، على شكل 16 سؤلا موجها إلى كافة السينودسات البطريركية الشرقية والمجالس الأسقفية، والمجامع الرومانية، واتحاد رؤساء الرهبانيات. وقد تلقت السكرتارية العامة للسينودس 80 جوابا من أصل 142، أي ما يساوي 56% وهي نسبة تبقى دون الطموح إذا أخذنا بعين الاعتبار أهمية الموضوع المطروح للبحث ألا وهو “موقع العلمانيين في حياة ورسالة الكنيسة”. ترى هل يكون السبب عدم تحمس الأساقفة في استمزاج أراء العلمانيين حول تصورهم لموقعهم ودورهم في الكنيسة أم عدم تحمس العلمانيين أنفسهم في انتظار شيء يذكر من مؤسسة لا تعطيهم الكلام إلا بالتقطير عبر أساقفتهم. أم أن نضوج الحس الكنسي والوعي الديني لدى العلمانيين هو دون المستوى المطلوب لاستمزاج أرائهم بصورة فاعلة؟!  مهما يكن من أمر، يبدو أن  الكنائس الثرية في تاريخها ومواردها ووسائل إعلامها وطاقات أعضائها ومنظماتها واختصاصييها قد أحسنت استغلال فرصة الاستطلاع بصورة أفضل من غيرها، فأوصلت آراءها في الوقت المحدد، بينما تأخرت الكنائس الأخرى. غير إن أجوبة أخرى وصلت روما عبر قنوات غير القنوات الأسقفية الرسمية، وذلك عبر125منظمة وحركة علمانية وطنية وأبرشية ومحلية، إضافة إلى بعض العلمانيين الفرادى الذين بعثوا بآرائهم مباشرة إلى الفاتيكان.

      وتذكر “ورقة العمل” التي تحمل عنوان “دعوة العلمانيين ورسالتهم في الكنيسة وفي العالم، عشرين عاما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني” أنها ليست بحثا متكاملا حول العلمانيين، بل انعكاسا للضرورات الجوهرية في الكنيسة الجامعة. وتقسم “الورقة” إلى 3 فصول:

 نظرة إيمانية إلى البشرية المعاصرة

مشاركة العلمانيين في دعوة الكنيسة ورسالتها

 شهود المسيح في العالم.

       وقد أشار السكرتير العام في سياق تقديمه “لورقة العمل” إلى ضرورة انعكاف السينودس المقبل على وضع الأسس اللاهوتية لمشاركة العلمانيين في رسالة الكنيسة، والتمييز بين الكهنوت العام الذي يشترك فيه كافة المعمدين والكهنوت الخدمي، مع تسليط الأضواء على العلاقة العضوية والرسولية بين الكهنة والعلمانيين، كما أوضح المونسنيور سكوت أن موضوع دور المرأة في المجتمع وفي الكنيسة سيكون احد المحاور المهمة في أعمال السينودس.

      من جانب آخر ذكرت “النشرة الكاثوليكية الفرنسية للصحافة والأنباء (13 أيار) أن رسالة بابوية إلى السادة الأساقفة رافقت “ورقة العمل” لتوضيح أهداف السينودس الذي سيعني “بأوسع شريحة من شعب الله، اعني بهم العلمانيين الذين، بقوة عمادهم، يشكلون مع الرهبان والاكليروس الأسرة الكبرى التي نسميها الكنيسة هذه “الشريحة الأوسع” أبى البابا إلا أن يسمع آراءها  مباشرة قبل السينودس، حيث دعا مجلس العلمانيين التابع للفاتيكان وبتوجيه من البابا نفسه إلى مؤتمر علماني عقد في “روكا دي بابا” بالقرب من روما من 21 – 25 أيار المنصرم. فقد اشترك أكثر من 200 رجل وامرأة يمثلون المنظمات العلمانية الرسولية والراعوية الوطنية والدولية بالإضافة إلى علمانيين ملتزمين مستقلين لمناقشة “دور ورسالة العلمانيين في الكنيسة” ورفع مقترحاتهم إلى آباء السينودس أملين بان تؤخذ بعين الاعتبار. فقد خاطبهم الكردينال بيرونيو رئيس مجلس العلمانيين قائلا: “إنكم جئتم لا لكي تستمعوا إلى الخطابات، بل لكي تعكسوا خبراتكم، وتتبادلوا الآراء، وتعبروا عن تخوفاتكم. وآمالكم.. والطريق لذلك هو الحوار…”.  وقد كان لحضور أعضاء مجلس سكرتارية السينودس شخصيا، من كرادلة وأساقفة، الأثر المعبر عن جدية رغبة البابا في سماع العلمانيين وإدخال أرائهم إلى قاعة مناقشات السينودس المقبل. وقد عبر عن ذلك لدى استقباله أعضاء المؤتمر 23 من أيار. فقد أشار قداسته في كلمته إلى المؤتمرين “بتميّز مساهمتهم”، وشجعهم على المضي قدما في المشاركة في حياة الكنيسة، وقال بان هذه المشاركة  “هي مشاركة حقيقية في المسئولية التي تتطلب التزاما مستمرا تعتمد عليه الكنيسة”. كما تحدث عن “التكامل الحقيقي”، بين الكهنة والعلمانيين، من دون وضعهم كأنداد لبعضهم البعض.

     أما تيريزا ايشوي (ماليزيا) – وهي إحدى العلمانيين الأربعة الذين تحدثوا في حضرة البابا، فقد ركزت على ضرورة الثقافة “الواقعية  والوجودية” للعلمانيين الملتزمين وليس فقط إلى الثقافة اللاهوتية والنظرية للاضطلاع بمسؤولياتهم المسيحية في “الأسرة والمجتمع والعالم”.

    وهكذا ترتسم علامات جديدة للأزمنة الكنسية في الأفق: فلربما “عهد العلمانيين والعلمانيات” في الكنيسة قد افتتح حقا.. قد لا يكون هذا العهد إلا في أول الطريق.. المهم انه قد ابتدأ في اعلي المستويات.. ولم يعد العلمانيون –أقلة من حيث المبدأ والطموح– مجرد “أعوان” للتنفيذ وملء الفراغات يلجا إليهم الاكليروس في الأوقات الحرجة. فتمايز الأدوار والمسؤوليات في الكنيسة يجب أن يكون صيغة من صيغ الالتزام الفعلي لا ضربا من ضروب الطبقية أو التبعية، وذلك بحسب ما يؤتي الروح كل واحد حسب موقعه ومواهبه، وانطلاقا من منهج لاهوتي–كنسي– كتابي-  واضح وثابت.

((())))))))))))))

الأسس الكتابية للاهوت التحرير 

ملف/تشرين الثاني1987 

         “الوقوف إلى جانب الفقراء والعمل على تحريرهم…” هذا الشعار لم يعد وقفا على الايدولوجيات! وحين يرسو”لاهوت التحرير” على منطلقات تعطي الأولوية للمظلومين والمقهورين والمستضعفين….، فلأنة يستلهم أسسه من الكتاب المقدس والعهد الجديد بنوع خاص: أليس الإنجيل بشرى خلاص وتحرر؟.

       ففي مناخ أميركا اللاتينية ولد لاهوت التحرير للإجابة إلى حاجة شعوبها إلى تحرير يكون في منطق الإنجيل. إلى اكتشاف الأسس الكتابية التي يعتمدها هذا اللاهوت يدعونا الأب جرجس القس موسى في هذا الملف. 

         “لاهوت التحرير”! عبارة طالما أُشتُمّتْ منها رائحة البارود والهرطقة في الأوساط الرومانية.. حتى فرضت نفسها أخيرا على القاموس الكنسي الرسمي ذاته.. لاسيما بعد المناظرات التي تقابل فريقا القضية: الكاردينال راتز ينغر، رئيس مجمع عقيدة الإيمان، ولاهوتي التحرير في أمريكا اللاتينية، الراهب الفرنسيسكاني البرازيلي ليوناردو بوف، احد ابرز أقطاب لاهوت التحرير(1).

        في هذا الملف، ليس الجانب ألجدالي الذي يهمنا، وإنما البحث في المنطلقات الواقعية التي أوجدت تيار “لاهوت التحرير” لنفضي، من ثم، إلى المراجع الكتابية التي يعتمدها هذا اللاهوت في دعم وتبرير نظريته التحررية وتثبيت مسارها ضمن البحث اللاهوتي المسيحي العام وكجزء مكمل له، من جهة، ومن جهة أخرى كوجه من أوجه التزام الكنيسة الفعلي قضية الفقراء والمحرومين.

نشأة لاهوت التحرير

          لاهوت التحرير نشا في أميركا اللاتينية: ذلك واقع تاريخي ولأوضاع أميركا اللاتينية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إبان الاستعمار البرتغالي والاسباني وفي عهود الدكتاتوريات العسكرية الوطنية المعاصرة، فعل المحرك المباشر والأساس لظهور ألتبار التحرري في الحس الكنسي هناك منذ الخمسينات وخاصة الستينات. وقد ترجم هذا الحس الذي انطلق من القاعدة أول ما انطلق، التزام بعض الكهنة والرهبان والعلمانيين فعليا قضايا الفلاحين بوجه استغلال كبار الملاكين والأنظمة السياسية التي كانت تساندها. فنشأت في الكنيسة حركة توعية واسعة، بين صفوف الطلبة الجامعيين والعمال والفلاحين، وقامت فرق ما عرف بجماعات القاعدة(2) لتحليل الواقع ومعالجته انطلاقا من الرؤية الإيمانية.

         أما القاعدة الفكرية التي كانت تعتمدها هذه النخبة –وكانت معظمها تنتمي إلى الطبقة الوسطى–  فكانت تستقيها من كتابات جاك ماريتان ونظريته في الإنسانية الكاملة، وعما نوئيل مونييه أبي الشخصانية الاجتماعية، وتيار دي شاردان ونهجه في التطور التقدمي، وهنري دي لوباك وإبعاده الاجتماعية للعقائد المسيحية، ومن لاهوت العلمانيين لدى ايف كونغار، والعمل لدى ماري –دومنيك شنو. كلهم مفكرون ولاهوتيون فرنسيون معاصرون بارزون كان لهم شان في إعداد وإثراء أبحاث وتوجهات المجمع الفاتيكاني الثاني الذي جاء بدوره كزخم نظري متميز– سيما وانه صادر عن السلطة الكنسية الجامعة نفسها –لتبرير هذا النهج في البحث لإيجاد لاهوت تقدمي يعني بنماء الإنسان وتحريره، ولإثارة حيوية جديدة وروح نقدية في أسباب العمل الراعوي. ولقد تزامن هذا الاتجاه وتعزز مع قيام الحركات الشعبية والجماعات المسيحية الملتزمة في النضال من اجل تحرير اجتماعي وسياسي منفتح على تحرر كامل وشامل للإنسان الأميركي اللاتيني. وجاء ذلك كجزء من سياق حركة الانعتاق التاريخية التي انتهجتها “الأطراف” (= العالم الثالث) لتتحرر من تبعيتها “للمركز” (= العالم الأول: الغرب الصناعي ).

         ففي جو الحوار هذا، بين كنيسة مجمعية منفتحة ومجتمع أميركي لاتيني في غليان، بين إيمان مسيحي ملتزم ورغبة ملحة في التغيير والتحرر انطلاقا من القاعدة، وضعت الأسس الفكرية الأولى للاهوت التحرير. وبفضل جو الإبداع والحرية الفكرية التي أتاحها المجمع الفاتيكاني الثاني منذ بداية الستينات نشطت الدراسات والمؤتمرات أللاهوتية حتى أفضت إلى ظهور أول كتاب أساسي لطروحات لاهوت التحرير، عام 1971، لكوستافو كوتيريز (بيرو) بعنوان “لاهوت التحرير، آفاقه”، تبعه في 1974 كتاب أساسي آخر بعنوان “يسوع المسيح المحرر” لليونارد بوف (البرازيل). وهكذا بدأت مرحلة التنظير لإعطائه الركائز العقائدية والإبعاد الكتابية التي تجعل منه نهجا لاهوتيا حقا.

بين التنظير والعمل

            وأولت هذه المرحلة اهتماما بصورة خاصة بثلاثة مواضيع، هي: الروحانية، لاهوت  شخص المسيح، ولاهوت الكنيسة، لما لهذه المواضيع من صلة مباشرة بالصورة التي تعكسها الكنيسة (عن ذاتها وعن علاقة عقيدتها في المسيح)، تجاه المحرومين وقضية تحررهم. فلاهوت التحرير، منذ البداية، أراد الربط المباشر بين النظرية والفعل، بين العقيدة والممارسة. ولقد التزم فعلا كثير من رواده –من لاهوتيين ورعاة كنسيين ومجاهدين علمانيين– العمل المباشر أو الراعوي في الأوساط الشعبية المحرومة، ومنها استلهموا دينامية هذا الربط على الصعيدين الفكري والعملي لجعل عملية التحرر عملية معاشة وفعلية، لا مجرد تصورات روحانية أو غيبية. ذلك إن الخطاب اللاهوتي لا يكون واقعيا ومفيدا إلا إذا مر من مرحلة “النظر” التحليلية إلى مرحلة “الحكم” اللاهوتية، وصولا، ومن خلال الخبرة الواقعية، إلى مرحلة “العمل” الراعوية.

         هكذا، إذن، تدرج لاهوت التحرير من خطوة تمهيدية أولى انطلقت من وعي مرير لقضية المحرومين، إلى عملية اهتداء روحية تضمنت، في خطوة ثانية “اهتداء طبقيا”، على حد تعبير ليوناردو بوف(3)، دفع إلى تضامن فعلي مع قضية المحرومين والمساهمة، بشكل أو بآخر، وعلى ضوء الإيمان الملتزم، في عملية تحريرهم، ثم جاءت الخطوة الثالثة في تنظير هذا الالتزام، وقوامه العلاقة الجدلية بين العقيدة (الإيمان) والممارسة (المحبة)، وفق ما جاء لدى بولس الرسول في ” الإيمان الفاعل بالمحبة” (غلاطية 5: 6).

         فبعد ملاحظة واقع المحرومين واستقراء مسبباته البعيدة والقريبة على ضوء التحليل الاجتماعي والعلوم الإنسانية المختصة تأتي الأسئلة الأساسية التي يلقيها اللاهوتي على نفسه:

كيف يستعيد الإنسان المستعبد حريته التي خلقه الله فيها؟

كيف يكون المسيحي مسيحيا في عالم محروم بائس؟

أي جواب يعطي الكتاب المقدس لهذين السؤالين؟

كيف يجسد المسيحي جواب الكتاب المقدس واقعيا؟

          أو بكلمة واحدة، أمام بؤس البؤساء ما هو موقف المسيحي: هل اسكت واجتاز، أم يدفعني إيماني لان أتحرك وأفكر في إخراجهم؟ وكيف؟

          في الإجابة إلى هذه الأسئلة يتكون لاهوت التحرير.

الأسس الكتابية المعتمدة

       الكتاب المقدس كلمة الله إلى البشر. وتفسير هذه الكلمة يستوعب قراءات مختلفة –ولكن غير متضاربة– ومتنوعة بتنوع حاجات البشر. أما القراءة التي ينتقيها لاهوت التحرير–  من دون أن ينكر سواها –فهي التي تنطلق من منظور المحرومين والمقهورين لتحريرهم. “فمن قلب الوحي الكتابي الكبير، يقول ل. بوف، ينتقي (لاهوت التحرير) المقولات الأكثر دلالة باتجاه الفقراء، مثل: الله أبو الفقراء ومحامي المقهورين، التحرير من العبودية، النبوة بعالم جديد، الملكوت المعطي للفقراء، الكنيسة بصفتها شركة تامة…”)(4).

         أما دوافع لاهوت التحرير للتضامن مع “فقراء الأرض” هؤلاء، فلانة يرى في ذلك تأدية عبادة لله واتحادا مع المسيح، للأسباب التالية:

        أ – لان الله، بحسب الكتاب المقدس، هو اله حي ويدافع عن كل حياة (خروج 3: 7- 9)، داعيا إلى نصرة المظلومين (اشعيا 1: 10 – 17؛ 58: 6 – 7).

         ب – لان المسيح اخذ جانب الفقراء واليهم وجه رسالته أول الكل: “مسحني لأبشر المساكين…”.(لو 4: 18 – 19)، وأقام نفسه محاميا ومدافعا عنهم بوجه الأقوياء حتى بذل حياته دونهم بتضحية الصليب (يوحنا 15: 12 – 13؛ يوحنا 2: 9 – 10).

         ج – لان الدينونة على هذا التضامن تقوم: “كنت جائعا فأطعمتموني…كنت غريبا فآويتموني… كنت محبوسا فأتيتم إلي… إن كل ما صنعتموه إلى واحد من إخوتي هؤلاء فلي قد صنعتموه… الخ (متى 25: 31 – 46).

         د – لان الرسل –والكنيسة الناشئة– منذ البداية اهتموا بالفقراء (أعمال ف 2، 4؛ غلا 2: 10). والمجمع الفاتيكاني الثاني نفسه كانت له مواقف متميزة في “الاختيار الانتقائي” لجانب الفقراء.

        فنصوص الكتاب المقدس تصبح هنا كالمرآة العاكسة، أو كالضوء الذي بنوره نقرا واقع المحرومين. وبهذه القراءة يتضح لنا كلام الله كلاما فاعلا.. اليوم نعيد اكتشاف ديناميته وطاقته الكامنة والقمينة باستثارة التغيير. والتغيير الذي ترمي إليه هذه “القراءة” الجديدة – القديمة فهو التغيير الذاتي (الاهتداء الشخصي). وتغيير التاريخ أو البنى باتجاه “الثورة”. وكلا التغييرين ينسجمان تماما في مراميهما مع روحانية الديانة الكتابية المنفتحة والداعية إلى التجدد وتجاوز الذات باستمرار. لذا تكتسب عملية إعادة النص الكتابي. لدى تفسيره. إلى بيئته التاريخية والاجتماعية زخما كبيرا لفهم أبعاده اليوم وعكسه على واقع مستضعفي اليوم، ولاندفاع الفعل التحرري، كما في قصة ألسامري الصالح،  مثلا، وموقفه الإنساني الملتزم من الجريح الغريب عنه جغرافيا ومذهبيا… وغيرها.

الأسفار التي يخصها لاهوت التحرير بتفضيله

          لا شك إن شخص يسوع المسيح ومواقفه الفعلية في التاريخ – التاريخ الذي كان تاريخه الشخصي في زمان ومكان معينين –سيكون الملهم الأول والأساس لاختيارات لاهوت التحرير. لذلك يأتي الإنجيل– والعهد الجديد عموما– في مقدمة الأسفار التي يعتمدها لاهوت التحرير. فقراء الإنجيل تأتي هنا لإنارة الواقع وإخضاعه للتجدد والنقد والتحول الدائم نحو الأفضل وانسنة الإنسان، أكثر فأكثر، حتى يبلغ “قامته الكاملة” بحسب تعبير القديس بولس، ووفقا لمشروع يسوع المسيح في “ادم الجديد”. وذلك ليس بالحديث وحده، مهما كان للكلمة من بلاغة وقوة ضاغطة، بل بالالتزام الفعلي أيضا. هكذا يستعيد الإنجيل مصداقيته كعنصر تحرير بنظر ملايين المحرومين، ويتجلى حنان الله نحو المستضعفين بوجه أنساني يبعث الأمل والحياة. وهذه المصداقية تقطع دابر استغلال الإنجيل لخدمة ايدولوجية سياسية أو اجتماعية معينة.” فإعادة قراءة الإنجيل انطلاقا من التضامن مع الفقراء والمقهورين يقول كوستافو كوتيريز، تتيح لنا فضح استخدام الإنجيل من قبل الأقوياء ووضعه تحت تصرف مصالحهم… لان كلام الرب يتوجه إلى كل انجاز تاريخي ليضعه ضمن الرؤية الأوسع للتحرر الكامل والجذري الذي يؤدى به المسيح، رب التاريخ”(5).

          أما الأسفار الأخرى التي يستقي منها لاهوت التحرير ركائز بحثه واستنتاجاته فهي:

سفر الخروج لأنه يسرد قصة أول عملية تحرر سياسية – دينية لشعب من العبيد

أصبح، بفعل “مبادرة إلهية” شعب الله الحر. مع ما تحمله هذه الريادة من عناصر المثالية والنموذج والعبرة.

أسفار الأنبياء (وفي مقدمتهم اشعيا وارميا) للبعد الشمولي لرسالتهم، ولدفاعهم العنيد

عن موقف الله المحرر؛ لعدم مساومتهم في فضح المظالم؛ ولمطالبتهم بحقوق الصغار والوضعاء، وتبشيرهم بالعهد المسيحاني الآتي.

سفر أيوب حيث الله المحرر –والبار وحده–  يدافع عن الفقير ويغمر المحروم بهباته،

ويحرره، وان بدا صامتا لفترة.

سفر أعمال الرسل لأنه ينقل الصورة المثالية للجماعة المسيحية الاولى، جماعة

متحررة ومحررة، وعائشة في تضامن وفرح ابناء الله.  

سفر الرؤيا حيث الانفتاح الدائم إلى ما هو جديد، إلى سماء جديدة وارض جديدة تحل

محل العالم القديم المثقل بإمراضه وأسباب انحلاله. في هذه “الأرض يسكن الله مع الناس.. ويمسح كل دمعة من عيونهم.. فيكون كل شيء جديدا” (رؤي 21: 1 – 6).

وهناك أسفار أخرى تلقى صداها لما تحويه من نماذج تحرر وطموح نحو الانعتاق مثل

أسفار عزريا ونحميا والمقابيين والمزامير التي تتحدث عن الله المحرر، ومثل الأسفار الحكمية التي تعكس حكمة الشعوب، إذن فلسفتها في الحياة ومعالجة الواقع.

        وكما أن لاهوت التحرير، بعودته إلى الكتاب المقدس. إنما يستلهم الركائز العقائدية التي تبرر سعيه التحرري وتدعم بنيته اللاهوتية في تواصل مع البحث اللاهوتي المسيحي العام، فباسم هذا التواصل عينه، وفي حركة انفتاح إلى التيارات الدينامية في تاريخ الكنيسة، يعود إلى التقليد الكنسي العام والى شهود الإيمان عير الأجيال بحثا عن نماذج له: (البعد التحرري في خبرات بعض المصلحين والقديسين ومؤسسي الرهبانيات الكبرى: أمثال فرنسيس الاسيزي وسافونارول وكاترينا السيانية وغيرهم ).  كما إن موقف لاهوت التحرير من “تعليم الكنيسة الاجتماعي” الذي تحمله الوثائق الكنسية الرسمية موقف “منفتح  وايجابي”، ولاهوت التحرير يرفض أن يعتبر “رؤية منافسة” لتعليم السلطة الكنسية. فإذا حمل “التعليم الرسمي” التوجيهات الكنسية الكبرى للعمل الاجتماعي، فلاهوت التحرير يحاول “تنسيق” هذه التوجيهات ضمن نظريته والخروج بها إلى حيز الفعل الخلاق، وفق ظروف العالم الثالث الواقعية، في هذه البيئة أو تلك.

الطروحات الرئيسة التي يتمحور حولها لاهوت التحرير

         فإذا ما أردنا إيجاز الطروحات الرئيسة التي يتمحور حولها لاهوت التحرير، انطلاقا من واقع معانيات العالم الثالث – وأميركا اللاتينية بالذات حيث نشا– وعلى ضوء الكتاب المقدس الذي تستفتيه هذه الطروحات، لأمكننا تحديدها على النحو التالي:

       1 –  الإيمان الحي والحق يتضمن ممارسة  التحرير بالضرورة. أو بعبارة أخرى يجري

التركيز على البعد العملي للإيمان الكتابي وارتباطهما العضوي، لان “الإيمان من دون أعمال عقيم “(يعقوب2: 2”). فالأرثوذكسية (الإيمان القويم) تسير يدا بيد مع الارثوبراكسية (العمل القويم) (ل. بوف).

      2 – الإله الحي الذي يقف إلى جانب المقهورين –كما فعل بوجه فرعون في سفر الخروج–  لأنه يريد الحياة للإنسان (خروج 3: 7 – 8؛ ارميا 21: 22).  

       3 – انطلاقا من حياة الثالوث الذي هو شركة –ينبغي على الأسرة البشرية أن تعيش في شركة وتضامن، لا سيما تجاه المحرومين والضعفاء.

       4 –ملكوت الله، -الذي هو مشروع الله في التاريخ وفي الأبدية، يبدأ من هنا (لو 17: 21). فمستقبل الإنسان الاخيري يبدأ من هذه الحياة بتحرير الإنسان الكامل وإرساء قواعد ملكوت الله، أي المجتمع الجديد في المسيح؛ ملكوت ينمو بنمو الحرية والعدل والحب والسلام بين الناس وفي قلوبهم.

      5 – يسوع، ابن الله، الحامل مضايقنا على كتفيه ليحررنا منها (فيلبي 2: 6- 11؛ مرقس 10: 45). وهذا التحرر يبدأ من قلب تاريخنا الإنساني “مسحني لأبشر المساكين”. أما قيامته فتاتي كفعل التحرير الواقعي له شخصيا وكفعل رجاء بمصداقية الملكوت الذي نادى به.

       6 – الروح القدس، “أبو الفقراء” –وفاعل التحرير، إذ انه يكمل عمل– المسيح ويحفظ شعلة الرجاء بالملكوت متيقظة حية أبدا.  

       7 – مريم، ابنة الشعب، ودورها النبوي والمحرر (موقفها في قانا الجليل: يو 2: 3 ). نشيدها الثوري في الزيارة (لو 1: 51 – 53).

       8 – الكنيسة موضع وأداة التحرير، لان الرسالة الإنجيلية التي تحملها إلى العالم هي رسالة تحرير ومشاركة. وقبل أن تكون مؤسسة هرمية فهي جماعة المؤمنين الذين ينبغي أن يحيوا إيمانهم بروح الحب والخدمة والتضامن. والكنيسة تكون موضع التحرير من خلال الجماعات الصغيرة التي تكونها، حيث يلتقي الإيمان بالحياة، والإنجيل بعلامات الأزمنة.

       9 – حقوق الفقراء هي حقوق الله. فلقد قال أساقفة أميركا اللاتينية في بويبلا: “إن محبة الله بالنسبة ألينا، اليوم، ينبغي أن تصبح فعل عدالة تجاه المقهورين، وجهدا لتحرير الأكثر حرمانا رقم (327). والفقراء الذين يقصدهم لاهوت التحرير بالدرجة الاولى هم هؤلاء المحرومين اجتماعيا واقتصاديا وتفرض عليهم الأنظمة بالبقاء كذلك عرضة للاستغلال واغتناء الأغنياء سواء بتركهم ضحية للتخلف وجفاء الأرض، أو بالاستغلال المباشر وظلم الملاكين الكبار. كما أنهم كل ضحايا التفرقة العصرية أو الجنسية وغيرها من إشكال الحرمان والقمع.

       10 – مبادئ لاهوت التحرير ليست مجرد تنظير فكري، وإنما ينبغي أن تنعكس على السلوكية الشخصية وتترجم في الالتزام الفعلي. وما تستهدفه هو تغيير طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الرأسمال والعمل، واجتثاث أسباب المظالم والتفرقة بين القوميات والثقافات والأجناس.

      11 – وضع المرأة الاجتماعي، وهو جزء أساس –لا هامشي– من عملية التحرير الكامل للإنسان.

      12 – وهناك تحديات أخرى منها النظرة النقدية إلى الممارسة الاقتصادية والسياسية.. التي يعالجها لاهوت التحرير حاليا لوضع أخلاقية إنجيلية تأخذ بعين الاعتبار الإنسان وتضامن الشعوب قبل الربح والاستهلاك والسيطرة.  

خاتمة

        إننا لم نقل كل شيء عن لاهوت التحرير، ولا تطرقنا إلى مخاطر الزلل التي قد يتعرض لها، ولا هذا كان هدفنا. وإنما أردنا إلقاء الضوء على الركائز الكتابية التي يعتمدها هذا النهج من البحث اللاهوتي وحسب.

        ولكن يمكننا القول في ختام هذه المحاولة، بان لاهوت التحرير، إذا كان لا يزال في طور الشبوبية – حيث انه بالكاد قد اجتاز عتبة العشرين من عمره – فحضوره إلى الساحة الدولية كنضال مسيحي، نظري وعملي، حضور له مكانته، وعلى ثلاثة أصعدة: لاهوتية وكنسية، واجتماعية، سياسية.

        ففي مجال التيارات اللاهوتية المعاصرة يتسم لاهوت التحرير بدينامية خاصة ويعتبر عنصرا ملهما لحيوية البحث اللاهوتي في أقطار العالم الثالث خاصة، ليس في أميركا اللاتينية، موطنه الأصلي وحسب، بل كذلك في أسيا وإفريقيا، وفي أوربا أيضا تدرس في الجامعات والمراكز اللاهوتية، أكثر فأكثر.

       أما في المجال  الكنسي فهو يستحث قيام جماعات كنسية وقاعدية مسؤولة، ويساهم بصورة مباشرة في تجديد المفاهيم الكنسية ومواقفها الايدولوجية والفعلية تجاه الجماهير المحرومة ومشاكلها (مدلين. بويبلا). فهو، بذلك، يمارس دورا نبويا ( تجاه الرعاة وتجاه القاعدة).

       وهذا ” الدور النبوي” يمارسه تجاه المجتمع المدني، حيث يصبح “علامة” لبشرى الإنجيل المحررة التاريخية الثورية فلقد انتشل من يد الماركسية احتكارية التحدث باسم الكادحين وعملية التغيير التاريخي.

       وهكذا يصبح الإيمان من جديد طاقة للتجدد والتحرر وتجاوز الذات، ليس على الصعيد الفردي وحسب، بل على الصعيد الجماعي أيضا، ولا يعود الدين أفيونا للإنسان، كما زعموا.   

————————

 انظر ف . م . ك2 وايار وآب/ايلول 1985؛ و ك2 1986

 انظر ف . م . حزيران 1977

Q uest- ce que theologie de la liberation p . 43 – 44

 المصدر نفسه p. 60

 La force historique des pauvres ,p. 59.  

المصادر:

Leonardo  et Clodovis BOFF: Quest- ce que la theologie de la liberation?, Cerf 1986

Leonardo  BOFF: Jesus –  Christ Liberateur , Cerf 1982

Gustavo  GUTIERREZ: La Force historique des pauvres , Cerf 1986

Gustavo  Gutierrez:   La Dieu  de La vie , Cerf 1986

 

((((((((((((())))))))))

الدورات اللاهوتية “مدرسة. وكنيسة”   

تحقيق/كانون الاول1987

        الدورة اللاهوتية يوم عيد… الدورة اللاهوتية مهرجان فكري.. الدورة اللاهوتية ملتقانا المفضل.. الخ. هذه العبارات وغيرها من العبارات سمعتها من طلبة الدورات اللاهوتية للعلمانيين في كل من الموصل وبغداد. شباب وفتيات،  من مرحلة الإعدادية والجامعيين والخريجين والموظفين، وبعض الراهبات من مختلف الجمعيات الرهبانية، وحتى من الكهول والشيوخ المتقاعدين.. يعودون منشرحين إلى كراسي الدراسة بضجيج تلامذة الابتدائية ولربما بشيطناتهم أيضا، يدفعهم الفضول الفكري للتعمق في جذور إيمانهم عبر الدراسات اللاهوتية، أو الاطلاع على الصيغ الجديدة في تفسير وفهم الكتاب المقدس، أو النبش عما غلفته  الأيام من تاريخ كنيستنا المشرقية بظلاله وأنواره، أو استقصاء ما تقوله الفلسفة عن الإنسان.. هذا المجهول! 

الأهداف

         للدورة ثلاثة أهداف رئيسية، يقول المطران كوركيس كرمو، راعي أبرشية الموصل الكلدانية التي منها انطلقت البادرة وبرعايتها تعمل الدورة اللاهوتية في الموصل، وهذه الأهداف هي: 1- خلق جيل مسيحي مثقف دينيا  واع لمسؤولياته؛ 2– إعداد كوادر متخصصة للتعليم المسيحي باكتساب ثقافة أعمق؛ 3– تهيئة الراغبين في الكهنوت من المتزوجين ومتابعة دعوتهم. أما الأب يوسف توما الدومنيكي مدير دورة بغداد فيقول:

إن هدف دورتنا هو إعطاء ثقافة دينية لاهوتية عميقة لكل مدرسي التعليم المسيحي

علميا وروحيا وتربويا. وتزويد الخورنات بالمدرسين الكفوئين، أما هدفنا الثاني فهو أن تعم هذه” الثقافة الدينية اللاهوتية” اكبر عدد من المؤمنين، لذا نترك الباب مفتوحا لكل من يريد التعمق، ولم يكن هدفنا إعداد كهنة أو راهبات. هكذا، إذن، تلتقي الدورتان اللاهوتيتان، في الموصل وبغداد، في كونهما “مدرسة” للتثقيف المسيحي المعمق والمركز للعلمانيين البالغين. 

لماذا جئت؟

         ولكن ماذا يقول الطلبة؟

“لماذا جئت إلى الدورة”. سؤال وجهناه إلى بعضهم من دون انتقاء مسبق للأشخاص –

فكشفت الأجوبة عن عطش إيماني وفضولي علمي، صدى لمعاناة حقيقية. قالت رجاء إبراهيم ككي (مهندسة – السنة الأولى، الموصل): “جئت لأجد أجوبة عن تساؤلاتي حول الله والإيمان”. وقالت بشرى فرج (بكالوريوس إحصاء – السنة الأولى، بغداد): “جئت لتلبية رغبة قديمة لفهم وترسيخ القناعات التي كانت قد بدأت ترتبك عندي في القضايا الدينية، حيث رأيت إن ما تعلمته غير كاف أو لا اقتنع من صيغه القديمة”. وأجاب سليم موسى كوكا (خريج إنتاج معادن – السنة الثانية، بغداد): “ثقتي بكفاءة المدرسين جعلتني أفكر بأنهم سيحدثون انقلابا في المفاهيم التي تسلمناها حول تساؤلات داخلية.. فجئت”. بسام حنا يوسف (خريج إدارة واقتصاد – السنة الثانية، الموصل) جاء “لزيادة معلوماته، فهو يحب التعمق في قضايا اللاهوت”. أما عمانوئيل نيسان (خريج معهد أمريكي للغة الانكليزية– السنة الثالثة، بغداد) فيضيف عنصر”التسلية إلى رغبته في الاطلاع على تطور التدريس الديني”. “بعد تباعد عن الكنيسة، يقول يوسف نعوم فرج (عقيد مدفعي متقاعد – السنة الأولى، بغداد) اشتقت إلى العودة إلى المبادئ المسيحية لإنماء أفكاري ومعلوماتي ورؤية الفروقات في التعليم السابق والحالي. ثم أنها امتصاص للفراغ بصورة مفيدة

          ولكن هل وجد هؤلاء العطاش في الدورة ما كانوا يصبون إليه؟

“أول ما أعطت لي الدورة أن لا أخاف من طرح أي سؤال كان، لا سيما في اللاهوت.

لقد زعزعت صيغ إيماني القديمة، ولكن لإرساء بناء اقوي. في الكتاب المقدس اكتشفت قراءة جديدة” (سليم). “أعطتني تفسيرات حول الإيمان والحقيقة التاريخية لبعض المعطيات الكتابية. غير أن صعوبات تواجهني لأنني ثرثار في المناقشة” (بسام). “اكتشفت روح الجماعة” (حنان نافع: خريجة آداب – السنة الأولى، موصل).

        “لا زلت في البداية ولكني أرى أن التعليم القديم لا باس به وليس من جديد في الجوهر، إنما الأساليب تغيرت” (يوسف نعوم). “لم تزد الدورة على معلوماتي شيئاً “لأني كنت على علم بها مسبقا منذ المعهد” (عمانوئيل – وقد قضى أكثر من 8 سنوات في المعهد الكهنوتي ). أما الأخت البرتين (من راهبات القلب الأقدس – السنة الرابعة، الموصل) فتعترف أن الدورة “أعطتها صورة جديدة للمسيح. وأفادتها في تشذيب دروس التعليم المسيحي التي تعطيها للصغار من الأفكار الخاطئة أو الناقصة والتركيز على شخصية المسيح كمخلص. كما انها ساعدت في إنضاج إيمانها”.

آفاق جديدة.. وقلق

          زيادة المعلومات وتعميقها أمر لاشك فيه، ناهيك عن توسيع الآفاق الفكرية، غير أن الطرح لحقائق الإيمان والأسلوب الحديث في “قراءة” الكتاب المقدس بعهديه وتجاوز حرفيته إلى “الفحوى اللاهوتي والتعليمي” الذي تتضمنه قصصه ونصوصه، قد يكونان ابرز عاملين في معانيات الأساتذة ومناقشات الطلبة في الدورتين معا، سيما وان أكثرية الطلبة أتون من اختصاصات علمية وليس لهم أية خلفية لاهوتية أو كتابية أو فلسفية جادة، ومعظمهم لم يتعودوا مناقشة أمور الدين بروح التلاميذ الباحثين ولا بأسلوب التدرج الفكري.

       “هناك أشياء هي بديهية بالنسبة لي ” وبدا لي أنها مجهولة وغريبة عن الطلبة، يقول الأب ألبير أبونا مدرس تاريخ الكنيسة في بغداد، فاضطر إلى ترديد معلومات أولية مرات عديدة”. هناك أسئلة تغلي في داخلهم، ولكن محدودية الزمن تحول دون كل الإجابات. كما أن بين أكاديمية التعليم وواقعية الحاجات المباشرة صدام مستمر”، يقول الأب يوسف عتيشا مدرس التربية الدينية في بغداد، ولكن صعوبة البدايات تتذلل في السنوات المتقدمة تدريجيا: “كانت معاناتي خلال السنة الأولى، وكل فكرة جديدة كانت نقابل بالرد، وأحيانا لمجرد أنها لا تلائم العقلية السائدة والفكر التقليدي”. يقول الأب افرام سقط مدرس الكتاب المقدس في الموصل، ويستطرد: “أما الآن فالمس استيعابا جيدا، لاسيما لدى متابعة نفس الطلبة المواضيع نفسها، فبوسعي أن أقول إني وضعت بذرة قابلة للنمو”. المعلمون.ان شعور المطران بولس دحدح، مدرس الفلسفة في بغداد: “كنت دائما أتمنى التدريس، فالتدريس يعطيني مجالا للتجديد، أما عن الطلبة فأرى مع التجربة والوقت أنهم يستطيبون الموضوع، بالرغم من صفة التجريد التي تتحلى بها الفلسفة”.

المعلمون.. تلامذة

         الدورة أفادت الأساتذة بقدر ما أفادت الطلبة –ولربما أكثر– هذا ما أيده كل الأساتذة الذين سألناهم، وحتى أولئك الذين ليس التدريس أمرا جديدا عليهم، يقول المطران كوركيس كرمو، مدرس اللاهوت العقائدي في الموصل: “لقد امتلكني شعور ممتع بالعودة إلى التعليم، أي إلى البحث والكتابة، وتدريسي الآن بعد المجمع يدعوني إلى التوسع والأخذ بالأمور الجديدة”. أما الأب لوسيان جميل، مدرس الفلسفة في الموصل فيقول: “إن هوايتي ورغبتي الشخصية كانت أن ادرس مواضيع لاهوتية، ولكني أعطيت موضوع الفلسفة، واليوم بعد تجربة خمس سنوات، لو طلب إلي تركها، لما قبلت بسهولة، لأنني بالتدريس تعلمت أشياء كثيرة وعمقت مفاهيمي الفلسفية واللاهوتية وكونت لنفسي بضاعة جيدة تسمح لي بفكر لاهوتي سليم”. ويربط الأب يوسف عتيشا بين دوره كمدرس ودوره ككاهن: “رأيت أن الدورة تقف إلى جانب الموعظة في الكنيسة. فلقد قدمت لي فرصة لأعمق معلوماتي أمام جمهور اقرب وأكثر حيوية وإلزاما بأسئلته وحاجاته واستحثاثه للمناقشة والحوار”.

