الاشتراك في القداس

الاشتراك في القداس 

       إليك أيها القاري الكريم هذه الفذلكة في القداس حسب الطقسين السرياني والكلداني، وهدفنا منها هو تحملك على اكتشفت ما ينطوي عليه القداس من معان ورموز ونساعدك على الاشتراك في الذبيحة التي هي بمثابة ماساة لك دور تلعبه فيها.   فهذا المقال ليس دراسة علمية، إن هو إلا عرض سريع لأقسام القداس يتيح لك أن تشترك فيه بشكل أفضل، فعسى أن تستفيد منه.

القداس السرياني

يتألف القداس السرياني من أربعة أقسام هي:

1 – تحضير القداس

2 – قداس الموعوظين

3 – قداس المؤمنين

4 – القسم الختامي

        ويعتبر القسمان الثاني والثالث العنصرين الجوهريين في القداس. وتجدر الإشارة إلى أن القداس السرياني هو محاورة بين  الكاهن والشعب يكون فيها دور الشماس كدور”عريف الحفل” الذي ينبه ويقدم ويشير. وهذا ما يضفي على القداس طابعه الجماعي ويوضح لنا كيف أن القداس ينبغي أن يكون طعام المحبة وملتقى الإخوة ومنطلقا إلى الشهادة، كما كان للجماعات المسيحية الأولى التي كانت تلتئم في أول يوم من الأسبوع حول عشاء الرب. وهذا الطابع الجماعي جوهري في القداس الإلهي، لذا كانت جميع الصلوات في صيغة الجمع، حتى تلك التي يتلوها الكاهن، لان هانما يقدم الذبيحة باسم الشعب ومع الشعب ومن اجل الشعب الذي يعبر عن اشتراكه بكلمة”آمين” اعني”ليكن”. 

القسم الأول – تحضير القداس والتقدمة

      كان هذا التحضير يتم قديما على مذبح جانبي قبل أن يؤتى بالتقادم إلى المذبح الرئيسي باحتفال، قبل صلاة الدخول وخروج الموعوظين المتهيئين للعماد.

    وينه هذا الجزء التحضيري في السر وعلى مرحلتين، تدعى الأولى خدمة ملكيصاداق لان الكاهن يقد فيها الخبز والخمر والمهيئين للذبيحة كما فعل ملكيصاداق، على ما جاء في الكتاب المقدس، عندما استقبل إبراهيم وهو عائد من إحدى غزواته وقدم له الخبز والخمر. وتدعى الثانية خدمة هارون حيث إن الكاهن يتشح بحلة كنسية خاصة”البدلة” للدلالة على قدسية العمل الذي يقوم به، ثم يعود ليبخر التقادم والمذبح، كما كان الرب قد أمر هارون في سفر الأحبار واستعمال البخور عريق جدا ويرمز إلى ارتقاء صلاة المؤمن إلى الله والتماس رضاه. وهنا يذكر الكاهن النية التي من اجلها يقدم الذبيحة الإلهية.

القسم الثاني – قداس الموعوظين

     يقصد بكلمة الموعوظين أولئك المقبلين إلى الدين المسيحي ولما اكتملت ثقافتهم المسيحية، فهم في طور الاستعداد والتطلع إلى يوم اقتبالهم العماد المقدس وانخراطهم الكامل في عداد جماعة الإخوة. وقد كان يحق لهم الاشتراك مع المعمدين بالجزء التعليمي من القداس الذي يمتد إلى ما قبل تلاوة قانون الإيمان.

ويشتمل هذا القسم على:

قراءات العهد القديم: إن الكنيسة المسيحية شعرت منذ البدء بأنها الوريثة الشرعية لشعب الموعد ولتراثه الروحي، وبأنها تحقيق لا جدل فيه للمملكة المسيحانية الروحية الشاملة التي أشار إليها الأنبياء وارسي قواعدها يسوع المسيح، لذا اعتادت في اجتماعاتها الاوخارستية، منذ عهد الحواريين، أن تقرا نصوصا من التوراة والأنبياء والمزامير. ولا تزال قراءات العهد القديم تتلى حتى الآن في أيام الآحاد والأعياد لتذكرنا بجذور إيماننا، وتطلعنا على إصبع الله العاملة في تاريخ البشر.

قراءات العهد الجديد: بعد الانتهاء من قراءات العهد القديم يحمل الكاهن، في القداديس الاحتفالية، الإنجيل المقدس ويطوف به حول المذبح مع الشمامسة، وذلك إكراما لكلام الله المتضمن فيه، وهم ينشدون بالتناوب ترتيله”أعظمك أيها الملك ربي…”.

      أما في القداديس البسيطة فيقرا نص من رسائل مار بولس وقد يسبقه نص آخر من أخبار الرسل أو رسائلهم. ثم يدعو الشماس جماعة الإخوة إلى الوقوف والإنصات بهدوء واحتشام إلى الإنجيل الذي يتلوه عليهم الكاهن بعد أن يحييهم بعبارة”اللام لجميعكم”.

     إن هذه القراءات تبسط تعاليم الرسل وحياة الرب غذاء لنفوسنا فنشترك في كلمته قبل أن نشترك في ذبيحته.

الموعظة: الموعظة جزء مهم من القداس وكانت تتناول شرحا عمليا لنص الإنجيل الذي يسبقها مباشرة ودعوة إلى تطبيقه في الحياة. وحبذا لو تحققت أمنية الكنيسة والمجمع الفاتيكاني الثاني وعاد هذا الجزء إلى صلب قداديس الآحاد والأعياد مع مراعاة عامل الوقت وعامل الواقعية في عرض الكلمة بحسب عقلية السامعين واحتياجاتهم الروحية.

القسم الثالث – قداس المؤمنين

      ودعي كذلك لان المؤمنين المعمدين وحدهم يحق لهم الاشتراك فيه. ويجري على النحو التالي:

صلاة الدخول: بعد قراءة الإنجيل يقف الكاهن عند أسفل المذبح باسطا ذراعيه لتلاوة صلاة الدخول، وقد سميت بهذا الاسم لان الشمامسة كانوا يدخلون الهيكل وهم حاملون الخبز والخمر قبل وضعها فوق المذبح. ويغلب على هذه الصلاة، كما هي الحال في معظم صلوات القداس السرياني، عنصر الاستغفار والطلب.. وتتوجه جميعها تقريبا إلى الله الأب لان الذبيحة إليه ترفع.

قانون الإيمان: يدعو الشماس جماعة الإخوة إلى الاستعداد، ويقف الكاهن في باب الهيكل ويعلن بصوت جهير الكلمات الأولى من قانون الإيمان” نؤمن باله واحد”، فيتناوله منه المؤمنون ويتلون سوية بنود إيمانهم التي اقرها مجمع نيقية المسكوني عام 325. وهكذا يعلنون وحدتهم في الإيمان ورغبتهم في جعل هذا الإيمان قاعدة للحياة.

     وفي أثناء هذه التلاوة يبخر الكاهن المذبح والشعب للمرة الأخيرة، ثم يغسل أنامله رمزا إلى النقاوة التي ينبغي بها أن يقدم الذبيحة الطاهرة، بعد أن يكون المؤمنون قد قدموا نذورهم وتقادمهم (التبسة) ويتجه ثانية نحو جماعة الإخوة فيطلب صلواتهم ويستغفرهم ثم ينحني أمام المذبح نستغفرا عن آثامه وآثام الشعب والموتى والمؤمنين

تبادل السلام: يصعد الكاهن إلى المذبح ويتلو صلاة السلام التي تتضمن دعوة إلى تبادل السلام وقد جرت العادة في أن يتم السلام بمصافحة خفيفة بكلنا اليدين، بينما كان تبادل السلام قديما يتم بالمعانقة، كما يشير نص العبارة القديمة”لنعط السلام بعضنا لبعض بقبلة مقدسة…”.

      مهما كانت من الطريقة، فهذه الحركة بليغة المعاني، فهي تذكرنا أولا بقول الرب:” إن قدمت قربانك على المذبح، وتذكرت هناك، إن لأخيك عليك شيئا، فدع قربانك هناك أمام المذبح، وامض أولا فصالح أخاك، وعندئذ تعال وقدم قربانك” (متى 5: 24)، ومن ثم تشير ألينا بأي استعداد  يجب أن نشترك في القداس. فان كنا نؤلف”جماعة الإخوة” الذين اجتمعوا لتقديم القربان الواحد فيجب أن نرتبط فيما بيننا بربط المحبة والسلام والإخوة وصفاء النية.

التقديس: يدعو الكاهن المؤمنين ليرتفعوا بعقولهم وقلوبهم إلى الله استعداد لمجيء المسيح في القربان. وبعد أن يذكر، في صلاة سرية، مراحل تاريخ الخلاص يشكر الله الأب باسم شعبه على جميع أفضاله، ثم يرفع صوته باسطا ذراعيه وناظرا إلى السماء ليرى بعين الروح حركة الملائكة غير المنقطعة لتأدية السبحة والمجد والوقار الواجب لعظمته تعالى، بحسب ما ورد في رؤيا اعشيا. فيجيب الشعب بصلاة”قدوس” التي تتكون من تسبحة الساروفيم والكاروبيم التي جاءت في رؤيا اشعيا ومن هتافات الجماهير التي استقبلت يسوع على أبواب أورشليم. وذلك يدخلنا في جو الرهبة والاستعداد اللازمين في حضرة المسيح الذي يتم حضوره على المذبح تحت إشكال الخبز والخمر بتلاوة كلمات التقديس”الكلام الجوهري” وهي الكلمات نفسها التي استعملها الفادي في  رسم الاوخارستيا. وعلى كل استحالة يجيب الشعب”آمين” معلنا ايمانه.