الجدية والمتابعة

“هل الدورة جدية بنظرك؟ – “جدية ومفيدة “أجاب الطلبة كلهم، وان كان ثمة بعض

التحفظ لدى طلبة الموصل عن العام الماضي : “وكيف تلمس هذه الجدية؟ – “قبل كل شيء بالتزام الأساتذة الحضور بدقة (وهذا لا غبار عليه) وإعداد الملازم مسبقا (ويبدو أن درجة الأساتذة ترتفع وتنخفض لدى الطلبة وفق هذه النقطة، وتضعف عند الذين يتبعون كتابا مطبوعا أو ملزمة ولا يحيدون عنهما). ولكن جدية الطلبة من جدية الأساتذة، وهي التي “تشجع على الدوام المستمر” (حنان نافع). غير أن الجدية تنعكس أيضا في الانتباه والتجاوب ومستوى الأسئلة: “هناك تجاوب كبير لدى الطلبة. يبدوا ذلك من أسئلتهم التي تتنوع بين تقليدية محافظة وجريئة منفتحة” يقول الأب فرج رحو، مدرس اللاهوت الخلقي في الموصل وسكرتير الدورة. و “هناك دائما نخبة من المتتبعين بجدية أكثر في هذا الصف أو ذاك” (الأب ألبير ).

اقتراحات وطموحات

ما هي اقتراحاتكم لتطوير الدورة؟

أن تخرج من الحيز الطائفي أو المحلي لتصبح مشروع كنيسة الموصل، أو كنيسة بغداد

(أو كنيسة العراق ككل ولم لا؟) وتنال التشجيع والتأييد الصريح من كافة المسؤولين الكنسيين: هذا ما سمعنا صداه في الموصل وبغداد، لدى طلبة وأساتذة. وهناك من يتمنى مواضيع أخرى غير منهجية تلقى بصورة مركزة، ولربما في صيغ لقاءات مفتوحة منتظمة حول مسائل الحياة والقضايا الاجتماعية والإيمانية. وغيره يقترح لو أعير الجانب الترفيهي انتباها اكبر. وبينما يرى الأب لوسيان إن “الدورة قد تحتاج إلى منهج فكري مركزي مع احترتم اتجاهات المدرسين”، يطمح المطران كرمو الى أن “تصبح الملازم كتبا وتنشر لتعم الفائدة ولا تبقى مقتصرة على الطلبة”. وللأب فرج طموح اكبر وهو “أن تكون هذه الدورات نواة لكلية خاصة للعلوم الدينية”.

        الخلاصة التي خرجنا بها من هذا التحقيق؟ – إن الدورات اللاهوتية “مدرسة وكنيسة”.

“مدرسة” للثقافة المسيحية الجادة والمركزة ومرحلة إنضاج ونضوج كانت ضرورية لنفض الطفولة عن الموروث الديني السطحي أو الناقص لدى العلمانيين. ناهيك عن العمق اللاهوتي والكتابي والتاريخي الذي تعطيه للعقيدة المسيحية. و “كنيسة” حيث يعتبرها الطلبة أنفسهم كموعد يضرب مع المسيح، فتضحي غذاء روحيا وإيمانيا لحياة مسيحية ملتزمة، الم يقل احدهم: “بعد الدورة اشعر وكأنني اشتركت فعلا بالقداس”؟  فأمنيتنا هي نفسها التي عبر عنها كثيرون “أن تعم الدورة أكثر من منطقة لاستيعاب اكبر عدد ممكن من الشباب والبالغين”. 

                                                       بمشاركة الأخت سانت آتيين 

دورة الدراسات اللاهوتية للكهنة والراهبات والعلمانيين في بغداد

تأسست في 12/11/1984

مقرها كاتدرائية القديس يوسف اللاتينية (السنتر)

مدة الدراسة 3 سنوات بمعدل 3 محاضرات كل يوم اثنين

المستوى العلمي للقبول: ما يؤهل الطالب لاستيعاب الدراسة. غير ان الاكثرية الساحقة هم فعليا في مستوى الاعدادية فما فوق.

منهاج الدراسة لعام 1987 – 1988:

 اللاهوت النظري (الاب يوسف توما الدومنيكي)

 اللاهوت الادبي (المطران بولس دحدح)

 الكتاب المقدس (الاب كوب المخلصي)

 الفلسفة  (المطران بولس دحدح)

 الليتورجيا (الاب جاك اسحق)

 التربية الدينية (الاب يوسف عتيشا الدومنيكي)

 لاهوت الروحانيات (الاب روبير الكرملي)

عدد الطلبة المسجلين لعام 86-87: 421 والمثابرون 344. اي بنسبة 58%. وقد تضخم عددهم هذا العام حيث تسجل في الصف الاول وحده 203. اما النسبة العامة فهي 63% للاناث و 37% للذكور (وهناك كاهنان او ثلاثة).

    تخرجت الوجبة الاولى في ايار 1986 (85 طالبا وطالبة) وقد استحدثت لهم سنة رابعة تطبيقبة تلقى فيها محاضرات خاصة.

 

الدورة اللاهوتية للعلمانيين في الموصل

 

تأسست في 10/10/1983

مقرها الحالي في دير الراهبات الدومنيكيات في منطقة الساعة

 مدة الدراسة 4 سنوات بمعدل 3 محاضرات كل يوم اربعاء (بعد ان كانت 3سنوات ويومين في الاسبوع).

المستوى العلمي للقبول: من انهى الدراسة الاعدادية فما فوق

منهاج الدراسة لعام 1987 – 1988:

 اللاهوت العقائدي (المطران كوركيس كرمو)

 اللاهوت الخلقي (الاب فرج رحو)

 الكتاب المقدس (الاب افرام سقط الدومنيكي)

 تاريخ الكنيسة (الاب يوسف حبي)

 الفلسفة (الاب لوسيان جميل)

 اباء الكنيسة (الاب لويس ساكو)

 عدد الطلبة المسجلين: 102. والمداومين بانتظام 80 طالبا وطالبة. وتكاد تنقسم النسبة الى 1/3 للشباب و 1/3 للفتيات و 1/3 لراهبات.

تخرجت الوجبة الاولى (18 طالبا وطالبة) في حزيران 1986. ومعظمهم يعملون في مراكز التثقيف المسيحي. واثنان منهم يتهيأون للكهنوت.

الفكر المسيحي 1986

مجلة الفكر المسيحي 1986

81

إنجيل برنابا  بحث في تكوينه كتاب

212

شباط

1986

82

 مقابلة مع الدكتور موريس اسعد    

ايار

1986

83

كوبا.النسيم يهب على الكنيسة ملف                

216

حزيران

1986

84

  المجمع المسكوني الفاتيكاني2  

219

ت1– ت2

1986

85

  الزيارة البابوية الثالثة لفرنسا ش.ر           

220

كانون1

1986

 ((())))))))

1986 المقالات: 

إنجيل برنابا  بحث في تكوينه واصله

 

كتاب/شباط1986 

“إنجيل برنابا” عنوان كلما أثير أثار فضولا متميزا لدى القاري العربي وأفاق مئات الأسئلة(1). ولويجي سيريللو، الأستاذ في جامعة السور بون يلج موضوعا شائكا ومعقدا ومتداخلا عندما يختارهذا “الإنجيل” موضوعا لأطروحته(2). ولكنه لا يتناول الموضوع من زاوية جدلية لمناقشة صحة طروحات “برنابا” أوعدم صحتها من الناحية العقائدية، وإنما يحقق أكاديميا وعلميا المخطوطة الوحيدة الموجودة “لإنجيل برنابا” وهي محفوظة في المكتبة الوطنية في فيينا (النمسا) تحت الرقم 2662 وباللغة الايطالية القديمة.

ان أول ما  يلفت القاري العربي في هذه المخطوطة هي الهوامش المبعثرة في حواشي المخطوطة باللغة العربية، ومعظمها لوصل النص بالتلميحات الكتابية والآيات القرآنية خاصة، إما لغتها فركيكة لا توحي بأنها من عربي أصيل أو متضلع، وكذلك خطها. أما النقطة المحورية التي يدور حولها النص فهي إن يسوع يعلن ا ن آخر سيأتي بعده لاستكمال الوحي، هو محمد خاتم الأنبياء، وهذا التقليد الإسلامي العريق ينسبه “الإنجيل” الذي نحن يصدده إلى احد تلامذة يسوع، برنابا. وهنا يثار سؤالان:

1 – على م تستند شهادة “برنابا” هذه؟

2 – ما هي الحلقات التي تتيح الوصل بين هذه “الشهادة “المحورية، ونص “الإنجيل” الوارد في مخطوطة فيينا العائد إلى القرن 18، و “إنجيل برنابا” المفقود والمذكور في مجموعة الكتب المنتحلة في القرن الأول؟

للإجابة على هذين السؤالين ينطلق سيريللو من المخطوطة من ثلاثة محاور تتكامل في ما بينها:

أ – دراسة طبيعة الخط والمخطوط

ب – النقد الأدبي واللغوي للنص

ج – النقد التاريخي حيث يبحث عن البيئة الدينية والاجتماعية التي كتب لها وفيها هذا “الإنجيل”.

ويتضمن تحقيق لويجي سيريللو قسمين، خص الأول لدراسة تركيبة واصل “إنجيل برنابا”، والثاني يحتوي النص المصور للمخطوطة مع ترجمته الفرنسية، ويقع الكل في 600 ص من القطع الكبير. ويشتمل القسم الأول على تسعة فصول مع خلاصة عامة:

في الفصل الأول:  يرى المحقق إن تجليد المخطوط شرقي، ومن أسلوبه يعود به إلى الثلث الثالث من القرن 16. أما طبيعة الخط فرديئة واللغة ايطالية قديمة تعود إلى منطقة البندقية في منتصف القرن 16. ومما يستدل به المحقق إلى تلك الحقبة مؤشرات أخرى منها النقطة على حرف مما لم يكن موجودا قبل القرن 16، غير أن المخطوطة لا تحمل أي تاريخ صريح سوى أنها مهداة بديباجة لاتينية وبخط مغاير إلى الأمير اوجين أمير سافوا في 20 حزيران 1713.

إلى جانب هذه المخطوطة، أو بمعزل عنها، ذكر البحاثة الغربيون، ومنهم أدريان ريلا ند في كتابه “الديانة المحمدية” الصادرعام 1717، إن “للمسلمين أيضا إنجيلهم ومخطوطته موجودة بالعربية والاسبانية”. وفي 1734 ورد أن المخطوطة الاسبانية مترجمة عن الايطالية. ولكن المحقق يقارن بين النص الاسباني ونص فيينا الايطالي الأقدم فيجد فروقات كثيرة في المبنى وان الاسبانية خالية من الهوامش العربية، فيستدل إن مخطوطة فيينا التي يدرسها ليست الأولى، وان كانت الوحيدة حاليا.

في الفصل الثالث: يتطرق المحقق إلى البنية الفكرية “لإنجيل برنابا”، فيرى أن مشروعاً عقائدياً لدعم “الدين الحقيقي” الحنفي الواحد يجمع ما هو مشترك بين ديانات الكتاب الثلاث، فيعتمد تقاليد يهودية – توراتية، ومسيحية – إنجيلية، وإسلامية قرآنية.

في الفصل الرابع: يحلل عنوان “الإنجيل” ومقدمته وخاتمته. فمنذ المقدمة يعطي المؤلف “برنابا رسول يسوع الناصري”، النبرة الجدلية – الصدامية لإنجيله الذي يوجهه “إلى جميع سكان الأرض”ضد أولئك” الذين يعلمون تعليما كافرا بتسميتهم يسوع ابن الله، ويرفضون الختان عهدا ابدياً مع الله، ويأكلون اللحوم المحرمة، ومنهم بولس نفسه”.

هذه المقدمة يعيدها المحقق إلى بيئة مسيحية – يهودية أكيدة، ويرى فيها صدى واستمرارا للتيار اليهودي في المسيحية الناشئة ضد ابتعاد بولس عن شريعة موسى. أما الخاتمة –وهي غائبة في المخطوطة الاسبانية– فهي عودة إلى طروحات المقدمة ضد بولس. ويرى المحقق إنها قد تكون لمؤلف آخر، ولربما بيد شخص مسلم تماما لاحتوائها الاعتراضات الإسلامية الأساسية حول بنوة المسيح الإلهية وقيامته.

أما الفصل الخامس: فيحتوي تحليلا مقارنا لطروحات “إنجيل برنابا” (مع طروحات الفكر المسيحي التقليدي والعهد الجديد بالذات، أي الأناجيل الأربعة القانونية وأعمال الرسل وكتاباتهم، حول رسالة يسوع وشخصه، واهم هذه الطروحات “البرنابية” التي يلاحظ  تأثير التقليد الإسلامي واضحا فيها:

أ – الإنجيل هو الكتاب السماوي المتضمن الوحي النازل في يسوع. فالملاك جبرائيل يقدم الإنجيل ليسوع كمرآة نازلة في قلبه عما هو فوق، وما يقوله يخرج منه.

ب – يسوع يقدم نفسه كنبي جوابا لمن يدعي بانه “ابن الله”.

ج – يسوع يعلن مجيء المسيح من ذرية إسماعيل واسمه احمد، كما ورد في القرآن

د – يهوذا اخذ محل يسوع في الصلب.

ه – في الدينونة الأخيرة  تكون الأولوية ليسوع محاطا برسله (ف19) وفي فصل 54 تبدو الأولوية لمحمد.

ومن قرائن النص العديدة يستخلص المحقق… إن مؤلف “برنابا” يبدو مسيحيا مهتديا إلى الإسلام، وقد كتب مابين 1300– 1349. وبرهانه على هذا التاريخ النص البرنابي التالي:

“والسنة اليوبيلية التي تأتي الآن كل مئة سنة ستعود سنويا في كل مكان من اجل المسيح” (ص208، 211، من المخطوطة). والحال إن عادة الاحتفال اليوبيلي كل مئة سنة وضعها البابا بونيفاس الثامن في 23 شباط 1300، ثم جعلها البابا كليمان السادس كل خمسين سنة، وذلك في 27 ك1 1349.

في الفصل الثامن:  يبحث المحقق في موقع التقليد الفريسي في “إنجيل برنابا”، ويبدو أن “الفريسيين الحقيقيين” (الذين يميزهم برنابا عن الفريسيين ألأردياء الذين قاوموا يسوع في زمانه) هم النخبة المختارة الأمينة لتعاليم المسيح الذين يتجاوبون مع أهداف “إنجيل برنابا” ويربطهم باخنوخ وإيليا. ويرى المحقق في هؤلاء الفريسيين نموذجا من الحياة الصوفية المنقطعة القشفة التي عاشها رهبان في منطقة جبل الكرمل بفلسطين ينتمون إلى اخنوخ وإيليا. ويبدو أن جماعة من النساك المسيحيين والمسلمين عاشوا فعلا على جبل الكر مل في نهاية القرن12 في شركة صوفية تشبه ما يطرحه برنابا في “الدين النبوي الواحد منذ إبراهيم وحتى محمد”.

الخلاصة

ويختم المحقق دراسته بخلاصة عامة يضمنها الاستنتاجات التي وصل إليها وأهمها:

لا يمكن نسبة كل أجزاء “إنجيل برنابا” إلى مؤلف واحد.

هناك أصل قديم، والى الأصل القديم إضافات لاحقة. والقديم مضمون في النص الحالي، جزئيا أو كليا.

لا علاقة أكيدة البتة بين “إنجيل برنابا” الحالي وما قيل عن إنجيل منتحل منسوب إلى برنابا.

اختلالات داخلية في النص والمضمون، ومادة مجمعة من آفاق وتقاليد قانونية ومنتحلة (مسيحية – إسلامية – يهودية – جغرافية – تاريخية – رهبانية…)

حبكة موجهة ضد بولس.

تأثيرات التيار المسيحي المشوب بالميول اليهودية.

بيئة مسيحية – يهودية من سوريا وفلسطين.

أصل النص شرقي قد يكون مر بمراحل تكوينية إلى أن وصل الغرب.

التأثيرات والطروحات الإسلامية لربما جاءت لاحقا في توليف جديد.

البيئة الطبيعية التي نما فيها هي بيئة الفريسيين الحقيقيين، ولربما كانت مثل هذه الجماعة  همزة وصل بين إنجيل برنابا المنتحل الأصلي و “إنجيل برنابا” الحالي موضوع الجدالات المسيحية – الإسلامية.

ايدولوجية التوافق الإبراهيمي لتوحيد الديانات الثلاث في الوحي الواحد وتحقيق رسالة يسوع في محمد. 

—————–

كان اول مقال عنه في “سلسلة الفكر المسيحي” رقم 27 لعام 1966، بقلم الاب ميخائيل جميل

Evangile de Barnabe , Recherehes sur la composition et l,origine.

par luigi CIRILLO , Ed. Beauchesne, paris 1977 (600

p.)

  (((((((())))))))))))

كوبا. النسيم يهب على الكنيسة

ملف/حزيران1986

كوبا.. هذه الجزيرة التي تطفو على سطح المحيط الأطلسي وحل فيها كريستوف كولومبو عام 1492 –وقد ظن أنها اليابان!– وأصبحت مفتاح العالم الجديد، تعد من أولى بلدان أميركا اللاتينية التي تلقت بشرى الإنجيل. إلا أن الكنيسة الكوبية ظلت تعاني طيلة قرون عديدة من التذبذب والاضطرابات، وقلما حظيت بفترات سلام وازدهار، سواء أبان الاستعمار الاسباني، أم في ظل النظام الجمهوري أم في عهد الثورة الماركسية!

ولقد بقيت كنيسة كوبا في الظل طيلة أل 27 ستة الأخيرة، أي منذ أن تسلم فيدل كاسترو زمام السلطة… فهي اليوم تشهد “انفراجا”يلفت الانتباه، افتتحه”القائد الأكبر” وقد اعتبرته الكنيسة منعطفا هاما يطوي صفحة على أزمنة التجاهل والمجابهة ويفتتح عهد الحوار والتضامن، هذه التجربة الكوبية يقصها الأب جرجس القس موسى في هذا الملف. 

“فيدل والدين”: تحت هذا العنوان خرج في البرازيل في ت1 1985 كتاب هو الأول من نوعه عن الزعيم الكوبي فيدل كاسترو. والكتاب حصيلة مقابلة صحفية عملاقة مع كاسترو استغرقت 23 ساعة، أجراها الراهب الدومنيكي البرازيلي الصحفي الشهير فراي بيتو. وقد بيع من الكتاب زهاء مليون نسخة وطبعته الثالثة نفذت، فصار يباع في السوق السوداء، وقد ترجم إلى عدة لغات. وكان أول لقاء بين الرجلين في 19 تموز 1980. في نيكاراكوا في منزل من أصبح في ما بعد نائب رئيس الجمهورية، سيرجو راميريز، وبحضور الأب ميكيل دسكوتو وزير خارجية نيكاراكوا. إلا أن المقابلة التي انبثق منها الكتاب لم تتم سوى في أيار 1985 في هافانا عاصمة كوبا.

ولكن ماذا يضم الكتاب الذي أثار كل هذه الضجة؟ أول فكرة حركت الصحفي – وهو لاهوتي ومنشط لجماعات القاعدة ومستشار للعمل الراعوي العمالي في ساوباولو – كانت سبر فكر الزعيم الماركسي الذي طالما استحوذ على تفكيره حول “قضية الإيمان في نظام اشتراكي “. وجاء الكتاب لا يحمل من فكر كاسترو حول الدين سوى بضع  صفحات، ولكنها كافية لاعتبار المشروع حدثا في حد ذاته، إذ أنها المرة الأولى التي يتحدث فيها سيد هافانا بهذا الوضوح عن الموضوع. اجل “.يخيب أمل من يتوقع طرحا منهجيا حول العلاقات بين المسيحية والثورة، بين الإيمان والماركسية، ولكنه سيجد مرونة تسترعي الانتباه في أقوال كاسترو – تكاد لا  تنطبق مع الصلابة الثورية التي يعرف بها – حول الكنيسة وحول إمكانية مساهمة المؤمنين في”مشروع التجدد الاشتراكي للثورة الكوبية، هذا المشروع الذي يتفق تماما، بحسب تعبير كاسترو نفسه، مع ما يمكن اعتباره طموحات مسيحية، كإطعام الفقراء واكسائهم وتثقيفهم وتوزيع الأراضي وتوفير فرص عمل.. الخ “.

لاشك أن أبواب هذه “المساهمة” قد أغلقت، ولا زالت مغلقة عمليا حتى الآن بوجه المسيحيين، ولكن فيدل يقول بان سبب ذلك كان رفضهم “التاريخي” للثورة، وليس إيمانهم (وهذا التمييز جديد على لسان كاسترو). كما أن هذا “الإقصاء” متأت من ممارسة الحزب الشيوعي “لضرب من العنصرية الحزبية” في احتكار القرار والقيادة، يغترف بوجوده فيدل كاسترو نفسه، ولكنه يعزيه إلى ظروف قيام الثورة “حيث كان الدين أداة بيد أعداء الثورة”، مما حدا بحزب الثورة إلى إعلان إلحاده وتبني الماركسية – اللينينية لتسليم الثورة إلى أياد أمينة. ولكن كاسترو لا يقدم هذا الخيار كبديل حتمي، ولا حتى “كمثال يجب أن يحتذى”. فهو يصرح لمحدثه الصحفي: “من الناحية السياسية والثورية، ما فعلناه لا ينبغي أن يؤخذ كنموذج”. ويذهب في اعترافاته إلى أن الكنيسة الكوبية والحزب الشيوعي الكوبي يجب أن يتجاوزا مرحلة التعايش السلمي ليأخذ درب التعاون “لخدمة الشعب”، إذا “ينبغي على جميع من يملكون طاقات ثورية أن يتحدوا بعمق بغض النظر عن قناعاتهم الدينية”.

ترى، ما معنى هذا التغيير في اللغة والتعبير؟ أيكون كاسترو قد اكتشف فضائل جديدة عند المسيحيين بعد أكثر من25 سنة من فرض الصمت عليهم؟ أم أن معطيات جديدة على الساحة الكوبية وخارجها تفرض عليه أسلوبا جديدا من التعامل؟. أما هو فيقول: ” إنها قضية جمالية. فالثورة عملية يجب أن تتكامل.. إنها قطعة فنية “. ومعنى ذلك أن التمييز العنصري الذي يمارس بحق المسيحيين يمكن أن يظهر بمثابة لطخة في هذه اللوحة! 

أولا: الحركة الكاسترية وتطورها إلى ثورة ماركسية – ومصير الكنيسة فيها 

في ك2 1959 تمكن فيدل كاسترو مع قبضة من رفاقه “الملتحين ” المنتمين إلى حركة السادس والعشرين من تموز(1) من إسقاط الدكتاتور باتيستا  بعد 3 سنوات من حرب العصابات. وكوبا اليوم “جمهورية اشتراكية ” ونظامها السياسي “ديمقراطية شعبية تعتمد على حكم الحزب الواحد”، هو الحزب الشيوعي الكوبي. غير انه من المفيد أن نتذكر أن الثورة الكوبية لم تكن منذ البدء ماركسية – لينينية وان بين رفاق الساعة الأولى كان ثمة عدد من المسيحيين –وفيدل كاسترو يعترف بذلك دون مواربة في مقابلته مع فراي بيتو-، وان فيدل نفسه (وهو تلميذ لإخوة المدارس المسيحية وللآباء اليسوعيين الذين يمتدح تعليمهم) لم يصبح شيوعيا بالمعنى ألحصري إلا بعد محاولة اجتياح خليج الخنازير في نيسان 1961 من قبل الولايات المتحدة وانهيارالعهد الباتيستي البائد. ففي 2 من ك1 من تلك السنة أعلنت كوبا رسميا نظاما ماركسيا شيوعيا ودخلت في مدار موسكو، وصار ما صار.

ومنذ ذلك الحين برزت شخصية فيدل كاسترو “قائد اكبر” (Lider Maximo) بتحديه الاميركان على أبوابه، ووضع كوبا في واجهة دول العالم الثالث، ومد إصبعه في كل حركات التحرر في القارة اللاتينية، وأصبحت كوبا محجة الثوار من كل إنحاء العالم وشوكة مزعجة للاميركان  في عقر دارهم(2).

لقد مضى اليوم 27 عاما على استلام كاسترو مقاليد الحكم في كوبا من دون منازع وفي ظل نظام اشتراكي احادي تبدو قدمه راسخة، بعد أن نجح في فرض إصلاحات اقتصادية واجتماعية لا يستهان بها، وليس اقلها الإصلاح الزراعي ومحو الأمية حيث تسجل كوبا أعلى المستويات العالمية في التعليم بحسب إحصائيات اليونسكو (92% من 6 – 16 سنة). 

والكنيسة في كل ذلك؟

في عام 1960، يوم لم تكن كوبا قد أصبحت ماركسية – شيوعية بعد، كانت الجزيرة تعد زهاء 7 ملايين، وكانت كنيسة كوبا تضم 2225 راهبة و 723 كاهنا، معظمهم غير كوبيين (بمعدل كاهن واحد لحوالي 10000 نفس). غير أن انتقال الثورة إلى الشيوعية قلب الأوضاع كلها بدءا من هبوط عدد الكهنة إلى 220 والراهبات إلى 191 (أرقام 1964) بسبب الطرد أو مغادرة البلاد خوفا، وتأميم المدارس، وتصعيد حدة الخلاف بين الدولة والكنيسة، ووقوف هذه الأخيرة بصورة عامة إلى جانب الطبقات المالكة السابقة والمعادية للثورة، وحصر النشاط الديني بين جدران الكنائس، وإقصاء المسيحيين المعتلنين عن أي دور سياسي أو وظيفة رسمية في الدولة.. وقد وصل عدد الكهنة في 1978 إلى 198 فقط، أي بنسبة كاهن واحد لكل 46600 –وهي أدنى نسبة سجلت– وان كان 80%  منهم كوبيون. وتقول إحصائية كاثوليكية –هي الأولى من نوعها–  تمت عام 1983 أن 40 % من الأطفال الكوبيين يقتبلون العماد، غير أن فرص التنشئة الدينية -وهي لا تعطي إلا في الكنائس– ضئيلة جدا، وقد يلاقي ذوو الأطفال الراغبين فيها مضايقات إدارية لثنيهم عنها.

غير أن العلاقات (الدبلوماسية) بين الكرسي ألرسولي وكوبا لم تنقطع أبدا حتى في أحلك الأيام، وللسفير البابوي المونسنيور زاكي الفضل الأكبر في إبقاء الحوار مفتوحا. وبعد الانفراج تكللت جهوده بتعيين مطران جديد للعاصمة عام 1981 هو جيم اورتيغا الذي يقول بواقعية تختلف عن سلفه بان النظام الكاستري أمر واقع، وعلى الكنيسة أن تقبله وتتصرف تجاهه “باحترام وتفهم” متجاوزة “حقبة المجابهة”. 

ثانيا.. الانفراج.. والآمال

لوعدنا إلى الكتاب الذي اشرنا إليه في مفتح هذا الملف لخرجنا بهذه الحصيلة وهي انه يمثل نافذة من الثورة الكوبية منفتحة نحو أميركا اللاتينية، ولربما تخفيفا من طوق الانغلاق الحزبي، وضوءا اخضر أيضا للتقرب من المسيحيين، ومن الكنيسة الكاثوليكية بالذات، للخروج بكوبا من أزماتها الاقتصادية والإقليمية.

ولكن، إذا قلنا بان سياسة “الأمر الواقع” هي التي تقود الكنيسة إلى تجاوز”حقبة المجابهة” والانفتاح على الثورة، لماذا لا نقول أيضا بان جزءا مهما من الانفراج “الكاستري” تجاه المسيحيين يعود إلى مجريات الأمور في نيكاراغوا حيث يلعب المسيحيون الملتزمون –ومنهم كهنة ورهبان–  دورا نضاليا رائدا في مسيرة التغيير الثوري. ولا نشك في ذلك عندما نعرف أن علاقات متينة تربط بين زعماء الثورتين الكوبية والنيكاراغوية. وبوسعنا أن نقول مع شارل أنطوان، المحرر في مجلة “دراسات” الفرنسية (ايار 1984) بان “الطريقة التي بها ستتوازن العلاقات بين الكاثوليك النيكاراغويين والثورة الساندينية ستكون العامل الحاسم في حل أو تجميد القضية الدينية في جزيرة كوبا”.

في انتظار ذلك، طريق الانفراج سالك في كوبا، وشهادات حسن النوايا في السنوات الأخيرة معبرة عند الطرفين، نكتفي بالإشارة إلى أهمها، إضافة إلى المقابلة الصحفية الأنفة، ومنها:

إعلان مجلس أساقفة كوبا في 6 ك2 1981 “رفضهم المسبق لكل هجوم مسلح وكل حصار

مهما كان نوعه ضد كوبا ” – وكان الإعلان موجها بالدرجة الأولى إلى الولايات المتحدة.

حضور وفد حكومي عام  1981في حفلة تنصيب مطران هافانا الجديد جيم اورتيغا.

إطلاق سراح الشاعرين الكوبيين الكاثوليكيين ارماندو فالا داريس في ت1 1982 وبعد 21

سنة قضاها في سجون….، وجورج فالس، في 1984، بعد 20 سنة… وغيرهما.

زيارة رئيس مجلس أساقفة فرنسا المطران جان فيلنيه لكوبا في أيار 1984 والتقاؤه باركان

الحكومة وبزعماء الكنيسة.

في حزيران 1984 فيدل كاسترو يحضر شخصيا، ولأول مرة منذ 1961، احتفالا دينيا في

كنيسة بروتستنتية لإحياء ذكرى مارتن لوثر كنك، ويلقي كلمة حماسية بالمناسبة.

زيارة وفد من أساقفة الولايات المتحدة لكوبا واستقبال فيدل كاسترو لهم لمدة 5 ساعات في

ك2 1985.

أول زيارة رسمية يقوم بها لكوبا في شباط 1985 المونسنيور داريو كاستربون السكرتير

التنفيذي لمنظمة مجالس أساقفة أميركا اللاتينية.

دعوة فيدل كاسترو وفدا من أساقفة كوبا وشخصيات كنسية ودينية أخرى من المكسيك

وشيلي وفنزويلا وبوليفيا والأرجنتين إلى مؤتمر الديون الخارجية لأميركا اللاتينية وجزر الكاريبي في تموز / آب 1985.

أول لقاء رسمي بين أساقفة كوبا وفيدل كاسترو في أيلول 1985، واتفاق الطرفين على

جدول لقاءات دورية بين السلطات الحكومية والأساقفة.

في مقابلة مع فراي بيتو وفي مناسبات أخرى، كاسترو يعبر عن ترحيبه بزيارة يوحنا بولس

الثاني لكوبا والتحدث معه عن قضايا أميركا اللاتينية وعن السلام العالمي، وكشفه النقاب عن أن دعوة بهذا الخصوص وجهت إلى البابا منذ 1979، وتلبيتها منوطة بالبابا نفسه.

غير أن المؤشر الأكبر للنسيم الجديد الذي يهب على كنيسة كوبا هو، من دون أي شك، اللقاء الوطني العام لكنيسة كوبا الذي عقد في هافانا العاصمة من 17 – 23 شباط الماضي، والذي ما كان له أن يتم لولا الضوء الأخضر من الزعيم الكوبي نفسه (انظر ف.م.آذار / نيسان 1986). وقد جاء هذا المؤتمر بمثابة مراجعة حياة عميقة لكنيسة كوبا –وقد طهرتها سنوات الشدة والفقر–ودراسة وضعها وفرص العمل والحياة لها تحت نظام ماركسي ملحد– وقد اشترك في هذا اللقاء أساقفة البلاد السبعة و 174 مندوبا من الكهنة والرهبان والعلمانيين، وقد شكل هؤلاء الاخيرون ثلثي المؤتمرين (115)، وقد بدا الإعداد لهذا المؤتمر بحملة إعلامية واستطلاعية واسعة منذ 1984 بقصد رسم توجيهات التجدد الكنسي والحوار.

وفيما يخص العلاقات بين الكنيسة والدولة، فقد تضمنت الوثيقة التي أعدتها الأبرشيات، والتي اتخذت أساسا لمناقشات المؤتمر: أن الكنيسة تختار بوضوح طريق الحوار المباشر والصريح مع الدولة وترغب في فتح ستراتيجية من المصالحة الوطنية، وإنها قد تجاوزت مرحلة الصمت إلى قبول واقع الثورة، ولكنها تطالب في الوقف عينه بإجراء تعديلات –ولربما أساسية– في سياسة الدولة تجاه المؤمنين كي يعود هؤلاء إلى كامل دورهم القومي في البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فتطالب الوثيقة بتكافؤ الفرص السياسية أمام كل المواطنين في الوقت الذي هي حكر ألان بيد الماركسيين وحدهم. بكلمة واحدة تنطلق أسس الحوار المطروح من مبدأ الاعتراف بالمواطنة الكاملة لجميع الكوبيين، ماركسيين ومؤمنين.

هكذا جاء هذا المؤتمر المسيحي العام –الذي عقب مؤتمر الحزب الشيوعي الكوبي الثالث بأسبوع واحد فقط(3)– نقطة تحول حقيقية في حياة كنيسة كوبا وتكريسا رسميا لا رجعة عنه لسياسة الانفتاح. خاتمة: لترأس الكردينال بيرونيو المؤتمر باسم البابا تأثير مزدوج لفعالية المؤتمر وتطبيقاته العملية، سيما وان الرئيس كاسترو قد استقبل بحفاوة متميزة المبعوث البابوي. 

خاتمة:   حوار الحياة.. والإنسان

إن الحوار الذي كرسه المؤتمر الوطني الكنسي مع الدولة هو حوار ذو اتجاهين: الأول يقضي بان يعترف الطرفان الواحد على الآخر ويلتقيا لتسوية جملة من القضايا اليومية  والثاني يتعدى التعايش إلى الحياة والعمل سوية، فالحوار. إذن، “حوار الحياة”.. والإنسان، و”المشاركة لا تعني الانصهار” كما توضح نصوص المؤتمر؛ وإذا كانت القاعدة (من المؤمنين وبعض أعضاء الاكليروس) اقل تفاؤلا من الأساقفة والكوادر تجاه النتائج العملية لهذا الانفتاح، فالرهان منوط الآن بتقبل الدولة كامل شروط اللعبة، أي بتغيير سياستها في التعامل الفعلي والفكري والتشريعي مع المؤمنين.

إلى هذا الرهان نوهت المذكرة التي رفعها المجلس المسكوني البروتستنتي لكنائس كوبا إلى فيدل كاسترو في ت2 1985 حين أشارت إلى أن الوقت لربما قد حان لاستصدار تشريع يعترف للمسيحيين بوجود اجتماعي كامل، ويتيح لهم الوسائل القانونية الطبيعية لتأدية رسالتهم، مثل استخدام وسائل الإعلام، وإعادة النظر في مناهج التعليم الرسمية لتصفيتها من النصوص المعادية للدين، وإلغاء فقرة الانتماء الديني في استمارات الطلبة المتقدمين للدراسة الجامعية الخ…

إن جل ما فعله الحزب الشيوعي الكوبي الحاكم على الصعيد الفكري تجاه القضية الدينية هو مبادرة اللجنة المركزية في ك2 من هذا العام إلى دعوة الأب الدكتور فرانسوا هوتار أستاذ علم الاجتماع في جامعة لوفان الكاثوليكية (بلجيكا) لإلقاء سلسلة من المحاضرات حول علم الاجتماع الديني ل 5 من كوادر الحزب في هافانا. وفي نية اللجنة المركزية إيفاد عدد آخر من كوادرها لهذه الدراسة في جامعة لوفان  نفسها، وما ذلك إلا مؤشر إلى هذه الحاجة لإيجاد قاعدة فكرية جديدة للتوفيق بين الفكر الماركسي وأساليب عمله والفكر المسيحي ومنظوره.

وبانتظار التطبيع الكامل –وقد لا يكون غدا– تستفيد الكنيسة من جو الانفراج النسبي العام لتنظيم صفوفها، وترى العائدين إلى الممارسة الدينية يزدادون وكذلك الاهتداءات إلى الإيمان من بين صفوف الشباب. والعماذات التي كانت في هبوط منذ 1960، أخذت تتضاعف سنويا بالرغم من تراجع الولادات. 

————————— 

– تيمنا بهجوم كاسترو ورفاقه الأوائل في 26 تموز 1953 على معسكر مونكادا

وبدء الحركة الكاسترية.

– كوبا، اكبر جزر أرخبيل الانتيل، تقع في المدخل الشرقي لخليج المكسيك إلى الجنوب

من سواحل فلوريدا بحوالي 1250.

– في تقريره الرسمي للمؤتمر لم يخص فيدل كاسترو المسيحيين سوى بثلاث جمل،

ولكنها أساسية للدلالة على التغيير الطارئ في فكر القادة الكوبيين: اثنتان للتأكيد على الطابع التقدمي لبعض الديمقراطيات المسيحية في أميركا اللاتينية وعلى أن الاشتراكية لا يمكن أن تبنى من دونهم، والثالثة لامتداح لاهوت التحرير ” باعتباره ليس فقط تجربة مخلصة لالتزام جانب الفقراء من قبل أشخاص يعبرون هكذا عن مسيحية أصيلة، وإنما لأبعاده السياسية بوصفه تعبيرا  لرغبة  عدد كبير من المسيحيين في بناء عالم تسوده الإخوة والمساواة والعدل بين الناس، وذلك انطلاقا من قناعاتهم الدينية”.

مع 100 الف مؤمن يمارسون ديانتهم علنا من مجموع 12مليون مواطن تبدو الكنيسة الكاثوليكية الكوبية اقلية ضئيلة نسبة الى اقطار اميركا اللاتينية الاخرى. ولكن من الخطا ان ننسب ذلك الى مجرد ضغوط 27 سنة من النظام الماركسي الالحادي. فالحقيقة هي، كما يقول المنسنيور سيسبيديس سكرتير عام مجلس اساقفة كوبا. ان المجتمع الكوبي لم يتلق تثقيفا مسيحيا عميقا ابدا، وان قطاعات عديدة من الشعب، ومنهم السود، لم يتلقوا الا تنشئة دينية سطحية “. مع ان البدايات كانت تبشر بالخير. 

كنيسة اقلية دائما..

مع 100 ألف مؤمن يمارسون ديانتهم علناً من مجموع 12 مليون مواطن تبدو الكنيسة الكاثوليكية الكوبية اقلية ضئيلة نسبة الى اقطار اميركا اللاتينية الاخرى. ولكن من الخطأ أن ننسب ذلك الى مجرد ضغوط 27 سنة من النظام الماركسي الألحادي. “فالحقيقة هي، كما يقول المونسنيور سيسبيديس سكرتير عام مجلس اساقفة كوبا، أن المجتمع الكوبي لم يتلقً تثقيفا مسيحيا عميقا ابداً، وان قطاعات عديدة من الشعب، ومنهم السود، لم يتلقوا إلا تنشئة دينية سطحية”. مع ان البدايات كانت تبشر بالخير.

فقد قدم المبشرون الاوائل من الاباء الدومنكان الاسبان منذ 1512، وفي 1518 اعلن اول مطران لسانتياغو تصميمه على اقامة كنيسة كوبية محلية تماماً برسامة كهنة من السكان الاصليين. غير ان التجربة اجهضت. بل ظلت كوبا طيلة القرنين 16و17 وحتى 18 بمثابة محطة استراحة وعبور للكهنة والراهبات المرسلين في طريقهم الى اقطار اميركا اللاتينية الاخرى، وقلما اهتمت الجمعيات الرهبانية التي مرت بالجزيرة بتبشير السكان. لذا جاء القرن19 وكنيسة كوبا غير ذات ثقل يذكر على المجتمع الكوبي، وهي تعاني عائقين رئيسين، وهما: عدم اندماجها في الشعب من جهة، ومن جهة اخرى ابتعاد طبقة البرجوازية التجارية والمثقفين الكتحررين عنها.