     ثم يستطرد الكاهن تاليا وصية الرب التي تعطي معنى هذا الحضور السري ومراميه التبشيرية النابعة من موت المخلص وقيامته:” وكلما تناولتم هذا الخبز وشربتم هذا الكاس، تبشرون بموتي وتعترفون بقيامتي حتى مجيئي”. ويعقب على ذلك بذكر مراحل الفداء المختلفة من صلب المسيح إلى مجيئه الثاني للمجازاة، كي يضع نصب أعيننا رأفة الله نحونا.

     إن هذه الصلوات وما يتبعها والمعرفة” بالصلاة الاوخارستيا” هي من الصلوات القديمة جدا وقد دخلت القداس في خطوطها الكبرى من القرن الثالث كما تشير الوثيقة المعروفة” بتعليم الرسل ألاثني عشر”.

دعوة الروح القدس: (لك نسبح…) وقد فقدت جو الرهبة والأهمية التي أحاطها به بعض الآباء حتى ذهبوا إلى جعلها جزءا لا يتجزأ من كلمات التقديس. وإنما هي في الواقع دعاه إلى الروح القدس لإعلان الاستحالة الجوهرية وتنوير الأذهان لقبول هذا السر الذي لا يصله إدراك.

التذكارات (الشملايات): وتأتي بعد دعوة الروح القدس مباشرة وعددها ستة. وكانت قديما تتألف من لوحتين تحمل أحداهما أسماء الإحياء والثانية أسماء الموتى، وكان الشماس يتلوها فيجيب عليها المؤمنون بتضرعات مناسبة. أما الآن فالشملاية الأولى هي للأحبار ثم يليها الإخوة المؤمنين ثم الحكام. وبعدها ثلاثة للموتى تبدأ بتذكار العذراء والقديسين، ثم الآباء الذين علمونا قواعد الإيمان ثم الموتى الذين سبقونا في الرب. ونتمنى لو عاد عنصر المبادرة إلى هذه التذكارات لتحمل نيات ودعاءات تتجاوب مع حاجات كنيسة اليوم وأماني عصرنا.

القصي أي الكسر: بينما ينشد الشعب ترتيلة مناسبة يقوم الكاهن بكسر البرشانة المقدسة كناية إلى وجود المسيح في القربان المقدس في حالة ذبيحة تكفيرية ومزج الجسد بالدم رمزا إلى أن المسيح الذبيحة لازال حيا. وهكذا يتم سر الفصح الذي هو سر”عبور” المسيح من الموت إلى الحياة ذلك الحمل الذبيح الذي به يتم سر انتقالنا من الموت إلى الحياة اعني من عبودية الخطيئة إلى حرية ابناء الله.

الصلاة الربية: يؤهلنا المسيح الحاضر بيننا لان ندعو الله”أبانا” فنرفع إليه قلوبنا بالتمجيد والاستسلام له ونطلب الغفران منه استعدادا لتناول جسد الرب. والصلاة الربية موجودة في قداديس جميع الطقوس منذ القرن الرابع تقريبا.

الرفعة: بعد إعطاء البركة للشعب للمرة الثالثة يرفع الكاهن الأقداس مناديا” الأقداس للقديسين” مشيرا بذلك إلى الاستعدادات التي بها ينبغي أن نتقدم من سر الإيمان والتقوى.

التناول: بينما يرتل الشعب أبياتا استعداديه للتناول ينزل الكاهن إلى أسفل المذبح ويستغفر الإخوة من جانبي المذبح ويطلب عون الرب وصفحه ليتناول بقداسة، ثم يصعد إلى المذبح ويتناول الجسد ويشرب من كاس الدم. بعد ذلك يحمل الأقداس بيديه ويبارك بها الشعب مستمطرا عليه الغفران والرحمة كي يكون أهلا للاشتراك في جسد الرب ودمه، ومن ثم تتقدم جماعة الإخوة من لمائدة المقدسة. إن التناول جزء أساسي من القداس وبه نأخذ الذبيحة كل أبعادها، فان كانت الذبيحة الإلهية تقدمة فهي أيضا سر الاتحاد العميق بين الله والبشر وهي عشاء الرب، والعشاء لا يتم إلا بالاشتراك، فمن الطبيعي إذن أن يشترك المؤمنون الحاضرون في تناول ج المسيح ودمه عربونا للقداسة والحياة الأبدية ولترسيخ بنيان الكنيسة الواحدة. فيا ليتنا فهمنا أن التناول هو قوت لنفوسنا في كل اجتماع لنا مع الإخوة في عشاء الرب، وانه لمن المنطقي أن نكلل لقاءنا الروحي بالمسيح في القداس بلقاء شخصي في التناول.

الشكر والانصراف: بعد مناولة المؤمنين يتلو الكاهن صلوات شكر اعترافا بجميل الرب الذي أهل المؤمنين للاشتراك في الأسرار السماوية. ثم يصرف الإخوة. وكاني الرابع:قول لهم:” امضوا بسلام وانتم فرحون ومسرورون” يطلقهم إلى العالم ليحملوا إليه المسيح الذي غمرهم بحضوره، ويبلغوه بشرى إنجيله السارة التي تنعكس على وجوههم فرحا وسرورا، وليكونوا شهادة مجسدة حية بين الناس لقيم المحبة والسلام.

القسم الرابع: القسم الختامي

     ويدعى خدمة الغسل، إذ أن الكاهن، بعد أن صرف المؤمنين، يغانصرافه.ي المقدسة ثم يقبل المذبح في أركانه الثلاثة مودعا. وتتخلل هذه العملية صلوات ومزامير يتلوها الكاهن سرا قبل انصرافه.

                                  القداس الكلداني

إن القداس الإلهي أعظم واسطة لتمجيد الله: إذ به يقرب الابن ذبيحته التي ترضي أباه وتمجده، فهو طقس عبادة وصلاة ؛ وهو أعظم وسيلة لتقديسنا بالنعم التي يسبغها علينا وبالتعاليم التي بها ينورنا، فهو إرشاد وتهذيب، لذا كان القداس مؤلفا من قسمين أساسين ؛ التعليم والذبيحة.

                                 قداس الموعوظين

        يشمل هذا القسم بداية القداس حتى التقدمة، وفيه كان يسمح بالحضور لكل مؤمن وان لم يعتمد بعد، وغايته الأساسية هي إبلاغ كلمة الله إلى قلوب المؤمنين.

ولما كان قبول الله متوقفا على تهيؤ النفس روحيا، فالقرءات تتلى في جو مفعم قداسة وإيمانا لتحفز المؤمنين على العيش بموجبها. وهكذا فكل قراءة تسبقها أو تليها صلاة”كهنوتية” يتلوها الكاهن باسم الشعب الذي يجيب بكلمة”آمين”.

 الافتتاح: بعد الافتتاح بالنشيد الملائكي” المجد لله في العلى…” و” أبانا الذي” مع تذييلتها” قدوس” يتلو الكاهن صلاة يطلب فيها العون الإلهي للقيام” بخدمة الأسرار المقدسة المعطاة لتجديد طبيعتنا الضعيفة وخلاصها”.،تليها مزامير”مرميث” لإعداد الشعب لحضور السر (مز 15) ولتمجيد الله (مز15. و 116)، (وفي الآحاد ترتل” عونيث القنكي” بحسب المناسبة الطقسية) ثم يقدم البحور، وفيه يستقي الكاهن فكرة لطلب تطهيرنا لنتهياء لمجيء الرب، لذا يتلو الشعب”لاخومارا”:” للرب… محيي أجسادنا ومخلص نفوسنا”. ثم يتلو الشعب على دعوة من الشماس القدوس الثلاثي”قديشا الاها” يضيف إليها الكاهن صلاة استغفارية.

القراءات: بعد هذا الإعداد المفعم بمشاعر المحبة والندامة والاستغفار والطلب، يبدأ” القريانات”: قراءتان، الأولى من العهد القديم والثانية منه أو من أعمال الرسل يتلوهما الشماس عن باب المذبح بعد أن يدعو الشعب إلى الجلوس والانصات، وتختمان بمزمور”شورايا”. وكانت القراءات أربع حسب النظام الأقدم في الكنسية.

الرسالة والإنجيل: وتسبقها صلاة يطلب فيها الكاهن من الرب أن ينور قوى أفكارنا لننصت ونفهم وصاياه المحيية والإلهية فنستقي منها حبا ورجاء وخلاصا لأنفسنا وأجسادنا.

     للشعب بالصمت والهدوء، وحينئذ يتقدم الكاهن بهيبة إلى وسط باب المذبح فيبارك الشعب بالإنجيل المقدس ويتلوه على مسامعه بنغم شجي.

الكاروزوث وإعداد مواد الذبيحة: عملان هامان في القداس وان أهملا الآن:”الكاروزوث” (لنقم حسنا) تتلى حاليا في الصوم، وفيها يطلب الشماس النعم التي نحتاج إليها: الأمن، الخصب، الرفاه لبلادنا وكل البلدان، للكنيسة وكل أبنائها ورؤسائها… وفي إثناء تلاوتها يعد الكاهن مواد الذبيحة يضع من البرشانات ما يكفي للمتناولين ويقوم بمزج الماء والخمر روزا اللذين جريا من جنب الفادي.