ولما استلم المتحررون الحكم في اسبانيا سرت سياستهم المعادية للدين في كوبا ايضا (وكوبا مستعمرة اسبانية آنذاك)، ومن نتائجها تطبيق القرار القاضي بالغاء الجمعيات الرهبانية عام 1836، فترك الكهنوت او الرهبنة عشرات المئات وهاجر غيرهم وصودرت ممتلكات الاديرة والكنائس، وشغرت ابرشيات من اساقفها، ولما خفّ الاضطهاد في نهاية القرن19 حاولت الكنيسة الوقوف على اقدامها باستحداث ابرشيات جديدة وفتح المدارس والكليات، غير ان الاكليروس كان في اغلبيته الساحقة اسبانياً موالياً للعرش الاسباني، مما أفقده ثقة الوطنيين. ولما استولى هؤلاء على الحكم وطردوا الاسبان واقاموا النظام الجمهوري عام 1898 تحت ظل الماسونية المعادية للدين تلقت كنيسة كوبا ضربات جديدة، سيما وانها كانت قد وقفت الى جانب الشعب في هذه المرة ضد الحكم مدافعة عن حقوق العمال والفلاحين.

في نهاية درب الصليب الطويل هذا جاء دستور 1940 الذي اعترف بحرية الدين لتتنفس الكنيسة الصعداء قليلا. فاعتمدت في عملية تجديد قواها على العلمانيين باقامة وتشجيع حركات ما يعرف بالعمل الكاثوليكي، ومن فروعه الجامعية انبثق حزب سياسي باسم “الديمقراطية الاجتماعية المسيحية”، وعشية الثورة الكاسترية كان 90% من الشعب الكوبي يعتبر كاثوليكياً. ولما قامت الثورة انضوى الى صفوفها عدد من الكاثوليك. غير ان اغلبية المسيحيين كانوا في وضع الانتظار والترقب اسوة بموقف اساقفتهم اللامحدود عموماً.

وجاء انقضاض الحزب الشيوعي على واجهة الثورة لتنفض الكنيسة الكاثوليكية يدها من الثورة تماماً. وجاء الهجوم الفاشل على خليج الخنازير الذي اشترك فيه كاثوليك معارضون في نيسان 1961 بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير فتمت القطيعة، واممت المدارس الخاصة، ومنع التعليم الديني، وطرد مئات الكهنة (وبينهم كوبيون) والاف الراهبات، وأعلنت شيوعية الدولة رسميا.. فانكفأت الكنيسة على ذاتها، واعتبر الكاثوليك “كطفيليين” “ومعادين للثورة”.. حتى جاء الانفراج الحالي..

  (((((((()))))))

العدد218-219-1986عام

المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني

بعد عشرين عاما

لأشك ان المجمع كان في حياتنا وفي جيلنا (جيل الذين تجاوزوا العشرين او بلغوها في 1959،سنة اعلانه ) الحدث الاكبر ،وقد عشناه كعملية تحرر وانعتاق  بل انه يشكل ابرز حدث على الاطلاق في حياة الكنيسة في القرن العشرين ولكن لنعد الى الوراء قليلا ونلقي الضوء على الخلفيات الثقافي التي وجهت طروحاته وتحكمت في فرص التطبيق العملي لهذه الطروحات سلبا او ايجابا

اولا:استقبال المجمع

ان الخلفية الثقافية الاوربية هي التي طغت على عمل الهيئة المجمعية .ذلك واقع لاينكر .لأن معظم الكوادر الفكرية والتوجيهية والادارية للمجمع (من لاهوتيين واساقفة وقادة الرأي _بما فيهم وسائل الاعلام _)كانوا من اوربا .وكانوا بالضرورة تحت تأثير ماتعانيه كنائسهم مباشرة ،ولايعكسون معانيات غيرهم ألامن منظارهم الذاتي .في اية اجواء كانت تعيش كنائس اوربا اذ ذاك ،اذن ؟

في الستينات _اي في غضون المجمع وما بعده مباشرة _خضت المجمع الاوربي احداث فكرية وايديولوجية وانقلابية ،وأهم مااتسمت به تلك الخضة معارضة

سياسة المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني

  تحت تأثير ماتعانيه كنائسهم مباشرة ،ولايعكسون معانيات غيرهم ألامن منظارهم الذاتي .في اية اجواء كانت تعيش كنائس اوربا اذ ذاك ،اذن ؟

في الستينات _اي في غضون المجمع وما بعده مباشرة _خضت المجمع الاوربي احداث فكرية وايديولوجية وانقلابية ،وأهم مااتسمت به تلك الخضة معارضة عامة للمؤسسات ونفض نير القيم التقليدية والاطر الموروثة ،اجتماعية كانت ام دينية ام

سياسية ام اخلاقية ،ووسم الافق نهوض يساري عام (حركة الشباب في فرنسا : ايار 1968).وقد وصلت الريح الى داخل الكنيسة واختلطت بجو الانفتاح المجمعي التحدي والابداعي ،فحركت امورا كثيرة في عادات ترتيب الاثاث ،وألقت من النافذة بكثير مما عفا عليه الزمن ويحتفظ به كل بيت عتيق ،وغيرت مواقع الجلوس حول المائدة (العلمانيون الجماعية الاسقفية مع البابا)،وأدخلت تقاليد جديدة على الاسرة وعلى علاقاتها بالخارج (الحركة المسكونية العلاقة مع الديانات ،التعددية في الوحدة ايمانيا وفكريا ،التضامن مع القضايا الانسانية : لاهوت التحرير )

ولكن عندما قلنا بان عمل الهيئة المجمعية كان موسوما بالخلفية الثقافية الاوربية ،كنا نعني ايضا وخاصة ان التيارات الفكرية والراعوية والرسولية التي كانت تحرك الطليعة المسيحية الاوربية قبل 1959 هي التي عينت اتجاهات المجمع .وفي مقدمة هذه التيارات التي اعدت المجمع ،من قريب او بعيد حركة الدراسات الكتابية ، والتجديد الليتورجي والحركة المسكونية والانفتاح على العالم وقيمه ورسالة العمانيين والتوجه الحديث في البحث الاهوتي …هذه التيارات والحركات التي نمت

)))))))(((((((((((((

الزيارة البابوية الثالثة لفرنسا 

ش.ر/كانون الاول 1986 

في 7ت1 الماضي أكمل يوحنا بولس الثاني رحلته رقم 31 خارج ايطاليا، وهي زيارته الثالثة لفرنسا (الأولى عام 198: باريس وليزيو، والثانية عام 1983: لورد) والتي شملت ليون، مهد المسيحية الفرنسية، وتيزيه وآنسي وآرس – بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد كاهنها القديس “خوري آرس”.

ومن ليون أطلق قداسته نداء إلى العالم لوقف المعارك، اقله طيلة يوم 27 ت1، حين سيجتمع في اسيزي (ايطاليا) ممثلو الكنائس المسيحية والديانات غير المسيحية ليوم صلاة عالمي من اجل السلام.

يستعرض المقال التالي زيارة البابا الراعوية للوسط الشرقي من فرنسا. 

قام يوحنا بولس الثاني بثالث زيارة له لفرنسا (ألحادية والثلاثين خارج ايطاليا) من4ت2 الماضي. وقد جاءت هذه الزيارة أكثر من غيرها كحج حقيقي على خطى قديسين عبقت هذه البقعة من ارض فرنسا (الوسط الشرقي) بشذى سيرتهم الإنجيلية والتزامهم الإنساني والرسولي، وطارت شهرتهم بعيدا خارج فرنسا. أربعة أيام حافلة ومشحونة بالحركة زار البابا خلالها كلا من مدينة ليون، عاصمة غاليا القديمة وبوابة المسيحية إلى فرنسا في القرن الثاني، وقرية دارديلي مسقط رأس القديس يوحنا فياناي المعروف بخوري ارس، وارس رعيته، وتيزيه التي ارتبط اسمها بالجماعة الرهبانية البروتستنتية ذات الروح المسكونية الفريدة وبالشباب الذين يقصدونها من كل إنحاء العالم، وباري لمونيال من حيث انطلقت عبادة قلب يسوع إلى العالم،   وانسي موطن القديس فرنسيس الساليسي.

كانت ليون المحطة الأولى والقاعدة التي ينطلق منها البابا ويعود إليها للمبيت. وقد استهل زيارته بمخاطبة الرئيس ميتران الذي كان في استقباله في المطار متحدثا عن دور فرنسا في العلاقات الدولية: “فرنسا.. يعتمد على نظرتها السخية والواقعية للمساهمة في إخماد التوترات وإقامة العدالة، وتثبيت السلام، وتوسيع التعاون المثمر مع أقطار العالم الثالث على أسس الكرامة والعدل”. وقد أهدى البابا للرئيس فرانسوا ميتران إحدى باقات الورد التي قدمها له الأطفال قائلا وهو يبتسم: “أنها بمناسبة عيدك اليوم، عيد مار فرنسيس” أما الخطوة الأولى التي افتتح بها يوحنا بولس الثاني زيارته الراعوية فكانت مبادرة مسكونية حيث كان ممثلو الكنائس الشرقية البروتستنتية في انتظاره في ملعب “الثلاث غاليات” حيث استشهد عدد من المسيحيين الغاليين الأولين في اضطهاد الإمبراطور الروماني مارك اوريليوس عام 177. فبعد أن قبل البابا موقع الاستشهاد استمع إلى كلمة الكنائس الشقيقة يلقيها المطران الارمني الأرثوذكسي زكريان بان “المسيحية جاءت إلى فرنسا من الشرق على يد القديس ايريناوس. من هنا مساهمات ليون المتميزة في حقل المبادرات الوحدوية منذ زمان  الكنيسة الواحدة غير المنقسمة:.

وفي نهاية الاحتفال فاجأ البابا حشود المؤمنين والعالم بنداء لم تتضمنه مناهج الزيارة يدعو إلى جعل يوم 27 ت1 يوم هدنة عالمية تتوقف فيه الحروب والصدامات المسلحة وأعمال العنف، بمناسبة يوم الصلاة من اجل السلام الذي دعا إليه اسيزي جميع رؤساء الأديان في العالم.

وفي ليون أيضا كان التجمع الضخم (300000) في ساحة معرض “اوراكسبو” عصر اليوم نفسه للقداس الكبير الذي أعلن البابا في غضونه قداسة الطوباوي الأب أنطوان شفرييه، الكاهن الليوني، مؤسس جمعية البرادو في القرن 19 التي تضم كهنة يختصون بخدمة الأوساط الفقيرة. وقد نطرق البابا في خطابه إلى البلدان الفقيرة ومسؤولية البلدان الغنية تجاهها قائلا: “أن الشعوب الفقيرة لا تلتمس صدقة، وإنما تطالب بان تؤخذ مشاكلها بعين الاعتبار، وان تسم العدالة علاقات التبادل التجاري والاستثمارات، والتضامن والسخاء إبان الأوضاع الحرجة، والعون على المدى البعيد لكي تستطيع تحقيق نمائها بنفسها، وفوق كل شيء تطالب بالاحترام والكرامة” وكانت للبابا في لقاءات أخرى مع المجالس الأسقفية والخور نية، وهيئة الأساقفة الفرنسيين، والهيئة التدريسية وطلبة الجامعة الكاثوليكية في المدينة وممثلي الجالية الإسلامية.

أما التجمع الكنسي، الكبير –والبابا يخص الشباب دوما في زياراته العالمية بلقاء خاص– فقد كان يوم الأحد في ملعب جيرلاند. بلاتيني ومارادونا والخمسين ألف شاب (+ 30000 خارج الملعب) كان يدعى في ذلك اليوم “يوحنا بولس”،  وحتى ساعة متأخرة من الليل شقت حناجرهم بالغناء والهتاف، ألف شاب وشابة مثلوا أمام البابا على أنغام موسيقى الروك، رقصا وكلاما، مشاهد من حياة بعض شهود الإيمان الكبار. والبابا، يرافقه الكاردينال ديكورتراي رئيس أساقفة ليون، يستمع بارتياح إلى أسئلة الشباب – حتى المثيرة منها: “أيها الأب الأقدس، ألا يحدث لك ان تشك؟ حدثنا عن الكنيسة، ولكن لا الكنيسة التي تتكلم عنها الكتب! ويجيب إليها مباشرة. ويختم البابا السهرة قبيل منتصف الليل بصلاة “أبانا الذي” معهم، فتحيط طفلة عنق البابا “بايشارب” ملون، فيلوح البابا: “يا شباب، اجل، إن للكنيسة مستقبلا. إننا نعتمد عليكم. فانا، مع أساقفتكم، أرسلكم إلى الرسالة”.

في كنيسة المصالحة في تيزيه كان في انتظار البابا 5000 شاب وشابة من مختلف بلدان العالم. وإذ اعتذر لهم عن قصر زيارته قال لهم: “البابا يمر هنا مرورا فقط. ولكن المرور بتيزيه هو كالمرور قرب نبع ماء”. ثم قال: “الكنيسة بحاجة إليكم. لا تكتفوا بالانتقاد السلبي أو بانتظار أن يتحسن الشخص الفلاني أو المؤسسة الفلانية. انطلقوا إلى الكنائس والحركات والجماعات المختلفة” (وأصلحوها بأنفسكم).

في باري لمونيال مئة ألف شخص لوحوا للبابا بمناديلهم الملونة واستمعوا إليه في القداس الجماهيري في الهواء الطلق يكلمهم عن قيم الأسرة والحب والأمانة وقدسية الحياة. وقد زار دير الراهبات حيث عاشت القديسة مرغريثة مريم ونشرت عبادة قلب يسوع في القرن 17.

أما زيارة ارس فقد اتسمت بجو عائلي بعيد عن صخب التجمعات الكبرى حيث قدمت أمهات القرية أطفالهن للبابا، فقبل واحتضن ولاطف ورفع بيديه وبارك: “إني جئت حاجا بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد كاهن رعيتكم القديس خوري ارس”. وبعد صلاة صامتة أمام قبر القديس زار البابا غرفة نوم خوري ارس وداره الوضيعة المحاذية للكنيسة. وفي قرية شفيع الكهنة أراد أن يلتقي باكليروس كنيسة فرنسا، حيث استقبله في المرج المشرف على القرية 3500 كاهن بثيابهم الطقسية البيضاء، و 1300 طالب اكليريكي و 150 أسقفا و 100 شماس إنجيلي مع زوجاتهم وأولادهم. ودعاهم إلى تعميق علاقتهم الحميمة بشخص يسوع، إذ لا سخاء إنجيليا من دونها: “أن الرسالة والحوار الإنجيلي يقتضيان انتماء مسيحيا راسخا”.

أما المرحلة الأخيرة من الزيارة البابوية فكانت لمدينة آنسي التي استقبلته بآلاف البالونات التي لونت سماء بحيرتها الوادعة، لكل قارة لونها، وذلك رمزا إلى المرسلين والمبشرين الذين انطلقوا من هنا لنشر الإنجيل في القارات الخمس. وفي انسي قبر أسقفها القديس فرنسيس السالسي والقديسة جان دي شانتال اللذين أسسا فيه رهبنة “الأخوات الزائرات” عام 1610 لرعاية الفقراء، وقد زارهن البابا ومهر توقيعه في كتابهن الذهبي، ثم أقام قداسا جماهيريا في الهواء الطلق على ساحل البحيرة بمناسبة عيد الوردية اشترك فيه معه 60 أسقفا…

وكما كان الرئيس  الفرنسي قد استقبل البابا لدى قدومه، فقد ودعه في المطار مساء الثلاثاء 7/10 لدى عودته رئيس الوزراء جاك شيراك ليُسمع البابا يخاطب الفرنسيين بشخصه قائلا: “ما أسعدكم أيها الأصدقاء أن يكون لكم في فرنسا مواضع حج للقداسة.. إن القديسين يروننا طريق التجدد الصحيح.. فلتستمر فرنسا في تكريم عبقرية الروح والقلب”.

الفكر المسيحي1985

الفكر المسيحي1985

74

لاهوت التحرير في قفص الاتهام ش.ر       

201

كانون2

1985

75

ديسموند توتو جائزة نوبل للسلام          

203

شباط/اذار

1985

76

  فنزويلا..البندقية الصغيرةملف                      

204

نيسان

1985

77

 السبت أم الإنسان  ؟     ملف                       

205

أيار

1985

78

 الحركات الشبابية المسيحية كنيسة

209

ت1– ت2

1985

79

الشباب في خدمة التثقيف المسيحي

ت1– ت2

1985

80

ماذا قال المجمع قبل 20 عاما    

210

كانون1

1985

1985 المقالات:

لاهوت التحرير في قفص الاتهام

ش.ر/كانون الثاني 1985

      يخيم على مجمع عقيدة الإيمان قلق بشان الدراسات اللاهوتية التي تسعى إلى صياغة تعبير عن الإيمان يجيب على معانيات الإنسانية وتطلعاتها.. وكان له لقاء مع اللاهوتي البرازيلي ليوناردو بوف احد ابرز لاهوتي التحرير، وقد سبق وان اصدر وثيقة بعنوان “تعليقات حول بعض أوجه لاهوت التحرير”!

الأب جرجس القس موسى يعكس ابرز ما جاء في هذه الوثيقة في إطار مناقشة أراء الأب بوف. 

      بينما كان اللاهوتي البرازيلي الأب ليوناردو بوف (46 سنة )، احد أشهر رواد ما يعرف “بلاهوت التحرير”، يستعد للسفر إلى روما للمثول أمام مجمع عقيدة الإيمان الذي استدعاه لمناقشة أرائه اللاهوتية، ولا سيما تلك الواردة في كتابه “الكنيسة، المواهب، السلطة ” الصادر عام 1981، كان الكردينال راتز ينغر  يقدم للصحفيين، يوم 3 أيلول – أي 4 أيام قبل اللقاء المرتقب – وثيقة رسمية سبق أن نالت تأييد يوحنا بولس الثاني بعنوان “تعليمات بشان بعض أوجه لاهوت التحرير “. فموقف الكردينال الألماني الذي يتألق نجمه على رأس مجمع عقيدة الإيمان كحامي حمى العقيدة الكاثوليكية وخلوها من المزالق في دنيا البحث اللاهوتي المعاصر   وصل إلى حد المجابهة الصريحة مع لاهوتي أميركا اللاتينية الذين يرفعون راية لاهوت التحرير. هذا “اللاهوت” الذي “لا يعرض مادة جديدة للتفكير بمقدار ما يعرض اجتهادا جديدا لهذا التفكير” على حد قول الأب كوستافوكوتيريز، وهو قطب آخر من أقطاب هذا التيار(1) فما هي القصة، وما هي القضية؟

     بعد المواقف الحذرة والتنبيهات المتكررة من قبل روما كانت بعض الأوساط الكنسية التقليدية المعادية لنهج لاهوت التحرير تتوقع أن يصدر الكرسي ألرسولي إدانة صريحة للاهوت التحرير، فتوقفه حده. ومن هؤلاء الكاردينال روسي في البرازيل الذي وصفه “بهرطقة العصر الكبرى”، والكردينال الكولومبي لوبيز تروجيللو، والكردينال الألماني هوفنر. ولكن الامر جاء خلاف ذلك!

     لاشك أن الوثيقة، التي بنيت بناء فكريا محكما تجلت الصراحة في عباراتها، رسمت الهدف الذي تتوخاه وهو أن تكون “إنذارا” رسميا للاهوتي التحرير، واسترعاء لانتباه الرعاة واللاهوتيين والمؤمنين كافة إلى الانحرافات وأخطار الانحرافات الهدامة للإيمان والحياة المسيحية التي تتضمنها بعض صيغ لاهوت التحرير الذي يتبنى، على حد قول الوثيقة، مفاهيم مستندة الى تيارات مختلفة من الفكر الماركسي بصورة غير نقدية”.

       ولكن الوثيقة تستبق خطر الاستغلال فتضع الأمور في نصابها عندما توضح في المدخل بان “هذا الإنذار لا ينبغي أن يأول وكأنه شجب لكل أولئك الذين يبغون الإجابة بسخاء وبروح إنجيلية أصيلة إلى مشروع أولوية الفقراء. كما انه لا يجوز البتة استغلاله لتبرير موقف أولئك الذين يتخندقون وراء الحياد أو اللامبالاة أمام المعضلات المأساوية والملحة التي يطرحها البؤس والظلم. وتبتديء الوثيقة بتوضيح أن “ألتوق إلى العدالة” هو النداء إلى قيام “حركة لاهوتية وراعوية عرفت تحت اسم “لاهوت التحرير”. هذه العبارة “لا غبار عليها، تقول الوثيقة، إذا أخذت” بمعنى الاهتمام الخاص الذي يدفع إلى التزام العدالة إلى جانب الفقراء وضحايا القمع”، وهي إذ ذاك عبارة عن” اجتهاد لاهوتي يتمحور حول الفكرة الكتابية للتحرر والحرية والمردودات الواقعية لهذه المبادئ”.

      بعد هذه المقدمات التي تبدو وكأنها تحاول مسك السلم بطرفين – وأحيانا أخرى توحي بان لاهوتي التحرير لم يخترعوا البارود (مقطع 3 و 4 و 5 ) – ينزل الكاردينال راتزينغر إلى الحلبة ليقول: ولكن دعاة هذا “اللاهوت” أخطأوا المرمى عندما أعطوا الأولوية للتحرر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، “واتخذوا تقنية ماركسية” لتحليل التناقضات الاجتماعية والوصول إلى تحريرهم؟

     هذا هو في الواقع بيت القصيد، وهذه هي “الخطيئة الأصلية” التي ارتكبها لاهوتي التحرير بنظر رئيس مجمع عقيدة الإيمان. ومن هذه الخطيئة الأصلية تأتي سلسلة من “الانحرافات ” يستكشفها أو يستنتجها الكردينال، منها:

 تفسير دخيل للمسيحية دفع بالبعض “إلى وضع التبشير بالإنجيل بين قوسين وإرجائه

إلى الغد: الخبز أولا والكلمة بعدئذ”.

صفة “العملية” التي ينتزعها الكردينال من طموحات لاهوت التحرير.

 التحليل الماركسي المنحاز الذي يرتكز على أسس فلسفية وايدولوجية “تبتعد بصورة

خطيرة عن إيمان الكنيسة ” لا بل تشكل نفيا لها في الواقع “. ومن هذه الأسس:

 نظرية صراع الطبقات التي على ضوئها يبني اللاهوتيون –كما تقول الوثيقة– طبيعة

العلاقة بين “كنيسة القاعدة” والسلطة الكنسية.

 استخدام العنف كقوة للتغيير والثورة.

    ج. “الإلحاد ونكران الشخص البشري وحريته وحقوقه” وهما في أساس النظرية الماركسية”.

    د . تسييس معطيات العقيدة الإيمانية.

    ه . شبه نفي لجذور الوحي…

    إن هذه الأسس الفكرية والفلسفية وغيرها مما “يقترضه لاهوت التحرير من الايدولوجية الماركسية “تفرض منطقها”على حد تعبير الوثيقة، على لاهوت التحرير وتدفع به إلى قبول  مجموعة من المواقف المضادة للرؤية المسيحية للإنسان”.

        على أساس طروحات الوثيقة مثل الفرنسيسكاني البرازيلي ليوناردوبوف، في “قفص الاتهام” أمام الكردينال راتزينغر يوم الجمعة 7 أيلول الماضي. ولكن هذه الطروحات لا تخرج، برأينا، عن البنى الفكرية والفلسفية للاهوت التقليدي الذي، من دون أن نتنكر لمزاياه الكثيرة وحجته التاريخية، نقول بأنه هو أيضا يخضع لفكرة وفلسفة معينين لم يعودا يفيان بكل ما يطرحه الواقع المعاصر بجدليته، ومنها عجزه عن تحليل حركة التاريخ تحليلا علميا. وإذا كانت الوثيقة تمتاز بقوة التكوين، فهي تذهب بعيدا جدا في استنتاجاتها “الايدولوجية” واتهاماتها للاهوت التحرير بالانحراف والجنوح حتى يوسم “خارجا عن القانون”! أما ليوناردو نفسه فيجيب متهميه: “أن لاهوتي التحرير لا ينكرون أبدا الطبيعة الإلهية للمسيح، ولا القيمة الفدائية لموته، أما الماركسية فلا تعنيهم إلا بقدر ما تساعدهم على فهم واقع الاستغلال وتعيين مجالات تجاوزالنظام الرأسمالي المضاد لمصلحة الشعب”. ولكن إذا مثل بوف وحده في “قفص الاتهام”، فهو لم يكن وحده في الدفاع عن “لاهوت التحرير” وجوانبه التطبيقية. فقد رافقه -وهو من كبار منشطي جماعات القاعدة في أميركا اللاتينية–  تيار من التعاطف والتأييد، من قبل أساقفة أميركا اللاتينية أنفسهم ومن لاهوتييها. وقد عبر عن وقوفهم معه في هذه “الحملة المضادة” زملاؤه في تحرير مجلة “كونسيليوم” (المجمع) المعروفة في الأوساط اللاهوتية، ولاهوتيون فرنسيون وأسبان وألمان، وأعلن الآباء الفرنسيسكان التابعون لمقاطعة اكويتان في اجتماع لهم في تولوز (فرنسا) عن تمسكهم بلاهوته “الذي يستمد جذوره من اختيار انتقائي لجانب الفقراء”. وفي حديث للاهوتي الفتي الأب جوزيف دورية لصحيفة “لاكروا” (6 أيلول 1984) قال في سياق تعليقه على موضوع الحرية في البحث اللاهوتي، في إطار قضية الأب بوف: “إذا كان صحيحا أن العالم يتغير وانك تشعر بالمسؤولية في البحث عن أجوبة جديدة لأسئلة جديدة مطروحة، فليس من واجب الكنيسة أن تخوض مثل هذه المغامرة بل من الضروري بمكان، في مثل هذه الحال، أن يعطي اللاهوتيون الحرية في البحث، مع ما قد يتوجب على ذلك من مخاطر: هذا السبيل وحده يفتح طرقا جديدة أمام الإيمان. لذا لا ينبغي أن يكونوا موضع شك من حيث المبدأ كلما جددوا شيئا في التعبير الإيماني”. ثم استطرد يقول: “إذا كان اللاهوتيون في صدد التعبير عن خبرة معينة، في بيئة كنسية معينة فمن غير الممكن أن يكونوا مجرد صدى لأولئك المتواجدين في روما أو لم يغادروها قط”. ثم ختم قائلا: “لو كنت في مصف السلطة الكنسية لقلقت ليس من التوجه الخلاق في التعبير عن الإيمان لدى اللاهوتيين، وإنما من سيرهم الجامد في ركاب التقليد أو السلطة، لو فعلوا…”. ومن جانب آخر لقي لاهوت التحرير، كخط فكري والتزام فعلي بالفقراء والمستضعفين –وبالتالي لاهوتيو التحرير وبوف نفسه–  لقيوا دعما ساطعا بموقف أساقفة بيرو ابان زيارتهم الرسمية لقداسة البابا ومحادثاتهم مع أركان مجمع عقيدة الإيمان (26أيلول–10ت1 الماضي). فبعد أن كانت الأكثرية مع رأي الكردينال راتزينغر إلى جانب شجب لاهوت التحرير –ورائده في بيرو الأب كوستافو كوتيريو– عن طريق وثيقة رسمية تصدرعن مجلس أساقفة بيرو، تهاوت هذه الأكثرية بمساعي الكاردينال لاندازوري، رئيس أساقفة ليما، والمطران اوربيغوزا ليحل محلها إجماع على تبني نص جديد –غير الذي طرحة الكاردينال راتزينغر– يعترف ببعض المخاطرالتي يتعرض لها لاهوت التحرير من جراء توجهه إلى التحليل الماركسي، ولكنه –أي النص–  يأخذ بعين الاعتبار واقع بيرو. وقد صرح المطران خوزيه دامرت مطران أبرشية كاخامركا لصحيفة “الوقائع الدينية” الفرنسية (Act. Rel. 15 Nov. 84 ):

      “إن هذا النص يأخذ بعين الاعتبار واقع بيرو المر.. وفيه نعيد رفضنا العنف من حيث أتى.. كما نؤكد اختيارنا جانب العمل مع الفقراء وبان البحث اللاهوتي الناتج عن هذا الوضع يجب أن يستمر. ولم يخف الأسقف الذي  يعمل مع الفلاحين منذ 22 سنة  دفاعه الشجاع عن لاهوتي التحرير، وعن كوتيريز بالذات قائلا: “إن لاهوتي التحرير ليسوا مسؤولين عن التأويلات التشويهية المنسوبة إلى بعض عباراتهم بعد أن تقتلع من جذورها الأصلية”. ثم ختم مشيرا إلى أن الوثيقة “بشان بعض أوجه لاهوت التحرير” “ينقصها تحليل علمي واضح لتأثيرات الماركسية على لاهوت التحرير”.

      “يا لبساطتهم، يا لتواضعهم، هؤلاء الأساقفة البيروفيون، ومع ذلك فهم مهولون!”. هذا ما نسبه  مراسل صحيفة “الحياة الجديدة” الاسبانية إلى سكرتير الكردينال راتزينغر بعد خروجهم من المحادثات العاصفة.

     هل انتهت القضية؟ هل يستطيع لاهوتيو التحرير المضي في بحثهم اللاهوتي من دون قيود؟ لمن ستكون الكلمة الفصل، للكردينال راتزينغر، حارس مرمى التقليديين، أم للاهوت التحرير الذي ينبع من حاجات أميركا اللاتينية ويتكلم بلغة فقرائها ومفكريها ويعكس معانيات أساقفتها وشعوبها؟

    المستقبل كفيل بالإجابة على هذه الأسئلة! ولكن الأكيد هو أن الشوط الأول من المجابهة العلنية الكبرى انتهى “بلا غالب ولا مغلوب، كما صرح ليوناردو بوف في ختام  لقائه مع الكردينال  راتزينغر  في  أيلول الماضي.

————————-

 انظر ف . م . ك2 1979: تقديم كتاب “لاهوت التحرير”؛ شباط1979: لاهوت التحرير في الميزان بقلم الاب عبد السلام حلوة.

((((((((((((((((()))))))))))))))))))

ديسموند توتو

جائزة نوبل للسلام لعام984

شباط – اذار 1985

جائزة نوبل

       عشرون عاما بالتمام والكمال بأشهرها وأيامها، بعد منح جائزة نوبل للسلام للقس البروتستنتي الزنجي مارتن لوثر كينك، تسلم الأسقف الانكليكاني الزنجي ديسموند توتو، من جنوب إفريقيا جائزة نوبل للسلام لعام 984 في أوسلو يوم الاثنين 10 كانون الأول 1984.

      كان كينك زعيم الحقوق المدنية في أميركا وقد منح الجائزة العالمية لنضاله من اجل كرامة وحقوق الزنوج في بلاده، وذلك عن طريق اللاعنف.. وقاده نضاله إلى أن يسقط صريع العنف الأعمى على يد احد المتطرفين من بني جلده. وتوتو، زعيم الحقوق ذاتها في بلاده منح الجائزة لنضاله العنيد ضد سياسة التفرقة العنصرية الغاشمة التي كرست نظاما دستوريا واجتماعيا في جنوب إفريقيا للفصل والتمييز بين البيض الوافدين الحاكمين، والسود الأفارقة الأصليين، وذلك أيضا بالطرق السلمية واللاعنف. وقد أشارت اللجنة التحكيمية إلى ذلك. فهل يكون مصيره مصير ذاك؟ على كل حال إن نضال توتو لم يخل من التهديدات، ولا من رفض المتطرفين أساليبه السلمية، وحفلة تسلمه الجائزة بالذات توقفت لبعض الوقت لانفجار غامض حدث في الخارج. وكان قد قرر دعوته إلى الدول الغربية، عشية تسلمه الجائزة، للضغط على “نظام الفصل العنصري لأنها فرصتنا الأخيرة كي نتحاشى حمام الدم”. وكان يشير بذلك إلى احتمالات انفجار “العنف الأسود” بوجه “تعنت البيض وتصلبهم” بصورة مأساوية.

        ويخاطب الأسقف توتو السلطات البيضاء –وكانت قد جردته أكثر من مرة من جواز سفره– بقوله: “لماذا تخافون مني؟ إني لا املك حتى حق التصويت في بلادي. لماذا تخافون من رجل اسود صغير بسبب بعض القصص التي يحكيها في أسفاره، ما دامت هذه القصص عارية من الصحة تماما كما تقولون؟”

        أما قيمة الجائزة فتبلغ 200000 دولار، وقد خصصها الأسقف توتو، الذي يرئس مجلس كنائس جنوب إفريقيا، لمشروع تربوي للشبيبة الزنجية في بلاده.

تلميذ المسيح

         ديسموند توتو ليس رجل سياسة، ولا يريد أن يتزعم حزبا أو حكومة كجاره الأسقف الزنجي موزوريوا الذي شكل حكومة صورية في روديسيا عام 1979 باتفاق مساومة مع زعيم الأقلية البيضاء أيان سمث. توتو هو تلميذ المسيح.. وهو رجل كنيسة مشبع بروح الإنجيل؛ وباسم الإنجيل وحده يطالب بالمساواة في الحقوق والواجبات، سياسيا واجتماعيا وثقافيا ودينيا، بين جميع مواطنيه، السود والبيض، والكف عن هضم حقوق إخوانه لمجرد أن لون بشرتهم اسود: “أن مهمتي، كما أراها، مهمة مزدوجة: فعلي أولا أن أقول للسود بان الله يحبهم ويهتم بهم، حتى إذا تراءى لهم أن الله ليس إلى جانبهم عندما يتألمون. انه اله الخروج، اله التحرير الذي يقف دائما إلى جانب المضطهدين. وثانيا أن أتوجه نحو البيض لأقول لهم بانهم يحطمون كرامتهم الإنسانية كلما اشتركوا في القمع، وبأنهم ليسوا بشرا على نحو ما يريده الله منهم.(فإذا زالت هذه التفرقة) سيعود الأبيض شخصا إنسانيا حقيقيا، وكذلك الأسود. وحينذاك ستتم المصالحة “.

نضاله

         ديسموند توتو(53 سنة. متزوج وله  4أولاد) ولد في بلدة سوداء معدمة بالغرب من العاصمة جوهانزسبرغ تدعى كليرسكسدورب. وقد خدمه الحظ فتابع دراسته، وكان يريد أن يصبح طبيبا، إلا أن فقر ذويه لم يتح له سوى أن يكون معلما. ولكنه ترك التدريس عام 1958 وتوجه إلى دراسة اللاهوت. وبعد مدة قصيرة من الخدمة الراعوية قصد لندن لتكميل دراسته القسوسية في الكلية الملكية. بعدها تعين مدرسا في جامعة فورت هار للزنوج في جنوب افريقيا، وهنا تعرف على بعض المفكرين السود الشباب فألفوا سوية، وبسرية، أسس فلسفة “الوعي الزنجي”. بين 1970– 1972عمل في جامعات افريقية أخرى قبل أن يعود إلى لندن لثلاث سنوات أخرى تعين خلالها مديرا لصندوق التربية اللاهوتية التابع لمجلس الكنائس العالمي. وفي 1975 أصبح أول مسؤول زنجي عن كاتدرائية جوهانسبرغ الانكليكانية رافضا السكنى في المنزل المخصص لمنصبه في حي البيض، مفضلا البقاء في حي سويتو الفقير الأسود.

       في 1967 قام بأول خطوة علنية للتالف العنصري ولصالح السود حين حذر رئيس الوزراء جون فوستر من مغبة التصلب في تطبيق السياسة العنصرية وطالبه بإصلاحات فورية قبل فوات الأوان. فكانت نتيجة تعامي النظام أن انفجر الوضع في سويتو وذهب ضحيته أكثر من60 شاب زنجي على يد قوات النظام. وفي السنة عينها انتخب أسقفا لدولة لسوتو المستقلة المجاورة، غير انه عاد إلى جوهانسبرغ  من جديد عام 1978، إذ اختير سكرتيرا عاما لمجلس كنائس جنوب إفريقيا الذي يضم 16 مليون مؤمن. ومنذ ذلك الحين ونجم توتو كزعيم مفوه باسم السود يتألق على الصعيد المحلي وعلى المسرح الدولي. وهو لا يني يدعو الدول الغربية التي تتعامل مع جنوب إفريقيا أن تمارس على حكوماتها ضغوطا سياسية، ودبلوماسية، واقتصادية خاصة. وكانت مجابهته الكبرى الأولى عندما دعا، في تصريحات أدلى بها في الدانمارك عام 1979، إلى مقاطعة استيراد الفحم من جنوب إفريقيا، فسحب منه جواز سفره لأول مرة.

       وقد قدم للحكومة عام 1980 أربعة حلول لتغييرالجو على حد قوله، عندما قابل رئيس الوزراء بوتا على رأس وفد كنسي، لخصها كما يلي:

الالتزام باستصدار “هوية وطنية متساوية، لجميع سكان جنوب افريقيا ، بغض النظر

عن العرق (ويذكر أن حق المواطنة الكاملة لا يعطي إلا للأقلية البيضاء فقط)

إلغاء قوانين تنقلات السود داخل بلادهم.

إيقاف سياسة تهجير السود وحصرهم في مناطق محددة.

وضع سياسة تربوية موحدة للجميع.

     ولكن النظام إذ يخشى ان. تفلت الأمور من يده، فهو يحكم قبضته العنصرية على السود أكثر فأكثر.. والضحايا تسقط كل يوم. ولكن إلى متى تبقى الضحايا ضحايا؟ فقد صرح توتو على اثر احتجاز مجموعة من القسس والأساقفة ساندوا إضرابا طلابيا ومسيرة ضد التفرقة العنصرية، وفي إعقاب قتل مناضلين أفارقة: “أن الوضع في جنوب أفريقيا وصل بأناس عديدين إلى حد اليأس من الحصول على تغيرات جوهرية بالطرق السلمية حقا. والذين بلغوا هذا الحد اضطروا إلى استخدام وسائل انتحارية لاستثارة أوضاع يعتبرون فيها بشرا، وليس مواطنين من الدرجة الثالثة في الوطن الذي ولدوا فيه بالذات”. إلى متى سيتمكن دعاة السلام من كبح لجام العنف؟ خاتمة: استطرد توتو ملوحا وداعيا السلطات إلى الإسراع في ترجمة الخطابات إلى الواقع: “لان الذين يعملون بيننا من اجل العدالة، والمساواة، والمصالحة بالطرق السلمية يفقدون رصيدهم تدريجيا”.

خاتمة: “اللاهوت الزنجي”

   ديسموند توتو مناضل من طراز غاندي ومارتن لوثر كينك.. ولكنه لاهوتي ايضا يستقي حجته من الكتاب المقدس. فهو من أسرة لاهوتيي التحرير، مع خاصيته الإفريقية الزنجية. فقد جاء في كتاب له بعنوان “سجين الرجاء”: “أن اللاهوت الزنجي ينبغي أن يهدي الإنسان الأسود إلى الخروج من حالة الذهول التي يولدها فيه الانصياع والمداهنة، والقبول بالمسؤولية المدهشة واللازمة التي توليها إياه إنسانيته الحقيقية، وصولا إلى حرية ابناء الله المجيدة. أن هذا اللاهوت يتوق بكل جوانحه إلى أن يوقظ في الإنسان الأبيض إحساسا بالانحطاط الذي سقط فيه بنزعه إنسانية الإنسان الأسود. فهدفه، إذن، هو تحرير الظالم والمظلوم معا. وهو ليس ساذجا إلى حد انه يعطي الأهمية كلها للقمع الاقتصادي أو السياسي فقط. فالتحرير، في مفهومه الشامل يتضمن القضاء على كل ما يبقينا في العبودية، ويجعلنا في مرتبة ادنى مما أراد الله لنا.