وضع اليد: في نهاية الكاروزوث يصلي الكاهن طالبا النعم والغفران، ثم يحني الشعب رؤوسهم فيتلو الكاهن صلاة وضع الأيدي شاكرا الرب على الكهنوت كواسطة للخلاص المتفجر من الصليب برحمة الأب وقوة الروح القدس. ثم يصعد الكاهن إلى المذبح طالبا له وللشعب حياة صالحة ترضي الله كل يوم. بينما يعلن الشماس إن على من لم يعتمد أو لم يتثبت أو لن يتناول أن يغادر الكنيسة. وبهذا ينتهي القسم الأول الذي يحقق للموعوظين الاشتراك فيه. وقديما كان قانون الإيمان من ضمن قداس الموعوظين.

                                 قداس المؤمنين

      كان يحضر هذا القسم كل مؤمن مستعد للتناول، لذا فكل صلواته تفترض هذا الفعل الجوهري: فالحضور الطبيعي للقداس يعني الاشتراك فيه بالتناول.

       إن ما يميز هذا القسم هي فترات يتلو فيها الكاهن بصوت خافت الصلوات، بينما يعطي الشماس، على غرار كل الطقوس الشرقية، توجيهات وتحريضات”كاروزوث” ترشد الشعب إلى أهم المواقف التي عليه أن يتخذها ليشترك جيدا في الأسرار. هذا ما يتم بعد قانون الإيمان وبعد الكلام الجوهري”اريم عينيكون”

( ارفعوا عيونكم) وبعد القصي”كلن بذحلثا” (كلنا بالخوف)، وبعد التناول”كلن هاخيل”… وان هذا القسم موزع إلى تضرعات يتلوها الكاهن واقفا وصلوات سجود يتلوها منحنيا.

                                                                 1 – التقدمة

نشيد الدخول: (عونيث الأسرار) وبه تستهل التقدمة، وإذ يتلو الخورس تمجيدا للقربان وتعريفا بثماره يقدم الكاهن التقدمة رافعا ألكاس بيمينه والبلاس (الصينية) بشماله متقاطعتان بشكل صليب قائلا:

  ” المسيح الذي ذبح لأجل خلاصنا. وأوصانا أن نصنع ذكر موته ودفنته وقيامته، ليتقبل من أيدينا هذه الذبيحة بنعمته ورحمته إلى الأبد”. ثم يضع الأسرار على المذبح ويغطيها بالحجاب ويستطرد مكملا عونيث الأسرار لذكر البتول على المذبح، لذكر الرسل، لشفيع الكنيسة، وأخيرا لا نفس الراقدين(أو حسب المناسبة الطقسية).

صورة الإيمان: عندئذ ينزل الكاهن إلى باب المذبح وهو يطلب إلى الله أن يلجه دوما بقلب طاهر، ثم يبدأ:”نؤمن” فيواصل كل الحاضرين تلاوته وقوفا.

الدنو من الأقداس: يدنو الكاهن من المذبح باحترام بليغ ( ثلاث انحناءات ممجدا الله الذي أهله ليقرب” هذه الذبيحة الحية المقدسة والمقبولة التي هي ذكرى سلام ربنا ومخلصنا يسوع المسيح وموته ودفنه وقيامته، الذي به ارتضى الله وتصالح غافرا خطايا البشر كافة”. وإذا يصل إلى المذبح يسجد ثلاثا أمامه ويقبله في الوسط والشمال واليمين.

      وفي هذه الأثناء يتلو الشماس”كاروزوث” للتذكير بكافة موتى الكنيسة الذين من اجلهم يقدم القربان: “ليعطينا الله معهم رجاء صالحا وحصة وميراث الحياة في ملكوت السماء”. ثم يطلب الكاهن أن يصلي الشمامسة من اجله ليكمل” إرادة الله كي يقبل قربانه ويسر بذبيحته من اجلنا ومن اجل العالم”، ثم يصلي طالبا “القوة لهذه الذبيحة كي تغفر خطايانا فنجد الرحمة يوم الدين”.  بينما يقول الشماس: “ليسمع المسيح صلواتك…”.  السلام:لكاهن أمام المذبح شاكرا الرب لانه جعله أهلا لخدمة الأسرار المقدسة، وطالبا العون ليخدم هذه الموهبة” بمحبة كاملة وإيمان صحيح” فيجيب الشعب؛ آمين.

السلام: يبارك الكاهن المؤمنين ويعطيهم السلام من المذبح على يد الخادم ليتبادلوه فيما بينهم “بحب المسيح”. وفي هذا الوقت يذكر الأحياء والأموات بينما الشماس يرشد الشعب ليعطوا السلام باسم ابناء الكنيسة كافة: “وحلاب…، ثم ينبههم إلى الموقف الذي يجب أن يتخذوه، “نودي ونوعي”: التضرع بالطهر والتوبة، الانتباه إلى الأسرار والى الكاهن الذي يصلي ليزداد السلام بين الجماعة، وخفض النظر ورفع الفكر والتزام الصمت والصلاة من أعماق القلب.

                                                                    2 – الذبيحة

تبدأ النوقدوس: التحية البوليسية: “نعمة ربنا يسوع المسيح” ثم يدعو الكاهن الشعب إلى أن يرتفعوا بأفكارهم نحو العلاء لان القربان يقرب.

المقدمة وقدوس: يتلوها الكاهن مؤكدا على وجوب والتمجيد لله خالق الكون ومخلص البشر، كما يصنع الملائكة  الذين نسبح معهم قائلين: قدوس… وينحني الجوهري:ضرعا بالرغم من عدم استحقاقه، ثم يخاطب الأب مسبحا إياه مع كافة العلويين ومسبحا الابن الذي تتنازل وظهر في الجسد خاضعا للناموس ليحررنا من عبوديته وأعطانا ذكرى خلاصنا هذه.

الكلام الجوهري: يسرد الكاهن نص الإنجيل في تأسيس سر الأسرار المقدس. وبعد تكريس الخبز والخمر يعلن الشعب إيمانه بالاستحالة قائلا: آمين.

الطلبات: يرفع الكاهن يديه داعيا الروح القدس ليحل على القربان ويجعله وسيلة لخلاص البشر. ويليها مزمور “ارحمني يا الله” ومزمور “إليك رفعت عيني” اللذان يعبران عن مشاعر التوبة استعدادا للدنو من الأسرار.

الرسم والقصي: قبل أن يلمس الكاهن جسد الرب يضع البخور ويطهر به يديه بمشاعر التوبة، ثم يرفع القربان أمام الجمهور الراكع ويقبله بشكل صليب دون أن يلمسه بشفتيه قائلا: “سبحانك يا ربي…”.  فيكسر البرشانة وغطس قسما منها في الدم الثمين، وبهذا القسم يرسم إشارة الصليب على القسم الآخر. بهذا الطقس يتحد الجسد بالدم رمزا لقيامة الرب، ثم يرفع الكأس ويرفع الغطاء من وراء الأسرار للقيامة أيضا.

                                                              3- الاشتراك

الاستعداد للتناول: بعد السرد البولسي” نعمة ربنا…” يعلن الشماس “كلن بذحلثا” مذكرا الشعب بتدبير الله ألخلاصي الذي بلغ أوجه في منحه سر المحبة

 ومحرضا إياه على التناول بحب ورهبة وتواضع وصلاة طاهرة وتوبة وصفح اخوي… بينما الكاهن يبارك على دعوته لنا إلى ملكوت ابنه وإشراكنا في موهبة سره، ويتضرع إليه أن يجعلها لا للدينونة بل للرحمة والقيامة والحياة شهادة تمجد الله على الأرض وتكتمل في السماء.

أبانا الذي: صلاة الابانا الذين يستعدون لتقبل موهبة أبيهم ثم ينبه الكاهن: “القدس للقديسين” ويعرض الأسرار لعباده المؤمنين وهم راكعون.

تناول الكاهن: “قدس جسدنا بجسدك المقدس، واغفر ذنوبنا بدمك الكريم…” وبعد تناول الدم يقول: “مزجت كاس دمك الكريم في وليمتك لجماعة مدعويك   ايها الختن السماوي، وسقيتني منها أنا الخاطئ. سبحانك على حبك الذي لا يوصف، إلى الأبد.

تناول الشعب: يبارك الكاهن الشعب قائلا: “لتكمل موهبة نعمة محيينا ربنا يسوع مع جميعنا”. عندئذ يتلو الخورس إحدى التسابيح وهي تذكر بعظمة الأسرار والاستعداد اللائق للاقتراب منها. ثم يعلن الشماس واجب الشكران “كلن هاخيل”.

صلاة الشكر والختام: هما صلاتان الأولى تعبر عن الشكر لله على موهبته، والثانية تطلب إليه أن يجعل هذه الأسرار مثمرة فينا في الدنيا والآخرة. ويختم الكاهن القداس مستمطرا على الشعب بركات الله وعنايته الأبدية داعيا لهم كي يصونهم صليب النور من كل ضرر وأذية.

                            الأبوان: جرجس القس موسى وبطرس يوسف

Advertisements

المسيحي والوطن

المسيحي والوطن 

       إن بذرة محبة الوطن هي في محبة الأسرة، فالعائلة وطن صغير في الوطن الأكبر، إنها وطن الذكريات، وطن الأرواح والقلوب. فإذا ما طاب لنا هواء وطننا، فلأننا تنشقناه أول مرة في بيوت آبائنا ؛ وان غزت علينا شمس بلادنا، فلأننا أبصرنا نورها أول الأمر ونحن في أحضان أمهاتنا الدافئة، فمن حارب العائلة أو أراد بناء وطنية أو نظام، مهما كان اتجاهه، خارجا عنها هدم ما أراد بنيانه. 

الوطن ارض ودم وتاريخ 

      فالوطن، إذن، ارض ودم وتاريخ وبناء. ارض تجمع أفرادا تشدهم إلى بعضهم البعض مصالح مشتركة وتسوسهم قوانين عامة ترعى حقوقهم وتصون حرياتهم، وتشكل هذه الأرض ضمانا لحياة الأفراد ضمن المجموع لا خارجا عنه، مما لا يتم الإنسان في العزلة. والأرض لا تكون وطنا إلا إذا عاد إليها الأفراد كما إلى دارهم الخاصة، وفلحوها كما يفلحون حقلهم الخاص، ونظروا إليها نظرة الحنان التي يعانقون بها عش أحلامهم وأمانيهم. الأرض وطن إذا ما استطاعت تربيتها أن تخلق في الأفراد وشائج مجتمع يؤمن  بحتمية وحدته، ويرى في هذه التربة إطارا قدسيا يشهد جهاده، وكيانا غاليا تنمو فيه حياته، كما في أسرة كبيرة.

لقد كانت المجتمعات البدائية عبارة عن مجتمعات عشائرية، ومع طبيعة الإنسان النازعة إلى الاختلاط والتعاون تحالفت القرى والمدن المجاورة للذود عن أراضيها أو توسيعها وتحسين أحوالها، فولدت الأقاليم المختلفة من شعوب تجمعها وحدة الدم والقرابة، ثم انصهرت فيها قوميات أخرى مختلفة تحركها عوامل متباينة كالدين أو الجوار أو اللغة أو الفتوحات أو المصالح المشتركة.

      والوطن والتاريخ جاهدت في تسطيره على ألواح الزمن أجيال من الرجال والنساء سقوا تربة الوطن بعرق جباههم وبدمائهم، فنبتت حضارات، وازدهرت شعوب نحن ثمارها الباقيات. فوحدة التاريخ هي من اقوي العوامل التي تكون الوطن وتبني وحدته.

      وقولنا إن الوطن بناء معناه أن الوطنية السليمة ليست تباهيا بملاحم الجدود بقر ما هي تخطيط وتصميم لغد أفضل. بعبارة أخرى الوطن تاريخ لم ينته تحريره، وعلى كل جيل أن يضيف إليه جهاده وانتصاراته وعزيمته وتضافر جهود أبنائه. به1ذا التآزر والعزم الوطيد على بناء المستقبل، من جميع النواحي الحضارية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والدولية، يتم الشرط الأخير من شروط قيام الوطن. 

هل المسيحية تؤمن بالوطن 

      الإنسان كائن تمتد جذور بنوته إلى ابعد من أسرته اللحمية: انه ابن تربة ومناخ معينين وبيئة مجتمعية خاصة ساهمت مساهمة أبوية في تكوين شخصيته التي صقلتها تقاليد وعادات اجتماعية  عريقة ؛  وطبعتها بختم سري                لا يمحى، ثقافة فطرية وتربية دينية تقولب الضمائر ولنفوس عبر شرائعها ومؤسساتها ؛ وكرستها، في معظم الأحيان، لغة ليست مجرد طريقة للتفاهم والتعبير، وإنما هي قناة وصل لطرائق معينة من التفكير والتصوير والثقافة، وهي بذلك تقدم للمواطن فلسفة معينة في الحياة، إن هذه الجذور اعرق وامتن من أن تتنكر لها المسيحية، بل أنها تعترف بفضلها، وقد امتزجت بها هي نفسها عبر الأجيال ورفعت من شانها.

      قد يخال لبعض البسطاء إن المسيحية ديانة روحانية لا تمت بصلة إلى المنظورات والمحسوسات لأنها تبحث في خلاص الفرد وآخرته. يقولون أنها كشف للحقيقة المطلقة، فكيف تكون ذات علاقة بقضايا يلفها زمان مائل كالظل وتأخذ شكلا ولونا يختلفان تحت مل سماء؟ صحيح إن المسيحية نداء وطريق للإنسان إلى الوطن الثابت مع الله الذي هو الحقيقة الأزلية   ورجاء يرفعه إلى مستوى المحبة الإلهية التي تجمع الكل في وحدتها،” غير أن هذه المحبة الإلهية نفسها، كما جاء في صورة الاعتراف بالإيمان التي جاهر بها البابا بولس السادس باسم الكنيسة، بمناسبة اختتام سنة الإيمان (1968)، هي التي تدفع الكنيسة إلى الاهتمام دوما بصالح البشر الأرضي. وإذا لا تني تذكر أبناءها أن ليس لهم ههنا مدينة باقية، فهي تحثهم أيضا بالإسهام في صالح المجتمع الذي ينتمون إليه”.

      لقد كان للمسيح وطن ارضي، ولقد أحب المسيح هذا الوطن محبة عظيمة، فرأى صورة أبيه الناصعة في زنابق حقوله وينابيعه وعفر رجليه بتراب طرقاته، وطالما أوى إلى جباله وناجى أباه في صمت لياليه المقمرة، ولا زالت سفوح جباله ورباه وأمواج بحيراته  وسواحل  أردنه تردد صدى صوت العذب. لقد أحبه وعز عليه أن تدوس القدم الهمجية عاصمته المقدسة فذرف الدموع السخين على مصيرها  

       والمسيحي هو أيضا متصل بالأرض التي أنجبته اتصال الجذور بالتربة، ومغمور بسماء بلاده وخيرات وطنه، فهو لذلك مواطن في بلد معين، بكل ما تحمله هذه الكلمة من مقومات وتثير أحاسيس  وتوحي من ربط والتزامات اجتماعية  وقومية  وحضارية، فالمسيحي الصالح هو مواطن صالح. المسيحية تؤمن، إذن، إيمانا راسخا بالوطن، وتعتبر محبة الوطن فضيلة تتصل بمحبة الوالدين وبالتقوى لله. فمن اخلص لله اخلص لأسرته، ومن اخلص لأسرته اخلص لأقربائه ولجيرانه ولأبناء قريته او مدينته، ثم تتسع دائرة عاطفته فتشمل بلاده التي هي امتداد لأسرته.

دعائم المواطنة الصالحة 

إن المواطنة الصالحة ترتكز على دعائم ايجابية أربع وهي:

الإخلاص

والتضحية

والشعور بالمسؤولية

واحترام السلطة.

      إن الإخلاص في العمل وفي الخدمة العامة هو أول ركيزة من ركائز الوطنية الحقة، ومن دونه يصبح كل ادعاء بالوطنية والمصلحة العامة ضرب من ذر التراب في العيون. ويتناول هذا الإخلاص أول ما يتناول العمل الفردي الخاص، فحين يتقن المواطن واجبه ويحسن القيام بخدمته، فانه بذلك يخدم نفسه ووطنه معا، إذ يعمل لمصلحته الخاصة وينهض بأعباء ذويه ويساهم في زيادة الثروة الوطنية وتحسينها. وهذا الإخلاص ضروري وأكثر قدسية في القطاع العام حيث يتسلم فرد من ابناء الشعب مسؤولية باسم الدولة والشعب  ليخدم مصالح المواطنين أو يؤدي نصيبه في إنماء الدخل القومي، لا ليروي جشعه أو ليسخر وظيفته لمآربه الشخصية، فالفلاح الذي يكد بكل طاقاته لاستثمار أرضه وإخصاب تربتها، والموظف الذي يستقبل المواطنين بلطف ويقضي إشغالهم بسرعة ومساواة، والمعلم الذي يعلم النشء الجديد.. هؤلاء وكل مواطن   إن اخلصوا في واجباتهم، خدموا وطنهم اجل خدمة ونهضوا ببلادهم إلى مستوى الأمم الراقية.

     والمسيحي إذ يخلص لبلده يعرف انه يخلص لدينه الذي يأمره بالأمانة. فالتقصير في واجبه، أو خيانة ثقة أولته إياها دولته هي أمور لا يجد ران تطاوع ضميره البتة، كثيرا ما يضرب المثل بأمانة المسيحيين وإخلاصهم، فينبغي علينا أن نحرص كل الحرص على هذا الاسم موقنين بأننا بذلك نؤدي شهادة فريدة لسمو مبادئ إنجيلنا ونبرهن على صدق وطنيتنا. 

      والوطنية الصادقة تقود حتما إلى التضحية لأنها في طبيعتها إيثار الخير العام على المصلحة الخاصة. والتضحية عنصر جوهري وشرط أساسي لكل ما يراد له النجاح ؛ فمن كان هدفه نهضة البلاد  وكان همه المساهمة في رقي أمته، لا بد له أن يقبل بالتضحية مقياسا لصدق نواياه، والتضحية معناها نكران الذات وهي بذل وعطاء

       قد يضطر المواطن إلى حمل السلاح والدفاع عن الوطن ضد كل طامع أو معتد وخوض حرب قد تؤدي بحياته، وتفرض نفقاتها  تضحيات حقيقية على كافة المواطنين، ولكننا إذ لا نبغي هنا دراسة حدث الحرب، هل هي عادلة أم لا، إنما نصرح بان كل حرب دفاعية هي مشروعة، لأنها جاءت دفاعا عن النفس، ولكن ضميرنا الإنساني والمسيحي يأبى إلا يشجب الحرب التي هي إحدى ويلات البشرية الكبرى، وذلك لأنه يؤمن بالطرق السلمية للتفاوض والحوار سبيلا إلى فض المشاكل الدولية والخلافات الإقليمية، وليس له أمنية أغلى من أن تقلص الدول من ميزانياتها الحربية وتكرس جهودها بالأحرى للإنماء والبناء، كما دعي إلى ذلك البابا بولس السادس في بومباي وفي خطابه الشهير في هيئة الأمم المتحدة بنيويورك. ويجدر بنا أيضا أن نذكر قول ابن أبي طالب في هذا الصدد:” إن في الصلح أمنا للبلاد، ويئس العدوان على العباد، من زرع العدوان  حصد الخسران، والغالب بالشر مغلوب”.