((((((((((((())))))))))))))))))

فنزويلا  او “البندقية الصغيرة”

ملف/نيسان 1985

       فنزويلا، هذا البلد الواقع في أقصى شمال القارة اللاتينية، يمتد على مساحة 912050 كم2 وتحده من الغرب كولومبيا ومن الجنوب البرازيل ومن الشرق كويانا، وتطل سواحله على المحيط الأطلسي. وتفاخر فنزويلا بأنها من أولى دول أميركا اللاتينية التي انتزعت استقلالها من اسبانيا بقيادة سيمون بوليفار بطل التحرير القومي، وتكاد تكون البلد الوحيد الذي ينعم بالرخاء والاستقرار بفضل نفط بحيرة ماراكائيبو – وترافق هذا الرخاء مجموعة من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والخلقية…

     إلى العديد من هذه القضايا لفت يوحنا بولس الثاني انتباه الفنزوليين طيلة 3 أيام (26– 29ك2) بدءا بكاراكاس العاصمة ومرورا بماراكائيبو وميريدا وكيوداد كويانا.

    الأب جرجس القس موسى يرسم في هذا الملف لوحة عن فنزويلا “البندقية الصغيرة” في إطار زيارة البابا الراعوية لكنيسة عليها أن تلعب دورا نبويا في التحولات التي يعيشها المجتمع الفنزويلي.

     عندما وصل المستعمرون الأسبان الأوائل في القرن السادس عشر ببواخرهم إلى مشارف بحيرة ماراكئيبو أبصروا البحيرة مزروعة بمئات الأكواخ الخوصية، تستند إلى أوتاد خشبية منغرزة في المياه الدافئة، فذكرهم المنظر بمدينة البندقية، فاسموا الأرض التي وطئوها بالبندقية الصغيرة:  فنزويلا.

     وكما أعطت هذه البحيرة اسمها الجديد للبلد كله، فقد لعب القدر لعبته مرة ثانية بعد أربعة قرون لتعطي ماراكائيبو الوجه الجديد لفنزويلا الجديدة. فقد اكتشف فيها النفط عام 1882 وشرع في استغلاله على نطاق واسع منذ 1930.  ففي مياه هذه البحيرة التي تبلغ مساحتها 13600كم2 وأقصى عمق لها 3 أمتار ينتصب اليوم 6000 برج نفطي ويتشابك فيها زهاء 1400كم2 من الأنابيب التي تضخ 87% من الإنتاج النفطي الفنزويلي. وهكذا أصبح النفط ثروة البلاد الأولى الذي بدل وجه فنزويلا الزراعي التقليدي تماما، وزج فيها فجأة في سباق المجتمعات الاستهلاكية والربح السريع مع كل ما ينسحب على ذلك من مردودات اجتماعية وإنسانية وحضارية، سلبا وإيجابا.                                          

     ولكن الذهب الأسود الذي القى البلبلة في المجتمع الفنزويلي بثرائه الملغوم، لابد أن ينضب يوما، وقد بدا الانخفاض في احتياطه وفي إنتاجه فعلا. افتغوص فنزويلا في مياه كارائيبو ثانية كما تغوص البندقية في مياهها؟ هل ستغمر أمواج الأزمة الاقتصادية “طفرة” فنزويلا بتناقص ثروتها النفطية؟

      ما هي حصة النفط في إنماء البلد؟

      ما هو تأثير النفط على المستوى المعيشي للسكان ومردوداته على الصحة النفسية والتركيبة الاجتماعية؟

      ما هو دور الكنيسة في حاضر وماضي البلاد، ومدى تفاعلها مع تطلعات الإنسان الفنزويلي المعاصر، وتحسسها لقضايا أميركا اللاتينية ككل؟

      هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها في هذا الملف(1)

فنزويلا: بين الماضي والحاضر

     ركز الأسبان الذين استعمروا فنزويلا وأعطوها لغتهم على الزراعة منذ قدومهم، فاستخدموا السكان الأصليين –وهم من الهنود الكارائيبيين والامازونيين– وانتهجوا سياسة الاستعباد، أول الأمر، ثم بتأثير الكنيسة أصبح الهنود مواطنين تحت التاج الاسباني. وإذا ما استمر هؤلاء في خدمة مصالح المستعمرين، فقد بدأت بذلك مرحلة من الاندماج العميق بين الأسبان الوافدين والهنود الأصليين، دينيا واجتماعيا ولاسيما عن طريق التزاوج. وهذا ما يفسر كيف إن 70% من سكان فنزويلا اليوم (17 مليون) هم خلاسيون(2)، رماديو السحنة. وقد شكل هذا الخليط شعبا جديدا، فنزويلي الانتماء، اسباني اللغة والمرجع الفكري والسياسي، كاثوليكي. وقد انضم إليهم في القرون اللاحقة أفارقة سود استخدموا في مزارع الكاكاو كعبيد، قبل أن ينالوا حصتهم من التحرر كما حصل للهنود من قبل.

     غير إن هذا “المجتمع الخلاسي”، إذا ما تجاوز عنصرية الدم واللون في قواعده بفضل المصاهرات، لم يكن بمنأى عن الاستغلال والطبقية، وبقيت مفاتيح النفوذ والامتيازات بيد قبضة من الملاكين الكبار وموظفي التاج والتجار. وفي 1728 سلمت اسبانيا عموم التجارة الفنزويلية لشركة “غويبوزكوانا” الباسكية، مع مهمة حماية السواحل ومطاردة القراصنة الفرنسيين والانكليز والهولنديين، فاتسع نفوذ هذه الشركة على حساب استقلالية الكيانات المحلية. وبلغ تضارب المصالح أوجه، حتى انفجرت سلسلة من المجابهات المسلحة والتحالفات، عرفت بحرب الاستقلال، وانتهت بانفصال فنزويلا عن اسبانيا عام 1777، وإعلانها جمهورية مستقلة عام 1811. وكان احد أشهر أبطال حرب الاستقلال هو الجنرال سيمون بوليفار (1783- 1830) الذي عرف “بالمحرر” –وقد كانت فنزويلا في عهده تشكل مع كولومبيا الحالية والإكوادور دولة واحدة اسمها كولومبيا الكبرى وعاصمتها بوغوتا.

       وبعد الحرب رفضت الجماهير المجندة للقتال العودة إلى مجتمع الامتيازات والخضوع، فامتلأت الأرياف بالمتمردين وبمن خيبت حرب التحرير آمالهم ورفعوا السلاح بوجه السلطة الفدرالية، فذهب ضحية تلك الحرب الجديدة 60000 مواطن وتفاقم التدهور الاقتصادي. وفي 1870 تسلم السلطة الجنرال كوزمان بلانكو واتسم عهده (20 سنة) بمركزية قوية وعداء للكنيسة لكسر نفوذها. ثم جاء عهد الدكتاتور غوميز (+1935)، وهو عهد البترول الذي كان في أصل التحولات كلها. ومع النفط دخلت فنزويلا عهد الاستهلاك والرأسمالية البورجوازية والاستيراد النهم. إما من الناحية السياسية فتعرف البلاد هدوءا يحسدها عليه جيرانها في أميركا اللاتينية منذ زهاء 30 سنة من الديمقراطية البرلمانية، ويتناوب الحكم فيها بصورة هادئة حزبان رئيسان هما حزب العمل الديمقراطي والحزب الاجتماعي المسيحي. أما الرئيس الحالي فهو جيم لوسنشي.

       النفط والتنمية

       تحتل فنزويلا المرتبة الثالثة بين الدول المنتجة للنفط (بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) والأولى في تصدير الطاقة الهيدروكاربونية الخام (النفط، الغاز الطبيعي، الزيوت…)، وهي من مؤسسي منظمة اوبيب OPEP النفطية، وأول من ادخل مبدأ المناصفة المعروف بعبارة “فيفتي – فيفتي” (50%) في تقاسم واردات النفط مع الشركات الأجنبية قبل تأميمها الكامل. وتشكل الثروة النفطية 90% من صادراتها حتى الآن.

      وقبل عهد النفط كانت فنزويلا بلدا زراعيا بالدرجة الأولى، غنيا بمحاصيله، ثريا بمياهه، وتسير فيه الحياة، من جراء ذلك، في جو تقليدي، غير إن الفلاح كان مسحوقا تحت وطأة الديون أو الملاكين الكبار. غير إن ظهور الذهب الأسود قلب الموازين بغتة ووضع بين يدي المواطنين نهرا من الذهب الأصفر. هذا النهر هو في أصل الطفرة التنموية الفنزويلية الحديثة، ومنه تتمول الخطط الانفجارية كلها، وعليه يعتمد عصب اقتصاد البلاد. وللعاصمة كاراكاس (4 ملايين) حصة الأسد –ككل عواصم الدنيا–  من المشاريع العمرانية والخدمية: فهذه مطاراتها الثلاثة في غضون عشر سنين فقط، وهذا قطارها الأرضي (مترو) الذي يعد مفخرة معمارية وقومية وقد بنته الشركات الفرنسية ودشن في آذار 1983 (14كم حاليا من أصل 45كم)، وطريقها السريع العملاق الذي يشطر المدينة إلى شطرين على ارتفاع 1000م عن سطح البحر وتتفرع منه عشرات الأذرع. والبنايات العصرية ومعامل الصناعات الثقيلة، كالصلب والحديد، والبتروكيمياويات والزجاج.. الخ .

      ومن جهة أخرى ارتفع معدل دخل الفرد السنوي، بحيث صار اعلي معدل في أميركا الجنوبية، ومعه ارتفع مستوى المعيشة . فكل أسرة –حتى الفقيرة– لها جهاز تلفزيون، وامتلاك سيارة لم يعد ترف الأغنياء الكبار وحدهم، وكل أسرة تقريبا تمتلك الأجهزة المنزلية الرئيسية كالثلاجات والغسالات… والناس يتهافتون على شراء كل جديد لاسيما من الثياب، وهم يفضلون الجديد على تصليح المستعمل. وهكذا اجتاحت حمى الاستهلاك والحياة السهلة كل المواطنين. وجاءت مزاحمه المنتوجات المستوردة للمنتوجات المحلية في الكلفة الأقل والنوعية الأفضل، ليس في القطاع التصنيعي والكماليات وحسب، بل حتى في القطاع الغذائي، وارتفاع الدخل الصناعي بسرعة، وبالتالي تضخم المدن على حساب الريف (83% من السكان هم في المدن).. جاءت كلها لتقصم ظهر الزراعة وتولد قناعة عامة بان الثروة على باب كل مواطن، ولكن ليس بفلاحة الأرض والعمل اليدوي والجهد. فتخدر البلد بنفطه.. ولازالت الجهود المبذولة في السنوات الأخيرة لإعادة تنظيم الاستثمار الزراعي دون طموحات الفلاحين ودون مستوى الإنتاجية المطلوبة. والمنهاج الذي بدأته الحكومة في الستينات لم ينجح تماما لبقاء أقلية صغيرة من الناس –هم الملاكون الكبار–  يسيطرون على معظم الأراضي الزراعية.

       “إن بريق سيارات الشفروليت بريق كاذب”. هذا ما تكتبه صحيفة “لاكروا” عن فنزويلا اليوم. فالانطباع السائد هناك هو إن الربح السهل والتهافت على الاستهلاك يلغمان المجتمع الفنزويلي ويعرضان مؤسساته للانحلال. والمجتمع الفنزويلي يتعرض في الواقع لخلل في توازنه الاقتصادي والإنساني معا بتضاعف الثروات القومية بصورة سريعة. فأنت ترى، من جهة، مراكز صناعية وإدارية متقدمة جدا إلى جانب صيغ اقتصادية بدائية لا تزال قائمة، ومن جهة أخرى تلاحظ دولة غنية جدا ومبذرة، وإزاء هذه الدولة الغنية المبذرة تتعاظم الهوة بين الأغنياء والفقراء، وعلى كل المستويات تقوم ايدولوجية “كل واحد لنفسه” (كل من ايدو الو) مقام الروح الوطنية المعدومة والخير العام. لذا يعتبر هذا الغنى الذي تتخايل به واجهة فنزويلا غنى مصطنعا، لأنه ليس ثمرة العمل والجهد، وإنما هو حاصل إيرادات آسوا ما فعلته هو أنها عودت المواطنين على الاتكالية واستعبدتهم عن المشاركة في مسيرة البلد بصورة طبيعية وفاعلة. فكانت النتائج، إضافة إلى هذا التفاوت في توزيع الخيرات القومية، هي الركود، وعدم الاحتياط للمستقبل، وإضعاف شخصية المواطن والشعب كشعب.

       إن تحسس هذه المخاطر صار هاجسا اقتصاديا واجتماعيا جادا بعد هبوط احتياطي النفط الذي قد يشح بصورة خطرة في مطلع القرن القادم. ولكن “التبذير الخطر في النفط وعائداته يبقى لعبة أطفال، يقول علماء الاقتصاد والاجتماع الفنزويليون، أمام التبذير في طاقات شعب يحطم نفسه بنفسه، ماديا ونفسيا”.

        الكنيسة ما هو دورها؟

        إن الإنسان الفنزويلي، بالرغم من عصرنته، إنسان منغرز في ماضيه الذي يتكون من مجموعة من القيم والتقاليد، كاللغة والحكمة الشعبية، والأمان الذي يجده في المبادئ الأخلاقية، وسمعة الأسرة، والشرف، وديمومة الأجداد بعد الموت، والحس التضامني: كل هذه القناعات تجعل منه خامة جيدة يمكن الاعتماد عليها لإعادة توازنه. وللكنيسة دور هام في هذه العملية. غير أن هذا يتأثر في الواقع بمعطيات ماضيها أيضا.

       وكنيسة فنزويلا “كنيسة يثقل كاهلها التاريخ” كما وصفها المؤرخ فرناندو يابيز. فقد رافق الاستقلال صراع قاس بين الدولة والكنيسة، حيث كانت تلك تريد استخدام الكنيسة لتثبيت سلطتها وتحاول التحكم فيها بممارسة الوصايا والامتيازات التي مارسها عليها الحكم الاسباني. وكانت الكنيسة خاسرة على طول الخط. وقد بلغ هذا العداء قمته في عهد كوزمان بلانكو، كما أسلفنا حيث طارد الكهنة ولم يبق منهم لعموم البلاد سوى 393، بينما كانت أبرشية كاراكاس وحدها تعد 547 كاهنا عام 1810، وقد هدد بإنشاء كنيسة وطنية منفصلة عن روما. ولم تهدا العاصفة إلا بمفاوضات مباشرة مع الفاتيكان.

     هذا ما يفسر إن 70% من الكهنة لازالوا أجانب(3). ولكن هذا ما يفسر خاصة صمت كنيسة فنزويلا الذي لا يتناسب وحيوية سائر كنائس أميركا اللاتينية التي اتخذت مواقف واضحة وثورية أحيانا تجاه الأنظمة الاجتماعية والسياسية المتردية أو القمعية. فهي تبدو وكأنها تخرج توا من طور النقاهة وتحاول الوقوف على قدميها من دون مشاكل، وقد اكتفت برعاية القطاع التربوي والتعليمي، ولها جامعة بإدارة اليسوعيين تأوي 8 آلاف طالب ومعاهد علمية ومهنية عديدة. وبدأت تقطف بعض الثمار عندما وصل بعض تلامذتها إلى مراكز عالية، ومنهم الرئيس الأسبق رافائيل كالديرا، غير إن نصوص مجلس أساقفة أميركا اللاتينية (سيلام) بشان الاندماج بقضية الفقراء وتيارات لاهوت التحرير تأخذ طريقها في واقع كنيسة فنزويلا تدريجيا، وان بحذر وتردد، لاسيما من قبل السلطة الكنسية، لئلا توقظ حفيظة الدولة.

     أما العلمانيون فقد بقي دورهم ضعيفا في توجيه حياة الكنيسة. بيد إن القاعدة الشعبية تعطي وجها خاصا للمسيحية الفنزويلية، ليس في إضفاء سمات شعبية على الإيمان وحسب، بل في تبني الشعب نفسه التنشئة الإيمانية وبعض مراسيم مراحل الحياة الكبرى، كالعماد والأعياد وشؤون الأسرة والموتى. وان كانت قلة الكهنة تفسر مثل هذا “التبني”، فهناك شعور عميق في وجدان الشعب بأهمية البعد الديني في الحياة والعمل. وقد عزا الأب سانتانا من معهد كاراكاس الكهنوتي ذلك إلى روافد “الشعور الديني الخلاسي” الفنزويلي الثلاثة: الهندي المحلي ومحوره الطبيعة، والاسباني – اللاتيني ومحوره مراحل حياة المسيح الكبرى والعذراء مريم، والإفريقي ومحوره تكريم الموتى والأجداد والعلاقات القبلية.

      غير إن علامات الحياة والرجاء تعتمل في كنيسة فنزويلا بما ينبئ أنها لن تتخلف طويلا عن شقيقاتها في أميركا اللاتينية. فهناك على الصعيد الفكري مركز كوميلا للدراسات الاجتماعية والاقتصادية والانثروبولوجية واللاهوتية الذي يصدر مجلة شهرية بعنوان “سيك” وأبحاثا حول الواقع الفنزويلي ولاهوت أميركا اللاتينية. وهناك جماعات كبيرة من الراهبات تركن عملهن التقليدي واخترن العمل والعيش في مناطق فقيرة ونائية في أنحاء القطر. وكذلك فعل بعض الكهنة، بالرغم من عدم ارتياح  الحكومة لهذه الظاهرة التي قد تحرك الاستياء الشعبي.

      وهناك الوعي ألرسولي المتزايد لدى الشبيبة وارتفاع عدد الراغبين في الكهنوت. فبينما لم يكن سوى ثلاثة معاهد كهنوتية قبل عشر سنوات، أصبح عددها اليوم 9 وارتفع عدد الطلبة من 530 في 1983 إلى 629 في 1984. كما إن هناك بادرة رائعة أبصرت النور قبل عشرة أشهر تدعى “الرسالة الوطنية”، وهي أشبه بجماعات القاعدة(4)، حيث يجتمع مؤمنون، لا سيما من الشباب، لاكتشاف الإنجيل ومتطلباته، ولدراسة توجيهات مجلس الأساقفة المنعقد في بويبلا عام 1979(5) وكيفية ترجمتها إلى الواقع. وقد تجاوزت هذه الحملة التي أطلقت أساسا لتهيئة زيارة البابا كل التوقعات بجديتها والإقبال عليها.

        كيف سيكون وجه الكنيسة الفنزويلية الجديد؟

        لسنا في علم الغيب. ولكنه سيكون حتما تحصيل أمرين والتقائهما وتناغمهما في الواقع المعاش وهما: تصور النخبة في رؤية إنجيلية وموضوعية، ومدى مشاركة القاعدة في رسم وتجسيد هذا التصور فعليا. أما النخبة فهكذا تتصور كنيسة فنزويلا غدا، كما جاء في مجلة “سيك” الأنفة الذكر، بعنوان “طموح واقعي لكنيستنا”:

“كنيسة قريبة من الشعب الفقير والعامل

كنيسة لا تستعبد فيها حرية الروح لحرف الشريعة

كنيسة تثق بالروح الدينية الخلاقة للشعب، كما برهن عليها التاريخ

كنيسة نبوية تقرا الواقع من خلال الكلمة المبتذلة

كنيسة تعود أصالتها، وتلقي جانبا، من دون انطوائية، كل استيراد عجول 

وكما هو الأمر في الاقتصاد والسياسة، ينبغي أن ننتج أكثر، ونستورد اقل.. وليس ذلك فقط في ما يخص الأشخاص، وإنما أيضا في ما يخص التراتيل، والكتب، والتنظيمات، والمواقف، والطقوس، والرموز، وأساليب التفكير”.

      “اوخالا” –إن شاء الله–  كما يقول الفنزويليون!.

———————

 سنتبع في استعراضنا ثلاثة تقارير موجزة صدرت، الاول في عدد خاص من مجلة Missi (نيسان 1983)، والثاني والثالث في جريدة لاكروا (La Croix) (25و26 ك2 1985) بمناسبة زيارة البابا لفنزويلا.

 من ابوين مختلفي اللون، اسود وابيض

 في فنزويلا اليوم 2300 كاهن و 4600 راهب وراهبة، اما الاساقفة، وعددهم 37، كلهم فنزولّيون.

 ف . م . ك1 1984

 ف . م . آذار ونيسان وحزيران 1979 

 (((((((((((()))))))))))

السبت أم الإنسان ؟ 

“السبت من اجل الإنسان، وليس الإنسان من اجل السبت”! تلك هي السلوكية الإنجيلية تجاه الشريعة. وهي تلخص ببلاغة موقف المسيحي من القوانين والتشريعات  والأنظمة الكنسية التي ما أن تسللت إليها الايدولوجية أصبحت شكلا من أشكال العبودية والاستغلال، وأضحت أداة للردع وحتى القمع… 

على الصراع القائم بين الحرف والروح في البنية الكنسية يضع هذا الملف الأصبع، في محاولة جادة للنظر إلى الكنيسة بصفتها “مؤسسة” تفرض ضوابط وتخضع لمؤثرات، وقد تنزلق نجو “شريعانية” تقتل حرية الروح:

تركيبة الكنيسة، نظام السلطة فيها، سياستها، اولوياتها، تعثراتها… يسلط عليها الأضواء الأب جرجس القس موسى، انطلاقا من وجهة النظر الاجتماعية وعلى ضوء الفاتيكاني الثاني الذي أيقظ عيها روح النبوة – سمتها المتميزة.

      رجل يده يابسة. يستغل الفريسيون حاجته إلى العافية ليحرجوا بع يسوع. فيسألونه مراوغين: ” هل يحل الشفاء في السبت؟”. فيفضح يسوع  التوائهم وكيف يضربون السبت عرض الحائط حين تقتضي مصلحتهم: “أي منكم له خروف لا يمسكه إذا سقط في حفرة يوم السبت ويرفعه. الإنسان أفضل أم الخروف؟” (متى12: 9 -14).

        وينقل لوقا حادثة مماثلة عن امرأة حدباء شفاها يسوع يوم السبت أمام احتجاج الفريسيين، فيستبدل الخروف بالحمار ويقول: “يا مراءون! أليس كل واحد منكم يحل في السبت ثوره أو حماره من المذود وينطلق به فيسقيه؟ وهذه المرأة. ابنة إبراهيم. أما كان ينبغي أن تطلق من هذا الرباط يوم السبت؟” (لوقا 13: 14- 17). ثم يحذر تلاميذه بقوله: “إياكم وخمير الفريسيين!” ( مر8: 15).

      ما هو “خمير الفريسيين”

       انه هذه النزعة بالذات التي، من اجل الظهور بمظهر معين، وفي سبيل الحفاظ على واجهة المؤسسة وبناها تكبل الإنسان وتستعبده باسم الشريعة، منتزعة منه كل مبادرة حرة أو فكر نقدي. وتصبح النزعة ايدولوجية ترفع الشريعة  بموجبها فوق الإنسان. بينما  ” السبت جعل لخدمة الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت”.

          يسوع ينادي بإعادة ترتيب “الأولويات”  وبنزع “هالة القدسية” عن السبوت والشرائع والأعراف ووضعها فوق رأس الإنسان وحده.،لأنه هو وحده “على صورة الله”. جاء ليحرره من كل ما من شانه أن يقمعه أو يستعبده –حتى باسم الله– ويخاطب قلبه وضميره وإنسانيته العميقة ليقبل الله ويدخل معه في علاقة طوعا وحبا. لذا كانت تعاليم يسوع إشارات وتوجيهات لا قواعد قانونية.

       أنها دعوة إلى التزام الداخلي والنضج في ممارسة الحرية بمسؤولية ووعي. إزاء “شريعة” ترتب كل شيء مسبقا للإنسان وتدعه في مرحلة الطفولة أبدا. أليس هذه هي “حرية أبناء الله”!

      ولكن هل يعني ذلك إزالة كل تشريع ليتصرف الإنسان على هواه وحريته؟ وهل بالإمكان بناء مجتمعات من دون قوانين؟ ما هي العلاقة بين السبت والإنسان في تركيبة وسياسة الكنيسة؟ هل من صراع فيها بين “الروح النبوية” التي عليها نشأت، و”الحرف التشريعي” الذي يستهدف ضبط شؤونها؟ ما هو موقع المبادرات والحركات الهامشية في تاريخها؟

                                                     أولا – الكنيسة كمؤسسة

       الكنيسة مؤسسة تاريخية وجسم اجتماعي يتكون من ويتعامل مع أفراد مختلفين، وهذا الجسم ليس جزيرة معزولة محصنة، بل يتفاعل مع بيئته، ويخضع لما تخضع له من مؤثرات.

هذه النظرة لا ترضي الذين يرون في الكنيسة، قبل كل شيء، “جسد المسيح السري” و “شعب الله” الذي لا ينبغي أن يصاب “بعدوى” العالم، ويريدونها أكثر روحانية ومتحررة من الجوانب السلبية والقمعية لتاريخها الماضي والحاضر، ولكن الواقع يبقى أن الكنيسة “كيان” موجود ضمن البشرية، ومن هذا المنطلق فهي

خاضعة لنواميس الطبيعة البشرية. لذا لا بد لها من قوانين وضوابط لتنظيم حياتها الداخلية، من جهة، ولتحديد هويتها تجاه الخارج بتحديد طبيعتها وخصوصية أهدافها وسلوكية أعضائها، من جهة أخرى. وتمر هذه الضوابط، ضرورة، بعنصرين أساسيين وهما: القواعد الفكرية، والسلطة الإدارية. وهذان العنصران مشتركان بين جميع المؤسسات، ولا يتميزان إلا بخصوصياتها.

1 – خصوصية القواعد الفكرية للكنيسة هي أنها تنطلق من الإنجيل الذي يعتبر أساسها ومرجعها في عملها وتنظيمها، بوصفه التعبير الحي لفكر مؤسسها. لذا كانت العودة إلى الإنجيل هي الوسيلة الأقوى لإصلاح مسارها كلما انصهرت أكثر من اللازم في إطار حضارة خاصة، أو تحالفت مع نظام اجتماعي أو سياسي معين. وعلى الإنجيل أيضا (والكتاب المقدس عموما) تعتمد سائر صيغ  التجدد الحديثة وحركات الإصلاح، مستلهمة خبرة المسيحيين الأولين والأصالة التي بها عاش المؤمنون الكبار تعاليم الإنجيل عبر التاريخ.

      ولكن، إذا كانت القواعد الفكرية هي قياسات مسلكية للجماعة، والفرد المنتمي إلى هذه الجماعة وعلامة انتمائه إليها، فالخطر يأتي عندما “تشرع” هذه القواعد وتدخل في باب “المقدسات” التي لا تمس، أو الحلال والحرام، وتصبح “مواد قانونية” يعاقب عليها القانون. حينذاك يصبح القياس قمعا أو غبنا. مثلا: الدعوة إلى الصوم دعوة إلى التوبة والاهتداء، ولكن أن يعاقب غير الصائم بعقوبة أبدية (لكونه ارتكب خطيئة)، أو زمنية (السجن، الاحتجاز).. فلابد أن هناك سببا آخر: الوصول إلى هدف معين عن طريق الردع. وبذلك نكون قد خرجنا عن الروح وأخذنا جانب الحرف، ثم لا نتأخر أن نعتبر هدفا ما كان وسيلة!

     وكذلك الأمر في العزوبية الكهنوتية. فبينما جاءت العزوبية (أوالبتولية) للكاهن عفوية  وعن طريق الرهبان “كنداء” إلى حب اكبر وكامل للمسيح واعتراف بأولوية الله، استولى التشريع على هذه “العفوية” وصار ينظر إلى العزوبية، تدريجيا وفي واقع الحال، من منظور وظيفي، استثماري، لتمتين الروح الانضباطية – الانقيادية في المؤسسة، ولكي يكون الكاهن “على أهبة” دائمة للخدمة. وجاء هذا التركيز على حساب الجانب الإنساني، حيث جرت عودة مبطنة إلى مفهوم “الطهارة الطقسية” كما عند اليهود، والتي بموجبها تعتبر العلاقة الزوجية – ومن ثم الزواج نفسه – نجاسة أو “تلوثا” (ومن المنطق ذاته جرى إبعاد مبدئي المرأة عن كل ما يبت بصلة مباشرة إلى المذبح والقدسيات وعن الرجال “المكرسين” لخدمتها).

       إن القاعدة الذهبية للضوابط المسلكية هي أن تكون منفتحة، أي نابعة من واقع وحاجة، مما يكسبها المرونة اللازمة في التطبيق، أو تغير الواقع (الحضاري أو الفكري أو الاقتصادي)، فمن الطبيعي أن “يتطور” التطبيق بحسب هذه المتغيرات، للبلوغ إلى الهدف المنشود بصيغ أو بطرق مؤاتية حسبما تقتضيه حركة الحياة. لان الضوابط، أو القوانين، في كل الأحوال، ليست دساتير نهائية، ولا هدفا في حد ذاتها، وإنما وسائل خدمية متصلة بزمان ومكان. لذا ينبغي أن تشتمل على إمكانيات التعيير من داخلها وبصورة مشروعة ومقبولة في عيني السلطة والقاعدة معا. فهناك تجربة تراود السلطة في حقبات التغييرات الاجتماعية والفكرية السريعة خاصة

–وهي أشبه بالنمو غير المستقر– للتركيز المفرط على القيم المطلقة للقواعد المسلكية أو الطقسية وفرضها باسم الطاعة أو بالردع، وذلك خوفا من البلبلة وحفاظا على وحدة الصف، فتقع في مغالاة قد لا تخدم سوى الشكل أو الهيمنة التوجيهية (رسالة بولس 6 في تنظيم النسل. يوحنا (؟) ولاهوت التحرير في جوانبه التطبيقية).

2 – نظام السلطة: إذا كانت وظيفة السلطة (وفي أية مؤسسة وفي الكنيسة أيضا) أن تدبر شؤون المصلحة العامة وتحافظ على تماسك الجماعة ووحدنها، فخصوصيتها في الكنيسة تنطلق من كونها “خدمة”، وبهذا المنظور جاءت على لسان المسيح (“من كان فيكم كبيرا، فليكن خادم الكل”)، وهي خدمة تمارس باسم المسيح  (“من سمع منكم فقد سمع مني”). أما سبل ممارستها فخاضعة للمعطيات الاجتماعية وحركة التاريخ. فقد مرت في الواقع، وتمر، بصيغ متعددة مستوحاة أو متأثرة بالبيئة المدنية المحيطة بها. ففي الشرق مثلا تغلبت صيغة المجالس البطريركية بأعضائها المنتخبين لتكون مع أساقفة الطائفة وبطريركهم ما يشبه “مجلس عشيرة” (سينودس)، والمجالس الملية  التي تشترك العلمانيين في الإدارة الزمنية. بينما  تغلب على الكنيسة الغربية طابع هرمي ومركزية قوية حول البابا تذكرنا بالنظام الإمبراطوري.

      غير أن الخطر في مؤسسة بعمر الكنيسة وتركيبتها هو أن تتحول الخدمة وتوزيع المسؤوليات، مع تراكمات الزمن، إلى “تشكيلة” من المراتب المتدرجة ا والى مركزية مفرطة تستأثر بكل القيادة، الروحية والفكرية والتوجيهية والإدارية، بحيث تختنق الحرية وروح النبوة في حشد من النواهي والقيود والتوجيهات الفوقية. هذا الخطر وقعت فيه الكنيسة عندما قسمت الشعب المسيحي إلى صنفين منفصلين: صنف رجال الاكليروس الذين يعلمون ويحكمون، وصنف العلمانيين الذين يسمعون ويطيعون ويصلون. مثل هذا الفصل يولد الطبقية التي هي عكس روح الجماعة والإخوة والشركة: وباسم وحدة الصف والفكر والسلوكية والعقيدة تراكم التشريع في الكنيسة، لاسيما منذ القرن 5، بحيث بدا الإنسان اصغر من “الحق القانوني” واستخدمت السلطة الكنسية أجهزة تنفيذية وأخرى للسيطرة والمراقبة، لم يتردد بعضها من استخدام الردع والقمع.

      أما اليوم، وقد أعاد المجمع الفاتيكاني الثاني مفهوم الخدمة إلى السلطة وحررها من “غلو”أدواتها التنفيذية الردعية القديمة (المكتب المقدس Saint – office، الدوائر الرومانية Curia مثلا) فإذا كانت القواعد التشريعية الأساسية للسلطة الكنسية لم تتحرك كثيرا، فصيغ المشاركة الفعلية ومفهوم “الجماعية” في السلطة المستمدة من المنظور اللاهوتي في المسؤولية المشتركة لأساقفة الكنيسة تنعكس لا محالة، نفسيا واجتماعيا، على أسلوب ممارسة السلطة الذي يستلهم، أكثر فأكثر، أسلوب “القيادة الجماعية” و” المداولة”.

       من هذه الزاوية يجب النظر إلى الأجهزة الجماعية الجديدة التي نشأت بوحي المجمع مثل “سينودس الأساقفة العام”، والمجالس الأبرشية والخور نية، أو التي حملها المجمع زخما ومسؤوليات جديدة مثل “المجالس الأسقفية” الوطنية والإقليمية، ومن ضمنها سينودسات ومجالس البطاركة والأساقفة في الكنائس الشرقية.

     هذه الهيئات لازالت في اختباراتها الأولى، وقد لا يتجاوز وضعها “القانوني” أن تكون أكثر من أجهزة استشارية، غير أن مستقبلها منوط بكيفية إثبات وجودها. ولسينودسات الكنائس الشرقية، برأي، دور تاريخي يجب أن تلعبه في هذا المضمار كنموذج لللادارة الجماعية، ومسؤوليتها لا تقتصر على أن تكون مجرد “عينة”  لنمط تراثي –كما تفعل حتى الآن-، وإنما أن تبرهن واقعيا وموقعيا على حيوية هذا النمط، وتقدمه كتجربة  خلاقة منفتحة ومتجددة، لكنائسها وللكنيسة الجامعة.

                                                     ثانيا – صراع الروح والحرف

       لاشك أن الذهنية العلمية الحديثة –وبالتحديد البايولوجي أو علم الأحياء والحياة، وعلوم الفضاء، والتكنولوجيا– هي في أصل “القطيعة” التي قصمت وحدة الإنسان والطبيعة. فإذا فاقته على طاقاته الكامنة واللا محدودة، جعلت منه سيد الكون الذي لا يروض الطبيعة ويسخرها وحسب، بل يريد أن يجعل منها مسرحا لتحقيق ذاته، بعد أن كانت أداة استلاب له. ثم تلتها العلوم الإنسانية لتعطيه هذا الإحساس  العالي بقيمته الذاتية وبالاستقلالية والحرية. وفي هذه الذهنية الجديدة تمرد الإنسان على قيود الماضي، ورفض الرضوخ لمصير يقرره غيره أو لنظام اعتبر حتى الآن ثابتا.

      إزاء هذه التحولات، ومن اجل هذا العالم المتحرك كان على الكنيسة أن تعيد ترتيب بيتها، هي التي “لم تحسن الإصغاء دوما إلى الوسط الحياتي الذي يغمرها من كل جانب، والذي طالما تحاشته بحذر مفرط وشجبت فيه كل مظاهر التطور والتغيير، فلقد بدت  وكأنها تريد إيقاف الزمن بإداناتها الصادرة عن مفاهيم أخلاقية لا تقبل المناقشة وعن روح قانونية متصلبة. وبذلك صارت وكأنها نسيت أنها هي التي حملت إلى العالم قيم التعاليم الأخلاقية المنفتحة  وأسس القانون المبني على حاجات الإنسان الواقعي”. وصار منطق المؤسسة  الراضية على نفسها هو الطاغي على سلوكيتها مدة طويلة.

        والحال أن التصادم بين منطق المؤسسة بصفتها عنصر الثبات والاستقرار، وأهدافها الديناميكية التي تعيد النظر باستمرار وتحاجج لخلق الأفضل والخروج عن القوالب المرسومة  مسبقا.. هذا التصادم حالة دائمة، وان بوتائر متفاوتة. وفي هذا الصراع تمثل السلطة المؤسسة عادة، أما القاعدة فتمثل القوى المتحركة، وإذا كان هذا التوتر ينتهي في المؤسسة السياسية والمدنية بانفجار الطاقات الداخلية المندفعة، على شكل ثورات وانقلابات سياسية واجتماعية  لربما عنيفة -، فهو يتعرض في المؤسسة الدينية لعاملين متناوبين، أو متزامنين، وهما: عامل  باتجاه الخارج للإصلاح والتجدد والتعصرن، وعامل باتجاه الداخل للوقاية من التلوث الخارجي  بالتقوقع والاكتفاء الذاتي. وبما أن الجميع لا يتفاعلون بالقوة  ذاتها مع هذه التناقضات، وان التغيير أو اللا تغيير في المؤسسة الدينية هو رهن القناعات لا العنف، فحركة التجدد فيها بطيئة حتما –سيما وان المؤسسة الدينية تتمتع عادة بعمر طويل وتقيس أيامها خارج الزمن–. فيبقى الدافع الحاسم لوتيرة هذه الحركة أو زخمها منوط، سلبا وإيجابا، بالمؤثرات الضاغطة الخارجية والداخلية.

        هذه المعطيات الاجتماعية طالما تعرضت لها الكنيسة في تاريخها الطويل، وأصابها منها ما أصابها من الرجات والضياع ولربما الانشطار. فالحركة التجددية التي رافقت المجمع الفاتيكاني مثلا، أعدتها عوامل متناقضة ثلاثة وهي: التحولات الإنسانية والحضارية الخارجية الأنفة الذكر؛ جمود التسلط وما يدعى بالعقيدانية الاكتفائية التي كانت تطغى على المؤسسة الكنسية؛ والقوى الدينامية والمتمردة داخل الكنيسة.

     هذه الاخيرة هي التي صنعت المجمع –ولرنما من وراء الكواليس– ونجحت في تفجير طاقات الكنيسة من الداخل في عملية تخميرية بطيئة ودؤوبة، كما نجحت في استصدار قرارات ومراسيم مجمعية عديدة لم تأت إدانة لاح داو لبدعة، لأول مرة في تاريخ المجامع، وإنما عادت بالكنيسة إلى الينابيع، وفتحت حوارا مكشوفا مع العالم في عملية مصالحة حقيقية، لترى أن قيمة الأصيلة لا تتعارض وقيمتها. فكان من النتائج المباشرة إن تزعزعت  الذهنيان والبنى إلى حد بعيد، وفقد البعض “صمام أمانهم” الفكري وثبات أقدامهم في سفينة طالما حسبوها بمنأى عن الرياح. واخذ صدام الروح والحرف، صدام المؤسسة والروح النبوية في كنيسة ما بعد المجمع، اخذ شكل الردة، أو كبح الجماح على الأقل.

نسوق أمثلة على ذلك:

– حركة المحافظين التي يقودها الأسقف الفرنسي لفيفر الداعية إلى الاحتفاظ

بالأطر التقليدية للكنيسة، والتي من فرط تحجرها في الماضي، رفضت كل ما أتى به المجمع من قرارات ومفاهيم حول المنظور الجماعي في السلطة، ومفهوم الكنيسة كشعب الله، والحرية الدينية، وترجمة الطقوس إلى اللغات الحية، والانفتاح المسكوني إلى الكنائس الشقيقة والأديان الأخرى، وإشراك العلمانيين… وذهب بهم الرفض إلى شق عصا الطاعة للبابا والتكور على ذاتهم كجسم مستقل.

– داخل المؤسسة الكنسية ذاتها، ومن دون الحاجة إلى إعلان العصيان،

تيار المحافظين  الجامدين حي يرزق، وقد اتخذوا مواقف سلبية – بالرغم من كونهم وقعوا على وثائق المجمع – إزاء التطبيقات العملية لطروحاته. وصاروا يتحذرون من كل جديد او تجديد خشية ألا يجرف معه كل شيء.. ويحرفهم هم أنفسهم! ولعل نزعة يوحنا بولس الثاني إلى بناء كنيسة قوية متراصة، شجعت في السنوات الأخيرة، على ترسيخ بعض المواقف التقليدية أو إعادتها.

– الجدل القائم –وقد وصل حد التحدي والمجابهة المفتوحة– بين مجمع

عقيدة الإيمان ولاهوتيي التحرير في أميركا اللاتينية (أو ما يعادله في أسيا وإفريقيا) من جهة، ومع اللاهوتيين المحدثين  في أوربا (هانس كونك، سكيلبكس، رانر…)، من جهة أخرى. وكذلك مواقف روما المتسمة بالتعنت والإدانة وفرض الصمت تجاه الرهبان والراهبات والكهنة الملتزمين اجتماعيا وسياسيا إلى جانب الفقراء في دول العالم الثالث (الكهنة الوزراء في نيكاراغوا، الراهبات في الولايات المتحدة…).

والقضية ليست مجرد “تحذيرات” شخصية، وإنما قضية حرية البحث اللاهوتي بأكمله؛ بل حرية التعبير والرأي، وعلاقتها بأساليب السيطرة والقمع الفكري المركزي على حساب الأوضاع الخاصة للكنائس المحلية.

– قضية زواج الكهنة، ومشكلة هؤلاء الذين، بالآلاف، تركوا الخدمة، بل

تركوا الكنيسة على أطراف أصابعهم (ولا نقل بان كنيسة العراق هي بمنجى عن هذه الظاهرة). والقضية الحقيقية ليست قضية “مارقين” يحملون على أكتافهم كل اللوم، كما يدعى، بقدر ما هي قضية طاقات خلاقة، في اغلب الأحيان، تخسرها الكنيسة لأسباب ثانوية وعرضية، أو لسوء استخدام السلطة، وتشويه العلاقة بين الكهنوت والزواج والعزوبية الالزامية.

–  قضايا الإنجاب وتنظيم الحمل وتدخلات السلطة الكنسية لفرض وجهة

نظرها في عدم استخدام الوسائل الاصطناعية حتى قبل ظهور الحياة (رسالة بولس السادس في “الحياة البشرية”).

– الجدل حول رسامة نساء قسيسات. والقضية الأساسية ليست في شرعية

أو عدم شالخلاصة:الكهنوت للجنس اللطيف، بقدر ما هي قضية إبقاء المرأة في عداد “القاصرين” وإقصائها (وإقصاء العلمانيين عموما) عن مسؤولية صنع القرار في الكنيسة واخذ دورهم الكامل في حياتها… الخ الخ

                                         ثالثا – الخلاصة: هذه هي جدلية الحياة

       هذه الضلال  -وغيرها مما لم نأت إلى ذكره– لا تخفي وجه الشمس فمظاهر “الردة”، أو الكبح، أو التوقف في التقليد الموروث، إذا كانت توحي أحيانا بتغلب روح  السبت على الإنسان، فالروح النبوية لم تغادر الكنيسة  أبدا، لا في الماضي ولا في الحاضر. فمبادرات الروح  في كنيسة اليوم أكثر من أن تحصى، في القمة وفي القاعدة، وفي كل المجالات الراعوية الفكرية والروحية، وفي التزام جانب الفقراء بشجاعة بوجه الأنظمة القمعية والدكتاتورية (أميركا اللاتينية، جنوب إفريقيا، الفيليبين…). ونقصد بالروح النبوية، هذه الطاقة الداخلية التي تجرى فيها من نبع الإنجيل ومن قوة الروح القدس للانطلاق دوما نحو أمام، ولتجاوز الذات  في تعابير فكرية ومسلكية متجددة، ولتعميق خبراتها وتنويعها. أو هذا “البعد الثوري”  الكامن في  صلبها والذي يدفعها –تارة هنا، وطورا هناك، وأحيانا في كل أجنحتها كما في فترات المجامع– إلى تعديل مسارها باستمرار .

      فالانشقاقات والانسلاخات نفسها في جسم الكنيسة، وحتى الرهبانيات والحركات الرسولية والروحية ضمن الكنيسة،وكذلك حركات التحرر المدنية ضد الوصاية الكنسية عبر التاريخ.. كلها  ننظر إليها من زاوية كونها منطلقات نبوية تحررية من هيمنة المؤسسة الكنسية كمؤسسة أو سوء استخدام السلطة.. للبلوغ إلى صيغ متمردة، متجددة، تساير حركة الحياة  وتعيد الأولوية للإنسان، ولروح الإنجيل.

    قلنا “صيغ متمردة” ولا ننسب هذه الصفة إلى الانشقاقات والحركات الانفصالية والتيارات التي تقاوم المؤسسة أو تشق عصا الطاعة وحدها، بقدر ما نصف بها كل المبادرات الايجابية والاحتجاجية ضمن الكنيسة، كالجمعيات الرهبانية، والحركات الشبابية والجماعات الرسولية والإنجيلية المعاصرة، وحتى الرهبانيات الكبرى كالفرنسيسكان والدومنيكان واليسوعيين. وكذلك التوجيهات التجديدية في الإصلاحات الطقسية، والبحث اللاهوتي، ودراسات الكتاب المقدس، واستخدام التقنية الحديثة (صحافة، سينما، فديو…) في خدمة الرسالة المسيحية.

     كل هذه المؤشرات والمبادرات تبدأ هامشية وكصيغ انقلابية على الواقع الراهن، ثم نتدرج في صلب المؤسسة لتصبح  علامة صحة لكل الجسم. ويتم ذلك عن طريقين: إما أن نفرض هذه  المبادرة أو تلك نفسها على المؤسسة (الكنسية) بما تمثله من أصالة إنجيلية، مثبتة أقدامها شيئا فشيئا؛ وإما إن تحاول المؤسسة (الكنسية) احتوائها أو رعايتها. أية كانت الطريقة، فكل مبادرة تشكل في حد ذاتها عاملا إضافيا لإبقاء الباب مفتوحا أمام التجاوز والتغيير والنقد الذاتي وحركة الرأي،  بالنموذج النبوي الخاص الذي تقدمه (الرهبانيات مثلا)، أو بطريقة التخمير البطيء كالخميرة في العجين أو كالملح (مثال المفكرين –تياردي شاردان-، واللاهوتيين الخارجين عن الخط التقليدي الذين أقصوا ثم أعيدوا خبراء في المجمع الفاتيكاني الثاني – شنو وكونغار). وحدهم “المتمردون” على الواقع يخلقون الحياة، ولكن ليس بغير ثمن!

    “فمن خلال هذا المسار الديالكتيكي بين روح المؤسسة والتغيير يتقدم المجتمع. فمن جهة، تميل المؤسسة إلى تجميد كل شيء: تقاليد العمل، المواقف، العقليات، وتحارب ضد التغيير، ومن جهة أخرى يرى الإنسان نفسه كي يتقدم –والتقدم من طبيعته لأنه روح، لأنه فعل في أساسه وتكوينه، لأنه يرغب في تسخير الطبيعة لخدمته والله نفسه قد منحه هذه الطاقة– يرى الإنسان نفسه، إذا، كي يتقدم، مرغما على النضال ضد عوامل الشلل والجمود في المؤسسة”

    فصراع المؤسسة والروح النبوية في الكنيسة هو جدلية الحياة،  وهو الذي يحفظ التوازن ويضمن الاستمرارية بصورة معقولة. والخوف، إذن، ليس من الحركة، بل من الجمود، من أسبقية حسابات المؤسسة على حساب الروح. ومسؤولية ذلك، سلبا وإيجابا، مسؤولية مشتركة  تقع على عاتق  جميع أبناء الكنيسة، كل من موقعه. 

                                              الأب جرجس القس موسى

 ))))(((((((((

الحركات الشبابية المسيحية في الكنيسة

عدد خاص /ت1 ت2 1985

      عبر أخويات وحركات وجمعيات أنشئت منذ أوائل القرن بهدف إيقاظ الشباب وتنشئتهم على حمل مسؤولياتهم في الكنيسة والمجتمع، تجند ولا يزال يتجند العديد من الشبان والشابات للشهادة للإنجيل، كل في محيطه وبيئته.

      عن بعض هذه الحركات الشبابية –وقد كان لها. لسنوات خلت، دور فاعل في حياة كنيسة العراق–  يرسم الأب جرجس القس موسى لوحة تسلط الأضواء على شريحة من الشباب وضعوا طاقاتهم ومواهبهم في خدمة الإنجيل، بعزم وسخاء والتزام.

       في افتتاح المؤتمر العالمي لرسالة العلمانيين المنعقد في روما في خريف 1975-وقد كان لي شرف المشاركة فيه- هتف الكردينال موريس روا رئيس مجلس العلمانيين الذي نظم اللقاء:

   “ترى من دفع بالمجتمع نحو التقدم غير الطفولة والشبيبة، وذلك بمجرد وجودهما! فالاستغناء عن الشبيبة معناه الاستغناء عن المحرك الذي حفز البشرية دوما على أن تكون خلاقة”.

         وإذا كان هذا “المحرك” يفعل فعله “الخلاق” في المجتمع ككل، فهو طاقة لا تنضب في الكنيسة أيضا، للتجدد وتجاوز الذات ووضع الالتزام الإنجيلي لدى العلمانيين موضع التنفيذ والإبداع. ليس أن الشباب في الكنيسة طاقة وحسب بل لأنهم أعضاء كاملو العضوية فيها، لهم ما لسائر الأعضاء وعليهم ما على غيرهم من حقوق والتزامات. قد تعرضهم اقتحاميتهم وحداثة خبرتهم الذاتية إلى المجابهة والتباين حول الأهداف والوسائل مع أجيال البالغين – ولربما إلى بعض التسرع في التنفيذ – ولكن ما يتحلون به طبعا من المزايا: كحسن النية، والعنفوان، والأصالة، والشجاعة، وروح العطاء، والدينامية، والانفتاح نحو المستقبل؛ كل هذا يؤهلهم ليس فقط لان تثق بهم الكنيسة، بل لان يأخذوا موقعهم فيها بشعور عال بالمسؤولية كأعضاء وليس مجرد منفذين.

      أما ثقة الكنيسة بالشباب فقد عبر عنها المجمع الفاتيكاني الثاني بصورة جلية في مرسومه حول رسالة العلمانيين(1) ودعاهم إلى موازنة “شانهم المتزايد في المجتمع” مع “نشاطهم ألرسولي الأوسع” في الكنيسة. ومع هذه الدعوة العامة فقد خصهم بحقل محدد هو حقل الشبيبة بالذات، هذا الحقل الذي يشكل بيئتهم الطبيعية عمرا وفكرا ومعاناة وطموحا، وهم فيه خبيرون أكثر من غيرهم. ففيه “عليهم أن يكونوا للشبان الرسل الأولين والمباشرين” (رقم 12)، وما ذلك إلا صدى لمقولة البابا بيوس الحادي عشر الشهيرة: “تبشير البيئة بالبيئة”. فهو الذي جعل منها شعارا وفلسفة للحركات الشبابية المسيحية في الكنيسة، وهو نفسه أعطى الانطلاقة الكبرى لهذا النمط من الرسالة العلمانية منذ الثلث الأول من هذا القرن، اعني به نمط الحركات التي تعتمد في عملها الإنجيلي أسلوب التنظيم والتخصص.

       في هذا المقال سأقتصر على استعراض بعض أهم الحركات الشبابية المسيحية والرسولية المختصة والمنظمة في الكنيسة، وسأحدد حديثي بإيجاز عن طبيعة تكوينها الاجتماعي وأهدافها الإنجيلية وخصوصيات أسلوبها في العمل. وقد يكون من المفيد أن نوضح أن الحركات التي نحن بصددها لا شان لها بالسياسة، كما أنها تختلف تماما في طبيعتها وأهدافها عن التشكيلات الحزبية أو النقابية، ولا هي تجمعات ثقافية بالمعنى المتداول (كجمعية الفنانين أو الأدباء أو أنصار البيئة…). ،أنها فقط أوجه تطبيقية للالتزام ألرسولي الجماعي للعلمانيين –والشباب يكونون شريحتهم الكبرى– ولدور هؤلاء في حياة الكنيسة. لذا كانت هذه المنظمات جزءا من مشروع الكنيسة الأشمل و “ليست هدفا لنفسها، إنما عليها أن تخدم الرسالة التي على الكنيسة أن تحققها حيال العالم. ولذا فإنها تستمد قوتها الرسولية من مطابقتها  على أهداف الكنيسة ومن الشهادة المسيحية التي يؤديها كل عضو وتقوم لها الجماعة كلها ومن الروح الإنجيلي الذي يعيشانه” (رقم 19). وهي تعمل جنبا إلى جنب وبالاتحاد الكامل مع كهنة الكنيسة وأساقفتها. 

      علما بان المنظمات سند عظيم لأعضائها روحيا ونفسيا واجتماعيا، إذ تخلق فيهم وعيا متزايدا للتفكير في الآخرين والبحث في طرق التعاون معهم. وهذا الإطار يرعى قابلياتهم القيادية وبوادرهم الخلاقة ويدربهم على العمل ألرسولي ويحدد نطاقاته، بحيث تجنى منه فوائد ما حققوها لو ظلوا منفردين. لذا شجع المجمع قيام مثل هذه الصيغ الجماعية المنظمة للعمل المسيحي (رقم 18). ومن هذه الحركات ذات الطابع الشمولي نخص بالذكر:

                                                               العمل الكاثوليكي

       لعل من المفيد أن نذكر إن أول صيغة منظمة ومنسقة لرسالة العلمانيين ولمساهمتهم الفاعلة في حياة الكنيسة المعاصرة هي الصيغة التي أطلق عليها اسم (العمل الكاثوليكي) وقد أطلقها البابا بيوس الحادي عشر عام 1922، وحددها بأنها “مشاركة العلمانيين في رسالة السلطة الكنسية للدفاع عن المبادئ الدينية والأخلاقية، ولتطوير النشاط الاجتماعي بصورة سوية وخيرة، تحت إمرة السلطة الكنسية، وخارجا وفوق كل الاحزاب السياسية وذلك بغاية ترسيخ الحياة المسيحية في الأسرة وفي المجتمع”. وقد لقيت هذه الحركة دعما واسعا من السلطة الكنسية التي انتدبتها “كحركة كنسية” وليس فقط كحركة في الكنيسة، لمهمتين أساسيتين: الأولى  “رسولية” لتنصير الأوساط البعيدة عن المسيح بشهادة أعضائها الإيمانية، والثانية ضمن الجماعات والمؤسسات المسيحية بحيث يكون أعضاؤها خميرة للتجدد الروحي(2). و “العمل الكاثوليكي” نوعان: عام ومتخصص، والعام فرعان: رجالي ونسائي، ولكلاهما أهداف مشتركة يحققانها كل بحسب خصوصياته وموقعه في المجتمع، مثل: إنعاش حياة الخورنة، والتجديد الليتورجي بإشراك المؤمنين في النشاطات الطقسية، وتنشئة مدرسي ومدرسات التعليم المسيحي لزرع الإيمان في الناشئة  وإدخال القيم الإنجيلية في الأخلاق العامة ووسائل الإعلام، وحماية حقوق الأسرة والمرأة والمؤسسات التربوية المسيحية… الخ. أما المتخصص فهو الذي يتوجه إلى الأوساط الاجتماعية المختلفة بواسطة علمانيين من صلب هذه الأوساط بالذات، وذلك انطلاقا من ذهنية وحاجات هذه الأوساط نفسها. أما أسلوبه في العمل فينطلق من ركائز ثلاث هي: انظر أي ادرس واقع البيئة، احكم عليه على ضوء الإنجيل، ثم اعمل على تحقيق ما يمكن تحقيقه.

       هذا هو الجذع الأساس الذي منه تفرعت سائر الحركات الشبابية المسيحية المتخصصة.

                                                            الشبيبة العاملة المسيحية J.O.C.))

       تأسست في بلجيكا عام 1925 على يد كاهن شاب من أسرة عمالية كادحة اسمه الأب جوزيف كاردين. وكانت النواة الأولى مع عاملات وعمال فقراء ومستغلين في معامل شارلروا  وبروكسل  حيث مقر الحركة الدولي الآن، ومنها انتشرت في زهاء 130 بلدا، ضامة بين صفوفها مئات الآلاف من الشباب العامل، ولها ممثلون في هيئات دولية كالأمم المتحدة واليونسكو ومنظمتي العمل والتغذية الدوليتين وغيرها.

       فالشبيبة العاملة المسيحية حركة عمالية مسيحية غير نقابية تستهدف بالدرجة الأولى تجاوز الجانب الاقتصادي والإنتاجي في العمل لإدخال المسيح العامل في هذا الوسط الذي نشا بعيدا عن الكنيسة، وتعمل على إعادة الكرامة الإنسانية للعامل لئلا يكون عبدا للآلة والاستغلال بحيث يكون فخورا بكونه شابا وعاملا ومسيحيا. فالشبيبة العاملة المسيحية تحمل رسالة الإنجيل وقيمه لتحياها في المعمل والمصنع والمشغل وتعلنها بلغة العمال والكسبة مطبقة قول بيوس الحادي عشر: “إن الرسل الأولين والمباشرين للعمال سيكونون من العمال أنفسهم”.

       إلى جانب هذا التوجه الروحي والرسولي وبحكم انتماء الحركة إلى الطبقة العاملة، فالإيمان نفسه يملي عليها التضامن مع قضايا العمال لإيجاد حلول إنسانية لمشاكلهم الاجتماعية والأسرية ولاسيما للهامشيين منهم. وهكذا تصبح الحركة عنصرا في بناء مجتمع أفضل يرتكز على العدل والحرية والسلام.

        لاشك إن تطورات هامة طرأت على أسلوب الحركة، لاسيما منذ نهاية الستينات، حيث أولت اندماجا اكبر من السابق مع قضايا الطبقة العاملة، ولكنها بقيت حركة عمالية مسيحية تعيش التزامها من منطلق الإيمان والإنجيل والتأصل في الكنيسة، كما جاء في مؤتمراتها بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيسها.

الشبيبة الطالبة المسيحية (J.E.C.)

        لم تمر سنتان على الشبيبة العاملة وإذا بالشبيبة الطالبة المسيحية تنطلق سنة 1927 نحو المحيط الطلابي بعين الأسلوب وعين الأهداف، وسرعان ما اجتازت حدود بلجيكا منشئها الأول، إلى الكنيسة الجامعة. وقد تشكلت في بغداد بين عامي 1962 و 1963، وفي الموصل في 26 تشرين الثاني 1964 واستمرت حتى حزيران 1973 حيث توارت لظروف قاهرة خارجة عن إرادتها بعد أن أنشأت نخبة واعية وملتزمة من الشباب المسيحي.

      والشبيبة الطالبة المسيحية حركة ذات طابع روحي مختصة بعيش التزامها الإنجيلي في البيئة الطلابية، تضم شبابا يعون مسؤولياتهم في الكنيسة فيحملون قيم الإنجيل وأخلاقيته إلى زملائهم. وهذه الحركة إذ لا تنتزع الشبيبة من محيطها ولا تتعارض مع الهيئات الطلابية الأخرى، فهي تنمي في أعضائها روح المسؤولية وتخرجهم من جو اللامبالاة والفردية لتخلق منهم طلابا يعيشون إيمانهم كاملا ويضطلعون بالتزاماتهم الوطنية بوعي فيكونون لإخوانهم نورا وملحا وخميرة.

       وتتبنى الشبيبة الطالبة أسلوب انظر، احكم، اعمل. وتحاول أن تحقق رسالتها بواسطة منهج عمل حيث يدرس الأعضاء مشكلة من مشاكل الحياة الدراسية فيستخلصون منها مقاصد للعمل، كما عبر مراجعة الحياة حيث يسلطون نور الإنجيل على أحداث من صميم واقعهم ليتسنى لهم أن يتخذوا منها موقفا إنجيليا، والتأمل بالإنجيل حيث يحاولون عكس تعليم يسوع على حياتهم والاهتداء به. ويتم كل ذلك بإرشاد كاهن.                                 

       وعلى هذا النمط ذاته –مع مراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية–  تعمل حركات شبابية مسيحية أخرى متخصصة للوسط الزراعي، والأدبي، وللطبقات الوسطى وغيرها كالشبيبة المزارعة المسيحية، والشبيبة المستقلة، ورابطات الطلبة المسيحيين، والخورنات الجامعية.. الخ.

الأخوية المريمية (ليجومارييه)

       حركة رسولية أخرى نشأت في ايرلندا عام 1921 على يد شاب علماني اسمه فرنك دوف، وقد تكون أكثر الأخويات الرسولية انتشارا خارج أوربا، وقد بلغ عدد أعضائها من الجنسين قبل المجمع زهاء 20 مليونا. وكانت الحركة العلمانية الرائدة في العراق حيث نشأت عام 1957 وانتشرت في معظم المدن والقرى المسيحية  العراقية موقظة الوعي الإيماني والمشاركة الفعلية في الرسالة لدى مئات من الشباب المسيحي العراقي. وقد توارت هي الأخرى لظروف خارجة عن إرادتها عام 1973.

      والأخوية المريمية منظمة علمانية غايتها وبنيانها روحي محض. أما ميزتها الأساسية فهي اعتمادها على عنصر الصلاة واستلهام مثل العذراء مريم في عملها ألرسولي، لتنظم إلى القوى الأخرى العاملة في الكنيسة للتوعية الإيمانية والإشعاع المسيحي. والنشاطات التي تتبناها تختلف باختلاف البيئات والحاجات مثل زيارة المرضى والفقراء، والاهتمام بالمهملين والسجناء، وانتشال الساقطين، وإعادة البعيدين إلى الكنيسة، ونشر الكتب الصالحة، والتعليم المسيحي. بكلمة واحدة أنها تسعى لرفع المستوى الروحي والوعي المسيحي لدى أعضائها وفي الجماعة المسيحية ككل.

                                                                     الكشاف المسيحي SCOUT

        أبو الكشاف هو ضابط بريطاني متقاعد يدعى بادن باول، انشأ حركته في انكلترا عام 1907 لليافعين من 10–16 سنة. وإذا كانت الحركة الكشفية قد نشأت خارج الكنيسة فسرعان ما تبنتها الكنيسة وطعمتها بالقيم المسيحية والروح الإنجيلية. وبينما ضم أول مخيم كشفي نظمه بادن باول عشرين يافعا، يعد الكشاف المسيحي أضخم حركة شبابية مسيحية في العالم مع أكثر من 20 مليون يافع ويافعة.

         أما المنهاج الأساس في التنظيم الكشفي فهو تربوي عملي لبناء الشخصية السوية وتنشئة اليافعين على المسؤولية والاعتماد على الذات. ويتحقق ذلك بالتمرس على الأهداف التالية: تفتح الذهن وصقل الطباع باستمرار، تطوير المهارة اليدوية، خدمة القريب والخير العام والحس الجماعي، التوجه نحو الله وتذوق السعادة. أما شعارات الكشاف الرئيسية فهي: الشرف،  الإخلاص، العدالة، احترام الآخرين، الشجاعة، حب الله والوطن  ويمارس الكشاف ملكة اللعب لديه ليس بتدجين الطبيعة وممارسة مهاراته وحسب بل حتى بهذا “العمل الصالح” (أو المقلب الصالح كما يسميه الشيخ: بادنGood turn ) الذي على الكشاف أن يؤديه يوميا تجاه شخص ما. 

        من اجل هذه المزايا العامة المشتركة والأساسية اعتمدت معظم الدول الحركة الكشفية في مؤسساتها التربوية. وكما في الكنيسة كذلك كل قطر يضفي بصماته الخاصة على منظماته الكشفية، حتى إذا اختلفت التسميات أحيانا.

        إلى جانب هذه الحركات المنظمة هناك جماعات أو حركات شبابية جماهيرية عديدة تضم آلافا من الشباب المسيحي من مختلف الطوائف والأقطار، منه ما نشا مع تيار المجمع الفاتيكاني الثاني، ومنها ما سبقه وتهدف كلها إلى التجدد الروحي عن طريق العودة إلى الإنجيل. ومن هذه الحركات ما هو محلي وقطري،ومنها ما يتعدى حدود البلد الواحد. ومن الحركات ذات الطابع الشمولي ما يتمحور حول بعض الجمعيات الرهبانية أو شبه الرهبانية أو الأديرة مثل تجمعات الشباب السنوية أو الدورية الدولية والإقليمية التي تنظمها جماعة تيزيه الرهبانية (فرنسا) والتيار الواسع الذي خلقته في روحانية الشبيبة المسيحية عالميا(3). وتيار جماعة الفوكولاري (ايطاليا) الذي يضم آلافا من الشباب، ميزتهم في عيش الإنجيل والفرح والإخوة والعمل اليدوي، في أكثر من 300 أسرة ومركز تنشئة في مختلف الأقطار، منها الجزائر ولبنان ومصر وتركيا(4). وهناك حركات أخرى غير مرتبطة بموقع جغرافي رسمي معين كتيار المواهبيين Charismatigues الذي نشا بعد المجمع، وبالتحديد عام 1967 للتجديد الروحي عن طريق التوجه إلى الروح القدس كما في الكنيسة الأولى، و “أصدقاء مار فرنسيس الاسيزي” والحركة المسماة “سلام المسيح” وغيرها وغيرها. ولهذه الحركات كلها سمات مشتركة كطابع البساطة والعفوية في العلاقات وفي المظهر الحياتي للأفراد، والانفتاح المسكوني بين الكنائس، وعنصر الصلاة، واحترام الثقافات والأديان المختلفة. علما بان هناك مبادرات شبابية مسيحية كثيرة هنا وهناك، تستهدف بصورة  رئيسية، ومن منطق الإيمان الذي تحيا منه بالذات، إقامة هذا الحوار البناء بين الحضارات والأديان والقوميات وإزالة جدران الطبقية والحذر المتبادل(5).

      الكنيسة الرسمية تتبنى وترعى بعض هذه الحركات، وتشجع بعضها الآخر، وتراقب عن كثب مسيرة غيرها محاولة حفظ مسارها في خط الإنجيل وضمن الجماعة المسيحية الأوسع. ولكنها في كل الأحوال ترى في هذه المبادرات الشبابية “صوتا نبويا” يناديها إلى مزيد من التطهير والأصالة والعودة إلى الينابيع. لذا فهي – أي الكنيسة الرسمية–لاتني تنادي أبناءها من الشباب إلى العطاء الأغزر والالتزام الأكبر بإنجيل يسوع والشهادة له. ولعل خير ما نختم به هذه الجولة دعوة يوحنا بولس الثاني التي وجهها إلى الشباب المسيحي في رسالته ليوم الرسالات العالمي في 20 ت1 من هذا العام وفي نطاق العام الدولي للشباب: “إني أناديكم جميعا يا شباب العالم وأرسلكم كما أرسل المسيح الرسل بالقوة الآتية من كلام المسيح نفسه: إن مستقبل الكنيسة منوط بكم، وإعلان الإنجيل للأرض في السنوات القادمة رهن بكم! انتم الكنيسة! اجعلوا الكنيسة شابة، واحفظوا شبابكم بحضوركم الحماسي وبوسمكم إياها في كل مكان بسمات الحيوية والعنفوان النبوي”.

———————

(1) اقرأ مقتطفات من هذا المرسوم في مكان اخر من هذا العدد.

(2) في الاربعينات وما قبلها جرت محاولات لهذا النمط من العمل المسيحي في الموصل

وفي قرةقوش جمعت بين نمط الاخويات التقوية التقليدية وشيء من التوجه الرسولي – الثقافي – الاجتماعي، الا ان العنصر الثاني سرعان ما تلاشى.

(3) ف . م ايلول، ك1 1974؛ ك2، ت2 1975؛ اذار 1979

(4) ف . م شباط 1976، نيسان 1981

(5) من كل هذه الحركات التي اتينا على ذكرها ليس لنا شيء حاليا في كنيسة العراق، ولم

نوردها الا من باب الاعلام وان كنا نتمنى تعريق ما يلائم حاجاتنا. ولكن اذا كان لكل قطر توجهاته ولكل كنيسة وضعها الخاص فالنداء الى الشباب المسيحي العراقي قائم لياخذ موقعه ومسؤوليته في حياة كنيسته بحسب الامكانيات المتاحة والصيغ المقبولة الفاعلة (انظر في هذا العدد: “الشباب في خدمة التثقيف المسيحي” و “الشباب والكنيسة”).

 ((((())))))))))))

الشباب في خدمة التثقيف المسيحي   

 

عدد خاص ت1 و ت2  1985

       كان التثقيف المسيحي ولا يزال إحدى أبرز الأولويات في الكنيسة، وقد تسلّمت من معلّمها مهمة نقل البشرى. أولوية طالما لفتت “الفكر المسيحي” إليها الانظار في كنيستنا – ويعاني مؤمنوها، وشبابها بنوع خاص، من نقص في ثقافتهم المسيحية وعلى اكثر من صعيد…

       بدايات حركة التثقيف المسيحي، انتكاستها، محاولات الخروج من العزلة، آمالها وتطلعاتها… شؤون ينكب عليها الأب يوسف عتيشا –يشاركه الأب جرجس القس موسى- في هذا المقال، وهو يهدف الى ايقاظ وعي الشباب تجاه مسؤولياتهم في عملية التثقيف المسيحي: تلك مهمة تتطلب منهم خلفية ثقافية عميقة وخبرة أصيلة وكفاءة عالية وسخاء كبيرا، ويجدر بهم أن يضعوها في خدمة التثقيف المسيحي.

        ان الشهادة المسيحية التي يؤديها الشباب في كنيسة ما، بأوجهها المختلفة وكمجموعة، لهي علامة واضحة عن حيوية تلك الكنيسة نفسها ككل. ذلك لان وراء مثل هذه الشهادة الصادرة عن شباب الكنيسة نفترض وجود هذه الركائز الثلاث التي تشكل عناصر الصحة والحيوية في كنيسة ما، ألا وهي: 1– اسرة مسيحية مؤمنة تكون بمثابة الارضية الصالحة لنماء وتنشئة الايمان لدى الشباب في اولى خطواته؛ 2 – خورنة منفتحة ونشطة تحتضن هذا الشاب وتثق به وتعمق ثقافته المسيحية وتشجع قابلياته، وهذا يعني بالتاكيد وجود كاهن او كهنة نشطين وقريبين من الشباب يفهمون نفسياتهم  ويقدرون طموحاتهم  ويقراون حاجاتهم الروحية والانسانية بمحبة واحترام؛ 3 – حركات رسولية تلائم ذهنية الشباب وميلهم الى التواجد معا كاصدقاء وكمجموعات صغيرة للصلاة والعمل والتفكير والمشاركة في نشاطات الكنيسة: كزيارة المرضى والمحتاجين والمساهمة في التثقيف المسيحي للصغار والبالغين في مراكز التعليم المسيحي مثلا، والفعاليات الثقافية والاجتماعية والاحتفالات الكنسية..الخ.

       كل واحدة من هذه الحركات والمبادرات هي بمثابة مدرسة تطبيقية للشاب تكمل عملية تثقيفه المسيحي والانساني وترسخ قناعاته الايمانية وتقوي احساسه بالانتماء الفعلي الى الكنيسة وتجعله يشعر بمسؤولية فيها الى جانب الكهنة والاساقفة ومعهم، فهي كنيسته كما هي كنيستهم.

شهادة شخصية من الماضي.. في بغداد

      هذه الافكار راودتنا في نهاية الخمسينات وبالضبط في خريف 1958. كنا ثلاثة كهنة في إحدى الخورنيات الكبرى في بغداد نجتمع بين حين واخر ونتحدث عن القضايا التي تخص الشباب. وكنا نشعر كم انهم بعيدون عن الكنيسة، وكم ان معلوماتهم الدينية معدومة او سطحية بقيت على مستوى الطفولة! وتساءلنا لماذا؟ – لان لا شيء يقدم لهم، لا شيء يغريهم في الكنيسة. هناك اخويات تقوية لم تعد تفي بالغرض. الكهنة غير قادرين لوحدهم على اعطاء التثقيف المسيحي لاسباب منها طريقتهم التقليدية وغير الفاعلة في الرسالة وانشغالهم بامور اخرى كالخدمات الراعوية والطقسية التي تستاثر اوقاتهم..الخ. فدعونا بعض الاصدقاء ليشاركونا همومنا، وبدأنا ندرس كتابا بعنوان “لاهوت الرسالة العلمانية” كان قد ظهر حديثا، وأخذنا نتطلع الى اسلوب للعمل بمشاركة العلمانيين. فوقع اختيارنا على الاخوية المريمية التي تستهدف اشراك العلمانيين في الرسالة بصورة منسقة ومباشرة، وأنشأنا مجموعة اولى من الشباب باسم “أم النعم”، واتخذت لها حقل عمل مساعدة الكهنة في التعليم المسيحي للصغار، وزيارة المرضى في المستشفيات، ومرافقة الكهنة في زيارة الاسر المسيحية. وسرعان ما اتسعت الاخوية المريمية فانضم اليها شباب وشابات موظفون وجامعيون وعمال جعلوا من حياة الصلاة  والاخوة حافزا للعمل الرسولي وخدمة الخورنات حيث دب النشاط بعد خمول طويل.

       وفي اواسط الستينات ظهرت الى جانب الاخوية المريمية نشاطات اخرى للشباب العلماني المسيحي كالاخوية الطلابية، وأخوية الصليب المقدس، وأخوية الشباب الجامعي، والنادي الثقافي المسيحي، ولجنة التثقيف المسيحي.. وكانت هذه الاخيرة تستقطب من تلك الاخويات نخبة من الشباب والفتيات الذين نالوا ثقافة دينية جيدة وتحركهم غيرة حقيقية للعمل الرسولي. فكانوا يقضون اوقات فراغهم وراحتهم لاعطاء دروس التعليم المسيحي في الكنائس للصغار ولطلبة المتوسطات والثانويات ولاعداد الاولاد للتناول الاول.

       وكان هؤلاء الشباب يعدون مناهجهم بالاشتراك مع بعض الكهنة على شكل ملازم توزع على الطلبة مجانا، كما كانوا يتناقشون سوية حول المواضيع التربوية والاجتماعية التي تخص طلابهم في مرحلة النمو والمراهقة التي يمرون بها، وفي اساليب التدريس والتوجيه بما يناسب اعمارهم وقابلياتهم. وكانت لجنة التثقيف المسيحي تضم اكثر من ثلاثين شابا وفتاة يواصلون تثقيفهم الديني من خلال لقاءاتهم الاسبوعية ومطالعاتهم ومشاركتهم في الندوات الدينية والدورات الثقافية المسيحية بمؤازرة زمرة من الكهنة والشباب. وكان مركز القديس يوسف الذي اتخذته اللجنة مقرا لها نقطة اشعاع رسولي وروحي للشباب يجمع المئات منهم.

      وقد اختارت اللجنة مركزين رئيسين لتجمع الطلبة كل يوم جمعة من مختلف انحاء بغداد: مقر الجمعية الخيرية الكلدانية في الخربندة للبنين، وكنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في الكرادة للبنات. وكانت بعض المدارس المسيحية قد وضعت سيارتها في خدمة نقل الطلبة الذين بلغ عددهم نحو 600 فتى وفتاة(1).

       إنني عندما اعود الى هذا الماضي، لا ابغي مجرد احياء ذكريات قد تكون عزيزة علي وعلى من عاشوا تلك التجربة –من كهنة وشباب وعلمانيين-  وانما اود ان اعيد الى الاذهان الخبرة الفريدة التي اكتسبتها كنيسة العراق –وكنيسة بغداد بالذات–  بدخول العلمانيين الى صميم الحياة الرسولية للكنيسة ومشاركتهم الفعلية المباشرة بمهمة التنشئة المسيحية، هذه المهمة التي كانت وقفا على الاكليروس، ولربما عبءاً اثقل مما تطيق كواهله لوحدها. لقد كانت الستينات حقا فترة خصبة لكنيسة العراق، ليس في بغداد حسب، بل في سائر الابرشيات، حيث استيقظت وكأنها من سبات حين رأت عددا كبيرا من الشباب في خدمتها. اضف الى ذلك ان اجتماع الشباب تحت اسم المسيح،في حد ذاته، قيمة ايجابية لحيوية الكنيسة، ووسيلة فعالة لخلق الروح الجماعية والمحبة فيما بينهم، ولتحويل الانتماء المسيحي الاسمي الى التزام فعلي وشهادة حياتية. ولا يخفي ما في هذا الألتزام من مردودات إيجابية وخيرة على سلوكية الفرد المسيحي وقناعاته وعطائه اجتماعيا وانسانيا ووطنيا وتكوين شخصيته تكوينا سويا.  

النكسة

       ولكن نكسة قوية اصابت هذه الانطلاقة في بداية السبعينات وانهارت تلك المبادرات الواحدة تلو الأخرى لأسباب مختلفة خارجة عن ارادتها. وكان لاختفاء الاخوية المريمية الاثر المباشر على تضعضع لجنة التثقيف المسيحي ثم ضياعها، لانها كانت المورد الاكثر عطاء للشباب العاملين في الخورنات في حقل التعليم المسيحي.

      على اثر ذلك تحول بعض الكهنة الى نمط بديل للتعامل مع الشباب على نطاق الخورنة وبصورة فردية لا علاقة للواحدة مع الاخرى. فصار كل كاهن يجمع ما استطاع من معاونين لاعطاء التعليم المسيحي تحت اشرافه، ايام الجمع، وغالبا ما ينصرف هو الى الخدمات الراعوية التي تتكثف ايام الجمع. وصارت هذه المراكز، بالرغم من العمل الايجابي الذي تقدمه في مجال التشئة المسيحية، تتسم احيانا بروح الارتجال والانطواء الطائفي والانكفاء الخورني حيث يبدو كل كاهن وكانه يسعى الى حفظ كيان كنيسته وجماعته. غير ان ما تعاني منه هذه الصيغة بالاكثر هو ضعف الكادر التعليمي، والافتفار الى كتب ومناهج حقيقية وجدية، وضيق المكان، وغياب التنسيق والتعاون وتبادل الخبرات مع سائر المراكز.

       إن آثار هذه النكسة لازلنا نعاني منها حتى اليوم، وكل طائفة منغلقة على نفسها، مع ان عملية التثقيف المسيحي مشروع مشترك يتصل مباشرة بالكيان المسيحي لكنيسة العراق ككل وبمستقبلها الواحد.  

محاولات الخروج من العزلة

    ان الخورنة الواحدة بامكانياتها المحدودة لا تستطيع ان توفر للشباب كل حاجاتهم. فما يحتاج اليه الشاب هو: 1 – تعليم منظم ومبرمج وواضح وقوي البنية يعطي باساليب تربوية عصرية ويجيب الى تساؤلاتهم وحاجاتهم الدينية والانسانية، وسط بيئة اجتماعية وفكرية متحركة وغنية بالمعلومات العامة والمغريات الثقافية والانسانية. وهذا يقتضي كادرا تعليميا كفوءا ومعدا اعدادا جديا كما اسلفنا، مما لا تقوى عليه الخورنة لوحدها. 2 – جعل عامل التسلية وروح الجماعة عنصرا مكونا في العملية التربوية والتثقيفية حتى اذا كانت التربية تربية دينية.

      ففي هاتين النقطتين الجوهريتين تحتاج مراكز الخورنات الى اعادة النظر في اساليبها الحالية. اجل هناك جهود مشكورة يبذلها المسؤولون، سواء كان في البرامج الثقافية ام الدينية، ولكننا نعود ونقول بأن الخورنة وحدها وبامكاناتها الذاتية عاجزة عن توفير هذين المطلبين. وإذا نجحت في توفير الثاني، فالاول –اي إعداد المناهج والكوادر بصورة مرضية–  يتجاوز اكتافها بالتأكيد.