      ولكن الإخلاص والتضحية لا يبلغان أبعادهما الحقيقية إلا إذا تشبعا بالشعور بروح المسؤولية. ما أحوجنا إلى هذا الشعور في بلادنا! فالوطنية الصادقة لا تقتصر على العواطف مهما بلغ عمقها، وبالرغم من كون العاطفة عنصرا هاما في الوعي الوطني ؛ فليست الوطنية خطابات وهتافات، فقد لا تشكل هذه المظاهر سوى أقنعة مموهة للروح الوطنية الأصيلة.كما أنها ليست في تأوهات التماسيح التي يطلقها قوم متباكون على جهل مواطنيهم أسس المواطنة الصالحة، وهم لا ينون يتنكرون لقيم بلادهم وإمكاناته ويتقلبون كل ما يأتيهم من خارج الحدود وكأنة الكتاب المنزل، أو ينظرون كل شيء من الدولة، إن هذين الداءين العضالين، اعني يهما الأنانية والاتكالية هما ألد أعداء الوطنية  الحقة  لأنهما يوحيان بالجمود ويجهضان كل طموح.

      إن الروح الوطنية الصحيحة هي إذن في التروي والاتزان والتعاون مع كافة المواطنين لاختيار أفضل السبل لخدمة الوطن. وعليه لا يمكن أن تنشكثيرين.فوس مثل هذه الروح الصادقة ما لم تتغلب على النزعة الأنانية وروح التهرب ومنطق أل” آني ياهو مالتي؟” الذي يجري في عروق كثيرين.  إن كل مواطن، مهما كانت مكانته الاجتماعية، مشؤول عن جزء من التركة الوطنية ومدعو لان يسخر كل قواه وإمكاناته المادية والمنوية لاستثمار هذه التركة التي هي أمانة برقابنا، فتقلص بذلك من اتكالنا على الأجنبي   ونسير بأمتنا نحو مجتمع الاكتفاء  لنذكر قول جون كندي المأثور:” لا تنتظر ما تقدمه لك الأمة   بل ما تقدمه أنت للأمة”.

      ولا جرم أن رسالة التوعية بروح المسؤولية الوطنية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الأدباء والمحررين والفنانين والمربين ؛ فهم بحكم دعوتهم القيادية   يوجهون المواطنين ويوقظون انتباههم على طاقات بلدهم وتراث شعبهم الروحي والحضاري.وللصحافة دور فريد في تأدية رسالة التوعية   فبحق نعتوها بصاحبة الجلالة لأنها تتبرع على عرش الرأي العام وهي لسان الأمة الهادر ومرآة طموحها.

أما الركيزة الرابعة للوطنية فهي احترام السلطة التي تمثل البلاد وترعى مصالح المواطنين وتشرع القوانين والأنظمة لخدمة الخير العام ونشر لواء المساواة ومعاقبة العابثين.

      إن الكنيسة تعتبر السلطة الشرعية مؤسسة تستحق كل الاحترام وكل الطاعة  وتهيب بأبنائها أن يخضعوا للسلطة القائمة في كل شيء ما خلا ما يضاد الإيمان والضمير مباشرة. وقد رسم القديس بولس معلم هو الطاعة في رسالته إلى مسيحي روما:” ليخضع كل واحد للسلطات المنصبة ؛ فانه لا سلطان إلا من الله  والسلطات الكائنة إنما رتبها الله  فادوا أن للجميع حقوقهم ؛ الجزية لمن له الجزية  والجباية لمن له الجباية  والمهابة لمن له المهابة  والكرامة لمن له الكرامة”. (رومية 13: 1  7). 

العراق وطني وارض آبائي 

       إن الإرث الوطني عزيز علي وبمهجتي افديه لأنني فيه أجد آثار آبائي وإصبع أجدادي ودروب أمتي. العراق أحبه  ولا يلومني احد بهواه، لأنه تربتي وارض حرثتها أنامل أبي واخصبتها لآليء جبينه. انه يثير في مشاعر عارمة، وكل شيء فيه يحرك أوتار قلبي: نضاره مروجه في الربيع، عيونه الرقراقة، انهاره المتدفقة، أعماق وديانه وشموخ جباله، اتساع سهوله، جمال قراه في ليالي أيلول المقمرة، وروعة أعياد مواسمه…

      وإخلاصنا ومحبتنا لوطننا الأم يدفعاننا في التيار نفسه إلى توسيع اهتمامنا وإخلاصنا للبلدان الشقيقة، لتنسيق الجهود الرامية إلى وحدة الصف والكلمة، أن النزعة الوحدوية التي تشغل الإنسان العربي اليوم ليست مجرد نزعة دفاعية، وإنما هي وليدة عوامل كيلنية تربط أجزاء هده الرقعة من العالم، بغض النضر عن المعتقدات والقوميات التي تحتضنها، واهم هده العوامل هي رابطة التاريخ المشترك الذي وحد شعوب  هذه البلاد منذ القديم في مسيرة واحدة ومصير واحد ؛ ورابطة اللغة العربية التي أمست منذ الفتح العربي أداة تفاهم وإطار للتفكير واهم عامل وحدوي، بالرغم من وجود لغات عريقة ولهجات أخرى يتداولها السكان ؛ ورابطة المصالح المشتركة. وأخيرا، وليس اقلها شانا، الرابطة الجغرافية التي ساهمت مع ما سبق في خلق شخصية عربية مميزة. 

… وسائر الأوطان 

     ليس غريبا على طبيعة البشر أن تختلف وجهات النمطلقا.م، أو أن تظهر حدود ومصالح، إنما المؤسف حقا هو أن تعالج هذه المشاكل وذلك التباين بالعنف والاستعلاء وحب السيطرة، فالاستعمار ما نشا إلا على هذه الأسس منساقا وراء مصالحه، وجريمة هتلر الكبرى، في نظرنا، لم تكن في استفزاز أوربا وإشعال نار الفتة الكونية الثانية، بل في كبريائه القومية المفرطة التي أنجبت النازية ونادت بتفوق العرق الألماني، واعتبرت الإنسان الألماني”إنسانا فوق البشر”.

    إن التطرف وحب السيطرة لم يخدما قضية الوطنية مطلقا. فحب الوطن، إن كان صادقا، لا يعني التنكر لسائر البلدان، وحب القومية والتفاني في سبيلها لا يدعو إلى ابتلاع القوميات الأخرى، بل إلى التعاون والانفتاح والسير معا، لاسيما إذا صهرها تاريخ واحد ومبادئ سماوية واحدة.

     إن حروبا عنصرية عديدة وتحركات أنانية محمومة تجتاح بلداننا عدة اليوم، وهي ليست بشيء صالح المحبة اللاهية ولا لخير البشرية فالكنيسة مدعوة في هذه الظروف، أكثر من أي وقت مضى، لإعلان قوة المحبة على قلوب البشر، غير أن هذه القوة لن تعتلن إلا إذا جد كل مسيحي، وكل ذي إرادة صالحة، عن وعي  وسخاء، في تحرير قلبه ونفسيته من كل تقصير ضد الحق والتسامح.  إن العالم ينتظر من المسيحيين أن يبعثوا من جديد قيم الصداقة بين جميع الناس، ويساهموا في اجتثاث الخلافات القائمة بين البشر، والجهاد لاقتلاع كل أصناف البغضاء. إن الكرامة لن تنجب السلم أبدا، و”مغنم” كل حرب هو أنها تخلق جوا ملائما كل الملائمة لتفجر أحقادا جديدة ونزاعات جديدة، وصراع الطبقات لا يشد عن هذه القاعدة. فيجب علينا أن نتطلع، وسط الصراع، إلى إقامة علاقات بشرية تتيح للناس أن يتوحدوا في الحب، فالغاية من الأوطان ما هي إلا خدمة المواطنين والحفاظ على كرامة الإنسان. 

الشخص البشري  ركن الوطن 

       اجل، إن كرامة الشخص البشري هي فوق كل الخيور، فلا يجوز لأية سلطة أو فلسفة اجتماعية أو مبدأ اقتصادي أن يستعبد الإنسان أو ينظر إليه كمجرد أداة إنتاج. فالعقيدة المسيحية، مع تقديسها للوطن ودعوتها إلى خدمته حتى الدم، تعلن أن ليس الإنسان من اجل الوطن، بل الوطن من اجل الإنسان، والوطن الحق هو الذي يتيح لابناءه أن يحققوا الخير العام عن طريق تفتح كامل لشخصيتهم الخاصة. فقد جاء في الرسالة العامة”السلام على الأرض” للبابا يوحنا الثالث والعشرين:

” إن الإنسان من حيث هو إنسان، ليس هو موضوع الحياة الاجتماعية وعنصر انفعال فيها، بل هو، ويجب أن يضل كذلك، الأساس والغاية منها، وهنا حق أساسي آخر وهو حماية القانون لحقوق الشخصية حماية فعالة”.  وتشمل هذه الحماية حقوق الإنسان الكامل اعني حقوقه المدنية والثقافية والدينية والاجتماعية. 