      ازاء هذا التشتت تحرك بعض الكهنة في السنوات الاخيرة للخروج من الفردية وايجاد صيغ من التعاون والتنسيق افضل. غير ان الاطراف المعنية لم تنجح حتى اليوم (في بغداد) في تشكيل لجنة مشتركة بين الطوائف المسيحية للتنسيق والتخطيط. كما باءت بالفشل كل الجهود المبذولة التي انضم اليها بعض الاساقفة ايضا. في انشاء مركز رئيسي مشترك لشؤون التثقيف المسيحي يكون بمثابة مركز وثائقي ومصهر للخبرات ولتنسيق الوسائل التعليمية واعطاء تنشئة ثقافية متكافئة لمعلمي المراكز. ذلك لان التثقيف الديني ليس متوقفا على معلومات نظرية تنقل في تعابير جاهزة من المعلم الى الطالب. علاوة على ان المادة التي يعطيها المعلم ينبغي ان تحياها كمؤمن قبل ان ينقلها كمعلومة:

      ولكن من اين يحصل الشاب الذي يقدم نفسه للرسالة والتعليم على هذا “الرصيد” ان لم يعط له؟ فنحن بحاجة ماسة اذن الى معالجة مشكلة تدريب مدرسي التعليم المسيحي بصورة موضوعية. علاوة على ان فترة التدريب هي فرصة تستعد المدرس الشاب الى تجديد ايمانه وتعميق قناعاته والشعور بمسؤوليته الانجيلية تجاه طلابه.

آمال وتطلعات

        من كل ما تقدم يتضح لنا ان لدى الشباب طاقات هائلة ورصيدا عاليا من الاستعداد للعطاء، بقي على الكنيسة ان تستقطب هذه القوى الكامنة وتعرف كيف توظف هذه الطاقات والمواهب في الحقل الرسولي. واول شرط لهذا التفاعل هو الثقة التي ينبغي ان يضعها رجال الكنيسة –كهنة واساقفة– في الشباب، فيفسحوا لهم المجال ليلعبوا دورهم المنتظر في الرسالة الانجيلية. هذه الثقة شرط اساس ومن دونه لا يمكن للشباب ان يلتزموا بجدية اي دور ذي اهمية تذكر في حياة الكنيسة. كما ان هذه الثقة – اذا اريد لها ان تكون موضوعية وفاعلة – تفترض مسبقا مد جسور الترابط والاعتراف من كلا الطرفين –اعني بهما السلطة الكنسية والشباب– بالمسؤولية المشتركة تجاه الكنيسة ةتجاه مشروع التنشئة المسيحية.

      اذا انطلقنا من هذه القاعدة فنظنا الى كيفية “توظيف” طاقات الشباب في المساهمة في العملية التربوية المسيحية نسوقها على النحو التالي:

1 – ان دعوة الشباب العلماني الى الالتزام بعملية التنشئة المسيحية دعوة طبيعية ومنطقية وليست بدعة جديدة لاراحة الكهنة، وذلك لللاعتبارات التالية: أ– انطلاقا من سري العماد والتثبيت كل مسيحي مدعو للعمل في الرسالة الانجيلية. ب– لطاقات العطاء والاندفاع الموجودة لدى الشباب. ج– لمواهبهم وانطباعهم على الحركة والابداع والتجديد. د– لقربهم من نفسية الطلبة من جيل الصغار ومن الكبار، مما يتيح لهم فهم مشاكلهم والاستماع الى اسئلتهم ومعرفة لغتهم ومفرداتهم الخاصة. ه– لرغبتهم السخية  في ان يكونوا نافعين للكنيسة. و– لشعورهم بالمسؤولية بروح عالية اذا ما انيطت بهم المسؤولية ووصعوا موضع ثقة. ز– لقبولهم التوجيه بيسر واحترام وللثقة العالية التي يضعونها في الكنيسة، ودليل ذلك التفافهم حول الكاهن. ر– استعدادهم ان يبذلوا من وقتهم وراحتهم لمشروع يحبونه، دونما مقابل سوى الثقة والمحبة.

2 – افضل حقل رسولي متوفر لتوظيف هذه الطاقة هو حقل مراكز التثقيف المسيحي في الكنائس. فهم خير اعوان للكهنة في الرسالة. وبما ان هذه المراكز اصبحت المورد الوحيد تقريبا لاعطاء التعليم المسيحي للنشء الجديد فيجب ان توليها الكنيسة اكبر الاهتمام وتعمل على رفع مستواها وزيادة عددها وتزويدها بما تحتاجه من قاعات صحية ووسائل تعليمية، ولا تبخل عليها لا بتشجيعها المعنوي ولا بالمال اللازم لتطويرها.

3– واهم عنصر لرفع مستوى هذه المراكز هو الاهتمام بنوعية التعليم الذي يعطى فيها.

من هنا اهمية اعداد وتعميق المناهج التعليمية بحسب المراحل الدراسية المختلفة واغنائها بالخبرات والتوجيهات الحديثة في الكنيسة الجامعة، والتخلي عن الارتجالية والسطحية في مفردات التعليم المسيحي. اذ ان المادة الدينية في التعليم المسيحي مادة ايمانية مرتبطة بالحياة اكثر مما هي معلومات تلقى وتحفظ للامتحان(2).

4– اذا كان من المفرح حقا ومن دواعي الاعتزاز ان يكون ثمة شباب وفتيات (ومنهم

موظفون ومهندسون واطباء واحيانا الزوج والزوجة معا ) يتبرعون بوقتهم ويتطوعون لهذه الخدمة، فمن المنطقي والضروري ان نعدهم لهذه المهمة بتوفير دورات تثقيفية مركزة تؤهلهم لأئتمان تعليم الصغار او الكبار بالتزود يثقافة لاهوتية وكتابية جادة والاطلاع على اساليب التربية الحديثة على ضوء العلوم الانسانية كعلم النفس التربوي والأسري والاجتماعي(3).

        وفي هذا الباب نوصي بالحاح شبابنا وشاباتنا العاملين في حقل التعليم المسيحي بارتياد الدورات اللاهوتية للعلمانيين المقامة في الموصل وبغداد حيث تتم الدراسة بشكل منهجي وجاد على يد آباء كهنة واساقفة على مدار السنة الدراسية. وتتناول مواد اللاهوت الادبي والنظري  والفلسفة وتاريخ الكنيسة والكتاب المقدس والطقوس الكنسية.  

       كما نتمنى ان تكون هذه الدورات مصدر اشعاع لفروع تثقيفية اخرى وحبذا لو تطورت واصبحت بمثابة مراكز تاهيلية رسمية بتشجيع السلطة الكنسية لتخريج كوادر واساتذة التثقيف المسيحي في العراق.

   5– الى جانب هذه الدراسة المكثفة من المستحسن جدا ان يعقد اعضاء الهيئة التدريسية

مع كاهنهم في كل مركز –كما يجري الآن–  او لعدة مراكز، اجتماعات دورية لمناقشة الخطة التدريسية ولتقييم الخبرات من ناحية مضمون المادة التدريسية ومن النواحي العملية والتطبيقية الاخرى.

 وفي الختام نسوق أمنيتين للمستقبل نراهما نافعتين للفاعلية والانتاجية الافضل في حقل التثقيف المسيحي وهما:

أ – مركز وثائقي مشترك او اكثر في كل مدينة لشؤون التثقيف المسيحي يزود المراكز المختلفة – عن طريق الشراء او الاستعارة  – بوسائل الايضاح كالافلام السينمائية والفديو والسلايدات والكتب والنشرات والبوسترات والشرائط المسجلة وغيرها مما يستجد وينفع في حقل التربية الدينية. 

ب – لجنة مشتركة لشؤون التثقيف المسيحي في كل مدينة لتنسيق النشاطات وتطويرها، كما هو الحال في الموصل، يضم كهنة وعلمانيين وراهبات، ومن المحبذ، اذا رأت السلطة الكنسية ذلك، أن يرأس اللجنة أحد السادة الاساقفة. (*)

                      (بالمشاركة مع الاب يوسف عتيشا )

————————-

حول نشاط اللجنة لطلاب المدارس الابتدائية ووضع مراكز التثقيف المسيحي في

بغداد حاليا، انظر تحقيق برناديت عفاص في ف . م . ك1 1984.

نشير هنا الى مبادرتين جديدتين، الاولى في الموصل حيث صدرت الأجزاء

الأربعة الاولى من سلسلة التربية المسيحية بعنوان “مسيرة الايمان” للصف الاول والثاني والثالث والرابع الأعدادي. والأخرى في بغداد حيث يجتمه كهنة مسؤولون عن الخورنات مرة في الشهر لمناقشة وتنظيم مادة التعليم المسيحي في المراكز، وقد توصلوا الى الاتفاق على تأليف دروس ملائمة للمتوسطة والثانوية.

جرت في الموصل عدة دورات لاهوتية صيفية للعلمانيين منذ السبعينات وكانت

دورة 1981 التي نظمتها مراكز التثقيف المسيحي لتأهيل مدرسي ومدرسات التعليم المسيحي للمراكز والمدارس.

(*) لأستكمال الموضوع انظر “التثقيف المسيحي في العراق.. الى أين؟” ف.م . حزيران 1975 وت1 1975.

 (((((((((((((()))))))))))))))))))

ماذا قال المجمع قبل عشرين عاما

كانون الاول1985

    في 7 كانون الأول 1965 –أي قبل عشرين عاما بالتمام والكمال– اختتم المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني أعماله بعد ثلاث سنوات من الدراسات والمناقشات والتكثيف الإعلامي الذي جعل الكنيسة الكاثوليكية في حينها في واجهة وسائل الإعلام العالمية. وفي 8 ك1 الحالي يختتم سينودس الأساقفة العام خارق العادة أعماله في روما بعد انكبابه على تقييم ما تحقق في الكنيسة من مقررات ومن توجهات المجمع عشرين عاما بالتمام والكمال بعد اختتامه.

   في العرض التالي لن نتوخى التحليل ولا التبسط في مجمل الوثائق المجمعية، وإنما الاكتفاء بإلقاء بعض الضوء على الطروحات الجديدة التي انفرد بها الفاتيكاني الثاني.علنا بهذا نعيد إلى الأذهان حيوية الروح التي لا زال ينعش بها كنيسة اليوم.

       لا يختلف اثنان على إن المجمع الفاتيكاني الثاني يشكل ابرز حدث على الإطلاق في حياة كنيسة القرن العشرين، وانه طبع وسيطبع حياة الكنيسة لمدة طويلة. وإذا كانت المجامع المسكونية تنعقد عادة لمعالجة القضايا العقائدية والمسلكية وغالبا ما تخرج بتحديدات وحرومات وضوابط لرص الصفوف ووقاية المؤسسة الكنسية من رياح العالم الخارجي والانحرافات، فقد انعقد الفاتيكاني الثاني في ظروف كنسية آمنة وتحت شعار “التجدد والانفتاح”: التجدد في الداخل، والانفتاح نحو الخارج، لكي تظهر الكنيسة أكثر شبابا وتألقا وأكثر جاذبية ومصداقية. ولقد انعكس هذا الروح في الوثائق المجمعية التي استبعدت كل حكم سلبي أو إدانة أو حرم تجاه العالم وقيمه. بل بدت الكنيسة فيها “متضامنة مع الجنس البشري ومع تاريخه” كما جاء في مدخل الوثيقة الراعوية “الكنيسة في عالم اليوم”. وهذه الرؤية من قبل الكنيسة تجاه العالم اعتبرها الكثيرون بمثابة “فعل تحرري”، حيث إن ” التقبل الحقيقي لسر المسيح يدفعنا إلى نبذ كل فصل بين الاهتمام بشؤون الله وشؤون الإنسان.. وان بين الحياة اللاهوتية والنضال من اجل الإنسان صلة وثيقة “.

       فالبعد الراعوي الذي اتسم به المجمع لا يجد شرعيته إلا بارتباطه العضوي بالبعد العقائدي. أليس هذا هو الحال بين النظرية والتطبيق؟ لان مجمعا راعويا –وان كان مسكونيا وشاملا– لا ينغرز في تقليد الكنيسة، ليس سوى “مؤتمر كوادر”لوضع ستراتيجيات بشرية محضة.كما إن مجمعا عقائديا يتجاهل البعد التبشيري الذي يستمد فاعليته من الإيمان الحي لهو مجرد “حلقة دراسية” دينية ليس إلا، بحسب عبارات المطران فيلنيه رئيس مجلس أساقفة فرنسا. والحال إن المجمع، في روحه وفي مقرراته، لم يبلغ سوى تعميق الإرث الفكري واللاهوتي والتبشيري الذي غذى الكنيسة في تاريخها الطويل وإعادة الحيوية إليه بإيصاله إلى نهايات منطقه. لذا فان الفاتيكاني الثاني، ببعديه العقائدي والراعوي، ما هو إلا حصيلة حاصل تاريخي لمسيرة الكنيسة وخبرتها الحياتية والفكرية والرسولية وصلتها  الجدلية – الدينامية مع العالم.

     لاشك إن المجمع جاء في منعطف حضاري عالمي شامل من إعادة النظر في كل شيء، وقد يكون من باب التعامي عن الحقيقة لو ادعينا إن أجواء التحرر والتغيير والتقدم الخارجية لم تؤثر على توجهات المجمع. فلقد جاء المجمع فعلا ليحرك في الكنيسة أوضاعا طال جمودها، في حياتها الداخلية، وفي أسلوب رسالتها وتعاملها مع الكنائس الشقيقة، وفي علاقاتها مع العالم. وقد حملت مقرراته طروحات فكرية وتوجيهات مسلكية عملية عديدة لم يسبقه إليها مجمع آخر مثل: “الكنيسة شعب الله”، ودور العلمانيين الحيوي في حياة الكنيسة ورسالتها الإنجيلية، السلطة الجماعية وإشراك الأساقفة “كفريق عمل” في تسيير الكنيسة الجامعة مع البابا أو في نطاق مجالس الأساقفة أو سينودسات الكنائس الخاصة، مساهمة الكنيسة في معالجة قضايا المجتمع الإنسانية، الحرية الدينية، التصور الجديد لأسس الحوار بين الكنائس، العلاقة مع الأديان وحتى مع الإلحاد المعاصر، وسائل الإعلام..الخ.

   وتنقسم مقررات الفاتيكاني الثاني إلى 3 أنواع: الدساتير(4)، والقرارات (9)، والبيانات (3):

دستور راعوي في الكنيسة وعالم اليوم

      إن أهم الدساتير وأكثرها جدة وأطولها دراسة وتشعبا هو”الكنيسة في عالم اليوم”، وهو يقسم إلى مقدمة وقسمين وخاتمة.

      تستعرض المقدمة الوضع البشري بتغيراته وتناقضاته الاقتصادية والاجتماعية واختلالاته الأخلاقية والدينية وبطموحاته، وتعلن تضامن الكنيسة مع هذا الواقع حيث هي لخدمة الإنسان. ويتناول القسم الأول وضع الإنسان في حضارة لا تنفك تتطور، فيؤكد على قيمة الإنسان كفرد وكجماعة، ويبين دور الحرية والعقل والضمير في البلوغ إلى الخير، ومن ثم إلى الله. وإذا شجبت الكنيسة الإلحاد لكونه انتقاصا من كرامة الإنسان. فهي تقف موقف الاحترام من كل إنسان، حتى الملحد، متوخية المساواة الجوهرية بين جميع الناس، إذ أن على هذه المساواة يرسو التضامن البشري والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.هذا المجتمع الأخوي العادل تساهم الكنيسة مباشرة في إرساء قواعده، كجزء من رسالتها، متضامنة مع جميع ذوي الإرادة الصالحة. وإذ تعطي فهي تأخذ أيضا، لذا فهي تعترف بإفادتها من التاريخ ومن تطور الإنسان وثقافاته المتنوعة.

         أما القسم الثاني فيتطرق إلى خمس من اشد المشاكل العصرية إلحاحا، بغية اضائتها بنور الإنجيل والعمل على إيجاد الحلول لها وهي: الأسرة وشرف الزواج والحب واحترام الحياة –الثقافة وعلاقتها بالإيمان– النمو الاقتصادي والاجتماعي والعدالة في توزيع خيرات الأرض. ويعتبر هذا الفصل أكثر عناصر الدستور جدة –الحياة السياسية، واستقلالية الجماعتين السياسية والكنسية وان اشتركنا في خدمة الخير العام، كل واحدة من موقعها– قضية حفظ السلام مع ما يتضمن ذلك من شجب للحرب ولسباق التسلح والدعوة إلى معالجة الخلافات بالتفاوض على أسس التعاون الدولي.

   ولعل الكلمة الأساس في كل هذا الدستور هي “الحوار” البناء الفاعل بين الكنيسة والعالم بقيمه وطاقاته الايجابية ومعضلاته الواقعية، ومساهمة المسيحيين في تطوير المجتمع البشري، كأفراد ملتزمين في بلدانهم الخاصة وكحضور كنسي رسمي في الهيئات الدولية.

دستور عقائدي في الكنيسة

قرار في مهمة الأساقفة الراعوية

   الجديد الجديد في الدستور الذي عد “تحفة” المجمع هو

1 – التحديد الذي أعطاه عن الكنيسة بوصفها “شعب الله”، متجاوزا التحديد القانوني البحت إلى سر الكنيسة “كدليل وأداة للاتحاد بالله ولتوحيد الجنس البشري”.

 2 – مفهوم “كهنوت المؤمنين”، اعني اشتراك المؤمنين بكهنوت المسيح الفاعل، حسبما ورد في رسالة بطرس الرسول، وفي مهامه الإنجيلية والتقديسية.

 3 – مفهوم الخدمة الأسقفية الجماعية. قد لم تتخلص الكنيسة الكاثوليكية تماما من النظرة “الفوقية” التي وسمتها طويلا تجاه الكنائس الأخرى، ولكنها أخذت عنها، ولاسيما الشرقية منها، نظرتها اللاهوتية إلى “جماعية السلطة” والى كيان الكنائس الخاصة، وبذلك  ردت الاعتبار إلى الكنائس المحلية وصار كل أسقف “بوصفه عضوا في الحلقة الأسقفية يمارس السلطة الراعوية على الكنيسة الجامعة، ومن هذه الكنائس المحلية تتكون الكنيسة الجامعة الواحدة”.

     هذه المبادئ العامة عاد إليها “القرار في مهمة الأساقفة الراعوية في الكنيسة”، فتطرق إلى النواحي التطبيقية “للجماعية” التي تتجسد فعليا في المجامع المسكونية وفي السينودسات الطائفية، والمجالس الأسقفية المحلية والإقليمية، السينودس العام الذي يلتئم مع البابا كل 3 سنوات، وفي مجلس الكرادلة الذي اتسعت حلقة تمثيله الوطني والكنسي والثقافي، كما اتسعت المهام المسندة إليه على نطاق الكنيسة الجامعة.. وغيرها من وسائل “التشاور والاستمزاج” الجماعية.

قرار في رسالة العلمانيين

    قرار فريد آخر يرد لأول مرة في تقليد المجامع، فبعد أن تنكرت الكنيسة عن الكلام عن العلمانيين وانحازت إلى جانب الكهنة على حسابهم منذ المجمع التريدنتيني، انكب الفاتيكاني الثاني على إخراجهم من دائرة النسيان إلى دائرة الضوء كقيمة في ذاتهم وتوظيفهم توظيفا كاملا في مشروع الإنجيل. كأعضاء أصيلين كاملي الحقوق والواجبات. وهذا القرار إنما يتكامل مع ما جاء حول العلمانيين في الدستور “العقائدي في الكنيسة” و “الراعوي في الكنيسة في عالم اليوم”، ويتمحور حول قطبين اثنين:

1 – دور العلمانيين في تجديد النظام الزمني بحسب روحانية الإنجيل عن طريق الالتزام الشخصي وفي الهيئات الوطنية والدولية.

2  – دور العلمانيين في حياة الكنيسة وحقول العمل ألرسولي المختلفة، الفردية والمنظمة، وسبل التنشئة والتطبيق، وغني عن القول إن للشبيبة موقعا خاصا في هذا التوجه، باعتبارها الشريحة الفاعلة والرئيسة في صف العلمانيين(1).

قرار في الحركة المسكونية

قرار في الكنائس الشرقية الكاثوليكية

       بالرغم من إن روح المسكونية قد هيمنت على جميع أعمال، بل على مفردات المجمع، وذلك برغبة واضحة في خلق جو من الثقة بين الكنائس الشقيقة، فقد خص الفاتيكاني الثاني الحركة المسكونية بقرارين. وعندما نعرف إن موضوع الوحدة المسيحية كان بمثابة النواة المركزية لإعلان انعقاد المجمع في فكر يوحنا 23 لا نستغرب هذا الإلحاح.

       ففي القرار الأول يبدأ المجمع بوضع تصوره لسر وحدة الكنيسة الجامعة وثلم هذه الوحدة بالانقسامات التي تخالف إرادة المسيح. ليرسم من ثم السبل العملية للبلوغ سوية إلى “ملء الوحدة”، فإذا بها تمر أولا بتجدد الكنيسة الداخلي والتوبة والمصالحة المتبادلة والصلاة المشتركة، ومن ثم إلى فتح أبواب التعاون الراعوي والحوار اللاهوتي والعملي إلى أقصى مدى. وقد تميز القرار فعلا بتقدير بالغ للتقليد اللاهوتي والراعوي والليتورجي الشرقي.

      هذا التقدير كان محور القرار المجمعي “في الكنائس الشرقية الكاثوليكية ” التي يرى فيها المجمع “جسرا” للوحدة المنشودة. باعتبارها كاثوليكية المذهب والمرجع وشرقية التاريخ والتراث في آن واحد، وإذا توجه المرسوم إلى الشرقيين الكاثوليك. فهو موجه أيضا بطريقة غير مباشرة إلى الشرقيين الأرثوذكس أيضا…

   يعترف المجمع بان هذه الكنائس الشرقية (الكاثوليكية)، وان ارتبطت بروما كسلطة عليا فهي كيانات مستقلة تتمتع بذات الحقوق في الكنيسة الجامعة وعليها ذات الواجبات، ولا تفقد خصوصياتها لا إداريا ولا طقسيا. فان الوحدة ليست ذوبانا ولا انصهارا، ويحرص المجمع على النظام ألبطريركي الشرقي حيث أن “البطاركة مع مجامعهم يؤلفون المرجع الأول في كل أمور البطريركية “.ولكل كنيسة بطريركية قوانينها ونظمها الخاصة، ويقول بمساواة البطاركة جميعا في الكرامة البطريركية. وأوصى المجمع بإيجاد تاريخ موحد لعيد الفصح مع الأرثوذكس.

قرار في وسائل الإعلام الاجتماعية

       لأول مرة تنال وسائل الإعلام دخولا إلى قاعة مجمع مسكوني. لاغرو فإذا اعترف المجمع بفاعلية هذه التقنيات في المساهمة في تطوير الإنسان والترويح عنه وتثقيفه، وفي التأثير على “الراي العام”، فقد تناول الموضوع من زاويته الأدبية والأخلاقية، وليس من جانبه التقني. فتحدث عن حق الناس في الإعلام النزيه لبناء أحكام نزيهة، وعن علاقة الفن والآداب بالأخلاق. وعن ضوابط الإنتاج الإعلامي والصحفي والأدبي، وعن واجبات السلطات العامة في توفير”حماية الحرية الإعلامية  الصحيحة” شريطة أن “لا يساء استخدام الإنتاج الإعلامي”. ومن ثم أفضت الوثيقة الى حق الكنيسة في استخدام هذه التقنيات بمختلف أشكالها لخدمة الرسالة الإنجيلية، وضرورة إعداد كوادر مختصة لها.

بيان في الحرية الدينية

بيان في علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية

        محوران بكران آخران يحضيان بعناية المجمع لأول مرة في التاريخ. وموضوع الحرية الدينية وتطبيقها في بعض البلاد، و”المقصود بالحرية الدينية هنا هو ذلك الحق الطبيعي العام الذي يقره الشرع المدني فيعد كل ضغط على الإنسان في الشؤون الدينية.. ليتصرف عكس معتقده وإيمانه..او يمنعه بالقوة من ممارسة ديانته وفقا لإيمانه”. وتشمل هذه الحرية ليس فقط ممارسة الشعائر، بل وسائل التربية والتثقيف والتنظيم والنشر الهادفة إلى تنشئة المؤمنين، شريطة أن لا يتنافى ذلك مع سلام المجتمع وحقوق الآخرين، وتطالب الوثيقة بهذه الحرية للكنيسة أولا، ولجميع الناس، إفرادا وجماعات، عملا بمبدأ تكافؤ الفرص. كما إنها تقر بحق رفض الإيمان أيضا، عن حرية وقناعة، لا أكراه في الدين.

     الدولة ملزمة بصيانة هذه الحرية لكافة المواطنين “بضمانات قانونية”، والعلاقات بينها وبينهم ينبغي أن تبنى على أساس الحقوق والواجبات التي تصب كلها في الخير العام. وإذا ما اقر نظام ما بدين رسمي للدولة –أو تبنى الإلحاد نهجا– لا ينبغي أن يتخذ من ذلك وسيلة أو حجة للتمييز والتفرقة بين المواطنين، لان هذه الحرية ترتكز على كرامة الإنسان بالذات، والمساس بها مساس بشخصه.

        وانطلاقا من هذه الأسس، وبروح الانفتاح والحوار الذي اتسم به الفاتيكاني الثاني، جاء التصريح “في علاقة الكنيسة مع الديانات غير المسيحية”. علما بان أيا من المجامع المسكونية السابقة لم يتطرق قط إلى الأديان الأخرى.

        وقد اثأر هذا التصريح ضجة كبرى في حينها في فقراته المتعلقة باليهود، وكان للآباء الشرقيين دور رئيس في تعديله لئلا يستغل في غير هدفه الديني. فالهدف الأساس منه هو إقامة الحوار والتعاون في الاحترام المتبادل بين الديانات، لاسيما السماوية، من اجل خدمة الإنسان والإخوة الشاملة وضمان السلام. وقد خصت الوثيقة بالذكر الديانات الكبرى: الأسيوية (كالهندوسية، والبوذية)، والإسلام، واليهودية، وقد ركزت على نقاط التلاقي مع المسيحية لا التباين، ودعت إلى الثقة المتبادلة ونبذ سلبيات الماضي.

خاتمة

       لقد كان بودنا أن نستعرض كلا من الوثائق أل 16 التي تشكل حصيلة مقررات المجمع، ولكن ضيق المجال في هذا الركن لم تتح لنا سوى الاكتفاء بالتي حملت عناصرالجدة والثورية، إذا صح القول، بالنسبة إلى الطروحات المجمعية التقليدية، وان اتصفت كلها بهذا العنفوان الذي بعث في شرايين الكنيسة حيوية الشباب والشجاعة على مراجعة شاملة للذات، لذا نهيب بالقاري للعودة إلى ما نشرته المجلة من نصوص ودراسات حول الوثائقالمذكورة (2)

————————

(1) انظر ف.م.ت1 ت2 1985 “الشباب والكنيسة”.

(2) الدراسات: المجمع ووثائقه (سلسلة24/1966) وثيقة الكنيسة في عالم اليوم (سلسلة 35-36/1967)، الاتجاهات الرئيسة للمجمع. (ك2/شباط1983).الحرية الدينية على ضوء المجمع (آب/ايلول1985). رسالة العلمانيين: الشباب والكنيسة (ت 1ت2 1985).

النصوص: الحركة المسكونية (شباط 1979) الكنيسة في عالم اليوم (حزيران وت1 1979. ت1 وت2 198.. ت1 ت2 1984). التربية المسيحية (ك1 1979). الحرية الدينية (آذار 198.). الوحي الالهي (ت1 ت2 1982).

وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني

دساتير:

دستور عقائدي في الكنيسة

دستور عقائدي في الوحي الالهي

دستور عقائدي في الليتورجيا المقدسة

دستور راعوي في الكنيسة وعالم اليوم

قرارات:

قرار مجمعي في مهمة الاساقفة الراعوية في الكنيسة

قرار مجمعي في حياة الكهنة وخدمتهم الراعوية

قرار مجمعي في التنشئة الكهنوتية

قرار مجمعي في تجديد الحياة الرهبانية وملائمتها

قرار مجمعي في رسالة العلمانيين

قرار مجمعي في نشاط الكنيسة الارسالي

قرار مجمعي في الحركة المسكونية

قرار مجمعي في الكنائس الشرقية الكاثوليكية

قرار مجمعي في وسائل الاعلام الاجتماعية

بيانات:

بيان في الحرية الدينية

بيان في علاقات الكنيسة بالاديان غير المسيحية

بيان في التربية المسيحية 

 

الفكر المسيحي 1983

الفكر المسيحي 1983

مجلة الفكر المسيحي 1983

ت

المقال

العدد

الشهر

السنة

67

والنسيم صار تيارا ..  – ملف                            

181

كانون2

1983

68

جولة في مراكز التثقيف المسيحي مقال    

182

اذار

1983

69

القداس حدث ووظيفة  – ملف                            

182

نيسان

1983

70

مقابلة مع الاب فانسان دكوانونكل                    

آب/ ايلول

1983

71

الأسرة خلية الكنيسة   مقال                      

188

ت1/ت2

1983

والنسيم صار تيارا

والنسيم صار تيارا..

سيبقى اسم يوحنا 23 ملتصقا بالمجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني وقد كان “ملهما” حين دعا إليه وكأنه تلقي وحيا من السماء، هو الذي قال عنه البطريرك المسكوني الراحل اثيناغوراس: “كان إنسان مرسل من قبل الله اسمه يوحنا”! فيوحنا 23 شرع أبواب الكنيسة ونوافذها، وكان على بولس السادس– وقد انتخب في 21 حزيران 1963 قبيل الدورة الثانية– أن يواصل العمل بشجاعة ودهاء وحزم ويشهد التحول الكبير الذي أحدثه المجمع في كل جنبات الكنيسة وعلى أكثر من صعيد…

عشرون عاما مضت على انعقاد أعظم مجمع في تاريخ الكنيسة – وهو الحادي والعشرون في سلسلة المجامع المسكونية – والذي كان بمثابة عودة إلى الينابيع وانطلاقة نبوية مكنت الكنيسة من الالتقاء بعالم في تحول دائم وتكييف تعاليمها وفق متطلباته والبحث عن مكان فيه يتسنى لها منه أن نشهد للإنجيل ضمن تعدد الحضارات…

الأب جرجس القس موسى يرسم الاتجاهات الرئيسة التي تبناها المجمع ويخلص إلى طرح التطلعات التي بوسع المجمع أن يلهمها من اجل كنيسة متجددة أبدا تسعى إلى أن تكون دوما أكثر مصداقية وأكثر إشعاعا.

مقدمة: المجمع عودة إلى الينابيع

يعزى إلى يوحنا 23 انه عندما هم بعقد المجمع الفاتيكاني الثاني فتح نافذة غرفته على مرأى من بعض مساعديه واستنشق الهواء وقال: “الجو ثقيل هنا، لنفتح النافذة وليدخل إلى الكنيسة قليل من النسيم العليل”!

هذه الحادثة التي تروى كطرفة من طرف البابا الطيب يوحنا هي من روحه تماما وتعبر بأسلوب الأنبياء الإيماني عن الفكرة المركزية التي حركت يوحنا 23 على إعلان المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، ألا وهي: فتح الكنيسة الكاثوليكية لتيارات الحياة الجديدة، وإعادة النظر في طبيعتها وصيغها التعبيرية، وفي موقعها في العالم، في علاقاتها مع شقيقاتها لفتح عهد جديد من التعاون والمكاشفة الأخوية باتجاه الهدف الأكبر: الوحدة..

وكل ذلك بروح إنجيلية راعوية، وليس عقيدا نية، استعلائية. وقد أوضح يوحنا 23 هذا المنطلق في خطابه الافتتاحي للمجمع في 11 ت1 1962: “واجبنا ليس فقط أن نحفظ هذا الكنز الثمين وكان اهتمامنا منصب على الماضي وحده، وإنما علينا أن ننصرف بتصميم ومن دون خوف، للعمل الذي يستوجبه عصرنا.. إن الروح المسيحية، الجامعة، الرسولية تتحفز، في العالم اجمع، لقفزة نوعية إلى أمام فيما يخص تغلغل العقيدة المسيحية وتهذيب الضمائر بصورة أكثر أمانة للعقيدة الصحيحة. اجل.. ولكن هذه العقيدة ينبغي أن تدرس وتعرض وفقا لأساليب البحث والعرض التي يقرها الفكر المعاصر. فجوهر العقيدة شيء والتعبير الذي تتوشحه شيء آخر”.

لقد أحب يوحنا 23 كنيسة المسيح وأرادها جميلة في ذاتها وجذابة للخارج، ولان حبة كان كبيرا وصافيا وواثقا، إن صح القول، لم يغر عليها من العالم الذي لا يرى فيه “أنبياء الشؤم” سوى “الموبقات والدمار”، بل دعاها بلهجة جديدة ومتفائلة إلى “النظر إلى الحاضر”. وجاء هذا “النظر”، في الواقع، عودة إلى الينابيع وتجذرا أعمق للكنيسة في التاريخ الإنساني.

الاتجاهات الرئيسة التي خرج بها المجمع

عندما نقول “الاتجاهات التي خرج بها المجمع” لا نعني إن المجمع كان شهبا جميلا ظهر في سماء جسلنا فجأة لا ندري كيف، وإنما جاء بمثابة المصهر لكل تلك الدراسات اللاهوتية والمعانيات الراعوية والوحدوية، والخبرات المتنوعة في البحث الروحي التي كانت تعتمل في الكنيسة منذ بضعة عقود، وقد أصبح المجمع هو نفسه منجما لطموحات جديدة ومحركا لديناميكية الكنيسة الجامعة ومحكا للخبرات وإطلاق حرية التعبير، بالإضافة إلى الثراء الإنساني والبعد الكنسي الجماعي الذي قدمه لأساقفة الكنيسة ولاهوتييها ومفكريها باللقاء المباشر (راجع سلسلة ف.م. العدد24) المجمع المسكوني، ف.م. أيلول 1977: كنيسة ما بعد المجمع).

فالاتجاهات التي خرج بها المجمع نوجزها بأربع قواعد رئيسية، هي:

1 – الجماعية الأسقفية في قيادة الكنيسة:

لقد قيل، وبحق، إن هذا المجمع كان “مجمع لاهوت الكنيسة” على غرار ما كان مجمع افسس “مجمع العذراء أم الله”، ومجمع خلقيدونية “مجمع طبيعة المسيح”.

فمن مجموع 16 وثيقة مجمعية هناك وثيقتان عقائديتان فقط، إحداهما “في الكنيسة”، تتناول طبيعتها وتكوينها وتحدد نظام السلطة فيها.وبينما كان الفاتيكاني الأول قد كرس المركزية الكاثوليكية، فقد ركز الفاتيكاني الثاني على الجماعية الأسقفية كرد فعل لتلك المركزية المهيمنة. وإذا شددت الوثائق الرسمية على إن هذه “الجماعية” ليست بمعزل عن البابا، بصفته “الرأس الأعلى”، فقد أكد تيار مواز –حمل رايته لاهوتيون كبار وأساقفة بارزون وأوساط مسكونية وقاعدية، ويدعمه تقليد المجامع المسكونية والسينودسات الإقليمية  التي لا تزال  تسير عليها الكنائس الشرقية– على إن “الرأس” لا ينبغي أن ينظر إليه بمعزل عن الأعضاء، “فبطرس والأحد عشر” أعمدة الكنيسة مجتمعين، وان كان بطرس هو عروة الوحدة في البناء.

ولهذه “الجماعية” وجهان، وجه شمولي يعانق مشاركة الأساقفة العامة في قيادة الكنيسة الجامعة، ووجه خاص يهم حياة كنائسهم المحلية.

أما كيف نترجم هذه المساهمة للجماعية في الواقع، فعلى صعيد الكنيسة الجامعة هناك سينودس الأساقفة العام الذي اعتبر” قنبلة المجمع” حين أعلن إنشاءه بولس السادس في غمرة الدورة المجمعية الأخيرة عام 1965. ويتكون هذا “السينودس” من رؤساء المجالس الأسقفية المحلية والبطاركة والكرادلة، ويعتبر بمثابة مجلس شورى الكنيسة الدائم لمعاونة البابا في قيادة الكنيسة، ودورته كل 3 سنوات. (راجع ف.م.ك2 1972).

ونظرا لشمول الوظيفة البابوية الكنسية كلها، وليس أبرشية روما فقط، وتجسيدا قانونيا اقوي للجماعية، ظهر اتجاه يدعو إلى انتخاب البابا من قبل أساقفة العالم عبر ممثلي مجالسهم وبطاركتهم. فكان الحل الأوسط إن “دول” بولس السادس –ويوحنا بولس الثاني من بعده– مصف الكرادلة بعناصر من الكنائس المحلية والشرقية، ورفع عددهم، حتى صار الغربيون هم الأقلية.

وتجسد اتجاه اللامركزية بصورة أوضح في المجالس الأسقفية الخاصة، الوطنية، والإقليمية. وقد تميزت بعض هذه المجالس بحيوية مبادراتها، كمجلس أساقفة أميركا اللاتينية مثلا.

لقد كان الفاتيكاني الثاني فرصة الكنائس الفتية حقا. فقد شهدنا بداية تحول مركز الثقل في الكنيسة من أوروبا إلى العالم الثالث، ولم تعد كنائسه ترضى أن يكون ثمة كنيسة مركزية آمرة – روما – و “كنائس أطراف” ملحقة بها.

ولكن هذه الكنائس حرصت أن تبقى وتكون خبراتها “خبرات الكنيسة الجامعة” وملكها. وهكذا أصبحت كل كنيسة محلية “نافذة” تنفتح من خلالها الكنيسة الجامعة إلى معضلات وتساؤلات العالم، فساهمت إفريقيا،مثلا، في تعميق الوعي ألرسولي والتبشيري، واسيا بفتح الحوار مع الديانات واعتبار الكنيسة المحلية الأداة الفضلى لنشر الإنجيل، وأميركا اللاتينية بفرق القاعدة والصلة الوثيقة بين التحرر الإنساني والخلاص المسيحي، والكنائس الشرقية باختبارها إن الوحدة ممكنة في التعددية.

زيارات البابا نفسها للكنائس المحلية ولقاءاته مع أساقفتها ومجاهديها وجماهيرها، إذا كانت تعبيرا لشمولية الخدمة البابوية، فهي قبل كل شيء دعم لشخصية هذه الكنائس وخبراتها ودورها الخاص في حياة شعوبها.

2 – التجدد الداخلي، أو إعادة ترتيب البيت:

كانت الكنيسة على أيام بيوس 12 تبدو كبيت قديم امن يعيش على تقاليده ويعتز بأثاثه الموروثة، ولكن بشيء من الانقباض. وعندما أطلق يوحنا 23 شعار المجمع بكلمة “Aggiornamento” (ومعناها “التجديد بحسب متطلبات اليوم”) هبت حركة، فيها الاندفاع وفيها النشوة، لإعادة ترتيب البيت وتجديد ديكوره وفتح نوافذ لاستقبال الحياة. وكانت أولى تلك النتائج خلخلة مفهوم “الهرمية” –وقد رأينا التطبيق على ممارسة السلطة العليا– وها قد بعث المجمع الفكرة الكتابية إن الكنيسة ليست مجرد مؤسسة، بل هي شعب الله، “حيث الأفراد يشتركون بدعوة واحدة، وغاية واحدة. والعلمانيون لا يعرفون من الآن وصاعدا بخضوعهم للسلطة، ولكنهم داخل شعب الله يشتركون بكهنوت المسيح ” (دستور عقائدي في الكنيسة – التقديم).