مساواة وعدل في الحقوق والواجبات 

      لذا فان وحدة شعب لا تتحقق في وطن معين إلا إذا استندت إلى حكومة واحدة تنظر إلى جميع المواطنين بعين واحدة وازن الكل بكيل واحد. وهذا يقودنا إلى التصريح بان كل نعرة طائفية أو قبلية أو طبقية وكل نزعة أنانية أو انطوائية هي معول تنسف وحدة التربة وتفكك أوصال الأسرة الوطنية، وكل تمييز عنصري أو ديني إسفين قاتل لكل محاولة في بناء الوطنية الحقة: فقد قال شاعرنا الكبير معروف الرصافي في هذا الباب:

                إذا جمعتنا وحدة وطنية            فما علينا إن تعدد الأديان؟   

    فالدولة إنما انبثقت من إرادة الشعب ورضاه لا لفئة معينة بل لخدمة جميع المواطنين. ومن أقدس واجباتها الحفاظ على النظام وضمان حرية الفرد ضمن القانون، فكما أن الجميع متساوون في الواجبات فكذلك ينبغي ران يشتركوا في الحقوق وتحمل مسؤوليات الوطن وإدارته، كل وفق طاقاته وكفاءاته، فالكل سواسية أمام الدستور.

المسيحيون والمسلمون إخوة في وطن واحد 

        تاريخنا، نحن مسيحيي ومسلمي الشرق العربي متداخل، ولنا ما لنا من عقائد مشتركة ومرامي روحية واحدة، ومنذ فجر الإسلام امتزجت دماؤنا، كلانا، بتربة بلادنا الواحدة للذود عنها. فعلى غرار التسامح والتعاون اللذين نسج عليها الأقدمون في دمشق وبغداد علينا نحن أن نسير. ففي سوريا الأمويين كان اختلاط المسيحيين والمسلمين كذا متينا حتى أدوا الصلاة تباعا في كنيسة واحدة، وسيخلد التاريخ اسم يوحنا الدمشقي (676 – 749) وزير معاوية الأول. والأخطل، الشاعر النصراني الكبير، (64. – 71.) لم تمنعه نصرانيته من أن يلقب” بشاعر بني أمية” و” وشاعر أمير المؤمنين”. 

      وكذلك الأمر في العراق حين اندمج المسلمون القادمون بسكان البلاد الأصليين، وتقلد بعض المسيحيين تحت ظل الخلافة العباسية مناصب هامة في دوائر المال والكتابة والمهن الحرة. فقد كان معظم أطباء الخلفاء من المسيحيين وهم الذين نقلوا الحكمة اليونانية إلى الحضارة العربية. واتخذ الخلفاء مستشارين لهم من المسيحيين، فقد جعل المعتضد بالله احمد (892) رئيسا نصرانيا على المكتب الحربي لجيش المسلمين، وما ذلك إلا دليل ثقة وأمانة.

      وفي العصور الحديثة ناضل المسيحيون والمسلمون جنبا إلى جنب ضد الاستعمار العثماني والغربي في الوطن العربي، وظهر أكثر من زعيم مسيحي عربي قاد الفكر العربي المعاصر. أما في حقل اللغة والآداب والفنون والعمل فقد حمل مسيحيون عديد لواء النهضة الحديثة بمدارسهم ودراساتهم. فقد كانت جريدة”مرآة الأحوال” لصاحبها  رزق الله حسون أم الصحف العربية، وقد ظهرت في اسطنبول سنة 1855، وفي سنة 1875 أسس سليم بشارة جريدة”الأهرام” في مصر، وتبعتها سنة 1892 مجلة”الهلال” لجرجي زيدان. وفي الجزائر لا زال صدى كتابات الأديب العربي المسيحي الجزائري مالك حداد يرن مطالبا بالحرية لبلاده   وقد انظم فعلا إلى الثورة الجزائرية عام 1954.

     إننا، إذن، جميعا إخوة أنداد تعز علينا تربة الوطن الواحد” فيتحتم علينا، من ثمة، أن نعيش في بلادنا، مسيحيين ومسلمين، لا كنكرات خاملة أو طفيليات تمتص ولا تدر، إنما كمواطنين ناضجين يعون مسؤولياتهم. وحدة التاريخ والمصير والوطن تهيب بنا جميعا إلى أن نلقي جانبا رواسب الماضي وعفونة النفوس المريضة المتشبثة بامتيازات عصور الفتوحات والإقطاع أو المنكمشة عل ذاتها بجمود، فنتكاتف ونتعاضد لنبني وطنا حرا ومستقلا، ونرقي بمجتمعنا سوية في سلم الوعي والعلم والحضارة والمثل العليا ونصنع من بلادنا الحبيبة واحة ينعم فيها جميع المواطنين، على  اختلاف أديانهم ونحلهم وقومياتهم، بالسلام والحرية، ونغرف الحقيقة سوية من كل بئر، شريطة أن تكون البئر صالحة، ولا نتنكر لتراثنا القومي ولمبادئنا السماوية. كما يقول المفر العربي رينيه حبشي اللبناني:” لنستضيء في يومنا، بالماركسية الشخصانية وبالوجودية سواء بسواء، ولكن شرط أن نغوص ناحية ابن سينا وابن رشد وفي ناحية توما الاكويني واوغسطينوس، فنهتدي إلى أطرنا العقلية. ولنطلب أدق العلوم الاختبارية وأجراها، ولكن شرط أن نعود إلى جذورنا الدينية عند الغزالي والأشعري وعند غريغوريوس النازيانزي ويوحنا الدمشقي. ولنحاول ما تقول به مذاهب التجريبية، على أن نشاور، أولا، أرسطو وأفلاطون، لئلا تؤدي بنا هاتيك المذاهب.ولنتمن اغرب التطورات الاجتماعية كلها، ولكن شرط أن نتأمل بادئ ذي بدء، في حقائق الإنجيل والقران”.

قضيتنا الكبرى: فلسطين 

      إن هذا النضال المشترك لازم علينا بنوع اخص في قضيتنا الكبرى، قضية فلسطين. أنها قضية مصيرية بالنسبة لنا، ولسنا إزاء مناوشات حدود عابرة أو اقتتال أحمق على شبر من الأرض: الأرض أرضنا ونحن إزاء قضية عدل هدر، وحق عربي اغتصب، وارض مقدسة دنست.

       هذا ليس في نيتنا، في هذه العجالة، قديم دراسة مفصلة عن قضية فلسطين، ولا نبغي التطفل على محراب السياسة، فهذا ليس شاننا وليس من اختصاصنا، إنما ننظر إلى المعضلة من وجهة النظر الإنسانية والمسيحية لا غير، وما يلي من أفكار يتوجه بصورة خاصة إلى المسيحيين كي يساعدهم في صوغ حكم صائب ومستنير يستند على الموضوعية والعدل والكرامة في نقاط ثلاث، هي: 

سوابق الكارثة وواقعها الأليم

     عاش الفلسطينيون، يهودا ومسيحيين ومسلمين ودروزا، في ألفة وحسن جوار واختلاط سلمي مدة تسعة عشر قرنا، إلى أن أعلن وزير خارجية بريطانيا بلفور، سنة 1917، وعده المعروف باسمه” بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”.

      تعاطفت أميركا وأوربا  مع انكلترا في تحقيق هذا الوعد تكفيرا عما لحق بيهود أوربا من بربرية النازية وظلمها، فوقعوا في ظلم آخر إذ طردوا واستباحوا مليون عربي من المسيحيين والمسلمين، نحرت أرضهم بكرم حاتمي غنيمة باردة لغزاة بلا ضمير مثلوا دور حصان طروادة لتمكين الاستعمار من البقاء في الشرق العربي. فالمرامي الإنسانية التي تسترت وتتستر ورائها الدول الكبرى، ونداءات الصهيونية التي لا تني تدعو العرب إلى عقد صلح دائم، وتتبجح بالمساواة التي”تخيم” على مواطني”دولتها” العرب، ما هي إلا مناورات وأكاذيب، وإلا ما معنى هذا التحدي الفاضح المتكرر لمقررات الأمم المتحدة ومجلس الأمن منذ 1947 والى يومنا؟ ولماذا لم يعيدوا المليون لأجيء عربي، يضاف إليهم النصف مليون آخر، حصيلة عدوان 67، إلى بيوتهم ووطنهم؟

        انه منطق عقلية عنصرية بحتة، والدلائل كلها واضحة على أن”إسرائيل” نشأت بالعنف وهي قائمة على العنصرية، لذا فهي تحمل في جسمها سرطان انحلالها، ولا يمكن لأي مسيحي أن يهادن مع العنصرية أينما وجدت لأنها ظلم واستهتار. إننا نحن العرب مسيحيين ومسلمين، نناهض المغتصبين لا على أساس الدين، فالدين اليهودي كأدياننا سماوي، وقد عاش بين ظهرانينا يهود منذ ألاف السنين، إنما ضميرنا يلبى المظالم التي ارتكبت باسم الدين. 

الكنيسة وقضية  فلسطين

      لقد أسمعت الكنيسة رأيها في هذه القضية مرارا وتكرارا، وهي لم تدع فرصة إلا ونادت بحل عادل يكفل لجميع الفرقاء الكرامة والطمأنينة، وللشعب العربي الشريد استرجاع أرضه. فمن بيوس الثاني عشر، إلى يوحنا الثالث والعشرين، إلى بولس السادس، إلى البطاركة الشرقيين ومواقفهم المعروفة إبان انعقاد المجمع المسكوني وبعده، إلى المجمع ذاته والى مجلس الكنائس العالمي وما زالت المساعي تبذل على صعيدات مختلفة لإحقاق الحق العربي ودعم إرادة اللاجئين في العودة، وفتح الأماكن المقدسة أمام جميع الحجاج من مسيحيين ومسلمين ويهود. وما رفض الفاتيكان الاعتراف بإسرائيل كدولة، بالرغم من مناورات الدبلوماسية الإسرائيلية وبعض الدول التي تعطف عليها، إلا برهانا ساطعا على صدق نوايا الكنيسة، في شخص رئيسها الأعلى، في الدفاع  حتى النهاية عن حق سليب، وارض مغتصبة وشعب ضحية.

      إن موقف الفاتيكان من قضية فلسطين وشجب الكنيسة لكل اعتداء إسرائيلي على المقدسات وعلى المدنيين نابعان من شعور ديني وأنساني محض، ولا مرامي سياسية لهما مطلقا، لان الكنيسة”أم الشعوب ومربيتها” لا تميل إلا صوب الحق والعدل.. فمنظماتها الخيرية”كالبعثة البابوية لفلسطين” ومنظمة”الغوث الكاثوليكي” ومنظمة”المحبة الدولية” وغيرها معروفة في مخيمات اللاجئين في سوريا والأردن ولبنان وغزة للخدم الجمة التي تقدمها لأبناء فلسطين الجريح: كل ذلك بدافع من محبتها للعدل ومناصرة الضعيف والإخوة بين الناس. 

المواطن العربي المسيحي وفلسطين

        إن فلسطين مقدسة للمسيحي أكثر مما هي لأخيه المسلم، لأنها وطن المسيح وارض الفداء ومهد الدين المسيحي، فبيت لحم، والقدس، والناصرة، ونهر الأردن، والجلجلة وكل شبر منها يحمل أقدس ذكرى وأكرمها على قلب كل مسيحي. لذا يحمل تفهم المواطن المسيحي للقضية الفلسطينية قيمة فريدة.” إن الكلمة التي ينطق بها الأخ العربي المسيحي – ولا سيما إذا كان من رجال الدين – تساوي في هذا المضمار إلف كلمة ينطق بها أي واحد من المسلمين، ولو كان من كبار المسؤولين”. هذا ما أدلى به فضيلة الشيخ صبحي الصالح، احد أئمة الإسلام في لبنان، أمام حشد كبير من رجال الدين والشخصيات المسيحية والإسلامية، في”الندوة اللبنانية” عام 1965.

      لقد نشأت المعضلة المستعصية من مغالطات تاريخية  فاضحة وسياسات خرقاء تجاهلت الإنسان العربي أيما تجاهل، فأمسى صاحب البيت غريبا مشردا، وتربع النزيل سيدا آمرا، وكدنا نطوي ربع قرن في هذه الدوامة المريعة، وستدوم إلى ما شاء الله والى أن يستيقظ الضمير العالمي: حينئذ يعود السلام.

ولكي يقترب يوم السلام هذا، ورحمة بإخوتنا وأبنائنا، وانتصارا للإنسان البسيط الذي يريد أن يحيا دون صراع، أو خوف، أو تهديد، أو حرب، في عالم ناء عن الحقد والبربرية، رافل بالعزة  والكرامة والحرية، سائر في طريق التطوير والمثل العليا  نرى  أن  أي  تسوية  للقضية  لا تعتمد الأسس التالية  تسوية  فاشلة ومنحازة  وهي:

الانسحاب الكامل للقوات المعتدية عن الأراضي العربية المحتلة بالعنف والدسيسة.

عودة جميع اللاجئين إلى ديارهم.

التعويض الكامل عما فقدوه وعن كل الأضرار التي لحقت بهم منذ تشريدهم كما تفعل بعض الدول مع اليهود الذين اضطهدتهم.

الاعتراف بحق جميع سكان فلسطين الأصليين مهما كانت معتقداتهم أن يكونوا مواطنين كاملي الحقوق في وطنهم إلام.

اشتراك جميع الفلسطينيين إشراكا فعليا في تقرير مصيرهم وفي الحياة السياسية في بلادهم   دون أي تمييز عنصري أو ديني.

إفساح المجال لليهود من غير فلسطين أن يعودوا إلى أوطانهم الأصلية في أوربا وأميركا.

 قبول القرارات الدولية العادلة الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

      هذه هي الأسس السليمة العادلة الكفيلة بان تعيد السلام إلى وطن السلام   فترن من جديد على تلك الروابي أجراس الحب والبشرى السارة  وإلا لبقينا  نحن وأولادنا وأحفادنا  مكتوب علينا أن نعيش باستمرار حرب أعصاب ونابا لم وتهديد وانتقام وقصف ونسف وتشرد وتخلف.

                                            الأب جرجس القس موسى

 

عقيدة وحياة

عقيدة وحياة

لمناسبة” سنة الإيمان” 

كان آباؤنا ينتظرون كل شيء من الله ويلمسون إصبعه في كل أمر من أمور الحياة، ويرون فيه مصدر أفراحهم وأتراحهم. أما اليوم حيث أصبح الإنسان يعيش بين اختراعاته وثمرة جهوده، بصورة لا عهد له بها، اخذ العالم يحاول”إعادة” الله إلى سمائه لينعم بمجده ما شاء! فقامت إلهة جديدة   من صنع يديه، تغازل ميوله وتلهيه، لا بل تود أن تثنيه تماما، عن عبادة الإله الحقيقي، فاطر الورى وفاحص الكلى. إن هذه الإلهة تحوم حوله كالأشباح وتتنكر بلثام الاختراعات العلمية، تارة، وبقناع الاكتشافات المذهلة الرامية إلى غزو الأقمار والكواكب الآمنة، طورا. وتلج قلبه عن طريق وسائل الراحة والرفاهية والترف ومتعة المال والجنس وسبل اللهو وطلاوة المجتمع المعاصر وإغرائه.

في هذا الخضم، اللاطم، يبدو الفرد المسيحي، لأول وهلة، كالغريق الذي يطفو ويرسب في لجة بحر هائج ساخر. ماذا تراه يفعل واللجة تهدد بابتلاعه؟ انه يرى نفسه غريبا في عالم غريب ويتساءل عما إذا كان بعد، محقا في الانتماء إلى كنيسة هرمة عمرها ألفا سنة، وينساب إليه بعض الارتياب بجدية التعاليم التي أخذها في صغره، ويشك في ما أملته عليه جدته أو جده أو بيئته المحافظة من معتقدات وتقاليد. فيسال المجرب إلى محراب عقله ويؤكد له أن الإيمان خدعة وجبن والكنيسة خرافة والكهنة مستغلون… 

أمسيحية من طراز جديد؟ 

أما إذا القينا نظرة فاحصة من الداخل على كنيسة القرن العشرين لألفيناها، هي الأخرى، تصارع الأمواج. فنرى ثيابها وطقوسها التقليدية تضيق بها، ولغاتها العريقة في العبادة تنسحب الواحدة تلو الأخرى إلى المتاحف لتحل محلها لغات حديثة، واختلافات بنيها في المذاهب والاصوام والأعياد، أمست شكا وعثرة لكل عابر سبيل، أما العلمانيون فاخذوا يسمعون صوتهم في أروقتها، وصوتهم يهدر كالأنبياء، ولم يعودوا أغناما يساقون، ولا قاصرين يحكمون من عل، بل أعضاء كاملي الحقوق والواجبات في شعب الله. إن كنيسة ما بعد المجمع تجتاز فترة عصيبة هي أشبه بفترة الانتقال من طور الفتوة إلى طور النضوج. فطاقات أبنائها تتدفق فتتدافع وتتصارع لتجعلها تبدو حسناء جذابة.

ولا بد أن يهز هذا التدافع الكنيسة ويؤلمها، أحيانا، ولكن هذه الظاهرة التجددية عظيم بالرغم من محاذيرها ة لأنها ضرورية. ورائعة جدا، فقد كان الأسهل أن نغمض العيون كالنعامة لئلا ترى متطلبات عصرنا وأخطاء جمودنا   واثقين من صلابة البناء.

ولكن حيث يرى المتشائمون موت الله واحتضار الكنيسة نرى نحن اتساع ملك الله ومخاضا   قد يكون عسرا، تجتازه الكنيسة، سيولد منه غد جديد مشرق.

إن الجيل الصاعد من المسيحيين لم يعد يطيق الركود والتغني بمآثر السلف. والمبادئ الأولية في التعليم المسيحي التي تعلمها في طفولته عاجزة عن إشباع كل شوقه إلى المعرفة أو تغذية نفسه تغذية حقيقية. انه ليس اقل إيمانا أو إقداما ممن سبقه، كما يدعي البعض ولكنه يأبي الاكتفاء بإيمان سطحي تقليدي يمليه المحيط ولا يسنده سوى الضغط الاجتماعي. فمن الطبيعي أن يتساءل المسيحي عن غوامض إيمانه ويستفسر عما يشكل عليه من أمور دينية، ليرسخ أكثر فأكثر في عقيدته وتستنير معرفته، فيغدو مستعدا لمجابهة التيارات المعاكسة والصمود حتى الموت إذا ما اقتنع  من قانون إيمانه اقتناعه من حقيقة وجوده. فمن دون هذا الاقتناع يكون الإيمان شبيها بقصبة مرضوضة تاهتز لأول رجة أو بورقة خريفية تسقط صرعى لأول هبة ريح. والاقتناع الذي ينشده الجيل الطالع يدفعه، في فورة شبابه، إلى نبذ القشور المصطنعة والاقنعة المموهة التي تراكمت، بفعل الزمان والحياء البشري، والتي تحجب وجه الإيمان الصحيح وتشوه صورة المسيحية، بحيث يبدوان وكأنهما اثر وأسطورة،. انه يعتز بإيمانه اعتزازه بحدقة عينيه، فلا نتهمه بالمروق. إن ما يريده هو أن يبقى هذا الإيمان ناصعا وان يدخل في تضاعيف الحياة ودقائقها بحيث ينير الأفكار ويملي الأعمال.