ومفهوم “شعب الله” هذا مفهوم دينامي: فقد أطلق الروح النبوية الخلاقة في الكنيسة، واحدث فيها ثورة كوبرنيكية حيث صارت القاعدة تشترك في صوغ الاتجاهات الفكرية وتؤثر في بلورة القرار الكنسي عبر فرق القاعدة –وقد دعيت أحيانا بفرق الضغط-، وعبر المؤتمرات والتجمعات الوطنية والإقليمية والقارية التي يشترك فيها كهنة وعلمانيون، والمجالس الاستشارية الأبرشية والخورنية، والأبحاث اللاهوتية والتاريخية والاجتماعية سواء صدرت عن أفراد أو لجان. فنشا عن ذلك وعي متزايد والتزام اكبر لدى العلمانيين واتساع دورهم في حياة الكنيسة

–الم يشتركوا كمراقبين في المجمع؟-.

واجتاح كنيسة المجمع وما بعده تيار من نشدان البساطة والأصالة في التعبير والحياة كان حاصل انتصار روح الإنجيل في صراع التقليد والحياة. وقد تجسد ذلك بصورة جلية في ظهور مفهوم “كنيسة الفقراء”و “كنيسة الخادمة”.

ونال التجديد الليتورجيا وصيغ العبادة والكلمة لتعود إلى ينابيع الكتاب المقدس أكثر من السابق، وتتبنى اللغات الحية، وتستوحي واقع الإنسان ومعانياته وثقافات الشعوب التي تنتمي إليها. واقتحم روح التجديد الرهبانيات، والأديرة، والمعاهد الاكليريكية، وحياة الكهنة واطر عيشهم وحتى الزى ألرهباني والكهنوتي.

وأصابت “الثورة المجمعية” – ليس بالوثائق، بقدر ما بالجو التحرري الذي أفاقته. الأخلاقية  أيضا، حيث تبدلت الموازنة من أخلاقية الثواب والعقاب ومنطق الشريعة والخطيئة، إلى أخلاقية الضمير والحرية ومنطق المسؤولية. ونظر بتقدير اكبر إلى الحب، والى الجنس، والى المرأة.

3 – الانفتاح إلى العالم:

لعل اليقظة الكبرى لكنيسة المجمع وما بعده هي وعيها أنها ليست “سوبر مؤسسة ” تتعالى فوق المجتمع بل جزء من كل ضمن حركة التاريخ: فهي في العالم تتحرك ومع العالم تجاهد، ومن اجل العالم وجدت؛ وان تميزت عنه فلكي تكون ضميره الحي، وخبيرة باحتياجاته –إذن “خبيرة بالإنسان”– حسب عبارة بولس السادس. وقد عبر المجمع عن هذا الوعي منذ بدء أعماله برسالة رائعة وجهها إلى العالم، يوم الافتتاح، ضمنها انفتاح الكنيسة بثقة إلى العالم وقضاياه وتأكيدها على الوحدة الأخوية بين البشر، فوق الحدود والأجناس، والأنظمة الاقتصادية والسياسية، ورفضها للحلول التي بفرضها العنف وإعلان حبها للسلام بوصفه علامة حضور الله في التاريخ (الأب شنو).

أما الوثيقة الكبرى لهذا الانفتاح فهي الموسومة “دستور راعوي حول الكنيسة في عالم اليوم” والمعروفة “بالمسودة رقم 13” (سلسلة الفكر المسيحي العددان 35 و36). لقد اعتبر هذا النص فتحا في تاريخ الكنيسة  وتعاملها مع العالم، ليس كنص مجمعي وحسب، بل خاصة لأوجه الالتزام الفعلي التي أثارها. فلقد جاء صدى لهذا المنعطف الكبير في حياة الكنيسة، ألا وهو الانفتاح على قيم العالم الايجابية، وقد تجلى ذلك في اكتشاف وتقدير غنى الثقافات والحضارات المختلفة، وفتح الحوار مع الديانات غير المسيحية، لا بل حتى مع غير المؤمنين.

أما الشق الثاني لهذا الانفتاح فهو تبني الكنيسة قضايا الإنسان المقهور بنوع خاص، فكانت لجان “العدل والسلام” الحبرية والوطنية والإقليمية وكانت رسائل يوحنا 23 “أم ومعلمة”  (1961) و “السلام على الأرض” (1963)، وبولس السادس في “تقدم الشعوب” (1967) (ف.م.ايار 1982) و “الذكرى الثمانين” (1971).ف.م ك1 1971 ويوحنا بولس الثاني في “العمل البشري” (1981) (ف.م.ك1 1981). وكان خاصة مؤتمر أساقفة أميركا اللاتينية في ميدلين (1968) الذي اعتبر “المنعطف الحقيقي” ليس لتطور الموقف الكنسي وما دعي “”بلاهوت التحرير  في أميركا اللاتينية وحسب، بل للوعي الذي شمل الكنيسة الجامعة حول قضية التنمية والنضال من اجل حرية الشعوب.

إلى جانب ذلك، وانطلاقا من دينامية المجتمع، تقود كنائس إفريقيا واسيا معركة أخرى هي معركة الأصالة والتجذر في ثقافاتها المحلية وتراثها القومي الخاص لتعيش الإنجيل وتقدمه بلغة شعوبها وذهنيتهم.

4 – الانفتاح إلى الأشقاء: تراث وإيمان مشترك:

قيل إن الفاتيكاني الثاني تحور من “مجمع وحدة” في ذهن يوحنا 23 إلى “مجمع مراجعة حياة ذاتية”. قد يكون. ولكن العلاقة مع الأشقاء وهدف استعادة الوحدة معهم بقي عنصرا أساسيا في هذه “المراجعة”، فلقد كان وجود المراقبين من الكنائس للأرثوذكسية والبروتستنتية الشقيقة المختلفة في قاعة المجمع منذ اليوم الأول ليس فقط شهادة لحسن نية الكنيسة الكاثوليكية وحلول جو الأمل والحنين إلى الوحدة المفقودة، بل بمثابة “رقابة” أيضا على المجمع ليكون “نقلة ” حقيقية في نوعية العلاقات المسكونية.

لست في صدد استعراض جميع مراحل ومنجزات الحركة المسكونية منذ المجمع، وإنما اقتصر على إيجازها في محاور ثلاثة وهي:

أ – لقاءات الأقطاب: وقد بدأها بولس6 مع البطريرك المسكوني اثينا غوراس في القدس (1964)، ومنذ ذلك التاريخ لم تعد تحصى لقاءات القمة والأقطاب والرسائل والوفود المتبادلة بين بابا روما وبطاركة الشرق ورؤساء الكنائس الأخرى سواء في روما أو القسطنطينية أو كونتربري أو في غيرها من أقطار “المسكونة”. وقد كان رفع الحرومات بين روما والقسطنطينية بمثابة تمزيق رسمي لصك الانشقاق.

ب- لجان المتابعة والحوار: وفي مقدمتها سكرتارية اتحاد المسيحيين التي كانت لها اليد الطولى منذ المجمع في توجيه أعماله توجيها مسكونيا وفي إقامة الحوار الاخوي بين الأشقاء، مباشرة أو عبر مجلس الكنائس العالمي. فلجان الدراسة والمتابعة بين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الشقيقة أمست هي الأخرى واقعا يفرض وجوده على الحركة المسكونية.

ج – التعاون والتنسيق على الأصعدة المحلية: فحركة الوحدة ليست مجرد “عملية خبراء” أو “مشروع القمة” وحدها بقدر ما هي “هم القاعدة” والتزام كنيسة وكنيسة بإنجيل يسوع المشترك.

قلتها كلمة “المشترك”: فلعل اكبر انجاز في الحركة المسكونية هو اكتشاف واعتراف الجميع –لاسيما الأرثوذكس والكاثوليك– إن تراثهم الإيماني وحتى اللاهوتي واحد في جوهره، وان اختلف في تعبيره، وقبول هذا التباين على انه ثراء لا انتقاص. مثل هذا الاكتشاف يعادل اقتلاع جبل من الجليد كان جاثما على الأسوار التي نحن أقمناها بيننا بانغلاقنا ومحاكاتنا.

تطلعات مستقبلية في خط المجمع

قد يقول قائل: انك لم تنظر إلا إلى النصف الممتلئ من الإناء، وأهملت الوجه الآخر من الصورة!

اجل، إن للصورة وجهها السلبي أيضا، فتطبيق المجمع لم يمر من دون مخاض ورجات. أما قيل إن النسيم الذي ادخله يوحنا 23 إلى الكنيسة صار عاصفة؟! فكنيسة ما بعد المجمع عاشت حقا أزمة ذاتية ونفسية. وبإمكاننا إيجاز جو الكنيسة بثلاثة اتجاهات رئيسة هي:

1 ) رغبة واضحة ومصممة على تطبيق المجمع والاهتداء بروحه

2 ) الميل إلى تخطي المقررات المجمعية والانفتاح إلى المستقبل في عالم كله حركة وتطور

3 ) الحنين إلى ماض امن وإيقاف كل ما حركه المجمع من دينامية خوفا من فقدان السيطرة على الأحداث، وقد تجلى ذلك بتراجع قسم من الأساقفة عن روح المجمع أو رفضهم الصامت أو المكشوف تطبيق توجيهاته. كما ظهر، بمجيء يوحنا بولس2، موقف يريد أن يكون “توفيقيا – تطويعيا” لكل هذه الاتجاهات بغية إمساك خيوط اللعبة وإعادة التوازن والطمأنينة.

(31)

مهما كان من أمر فالمجمع ليس مجرد نصوص، وإنما ثورة فكرية وانطلاقة الروح. والحال إن لا النصوص هي وصفة سحرية، ولا الثورة تكتمل إلا من خلال الاختبار. وإذا كان لابد من بنى ومؤسسات لتنسيق التنفيذ، فلا ينبغي أن تحد هذه البنى من انطلاقة الروح. فتطلعاتنا هي أن تعالج كنيسة ما بعد المجمع بروح نبوية وثقة عالية بالرب وبنفسها، وبتواضع أيضا، مسائل لازالت تحتاج إلى مواقف أكثر جرأة ووضوحا، فهناك مثلا:

أ – ممارسة الجماعة –ولنقل الديمقراطية– بصيغ متقدمة توازن بين مشاركة الأساقفة والبطاركة مسؤوليات قيادة الكنيسة الجامعة، وبين إعطاء الكنائس المحلية –ومنها الكنائس الشرقية بالذات– قسطا أوفر من حرية التحرك والخصوصية واستقلالية القرار وفق ضرورات بيئتها الخاصة، مما يلزم إعطاء القاعدة دورا اكبر في حياة الكنيسة.

ب – موقع البابوية في القضية المسكونية بحيث لا يبدوا فيها كرسي روما وكأنه يهدد استقلالية الكراسي الأخرى. وإذا كانت سياسة الفطنة والمراحل ضرورية، فالخطوات والمبادرات الملموسة، حتى وان بدت مجازفة، ضرورية أيضا وملحة. فصبر المؤمنين كاد يتحول إلى شك في النيات.

ج – أخلاقية إنسانية تعتمد الضمير والوعي والمسؤولية أكثر من الردع أو القسر أو الكبت، وتعطي الأهمية لأبعاد الإنسان الزمنية. رد الاعتبار إلى المرأة كمرآة وكعضو كامل العضوية في الكنيسة، إلى صلتها بالكاهن، إلى الحب والجنس عموما.

د – فك الارتباط المزمن مع اللاموقف، أو مع الوضع القائم إذا كان جائرا يقمع الإنسان، فالكنيسة لا يسمح لها بالانحياز إلا إلى جانب الفقراء والمظلومين وصانعي السلام: وهذا هو الإنجيل.

بهذه الشروط ينقل المجمع إلى ساحات الكنائس المحلية ويجيب إلى تطلعات ومعانيات شعوبها، بحسب تعبير احد الأساقفة الأفارقة.

الأب جرجس القس موسى

((((((((((())))))))))

جولة في مراكز التثقيف المسيحي في الموصل

1983 المقالات:

اذار 1983

      في 19شباط 1981عقد اجتماع ضم أساقفة الأبرشيات الموصلية ورهطا من كهنتها وراهباتها لإحياء روح التنسيق والتعاون والمبادرة بين العاملين في أنشطة التعليم المسيحي، وأسفر عن خطوات أربع وهي:

1-      إعادة الحياة إلى “لجنة التأليف” المكلفة من قبل ابرشيات الشمال الكلدانية وتطعيمها

بعناصر جديدة لإعداد مناهج للتدريس الديني في المتوسطات والاعداديات.

2-     اخذ علم بنشاطات التثقيف المسيحي المعطى في الكنائس، واعتبار العاملين فيها من

كهنة وراهبات وعلمانيين “الهيئة العامة” لشؤون التثقيف المسيحي في المدينة.

3-    اختيار “لجنة تنسيق” مهامها “خدمة وارتباط بين المراكز المختلفة، واداة متابعة

وتنفيذ لاحتياجاتها، وهمزة وصل بينها وبين السادة الأساقفة”.

4-    السادة الأساقفة هم المسؤولون الرسميون عن نشاطات وشؤون المراكز. وتكون

العودة بصورة خاصة إلى سيادة المطران كوركيس كرمو.

   وتصب هذه الخطوات كلها ليس فقط في هدف الإنتاج الأفضل، بل هي أن ترتفع من مستوى النشاط المحلي لتصبح مشروع كنيسة الموصل، أيضا.

      وبغية عكس هذه التجربة – ومن خلالها تسليط الضوء على واقع التثقيف المسيحي في الموصل – أجرينا التحقيق التالي الذي يتناول نشاطات المراكز وحدها، لا المدارس التي تتضمن مناهجها مادة الدين المسيحي رسميا. وقد اعتمدنا فيه أربعة عناصر وهي: مقابلة مع أعضاء لجنة التنسيق؛ لقاء مع العاملين في المراكز من خلال أحاديث أجريناها مع هيئة مركزين حيويين (مار افرام ومريم العذراء) ومع احد الآباء وهو مسؤول عن ثلاثة مراكز أخرى. مقابلة مع السادة أساقفة الموصل عمانوئيل بني وغريغوريوس صليبا وكوركيس كرمو –إضافة إلى تقارير ومحاضر اجتماعات شؤون التثقيف المسيحي.

®    النشاطات العامة

      إذا كانت “لجنة التنسيق” أولى محطات جولتنا فقد أفادت عن وجود 10مراكز تتوجه إلى طلاب الابتدائيات والمتوسطات والثانويات المحرومين من التعليم المسيحي الرسمي. يضاف إلى ذلك لقاء ديني أسبوعي للجامعيين، ومحاضرة شهرية للبالغين، وقداس شهري خاص للشباب، مع لقاءات لشرح الإنجيل للكبار في بعض الكنائس. كما أفادت عن إقامة دورتين، الأولى تاهيلية لمدرسي التعليم المسيحي في المدارس والمراكز، في أيلول 1981، تناولت الأسس التربوية والنفسية والدينية لإعطاء التثقيف المسيحي ومناهج الدراسة المقترحة. والثانية لاهوتية مفتوحة حول إسرار العماد والتثبيت والاوخارستيا في ت1 1982. وهناك دورات صيفية للصغار في بعض الكنائس أكثر تكثيفا وعلى مدى أيام الأسبوع.

      أما عن نشاط “اللجنة” –وتتكون من كاهن وراهبة وشابين علمانيين، مدة انتدابهم سنتان– فهي، علاوة على دعوة الهيئة العامة إلى الاجتماع والتداول مرتين في السنة، تقوم بزيارة ميدانية سنوية للمراكز للاطلاع على طبيعة عملها وتلبية احتياجاتها، وتعمل على تنسيق قداديس الشباب والمحاضرات العامة، وقد زودت معلمي ومعلمات التعليم المسيحي في المدارس الرسمية بكتب دينية مساعدة –سيما وان المنهج الرسمي المقرر لا يختلف في هشاشته وسطحيته اثنان-.

     وعلى سؤالنا: لو طلب إلى “اللجنة” أن تؤدي عملها بصورة أفضل، ما هي أمنياتها؟ أجابت:

         إن يتاح لها قدر أوفر للمبادرة والخدمة، فلا تكون مجرد أداة “لتمشية الأمور”، بل حلقة

وصل مركزية في عملية التثقيف المسيحي، من دون أن يعني ذلك تدخلا أو هيمنة على نشاطات المراكز. كما تقترح “اللجنة” إنشاء مركز للرسائل التعليمية الحديثة من أفلام دينية وكاسيتات فيديو وسلايدات وبوسترات وكتب دينية أخرى كمصادر ومراجع.. تكون في خدمة المراكز.

®    طبيعة العمل في المراكز

      يقدرعدد المستفيدين من المراكز بأكثر من 350 طفلا وطفلة من المرحلة الابتدائية و 300 شاب وفتاة من المرحلتين المتوسطة والثانوية، بالإضافة إلى حوالي 200 طالب وطالبة من كل المراحل في مركز كنيسة الطاهرة الخارجية للسريان الأرثوذكس، ويرتاد لقاء الجامعيين بين 40 – 70 شخصا. أما التعليم فمختلط في معظم المراكز، ويعطى بحسب المراحل الدراسية، بدمج الصفوف المتقاربة، أو صفا، بحسب توفير الكوادر والأمكنة، ولا تتضمن جميع المراكز جميع المراحل بالضرورة، ويكون التعليم يوما في الأسبوع، وفي مركزين ينقل الصغار بالباص.

    الإطار العام للتعليم هو ربط الثقافة الدينية بالحياة والالتزام الفعلي، لذا يغلب طابع المشاركة في المناقشة والمحاورة بين المدرسين والطلاب، لاسيما في المراحل المتقدمة. أما المادة الدينية فهي تختلف من مركز إلى آخر ولا تتبع منهجا موحدا. فإذ يعتمد أكثر من مركز (للمتوسطات والاعداديات) الإنجيل مادة رئيسية للشرح والتطبيق إلى جانب موضوع ديني أو اجتماعي آخر يختاره الطلاب، يجعله آخرون بمثابة افتتاحية ثم يليه الدرس المنهجي بحسب المسودة التي أعدتها لجنة أبرشيات الشمال، أو موضوع آخر كالكتاب المقدس أو تاريخ الكنيسة. وهناك من يعتمد مخططا شهريا يتضمن ثلاث محاضرات والرابعة أسئلة مفتوحة –كما في لقاء الجامعيين-. وتعد مراكز أخرى أوراقا توزع على الطلبة حول الإنجيل مرفقة بأسئلة. أما بالنسبة لطلبة الابتدائيات فعنصر التنويع محدود ويكاد ينحصر في إعطاء المبادئ الدينية الأساسية بصبغة الإلقاء. غير أن المنطلق السليم يبقى أن الجميع يعتمدون حياة يسوع وأحداث الإنجيل لتنوير إيمان الصغار. ويعبر هؤلاء عن هذا الجانب العملي، في هذا المركز أو ذاك، بالرسوم التي يلونونها أو يجمعونها في دفاتر خاصة أو يرسمونها بأنفسهم ويعلقون عليها، أو بالواجبات البيتية حيث يستعينون بذويهم لإكمالها، مما يربي عندهم روح البحث والمسؤولية الشخصية. ويأتي كتاب “الشوق الديني” ككتاب أساسي لمعلمي معظم مراكز الصغار.

     ومن وسائل الإيضاح المتاحة بعض أفلام الفيديو والسلايدات والآيات الجدارية والبوسترات التي يرسمها شباب المراكز، كما أن في أكثر من مركز نواة مكتبة دينية.

®    الكادر التعليمي

       لقد لمسنا حقا في جولتنا حماس هؤلاء الكهنة والراهبات والشباب،  من مدرسين ومعلمات وموظفين وطلاب جامعيين أو إعداديين، الذين يشكلون الكادر التعليمي في المراكز. لقد رأينا أن من سماتهم الفرح والإيمان والاندفاع، هم الذين تسلموا، تطوعا وشعورا منهم بالتزامهم المسيحي، مسؤولية رعاية الإيمان في بلدنا، إلى حد ما. أفليست تلك مسؤولية خطيرة؟.. فنظرا لأهمية الكادر التعليمي ودوره في المراكز طرحنا السؤال الخاص حول الثقافة الدينية للعلمانيين العاملين في التعليم، وكان الجواب واحدا:

         القليل القليل كفوء حقا ويمتلك ثقافة دينية جيدة، ويبقى رأسماله الأساس حسن استعداده

ومعلوماته الخاصة التي تعتمد على اجتهاده الشخصي، أما من أين يتغذى هذا الاجتهاد الشخصي.. فمن القنوات التالية:

         المعلومات الشخصية المكتسبة في سني الدراسة أو الأخويات والحركات الرسولية السابقة.

         المطالعات الشخصية.

         المشاركة المباشرة في تهيئة موضوع الدرس، شخصيا أو جماعيا أو مع الأب

المشرف.

         الدورات التاهيلية واللاهوتية والمحاضرات الدينية المختلفة.

      قد تكون هذه الفقرة الأخيرة متصلة اتصالا مباشرا بتاهيل مدرسي التعليم المسيحي، غير أنها غير كافية بوضعها الحالي، وقد اجمع الكل على أن الموضوع بحاجة إلى معالجة أعمق لتهيئة كادر مقتدر. إلى جانب هذا النقص الفني هناك نقص في العدد أيضا، فبينما تتمتع بعض المراكز بعدد واف من الشباب والفتيات، هناك مراكز تعاني من قلتهم أوغيابهم، ولولا الراهبات (حوالي 15 يعملن في جميع المراكز) لواجهنا أزمة.

®    الحصيلة.. الطموح

         ما هو انطباعكم وتقييمكم لعطاء المراكز؟

     هذا السؤال طرحناه على السادة الأساقفة، فأجاب المطران كوركيس كرمو –وهو يقوم شخصيا بالتدريس في مركز مسكنتة لطلبة الإعدادية ويساهم مباشرة كل أسبوع برعاية لقاء الجامعيين مع كاهن آخر-.

X      – أنا متفائل وسعيد بعمل المراكز التي تؤدي عملها بصورة جيدة وجدية، سيما وإنها تغطي

معظم الخورنيات.

X      – كما صرح المطران غريغوريوس صليبا –وهو الآخر يعد بنفسه دروسا حول الكتاب

المقدس لتوزع على الطلبة الكبار – بان أصداء توحي بالفرح والأمل والاعتزاز، فالأهل يعبرون عن ارتياحهم لرعاية الكنيسة تربية أولادهم الدينية. غير إن ذلك يدعونا إلى بذل المزيد من الجهود وتوفير كل مستلزمات التعليم المادية والمعنوية.

X      أما المطران عمانوئيل بني، فإذ قيم ايجابية تجربة المراكز وهمة القائمين عليها، أدلى بثلاث

ملاحظات سلبية وهي: عدم تحسس بعض الكهنة مسؤوليتهم تجاه عملية التثقيف المسيحي؛ ضالة عدد العلمانيين في هذه العملية وافتقار معظم المشاركين فيها منهم إلى النضوج والتهيئة؛ وتقصير الأهل في عدم التجاوب الكافي مع المراكز.

     وعلى سؤال في ما إذا لم يكن من المنطق المستقبلي تطوير المراكز لتصبح القنوات الرئيسية للتثقيف المسيحي للطلبة، سيما وان دور المدارس في هذا المضمار اخذ في الضمور، أجاب سيادته:

          فعلا، لا يمكننا الاعتماد كليا على المدارس، سيما وان المادة المقررة فيها سطحية

وضعيفة، لذلك أرى من الضرورة تعزيز وتطوير المراكز.

         وما هي سبل تعزيز وتطوير هذه المراكز عمليا كي لا نبقى كمن يقوم بعملية “إسعافات

أولية” أكثر مما يعالج المشكلة بعمق وجدية ونظرة بعيدة؟

     على هذا السؤال اجتمعت كل الإجابات في صيغة اقتراحات ثلاثة تكتسب أهميتها من خطورة التجربة التي تخوضها عملية التثقيف المسيحي في العراق في هذه المرحلة بالذات،  وهي:

    1 ) وضع مناهج موحدة على شكل كتب مبرمجة لكافة المراحل توضع بين أيدي الطلبة والمدرسين.

    2 ) إعداد الكوادر التعليمية بشكل يتجاوب وعمق المسؤولية، بتكثيف الدورات التاهيلية واللاهوتية واللقاءات المختصة والمطالعة، وحبذا لو ينظم لإعدادهم برنامج دراسي زمني خاص.

   3 ) توفير الظروف المكانية الملائمة للتعليم من غرف وقاعات …

      إننا في بداية تجربة خاصة تحتاج إلى عامل الزمن لإثبات وجودها وفاعليتها. ولكننا خرجنا متفائلين من جولتنا.. ليس لان هذه التجربة تعكس أن روح العطاء لم يغادر كنيسة الموصل، وحسب، وإنما أيضا لان هذا العطاء يريد أن يكون جماعيا ومنسقا –إي عمل كنيسة لا أفراد-، وانه يطمح أن يكون نواة مشروع للمستقبل. 

 

          شاركت في التحقيق: الأخت سانت آتيين

((((((((((()))))))))

القداس حدث ووظيفة

ملف/ نيسان 1983 

     موضوع “القداس” مرة أخرى.. ولكن الأب جرجس القس موسى يتناوله في هذا الملف، ليس من وجهة نظر لاهوتية أو تاريخية أو ليتورجية محضة، بل من حيث هو حدث أو فعل اجتماعي ورمزي وضع للبلوغ بالمشترك فيه إلى “حالة ” معينة من الاتصال الروحي “والحضور مع” الإخوة.. بكلمة أخرى انه يبحث. من وجهة نظر اجتماعية، في “وظائف القداس”، فإذا هي دينية – كنسية – اجتماعية – تثقيفية”.

    “صلة” القداس بمفعوله الموضوعي المباشر والبعيد في حياة المؤمنين.. خطوط إبراز الدور المركزي للقداس في حياة الشعب المسيحي. 

         لماذا يوضع القداس كفعل مركزي في عبادات المسيحية؟

         لماذا هذا الإصرار على حث المؤمنين للذهاب إلى القداس؟

         ما هي وظيفة القداس في حياة المؤمن، في حياة الكنيسة؟

هذه الأسئلة تستحث فضولنا عندما نرى الأهمية الكبرى التي توليها الكنيسة للقداس.  

       في المحاولة التالية سأنظر إلى القداس(1) من زاوية محددة، زاوية المحلل الاجتماعي الذي يربط بين “الحدث المستثار” و “الوظيفة التعبوية” المتوخاة منه، أو بعبارة ابسط، بين الممارسة والطاقة المعنوية التي تتضمنها هذه الممارسة. من وجهة النظر هذه سأحاول تحديد “الوظيفة” او “الوظائف” التي يؤديها “قداس يوم الأحد”، مباشرة أو غير مباشرة، ومن ثم الربط بين أحداث القداس والطاقة التعبوية التي تمتلكها لتعميق مفعول تلك الأحداث لدى المؤمنين. أما البعد اللاهوتي للقداس فلن أتطرق إليه إلا بقدر ما هو “عنصر إيحائي ودينامي” لجعل القداس مركز ومحور حياة الإيمان والشهادة المسيحية.

أولا: وظيفة القداس

    عندما نتكلم عن “وظيفة القداس ” –لا من حيث هو تعبير لاهوتي في حد ذاته، بل بوصفه حدثا، أو فعلا إنسانيا– فإنما نتكلم عن “الدور” الذي يؤديه القداس، إي “المهمة” المنوطة به (موضوعيا)، أو المنتظرة منه (نظريا)، أو الناتجة عنه (عاطفيا ونفسيا). وهذا الدور، أو هذه الوظيفة، يؤديها القداس -كلامنا هنا عن قداس يوم الأحد– في ظرف زماني ومكاني جماعي، لان القداس فعل أو حدث جماعي، وليس عبادة فردية أو التزاما من التزامات الكاهن القانونية الخاصة. من هذه الزاوية المعينة نميز ثلاث وظائف للقداس: اجتماعية، دينية – كنسية، وتربوية – تثقيفية.

1 – الوظيفة الاجتماعية

      في بيئة ريفية تقليدية، كما هو الأمر في قرانا، يكون القداس مناسبة لالتئام جماعة متكونة مسبقا. والى وقت ليس ببعيد كان قداس الأحد الفرصة الأسبوعية الرئيسية، ولربما الوحيدة، للخروج من البيت، مما يجعل منه، إي القداس، “زمنا بارزا” في حياة القرية. من هنا أهمية اللقاءات والأحاديث والعلاقات المتبادلة قبل وفي أثناء وبعد الاحتفال.

     قد يختلف الوضع في المدينة من حيث أن أواصر “الجماعة” ليست بالمتانة ذاتها التي في القرية أو المحلة التقليدية. ولكن إذا كان القداس في المدينة، ولا سيما في المدن الكبرى، يجمع أشخاصا لا يلتقون في موضع آخر، فكثيرون منهم لا يجهلون كل شيء عن الآخرين، لا بل منهم من يقصدون الكنيسة الفلانية لاتهم فيها يلتقون بمعارف أو أقرباء لهم: وتشهد بذلك الحلقات الصغيرة التي تتكون في ساحة الكنيسة لدى الخروج من القداس. وهذا بحد ذاته مؤشر ذو مغزى.

       ولكن السؤال هو: هل أن مثل هذه العلاقات التي تتكون أو تتجدد بمناسبة القداس هي دليل ايجابي لنجاح الاحتفال الاوخارستي، أم ينبغي أن يبقى هذا الاحتفال “التقاء عابرا” ذا طبيعة شخصية؟ بصورة أدق وأوضح: هل أن مثل هذه العلاقات ضرورية أو مفيدة للتعبيرعن خصوصية الروح الجماعية والعائلية التي يستهدفها القداس؟

     إذا أخذنا، من وجهة نظر اجتماعية، بان القداس، من أهدافه إثبات الهوية الانتمائية، وإذا أخذنا عبارة ” إثبات الهوية الانتمائية ” هنا بمعنى التعبير عن الإيمان الشخصي الذي يتحقق زمنيا ومكانيا ضمن الانتماء إلى جماعة معينة مع ما يتضمن هذا الانتماء من التزام بأطر ومقومات هذه الجماعة، وليس بمعنى البطاقة الشخصية الشكلية؛ إذا أخذنا بهذا المفهوم فكل نشاط فعلي يتصل مباشرة بالتعبيرعن روح التضامن والمشاركة مفيد وضروري، شريطة أن لا ينحرف عن طبيعة القداس الخاصة.

       في هذا المنظور نرى العلاقات الناشئة بمناسبة القداس. لا بل نتساءل إذا لم يكن البعد الجماعي للقداس ناقصا في إحدى حلقاته الأساسية في غياب مثل هذه العلاقات “الخارجية”. وبقدر ما يشكل “مرتادو” القداس أقلية في محيطهم الاجتماعي والمهني اليومي، بقدر ذلك تبرز ضرورة هذه اللقاءات، سواء كانت منظمة أو عفوية. ويظهر ذلك بصورة أجلى بالنسبة إلى الجاليات الوافدة –من قطر آخر أو من مدينة أخرى، ولا سيما الوافدين من الريف لمتانة الحس الجماعي والتضامني والقرابة لديهم-، أو العناصر المعزولة أو الهامشية الأخرى. فالقداس لهؤلاء، بالإضافة إلى بعده الديني، هو ملتقى لتجديد الأواصر، والشعور بالأمان العاطفي والنفسي بالعودة إلى الجذور الثقافية المشتركة مع ابناء منطقتهم القدامى، وحذف للطبقية الاجتماعية وعيش المساواة رمزيا مع سائر المؤمنين على مقاعد واحدة وفي تعبير إيماني واحد.

        كلمة أخرى نقولها عن علاقة الكثافة العددية في القداس مع البعد الجماعي. ففي الجماعات الليتورجية الصغيرة من (5 – 15 شخص: رياضات روحية، فرق صلاة أو مناقشة، قداديس البيوت..) يشعر كل واحد بدوره الخاص مما يتيح علاقات شخصية وتضامنية أعمق. كما إن الجو العائلي والنفسي البعيد عن التكلف في مثل هذه الجماعات يخلق انفتاحا وحالة من الانتباه الرهيف لفهم الرموز الليتورجية بصورة أفضل. مثل هذا الانتباه يحدث أيضا في القداديس الخاصة التي تقام لبعض الفئات (أخويات، ندوات، شباب، ممرضات، مرضى، أطفال..) في إطار ليتورجي وتكويني يلائم انتظاراتهم.

      هذه الاحتفالات المشتركة الخاصة ضرورية، من وقت لآخر، إذا ما أريد تنمية الشعور بالانتماء الجماعي، شريطة أن توضع في إطار الانتماء الأوسع إلى الجماعة الكنسية المحلية. فالجماعة الكبيرة لها أهميتها الخاصة أيضا من حيث طاقات الإيحاء الشمولية والانفعال التي تثيرها، بالإضافة إلى أنها تجمع أناسا مستقلين عن بعضهم، متبايني الجذور الاجتماعية والنزعات وتضعهم في جو يعبرون فيه سوية عما هو مشترك وموحد بينهم متجاوزين اختلافاتهم ولربما خلافاتهم. (هكذا نرى أهمية أن تجري الاحتفالات الطقسية الكبرى في الكنائس المركزية). من هنا نرى أهمية بعض الرموز والحركات الليتورجية وبعدها الاجتماعي والإنساني كتبادل السلام والتناول (من الخبز الواحد).

      وتأتي المشاركة الفعلية في القداس عن طريق الإجابات التي تشكل حوارا بين الكاهن والشماس والشعب، وعن طريق حركات الجسد(قيام، جلوس، بسط الأيدي، انحناء، ركوع..)، كتعبيرعملي مباشر للروح الجماعية والوعي المشترك بالعضوية الفعلية. وسيكون القداس نقطة ارتكاز و “حالة نفسية” بقدر ما يحمله إلى الجماعة من طاقة إيحائية رمزية في إطار تحقيقه المباشر.هنا نرى دور البدائل في المدن حين يقصد البعض كنيسة غير خورنتهم وعلاقة ذلك بالشعور ألانتمائي إلى جماعة صلاة أكثر تجاوبا مع تجربتهم وطموحهم الإيمانيين. إذ بقدر ما تحول العوامل الجغرافية والزمنية في شد أواصر الجماعة (التبدد بعد القداس) بقدر ذلك ينبغي استثارة أوضاع جماعية تعبر عن المشاركة الفاعلة وتبعث الوعي التضامني

2 – الوظيفة الدينية – الكنيسة

   إن خصوصية القداس هي في كونه، حتى في وجهه الاجتماعي، يعود إلى أصول روحية وطبيعة دينية، مما يزيد، في الواقع، من قوة تأثيره وطاقته التعبوية. وهذه الطاقة تتضاعف عندما نعرف بان القداس وجه من أوجه “الاستذكار الجماعي” عبر الزمان والمكان، ليس لما فعله أجدادنا المباشرون من قبلنا وحسب، بل خاصة لما فعله يسوع نفسه في عشاء الوداع، وللطريقة التي بها جدد المسيحيون الأولون “فعل” يسوع، ولاسيما للزخم الروحي الذي ضمنوه هذا “التجديد”. فلو عدنا إلى الأجيال المسيحية الأربعة الأولى لاستخلصنا العناصر التالية من “الاحتفال الاوخارستي”:

     1 – انه كان يتم في يوم الرب، الأحد، بعد الاعتراف بالخطايا والمصالحة مع الإخوة، لتأتي الذبيحة طاهرة.

     2 – إن الذبيحة روحية وتعطي غذاء روحيا للمشتركين.

     3 – إن اختيار يوم الأحد كان بصلة مع كونه يوم قيامة الرب –ويوم مجيئه الثاني رمزيا-، لذا كان الأحد رمز ابتداء الخليقة الجديدة في المسيح.

     4 – إن القرينة بين “كسر الخبز” وفعل “الشكر” هي في اكتشاف حضور الله بين شعبه، عبر هذا الحدث، وشكره على سر الخلاص الذي أتمه على مراحل إلى أن اكتمل بيسوع المسيح: ومن هنا طغت كلمة “اوخارستيا” “ومعناها الشكر” على الاحتفال كله.

     5- إن الاحتفال كان يتم مرة واحدة في موضع واحد لإبراز الوحدة والمركزية حول الحدث.

     6 – انه، رمز الاجتماع والشركة ورمز الاتحاد بين الإخوة.

     7 – انه، نتيجة لذلك، اجتماع الكنيسة. فالكنيسة تظهر بصورة ملموسة حيث يشترك الإخوة بالاوخارستيا. (ربط ذلك بمفهوم بولس الرسول عندما يسلم على الكنيسة التي في بيت أكيلا وبرسكيلا وغايوس.. إي الجماعة المسيحية التي تلتئم لكسر الخبز عندهم: رومية 16: 5،23  واكور 16: 19)(2).

       إن هذه العناصر مكنونة كلها في قداسنا اليوم وهي تشكل ارضيتة اللاهوتية الحقيقية.  ولكننا لسنا أمام “تنظير لاهوتي” مجرد، وإنما “تأمل” و “استذكار” منغرزين في التاريخ، تاريخ يسوع ذاته وتاريخ الكنيسة. لذا تضمن كل عنصر من العناصر المذكورة قيمة من القيم الإيمانية والدينية والكنسية التي عاشها المسيحيون الأولون ويدعى إلى عيشها مسيحيو كل الأزمان، اليوم وغدا.

      فإذا كان القداس تجديدا لتضحية المسيح، إي إذا كان المسيح يوجد بيننا في حالة ذبيحة فدائية، وفي حالة المخلص الناهض من الموت حيا.. فالبعد الحياتي يكون في إن يرى المؤمن فيه ألامه وتضحياته وحياته على ضوء تضحية المسيح وقيامته، فيكتشف فيها قيمة فدائية، ومن ثم دعوة إلى الأمل والحياة والتجدد.

     وإذا كان القداس “عشاء ” طقسيا أو دينيا تتكون مادته من المادة ذاتها التي  استخدمها المسيح والتي هي ثمرة جهد الإنسان.. فالبعد الحياتي يكون في أن يرى المؤمن في اشتراكه وتناوله غذاء إيمانيا (= الخبز) يبعث فيه الفرح (= الخمر)  وحافزا إلى اندماج اكبر بحياة المسيح وحياة الإخوة: أليست هذه هي وظيفة تقاسم الطعام الواحد! من هذا المنطلق كان التناول جزءا مكملا وأساسيا للمشاركة الحقة في القداس، وليس ترفا روحيا، أو إضافة مربكة تحشر كملحق بعد ختام القداس.

    وإذا كان القداس فعل الجماعة المسيحية كجماعة متضامنة، وليس كإفراد جمعتهم الصدفة؛ إي بتعبير آخر إذا كان القداس فعل الكنيسة ككنيسة فالاشتراك في القداس يكون رمز عضويتنا في هذه الكنيسة التي يدعوها بولس جسد المسيح السري.. أما البعد الحياتي فيكون في الشعور بالمسؤولية تجاه الكنيسة والتزام مسيرتها وتقدمها ومحبتها، مع ما في المحبة من عطاء ومعاناة.

    هذه هي ابرز جوانب الوظيفة الدينية للقداس، هذه الوظيفة التي يمكننا إيجازها في عبارة مشبعة وهي: المجاهرة بالإيمان المشترك جماعيا، وعيشه مكثفا وبأساليب تعبيرية ورمزية واحدة، وباتفاق ضمني على معانيها، في ظرف زمني وجغرافي معين، ولكن منفتح إلى حركة الحياة.

3 – الوظيفة التربوية – التثقيفية

      إذا كان التعبير عن الإيمان وعن الوحدة في المحبة والشركة من الوظائف الدينية والكنسية والاجتماعية الرئيسية للقداس، فالاجتماع الاوخارستي يتضمن أيضا بعدا تربويا وهو التنشئة على الإيمان والمحبه. ويقوم بهذا الدور –أو هذه الوظيفة- القراءات الكتابية والموعظة. غير أن التنشئة الإيمانية في القداس لا تنحصر في هذا القسم وحده. فإذا كانت وظيفة القراءات أن تربط الإيمان، اليوم، بتاريخ الخلاص ولا سيما بشخص المسيح المخلص وتعاليمه وخبرة رسله في حركة اتصال وتواصل نحن حلقتها الأخيرة؛ وإذا كان من طبيعة الموعظة أن تربط بين الإيمان ومفرداته التعبيرية الأخرى– فالقداس بأكمله يشكل عملية تنشئة اختبارية على الإيمان والصلاة والبحث الروحي والحس الكنسي.

      إن القداس يشكل حلقة جوهرية في حلقات التثقيف الإيماني، بل أعمقها إيحاء ومصداقية وإقناعا لما يضمه من عناصر تخاطب وجدان وعاطفة المؤمن، ولجو الهيبة والقدسية والاتصال الروحي والإصغاء النفسي، الذي يفرضه أو يستثيره. لذا، فبقدر ما تكون المشاركة فعلية والرموز نافذة في ذهن المشتركين، بقدر ذلك يؤدي القداس وظيفته التربوية – التثقيفية بعمق.

      هنا يأتي دور الشروحات الضرورية لبعض المفردات والحركات وتوجيه الاحتفال وتركيز الذهن حول نقاط مركزية، لئلا يأتي مجرد تكرار. كما تظهر أهمية الوضوح في صيغ إعلان الإيمان، وجدية الأداء، وسلامة نصوص الصلوات والتراتيل، معنى ومبنى، وحسن اختيار النصوص الكتابية ومواضيع الموعظة وأسلوبها… بحيث تجد صدى ابلغ في حياة المؤمنين ومعانياتهم.

      هذا هو المنظور الذي بموجبه نعتبر القداس قناة تثقيف مسيحي حقيقية تتصل عضويا بالقنوات التثقيفية الإيمانية الإنجيلية الأخرى كالدورات، والحركات الرسولية، والوسائل التعليمية والإعلامية الأخرى، المكتوبة والمرئية والمسموعة. وكلما انحسرت مثل هذه الوسائل والنشاطات الخارجية، كلما ازدادت أهمية الجانب التثقيفي والتنشيئي للقداس (والاحتفالات الطقسية الليتورجية الأخرى). ولعلنا، في العراق، اليوم، لم ننتبه بما فيه الكفاية إلى هذا الجانب، سيما وان القنوات التثقيفية الأخرى، إن لم تكن معدومة تماما، فهي محدودة جدا، بالإضافة إلى كون القداس نشاطا عاما ومنفتحا إلى جميع فئات الشعب.

ثانيا: لكي يحتفظ القداس بدوره المركزي

       ليس القداس كلا متكاملا وصل ألينا هكذا في جزئياته، ولا صيغة جامدة ينبغي أن “تُصَدًر” هكذا إلى الشعوب الجديدة أو تورث كما هي للأجيال القادمة. هذا ما أكده المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في دستور الليتورجيا رقم 37: “ان الكنيسة لا ترغب أن تفرض صيغة نص موحد لا يتغير في المجالات التي لا تمس الإيمان وخير الجماعة العام وحتى في الطقسيات، بل بالعكس تحافظ على ميزات الشعوب المختلفة ومواهبها.. وتقبل بها في طقسياتها شرط أن تتناغم مع روح طقسي حقيقي”.

      فالتجدد الليتورجي – ومنها القداس – نتيجة حتمية لتطور المجتمع. المهم هو المحافظة على الجوهر مع الأمانة لروح التقليد، لا لحرفه الذي قد يتجاوزه الزمن فيفرغ من معانيه. أما التنوع فهو غني في التعبير وعلامة ثراء لقابلية الكنيسة في استقبال التعابير والثقافات الجديدة.

ففي سبيل أن يحقق القداس أهدافه الأساسية المذكورة، ويحتفظ بدوره المركزي في الحياة المسيحية ينبغي إعادة تقييم – ولربما إعادة نظر – في مفرداته. وسنتطرق هنا إلى بعض الجوانب معتمدين الإيجاز ليبقى الباب مفتوحا أمام الاجتهادات والمتابعة: 

        أ – البيئة الاوخارستية والديكور: التصميم الهندسي للكنيسة وترتيب المواقع فيها ينبغي أن يتمان وفق الوظيفة المتوخاة. هيئة المذبح ووضعيته، قربه، بعده، كونه جزء من المحفل أو منصة احتفالات معزولة. قضية الصدى وإيصال الصوت بوضوح. القيمة الفنية والإيحائية للصور والإيقونات، قلتها، تزاحمها…  

 

        ب  – الرموز، صلة الكلمة بالحركة والمعنى: لان الليتورجيا تستهدف واقع الإيمان الذي يتعدى التجربة الحسية، فهي تدور كلها في جو من الرموز، فكل حركة ظاهرة ترمز إلى حقيقة لا منظورة.

والرمز يكون “إشارة” – أو “نبوة” – بحسب طاقته الإيحائية أو بحسب المعنى الذي يحمله إياه الوسط الثقافي أو التراث الموروث  من هنا أهمية الثقافة الدينية والخلفية التاريخية ولا سيما الكتابية والتقليد للإيحاء في التعبير الديني وتثبيت “الانتماء”: فنحن تواصل، تاريخ، ولسنا مقطوعي الجذور: ورثنا ونورث.

        والرمز ضروري للحياة لأنه أكثر ثراء في التعبير عن تعددية الأوجه المعاشة أو المطموح إليها. لذا كانت ضرورته اكبر في الليتورجيا، وفي غيابه تصبح سطحية، مكشوفة، باردة، تعجز عن النفاذ إلى القلب. الرمز في الليتورجيا يشكل أداة لإعطاء المعنى لما تنتجه الحياة من أبعاد جديدة لإيماننا. 

        ج – اللغة: لغة مفهومة، لغة الشعب (قد يكون بقاء بعض النصوص في لغة تراثية مفيدا للإيحاء عبر السرية ). الترجمة وحدها لا تكفي، فألاهم هو تجانس الذهنية لفهم الكلام ومدلولاته والتشبع بروحه. الترجمات السريعة ولا سيما الارتجالية غالبا ما تصب في المبهم وإنصاف المعاني وحتى في الأخطاء.

أهمية القراءات:مجال لفترات صمت للتأمل والمضغ.

        د – القراءات: اختيار النص الملائم. الطول، العدد، الوضوح في الأداء. بعض نصوص العهد القديم التي تعكس جوانب عنصرية أو عدائية انتقامية أو تشريعية نافلة غير ضرورية. تفضيل العهد الجديد والأنبياء.

        ه – الموعظة: الموعظة فقرة مهمة جدا في القداس وغيابها يعني غياب عنصر تثقيفي وتعبوي رئيسي. موضوعها، لغتها، إعدادها، طولها، هناك صفات أساسية كي تشد الجماعة وهي: اللفظ الواضح –اللياقة في الحركات ونبرة الصوت– الكلمة الجيدة. وجودة الكلمة تأتي أولا من واقعية الموضوع، إي من معالجتها الموضوع الذي ينفذ  صداه في قلوب المستمعين ويستلهم واقعهم ومعانياتهم، وثانيا من بساطة الأسلوب وربط الأفكار والتدرج في العرض. السؤال هو: هل الموعظة محاضرة، أم استعراض خطابي، أم تعليم ونداء إيماني للحياة؟ أليست وظيفتها أن تكون “نبوة” للسامعين، اعني إعلانا ونداء لدور الله في حياتنا عبر يسوع المسيح: “اليوم تتم هذه الكلمة في وفيكم..”.!

        و – الاشتراك الفعلي والتنشيط:  المشاركة هي أن يشعر كل عضو بأنه جزء من المجموع، جزء مسؤول عن سير العملية، لا مجرد مشاهد انفرادي. من هنا أهمية المشاركة الفعلية كلاما وترتيلا وحركة. دور التنشيط في نقل الحماس وروح المشاركة عن طريق “منشط” كاهن أو علماني، أو عن طريق اللجان الليتورجية التي تعد وقائع القداس، أو الجوقة التي تخلق جوا من الهيبة والصلاة وترهيف النفس. أهمية التراتيل الشعبية المعروفة إلى جانب تراتيل جديدة.

      أهمية الشمامسة وإعدادهم (ولكن في منظور جماعي، وليس كمقرئين انفراديين، كل على هواه يستعرض طاقاته الغنائية).

       إلى هذه الجوانب نضيف كل ما ورد في الفقرات السابقة من ملاحظات ومؤشرات حول تعميق فهم القداس وتأثيره في الحياة، من سبل توسيع المشاركة الفعلية والفاعلة فيه، إلى دور القداديس الخاصة أو الجماهيرية، إلى الشروحات التي تتناول معانيه ورموزه وأهدافه (سواء كان ذلك ضمن القداس أو عن طريق كتب ونشرات ولقاءات خارجية). 

خاتمة

      إن القداس يحقق هدفه الكامل عندما يكون نقطة انطلاق للحياة، فيعيش المؤمن في واقع الحياة القيم التي بني عليها. وهذه القيم، إذا انطلقت من الاغتناء الروحي الذاتي والتعمق الإيماني الشخصي، فهي تثمر واقعيا، وبزخمها الطبيعي، في التزام ذي وجهين: اجتماعي وكنسي، شخصي وجماعي. ولعل خير خاتمة لهذا البحث هي أن نركز على القرينة بين جسد المسيح الاوخارستي وجسد المسيح السري الذي تحققه رمزيا عندما نجتمع في القداس لتجديد حضوره، هذا الحضور الذي يمتد في التاريخ الإنساني حيا وفاعلا عبر التزامنا الإنساني كمؤمنين وككنيسة.

——————–

(1)     تناولت “الفكر المسيحي” القداس من جوانب اخرى: انظر “المشاركة في القداس” (اذار 74)، ة”دور الاوخارستيا في بنيان الكنيسة” (ك2 76)، “البعد الجماعي للاوخارستيا”(ايلول 76)، “المشاركة في القداس” (نيسان 77)، “القداس في كنائسنا الشرقية” (ك1 78)، “اقامة الاوخارستيا عبر التاريخ” (اب/ايلول 82)، “الاحتفال بيوم الرب” (نيسان 1982).

(2)     انظر كتاب “تعليم الاثني عشر” (100- 150م)؛ “التقليد الرسولي” لهيبوليتس الروماني  (+ نحو 253)؛ قورلس الاورشليمي (313- 386)…

((((((((((())))))))))

مقابلة مع الاب فانسان دكوانونكل 

((((((((((())))))))))

الأسرة خلية الكنيسة

العدد 188-189 ت1- ت2 عام 1983

الأسرة خلية الكنيسة

بماذا تتميز الأسرة”المسيحية”؟ هل لها من طابعها”المسيحي” خصوصيات نضع على عاتقها واجبات والتزامات؟ وماذا يعني ان الأسرة هي”خلية الكنيسة”

وهل كونها”خلية” يفرض عليها رسالة خاصة في الكنيسة؟ أسئلة يطرحها الأب جرجس القس موسى في إطار دراسة راعوية، انطلاقا من موقع الأسرة على الصعيد الإنساني وانتهاء بموقعها على الصعيد المسيحي ودورها البنوي في الكنيسة والمجتمع. وذا كانت الأسرة المدرسة الأولى للإنسانية، فالأسرة المسيحية هي ضمن الجماعة المسيحية،”مدرسة الإيمان” في أحضانها يولد الإيمان وينموا، وهي بالتالي”خلية حية وفاعلة” في الكنيسة لها رسالة تضطلع بها وعليها تترتب مسؤوليات خطيرة تؤديها عن طريق الشهادة والالتزام وممارسة جادة لدورها البنوي في حياة الكنيسة والمجتمع.

كلامنا عن الأسرة المسيحية

ولكن ما المقصود بالأسرة المسيحية وهل ثمة خصائص تميز الأسرة المسيحية عن غيرها؟

الأسرة المسيحية هي تلك التي، بالإضافة إلى انتمائها الاجتماعي إلى الجماعة المسيحية، تعود في تفكيرها وأحكامها وتقييمها للأمور إلى شخص يسوع المسيح، وتحاول السلوك حسب مبادئ الإنجيل. وهنا تكمن خصوصيتها. والحال إن العودة إلى يسوع المسيح لا تخرج المسيحي من إطار الإنسانية، بل ترتقي به إلى أسمى ما فيه وفيها، ذلك لان يسوع المسيح متجسد تجسد كامل في صلب الإنسانية وهو يمثل قيمة متميزة، بل هو بمثابة الذروة في تاريخنا البشري. لذا كانت قيم الأسرة المسيحية قيما إنسانية أولا، ومن ثم مسيحية.

ولكن ما معنى أن الأسرة المسيحية خلية الكنيسة؟

“الخلية”من وجهة النظر الاجتماعية، هي اصغر وحدة اجتماعية، وكما إن خلايا الجسم البيولوجية مرتبطة ببعضها عضويا، هكذا الخلية الاجتماعية ليست كذلك إلا من حيث علاقتها بالمجموع وارتباطها وظيفيا بالخلايا الأخرى.

فان تكون الأسرة خلية الكنيسة معناه. أولا، أنها بارتباطها بخلايا مماثلة أخرى تشكل”جسم الكنيسة”، وإنها، ثانيا، بانتمائها إلى هذا الجسم تستمد منه الحياة وتترتب عليها نحوه، في الوقت عينه، واجبات والتزامات.

فعندما نتكلم عن الأسرة بصفتها خلية الكنيسة،  إنما نتكلم عن الأسرة من حيث هي وحدتها التكوينية الأولى، ومن حيث وظيفتها الاجتماعية – التضامنية تجاهها، على نحو ما لعلاقة الجزء بالكل والكل بالجزء.

هذه هي الزاوية الخاصة التي تحدد موضوعنا وسنبحث ذلك من خلال حالات

ثلاث. هي:                      أولا – موقع الأسرة على الصعيد الإنساني

الأسرة هي وحدة التكوين الإنساني الأولى وموضع تنشئه الفرد على الحياة كشخص مستقل وكعضو في المجتمع. فهي بذلك المحطة الأولى لبناء العلاقات الإنسانية الشخصانية بين الأفراد ولعملية المشاركة الاجتماعية. بهذا المعنى دعاها القديس اوغسطينوس”مشتل المجتمع”أي منشأه، كما ورد في خطاب يوحنا بولس الثاني في مؤتمر المجلس ألحبري للأسرة في أيار الماضي.

هذا التحديد يتيح لنا أن نرى في الأسرة نقطة الانطلاق في تكوين الشخصية والمرجع الأساس لبناء الذات. وإذ علمنا إن مقومات بناء شخصية الفرد تستند على عناصراساسية ثلاثة هي: الوراثة والبيئة والاكتساب الذاتي والذي يتم عبر عملية حوار داخلي، في الوعي واللاوعي، بين الفرد – طفلا أو بالغا – وبين معطيات تلك الوراثة وتلك البيئة بصورة خاصة، نرى كم إن دور الأسرة – وهي البيئة الطبيعية الأولى للإنسان- جوهري وأولي.

صحيح إن هذا الدور ليس حاسما، لان البيئة الأسرية ليست هي بيئة نهائية ووحيدة للفرد، فبقدر ما يتقدم المرء في البلوغ ويبتعد جغرافيا وزمنيا عن بيئة الأسرة ويندمج في بيئات مجتمعية أخرى (كالبيئة الثقافية والفكرية، بيئة العمل الحالة الاجتماعية والاقتصادية، طبيعة العلاقات… وحتى البيئة الطبيعية ) بقدر ذلك تتميز شخصيته وتكتسب اختياراته وقراراته استقلالية نسبية. أقول ´نسبية ´لان هذه”البيئة”– أو البيئات –الجديدة هي التي ستسم بدورها شخصيته الاجتماعية الجديدة. ولكن النواة الأساسية لشخصية الفرد قد تكونت ورسمت في خصائصها المميزة في الأسرة أكثر مما يضن عادة، وذلك منذ السنوات الأولى للطفولة. ألا يقول علماء النفس إن الشخصية تتكون، بصورة مصغرة ولكن واضحة، منذ الرابعة أو الخامسة!

أما لماذا تنفرد الأسرة بهذا الدور الأساس في هذه المرحلة بالذات، فلأنها مرحلة انتباه الطفل المبكر، المرحلة الأولى من الوعي الذاتي ويقظة الاستقلالية، مرحلة الاكتشافات والانطباعات البدائية. فالطفل فيها أشبه بصفحة عذراء لم يكتب عليها أي شيء، ويمكن أن تستقبل إي شيء: قياسها الوحيد ا ن يأتي الأمر من الكبار،

لاسيما الوالدين.فالطفل ينشا أول ما ينشا على المماثلة أو التقليد، وأول نموذج لعينيه وفضوله هو والداه ( ثم ذووه الأقربون إذا كانوا يعيشون سوية في بيت واحد ).

وبما إن الوالدين يمثلان له قمة الأمان الذي يحتاجه – وهو يلمس ذلك في اهتمامهما المتميز في إطعامه واكتسائه وحمايته من الأخطار وفي الحنان الخاص الذي يحيطانه به- فهو يرد لهما ذلك بثقة عمياء بهما وبأقوالهما ويعتبرهما المثال الكامل الذي لا يخطي ولا يخطأ. لذا لا يرحم الطفل والديه عندما يشعر إنهما يتحايلان أو يكذبان عليه أو يعدانه بشيء لا ينفذانه، مما يعرض ثقته بهما – وبعالم الكبار عموما – للارتباك، وبالتالي يعرض ثقته بنفسه للاهتزاز. انه بحاجة، لكي تتفتح شخصيته بتوازن وتترسخ قدماه، إلى نقاط ارتكاز أخلاقية ومبدئية ثابتة أين يجدها إن لم يكن لدى والديه!

من هنا نرى الأهمية التربوية الكبرى للصدق، حتى إذا كانت أسئلة الطفل واستفساراته أو طلباته محرجة – سيما وان ليس في عالم الطفل الذهني شيء اسمه محرم أو شر في حد ذاته –. فمن الضروري إن يعطى الأسباب الموجبة لما ينهى عنه، أو يسمح له به، أو يؤمر به، لان الطفل، مع إحساسه بأنه لازال صغيرا وضعيفا وتحت رحمة الكبار – وقد يستخدم هذا الوضع أحيانا بوعي تام سلاحا لفرض إرادته أو لاستدرار تساهل الكبار لتجاوز نزواته – فهو، كما قلنا، يقلد الكبار ويريد أن يعامل    كالكبار، وينبغي فعلا إن يشعر بأنه يعامل كذلك.

لذا تبقى فضيلة المربين الكبرى هي الصبر وطول الأناة، والصبر الذي نتحدث عنه هنا ليس مرادفا للضعف،وإنما أسلوب تربوي ينبغي أن يقترن بانتباه واع إلى نفسية كل طفل بمفرده وبسيطرة ذاتية على رداءة الفعل السريعة والهجومية التي قد تفسد العملية التربوية برمتها فتقتل أو تشل طاقة الفضول الفكري واثبات الذات لدى الطفل أو اليافع وتخنق انطلاقته وتبتر قابلياته فتنغلق شخصيته.

ليس في نيتنا أن نكتب بحثا في التربية،وإنما تطرقنا إلى هذه الجوانب لإظهار مدى دور الأسرة في تكوين وصقل الشخصية وإعدادها للمستقبل، وفي ذلك علاقة وثيقة مع وظيفة الأسرة كخلية المجتمع وخلية الكنيسة . واذا علمنا أن المرء يبقى متعلقا- عاطفيا وأدبيا واقتصاديا- بل”ملتصقا” التصاقا عضويا مع أسرته حتى زواجه -أعني في أغنى وأدق سني تكوينه الإنساني وانطباعاته العميقة تجاه الحياة والمجتمع، نلمس إذ ذاك تأثير الأسرة في قولبة شخصية المواطن، أو المؤمن، إيجابا وسلبا هذا التأثير الذي سيدخل طرفا فاعلا، لا محالة،في صوغ قناعاته الشخصية وردات فعله حول قيم مثل الحب،والجنس، والمال، والعنف،والعمل، واللهو، والسلطة، والمواطنة، والأمانة، والإيمان، والدين، والتزاماته، واحترام الغير.. وغير ذلك من المواقف والعلائق.

بهذا المعنى نقول بان الأسرة هي المدرسة الأولى للإنسانية، وبهذا المعنى أيضا قال يوحنا بولس الثاني في رسالته إلى مؤتمر الأسرة اللآنف الذكر بان مستقبل العالم يمر بالأسرة، .ففي المحصلة النهائية يمكننا القول بان الأسرة هي صورة نموذجية _وانعكاسية أيضا – للمجتمع. لذلك يفترض إن تكون الأسرة، والأسرة المسيحية بنوع خاص، موضع تدريب المرء على النضوج والالتزام لمسؤولية والاستقلال، تعمل على إبلاغه “قامته الكاملة”، بحسب تعبير القديس بولس وإذا اعتمد على خبرة أبوية -وذلك ضروري- فليس لكي يبقى مكبلا إليها (عقدة اوديب ) بل لينطلق منها إلى العالم الأوسع وينفتح ويتفاعل مع المجتمع الأرحب (سواء كان مجتمعا مدنيا أم كنسيا ).

ثانيا – موقع الأسرة على الصعيد المسيحي

إذا كنا قد تبسطنا قليلا حول دور الأسرة من الزاوية الإنسانية، فلان جميع تلك القيم

والأسس التربوية تنطبق على الأسرة المسيحية،وينبغي عليها أن تأخذ بها جملة وتفصيلا،ليس لكونها أسرة  إنسانية،  قبل أن تنعت بأية صفة أخرى وحسب،

بل لان هذه الأسس التربوية ذاتها تصب مباشرة في كيفية ممارسة الأسرة  المسحية دورها الخاص ضمن الجماعة المسحية، أولا كمدرسة للإيمان،

وثانيا كخلية حية وفاعلة، فالأسرة الموازنة إنسانيا والتي تتحكم فيها علاقات المودة والاحترام والفرح والانفتاح الواعي والملتزم سوف تنجح، ليس فقط في إمداد المجتمع بعناصر البناء والتطور، بل في إمداد الكنيسة بالحيوية وبعناصر العطاء والشهادة أيضا:

* مدرسة الإيمان

قلنا بان الأسرة هي منبت الانطباعات الأولى وبان تأثيرها  جوهري في صوغ القناعات الشخصية الأساسية  الوجدانية والأخلاقية والاجتماعية ).

ومما لاشك فيه إن من مسائل الحياة الكبرى والأساسية التي تتناولها الانطباعات الأولى (من 5 – 1. سنوات): فكرة الله الغامر والمحير معا لمخيلة الطفل لأنه حاضر وغير منظور في آن واحد،’ والموت وما بعد الموت، ومفهوم الخطأ والعقاب والثواب، وشخصية يسوع الجذابة…اي بكلمة واحدة ما ندعوه “بعالم الإيمان”. وبعض عناصر هذا”العالم”تستيقظ لدى الطفل تلقائيا (من صنع النجوم والجبال والأشجار)؟ كيف هو شكل الله وأين يسكن؟…)؟ ومنها ما يوقضه الكبار لديه (الله يعاقب فاعلي الشر، يسوع يحب الأولاد الطيبين ألتمتمات الأولى في الصلاة…) فبالإمكان تسمية هذه المرحلة أيضا بمرحلة”يقظة الإيمان”.

والدور الأول والفاعل في هذه “اليقظه” يعود إلى الأهل، وذلك عبر قنوات ثلاث:

بانتهاز فرص سؤلات الأطفال – أو الأبلغ عمرا – للإجابة عليها، بإعطاء معلومات وتوجيهات مباشرة، بمثال الحياة،

هذه الفتاة الأخيرة، أي مثال للحياة، قد تكون أعمق تأثيرا وديمومة في الحياة، لان إيقاظ الإيمان لدى الأطفال واليافعين – ولدى البالغين والكبار أيضا – معناه،قبل كل شيء، أن نشهد ميدانيا بأننا نعيش هذا الإيمان، وهذه الشهادة، إن أعلناها بأقوالنا، فبأفعالنا وبأسلوب حياتنا نبرهن عليها واقعيا، وسيما وان العادات الأولى تنتقل بالتقليد والمماثلة، كما أسلفنا.

لذا فان لكيفية انعكاس القناعات الدينية على ممارسات الأهل ونمط حياتهم الإيمانية والأخلاقية والعلائقية – ضمن الأسرة وفي المجتمع وتجاه الكنيسة كجماعة وكمؤسسة – صلة مباشرة بطبيعة “التوجه الديني” للأطفال. فإذ لم يكن من الصواب جدا أن نتحدث عن “نقل الإيمان” من الأهل إلى أولادهم بالمعنى ذاته الذي نتحدث به عن “نقل الحياة” فانه بالإمكان تماما التحدث عن جو مؤات لتفتح الإيمان، جو يتيح للإيمان إن يمد جذوره في العمق ويتطور تطورا طبيعيا.

فان تستصحب طفلك إلى الكنيسة، أن تقرا له نصا من الإنجيل أو تجيب إلى أسئلته، أن تصلي معه أو تضع صليبا أو إيقونة جميلة على الحائط… كل هذه عناصر تساعد على يقظة الإيمان، وهي بمثابة التربية الجيدة التي تمد الزرع الوليد بالقوة. أن تحسن إلى فقير وتحترمه في فقره، إن توفر لولدك نصوصا مسيحية تلاءم مراحل عمره، أن تعكس في حياتك وعلاقاتك – بداء من أمه – مبادئ الصدق والإخلاص والاحترام النابعة من إيمان واع وغير متزمت، أن تتحسس قضايا الإنسان من موقعك…  ذلك مايتيح له أن يتحقق بنفسه ارتباط الإيمان بالحياة،

وان يكتسب خبرة أعمق لله في حياته الشخصية من خلال خبرة ذويه.

هكذا تصبح الأسرة مدرسة الإيمان الأولى ومنها تنطلق الكنيسة المتجددة.

 

* خلية حية وفاعلة

يقدم طقس الزواج في بعض الليتورجيات الأسرة المتكونة على أنها “كنيسة مصغرة”.. منفتحة على الكنيسة الكبرى.

إن مدلول هذه العبارة الموفقة هو أنها تقدم “الكنيسة الكبرى” – والمقصود بها الكنيسة ككل – كمثال الأسرة. ولهذا المثال وجهان: وجه وضعي ساكن، ووضع دينامي. فالكنيسة التي تقدم”مثالا”أو نموذجا للأسرة، ليست فقط الكنيسة التي تغذي إيمانها بتعاليم المسيح، ثم تتكور على ذاتها شاكرة الله على انه اصطفاها، ولاهي، بالأحرى، كنيسة بلغت كمالها ووقفت تنتظر الرب”إلى أين يأتي”

(الوجه الساكن)، وإنما هي كنيسة عاملة،تبدو كبناء غير مكتمل أو كحدث مستمر يمتد ويتفاعل عبر الزمان والمكان (الوجه الدينامي). بعبارة أخرى أنها كنيسة رسوليه، متحركة تبحث دوما عن أوجه جديدة وفاعلة لتجسيد المسيح في واقع حياتنا ولخدمة ألإنسان.

فان تكون الأسرة المسيحية خلية حية وفاعلة في الكنيسة معناه انم بدا التضامن يدعوها إلى المساهمة في حياة ونشاط المجموع وهذا يعني الخروج من الإيمان الأناني أو الراكد إلى الرسالة والالتزام.

كيف تحيا الأسرة هذا الدور في نطاق رسالة الكنيسة العام؟

في المؤتمر العالمي الثالث لرسالة العلمانيين (روما 1967 ). وفي سياق مناقشة قضية “الو الدية والمسؤولية” جاء في تقرير إحدى لجان العمل الفرعية، إن  خصوبة الزوجين لا ينبغي إن يبحث عنها فقط في الإكثار من الإنجاب، بل أيضا في إشعاع الأسرة وفي انفتاحها على العالم.

عبر هذه الخصوصية الثانية تحيا الأسرة المسيحية دورها ألرسولي والكنسي وذلك من زوايا ثلاث:

كخميرة في العجين: فالأسرة المسيحية هي أول صورة للكنيسة تمثل أمام

الناس وتعايشهم في ظروفهم الاعتيادية: أنها أول صيغة عملية ملموسة، أو قل أول مختبر لممارسة الديانة المسيحية والأخلاقية الإنجيلية. لذا فهي تعمل كالخميرة في العجين وتبشر بالإنجيل عن طريق الإشعاع أولا. فعليها إن تكون مثالا يحتذي به في تألفها وحسن تربية أبنائها وتوازن مسيرتها، واجتهادها وتضامنها مع الآخرين، وفي إنارة أحكامها وممارساتها الداخلية والعامة بمبادئ المسيح. وانه لينبغي أن نعي بان هذا الأسلوب بحد ذاته وجه من أوجه الإشعاع الإنجيلي وجزء من دور الأسرة ضمن رسالة الكنيسة في العالم.

كجماعة قاعدة: إن أهم ما تفعله الأسرة المسيحية هو تكوين الشخصية لدى

أعضائها وتنشئتهم على الحرية وعلى اخذ مسؤولية أنفسهم بيدهم والتزام مسؤولية الآخرين. إذا ما وفرت الأسرة المسيحية مثل هذا الجو انطلاقا من إيمانها الملتزم، كوحدة كنسية مستقلة أو بانضمامها إلى مجاميع أسرية ملتزمة مماثلة،فيمكن اعتبارها إذ ذاك، وبكل حق،جماعة قاعدة،بل أولى جماعات القاعدة التي تعمل لتغيير نوعية الحياة وطبيعة العلاقة بين الإنسان والإنسان –إفرادا ومجتمعات– نحو الأفضل.

إن أسرة كهذه تصبح الموضع المميز حيث بالإمكان عيش الإخوة والمساواة أمام الله، واكتشاف الوحدة والمساواة بين الرجل والمرأة، الموضع الذي فيه تنسجم الاختلافات والتباين، وحيث يختبر الإنسان أبعاد التضامن الحقيقية.. وذلك من خلال اتخاذ ممارسة الزوجين – والأسرة ككل – كنموذج.

عن طريق الالتزام الشخصي المباشر:لاشك أن روحانية قوية وحسا إيمانيا

حقيقيا حينما يوجدان في الأسرة يدفعان بأعضائها،بعقوبة اكبر،نحو المشاركة المباشرة في الأنشطة الرسوبية أو الخور نية والكنيسة،الخيرية والتثقيفية والراعوية (مراكز التثقيف المسيحي)، الحركات والأخويات الرسولية،الندوات الدينية، الجمعيات الخيرية، اللجان الليتورجية والاستشارية، الفرق الدراسية للكتاب المقدس…). ولا ابلغ،حينذاك،من مثال الوالدين الملتزمين –أو احدهم – في احد هذه الأنشطة، لاسيما المتصلة اتصالا مباشرا بالتوعية الإيمانية والالتزام ألرسولي.

في مثل هذه الحالة تصبح الأسرة  المدرسة الأولى للحياة ألرسوليه والالتزام الإنجيلي وقد يمتد هذا الالتزام – من منطلق الإنجيل نفسه وبمنطلق أبعاده الحياتية-  إلى جوانب النضال الإنساني من اجل إزاحة الظلم عن المظلومين، وتوفير الخبز والكرامة للجائعين، والمطالبة بالحريات والحقوق الأساسية، ومحاربة الاستغلال والهيمنة في العلاقات القومية والدولية،بين عالم أول وعالم ثالث…

 

 

ثالثا – دور الأسرة المسيحية دور نبوي

هكذا فان انسنة البنى الاجتماعية والعلائق المتبادلة بين الأفراد والجماعات جزء من قيم مسيحية الأسرة ورسالتها، هذه الرسالة التي هي رسالة نبوية تؤديها الأسرة المسيحية ضمن الكنيسة وضمن المجتمع –وهي جزء عضوي منهما كليهما-.

فللأسرة المسيحية تأثير كبير على محيطها،اجتماعيا وإنسانيا، بتعاملها، وصداقاتها، وأمانتها، وحتى في تقاليدها وعاداتها.ذلك واقع يعرفه ويعترف به جيراننا غير المسيحيين، وإذا كان أن نعتز به، فيلزم أن نعترف أيضا بان هناك تداخلا بين الأسرة المسيحية ومعطيات المجتمع الأوسع الذي تعيش فيه. إن الأسرة المسيحية ليست جزيرة منعزلة ولا مجتمعا مغلقا،ولقد تركنا وراءنا أيام كانت الإحياء السكنية، وحتى المهنية، متكورة حول كنيستها، والقرى المسيحية لائذة بتوجيهات سلطاتها الروحية وتكاد تجهل كل شيء عن التيارات الخارجية. وإذا كنا لازلنا نحتفظ بجزر “مسيحية” هنا وهناك، فهي لم تعد كذلك في الواقع آلا جغرافيا،لان التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والانصهار الوطني، وخاصة النماذج الثقافية التي تقتحم الأسرة في عقر دارها عن طريق وسائل الإعلام الحديثة (التلفزيون، الراديو، الفيديو،الصحافة، الكاسيت، الدعاية، السينما…).

أو التي تأتيها عبر قنوات التعليم والتوجيه الخارجية (المدرسة، أجهزة التاطير الموجهة…).وحتى عن طريق السفر إلى الخارج… كل هذه المعطيات تضعنا أمام وقائع واستنتاجات جديدة لا يجوز تجاهلها، أهمها:

إن الأسرة المسيحية تواجه الظروف والتحديات الخارجية نفسها التي تواجهها

أية أسرة أخرى تشترك وإياها في الأطر الثقافية والاجتماعية والسكنية ذاتها،مضافا إليها الإرث المتوارث – وهو ليس بقليل – من خصوصية انتمائها الديني ومر دوداته الأخلاقية والمبدئية والمسلكية الخاصة..

2) إن الأسرة المسيحية (أو الكنيسة) لم تعد الطرف الأوحد في العملية التربوية. فدورها التربوي والتوجيهي قد ضمر،لا محالة،سواء بتنازل طوعي أو لا أبالي من قبلها،أو بمحاصرته على يد المؤثرات المختلفة المذكورة أعلاه.

3) مفاهيم تربوية وعلائقية جديدة جاءت “تطعم” النموذج القديم: كنمو الشخصية المبكر (لدى الأطفال)، والاستقلالية في صوغ القناعات والاختيارات، وتبدل طبيعة العلاقة بين أفراد العائلة بحيث أصبح نموذج “الأب – الصديق، و، الأم –الصديقة، مفضلا على نموذج ” الأب – الآمر” و “الأم – الخادمة – الممرضة”.

وكذلك رد الاعتبار إلى الحب والجنس، وبروز شخصية الفتاة والمرأة وارتباط ذلك بعملها المهني خارج المنزل وما ينتج عن ذلك من التزامات وتضامنات خارج الاسرة.

إن هذه البيئة الجديدة تضع الأسرة المسيحية أمام تحول حضاري وثقافي

وليس فقط أمام مجرد أزمة أخلاقية كما تدعي أوساط كنسية أو دينية  أو تقليدية.

لذا،عوض البكاء أو انتظارعبورالغيمة، كمن لا يعنيهم الأمر،ينبغي على الأهل،   قبل غيرهم، رصد قيم هذا “التحول” والتفاعل معها. والتفاعل لا يعني قبولا بديهيا بكل جديد، وإنما هو انفتاح وحوار لاكتشاف الايجابي والأفضل منه.

بقدر ما تكون التأثيرات الخارجية سلبية–أو مؤثرة باتجاه مغاير عن اتجاه الأسرة –

بقدر ذلك تتسع مسؤولية الأسرة وتتعقد.. اذ هي تحتاج إلى نضوج داخلي، إنساني وإيماني وكنسي، اكبرا عداد أولادها للحياة والتوازن والعطاء.

من هنا أهمية رسم سياسة راعوية أسرية حقيقية تهدف،في المقام الأول، إلى إعادة تنشئة الأهل أنفسهم تنشئة إيمانية جادة ومنفتحة. أما في الوجه الثاني فينبغي أن تهدف- إلى توجيه الأهل نحو إعداد أبنائهم “لاستيعاب” الإيمان كحياة وممارسة أكثر مما كمعلومات مصبوبة في رؤوسهم، ولأخذ دور فاعل وملتزم في الكنيسة،

وذلك على أسس تربوية وتثقيفية مسيحية قد لا تنطبق بالضرورة مع النموذج الذي تلقوه في زمانهم،  ولكن واقعية لتلاءم تطور أبنائهم،وهكذا، وانطلاقا من مشروع تربية أولادهم، سيمكنهم أن يكتشفوا طبيعة إيمانهم البالغ من جديد، فيعيشونه بوعي وأصالة اكبر، ويكون حينذاك للأبناء أنفسهم دور في تربية  والديهم على الصعيدين الإنساني والإيماني.

6) رسالة الأسرة المسيحية لن تكون نبوية حقا – إي لها طابع الشهادة والمثال والنداء الرمزي –إلا إذا ربت أعضائها بداء الوالدين على أن يكونوا

مسيحيين بالغين ومسؤولين. ويأتي ذلك عبر محورين:

محور اسري– توجيهي:يتمثل في جهد الوالدين في التثقيف المستمر

والمتابعة الشخصية لأبنائهم،وفي الالتزام الفعلي بحياة الكنيسة ورسالتها، من قبل الأهل والأبناء، كاسرة وأفراد. ويفترض ذلك توفير وسائل إعلامية –تعليمية متكافئة من كتب،ونشرات،ومراكز،ودورات،وسهرات إنجيلية،وهيئات أسرية دائمية أو لبعض المناسبات (مجالس الآباء والأمهات،مجموعات أسرية للدراسة وتعميق الروحانية،مناسبات العماد والتناول الأول، إعداد المخطوبين للزواج…).

محور كنسي بنيوي: يتمثل،ليس فقط بالإرشاد أو التوجيه الفوقي ولا

بالاحتواء من قبل السلطة الكنسية، بل قبل كل شيء في أن تعترف الكنيسة حقا -شعبا ومؤسسة – بان العلمانيين هم أشخاص بالغون ومسؤولون،مما يحتم خلق أو تعميق جو الحوار والمشاركة

ونتيجة لذلك يلزم أن تقوم في الكنيسة بنى جديدة ومؤسسات تعمل، من جهة، على تشجيع تبادل الرأي والمناقشة بين العلمانيين وأعضاء شعب الله الآخرين، ومن جهة أخرى على إسهام العلمانيين في حمل جزء من المسؤولية الإدارية وصنع القرار في الكنيسة، لئلا تستأثر السلطة الكهنوتية والأسقفية بالتوجيه والهيمنة. وكمثال لهذه البنى الجديدة على الصعيد العملي يمكن الإشارة إلى المجالس الخور نية والأبرشية والملية، ولجان التنسيق والدراسة في شؤون التثقيف المسيحي، والعلاقات المسكونية، والعلاقة مع الدولة، والنشاطات المسيحية المشتركة… بالإضافة إلى الهيئات العلمانية المتخصصة والحركات الرسولية.

انه لمن الأهمية بمكان أن يكون للأسرة-كاسرة وكزوجين-موضع وصوت مسموع في مثل هذه البنى،على صعيد الكنيسة الجامعة وعلى صعيد الكنائس المحلية، لاسيما في كل مايخص شؤون التربية وقضايا الأسرة (كتنظيم النسل،ومشاكل الافتراق والطلاق، والزيجات المختلطة ودورها الايجابي في الحركة المسكونية…). إذ لا ينبغي إن تبقى الكنيسة تنظر إلى الأسرة وكأنها قاصرة يجب تنظيم سيرها ومسارها دائما، كما حدث بصورة مربكة في قضية وسائل منع الحمل مع بولس السادس وبعده.

فإذا كانت الأسرة خلية الكنيسة، فهي خلية عاقلة ومسؤولة، وينبغي أن يتعرف بأنها كذلك. كما ينبغي أن تشعر بأنها موضوع ثقة ومحبة ورعاية، وبأنها جزء مكون، لا تابع للكنيسة.

ضمن هذا التصور وحده تستطيع الأسرة أن تنضج وتؤدي رسالتها الخاصة في شعب الله، وتحيا دورها النبوي في المجتمع.

الأب جرجس القس موسى

((((((((((())))))))))