هذا هو الإيمان الحي الذي لا بد أن يسير الحياة ويتسرب إلى أحكامنا وأعمالنا والى محيطنا تسرب نور الشمس عبر جدران بيت من زجاج. إن الإيمان المسيحي ليس مجرد بطاقة شخصية تخولنا الحصول على بعض الامتيازات، أو توقف حقنا في بعض الامور إنما هو عقيدة وحياة.

  انتم سفراء المسيح 

إن الإنسان وحده بين الكائنات كلها يستطيع أن يقرا آثار الله في العالم المادي، لأنه هو وحده يتصل به بعقله ونفسه مع بقائه مشدودا إلى الكون المادي بجسده وحواسه. فهو في الكون لا ليمتزج ب هاو يجعل من خيراته محط آماله، إنما ليشع عظمة الله ويرتقي إليه من خلال صنع يديه. ولم يكتف الله سبحانه بهذا المقدار من العطاء بل أراد”تأليهه” فأرسل إليه كلمته الأزلية ليشركه في طبيعته الإلهية.

إن هذه الشركة من شانها أن تصهرنا بشخص المسيح الذي كان ابلغ شاهد لظهور الله بين البشر. ومن فرط حبه لنا اتخذ  جسدا كجسدنا  وتطبع بطبيعتنا وسكن بين ظهرانينا، كواحد منا، وهذا ما حدق ببولس العظيم أن يهتف:” حياتي هي المسيح” كما يهتف غيره:”حبيبي، أنت حياتي، أنت عمري”! فلو نظرنا إلى المسيح كشخص تاريخي وحسب،  لرأيناه بعيدا عنا ؛ أما وهو ابن الله المتانس وفادينا فهو قريب جدا منا، لأننا به أصبحنا بنين الله وورثة معه. فلا بوذا ولا داروين ولا كارل ماركس ولا نابليون ولا جبران، ماتوا لأجلنا، إنما المسيح مات لأجلنا ؛ فهو وحده يستحق حبنا كله، لأنه هو وحده” السراط والحق والحياة” وهو قمة الوجود ورائد البشرية الوحيد. نورا أتى ليشهد للحق وليستنير به البشر في حياتهم، هذه الحياة التي يعتبرها الوجوديون والملحدون والشيوعيون مغامرة حمقاء، لأنها تنتهي في عرفهم، بانتهاء شهقتهم الأخيرة. أما المسيح فأعطى بقيامته، القيمة الصحيحة للحياة وسلم إلى أتباعه مهمة توعية إخوتهم البشر بان الله أبوهم، وانه يحبهم، وان سعادتهم لا تتم إلا فيه.

فالمسيحي إذن، هو امتداد لشخص المسيح، وتغلغل تعاليمه باستمرار في العالم عبر حياة المؤمن به، فهو بدوره”يصور” المسيح ثانية وثالثة في القلوب والمجتمعات، لا بل هو نفسه مدعو لان يكون بحياته المشبعة بروح المسيح”تجسيدا” متواصلا للمسيح في العالم، وإصبعا يشير إليه، وقوة تبث في المجتمع روح الإنجيل، كما قال  قداسة البابا بولس السادس في ندائه إلى العلمانيين المتضمن في رسالته”تقدم الشعوب”:”… عليهم، هم العلمانيين، بفعل مبادرتهم الحرة وبدون انتظار سلبي للأوامر والتوجيهات، أن يولجوا الروح المسيحي في عقلية الجماعات التي يعيشون فيها، وفي عاداتها وقوانينها وبنائاتها. فهناك تغيرات لازمة، وإصلاحات جذرية لا بد منها: فعليهم أن يجندوا أنفسهم لينفخوا فيها روح الإنجيل. 

خمروا العجنة كلها 

إن الحياة الروحية الحقيقية ليست لقاء النفس مع الله فقط أو التحديق إليه والتأمل بكمالاته ليل نهار ليس إلا، إنما هي، وبدرجة متساوية، نهجا حياتيا جديدا يدفعنا إلى العمل بإقدام وتصميم على بعث تيار الحياة الإلهية ونعمة الفداء في المحيط الذي نعيش فيه، فيغير آمال الناس إلى رجاء وطيد ويحول الإخوة البشرية إلى محبة إلهية، وهكذا ينعش الوجود الإنساني، من الداخل، بحضور الهي، كما تنعش الخميرة العجين من الداخل وتقويه.

إن تخمير المجتمع الإنساني، والعراقي بصورة خاصة، بخميرة القيم الإنجيلية، منوط بنا نحن مسيحي العراق. فنحن مسؤولون أمام الله والتاريخ عن جمال وجه المسيح أو تشويهه تجاه إخوتنا المسيحيين الذين لازلنا وإياهم في طريقين، وتجاه إخوتنا ومواطنينا المسلمين الذين يقرؤون آيات الإنجيل في صفحات حياتنا اليومية ويرون صورة عيس على جباهنا.

ووظيفة الخميرة أن تذوب في العجنة، وبذوبانها تخمرها كلها وتمدها بطاقتها  وحيويتها، بالرغم من ضالتها،وكذا المسيحيون في العالم. فليس المهم في اتساع عددهم، وإنما في قوة إيمانهم وتغلغله في حياتهم، بحيث يكونون في مجتمعهم رمزا للخدمة كمريم أم يسوع في عرس قانا، وكالمسيح نفسه بين جمع تلاميذه وفي زحمة الجماهير، فيهبون ذواتهم لبناء محيطهم روحيا وماديا، بحسب إمكانياتهم ومواهبهم.

المسيحيون في العالم هم علامة المعمودية، فان كانوا محاطين من كل جانب بمن لا يشاركونهم  إيمانهم، فهم موسومون بوسم  المسيح، وهذا الوسم يخولهم، لا بل يلزمهم أن يشهدوا بان الإنسان ليس كائنا منعزلا، ضائعا في الكون، بل عضوا في أسرة الله.

المسيحيون في العالم علامة البشرى السارة   إذ عليهم أن ينصتوا إلى كلمة الإنجيل من خلال الأحداث ويبلغوا هذه الكلمة كبشرى إلى جميع إخوانهم البشر بمحبة ولطف. ومحبتهم للبشرية رغبة عارمة في نفوسهم لتجديد أركانها بحسب روح المسيح وإشراكها بغنى إيمانهم. وهذه الرغبة تدفعهم إلى إدخال نور الإنجيل وحكمه في نظرتهم ونظرة إخوانهم إلى مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية كالقراءات والمشاهدات والعلاقات العامة والصداقات والتسلية والأعمال والدراسة وحتى السياسة، فيجددون كل شيء في المسيح ويجعلون له معنى وقيمة.

فالمسيحي، إذن، علامة للإنسانية المتجددة في المسيح، ولكونه مقتنع من دعوته إلى الحياة الأبدية، بوسعه أن ينسجم مع العصر ويتبنى أماني العصر، مع هذه الرغبة الكبرى المتأصلة في عمق قلبه وهي أن يفعل كل ما في طاقته ليقرب إخوته البشر من الله أبيهم، عرفوا ذلك أم جهلوه. لأنه متيقن من أن خلاصه الشخصي لا يتم إلا بالعمل على فداء الآخرين. وذلك أوج المحبة كما صرح يوحنا الرسول:” بهذا قد عرفنا المحبة: أن ذاك قد بذل نفسه لأجلنا، فيجب علينا نحن أيضا أن نبذل نفوسنا لأجل الإخوة”. وهكذا يظهر جليا أن الانفتاح إلى الله يوجب الانفتاح إلى إخوتنا، وان كمالنا لا يتم إلا إذا اتجه نحو الخدمة والبذل والمشاركة، والمشاركة هي بنت المحبة. ذلك لان المحبة ليست عطاء فحسب، إنما هي أيضا تبادل وتقابس. 

… وابنوا المدينة الحاضرة 

إن المسيحي يحيا من الرجاء اليقين، ورجاؤه لا يعتمد على غنى العالم ومباهجه، فكلها إلى زوال، وموطنه الأصلي الدائم هو” في السماوات التي منها ننتظر مخلصنا الرب يسوع المسيح” (فيليبي3: 2.) وليس له هنا مدينة باقية. والحال إن المسيحي إنسان كسائر الناس متصل بهذه الأرض اتصال الجذور بالتربة، ومغمور بخيرات المدينة الحاضرة وملطفات العلم والتقنية. فهل له أن يتجاهل ذلك؟

إن المسيحي مواطن في بلد معين، بكل معنى الكلمة، يعيش في تضامن تام مع مواطنيه ومع العالم. ولكنه لكونه عضوا في جسد المسيح السري وفي الكنيسة ومتجددا بكلمة المسيح وأسراره، لا يستطيع، بحكم دعوته المسيحية، أن يكف عن توجيه الخليقة إلى الله، فهو، بصفته مسيحيا، رسول للإنجيل وبصفته عضوا في المجتمع رسول تقدم للمجتمع. انه ليس مستهلكا حسب بل هو منتج أيضا، بقدر اقتناعه من أن كمال المدينة  الحاضرةوجسدا.على البلوغ إلى الأخرى، بقدر ذلك سيساهم  مساهمة اقوي في بنيانها، كما كتب قداسة البابا في رسالته”تقدم الشعوب”:” لما كانت الكنيسة قد أسست لكي تنشي” ابتداء من الأرض، ملكوت السماوات، وليس لتستولي على سلطان ارضي، وإذا تشترك في فضلى أماني الناس ويؤلمها أن تراها غير محققة، ترغب في أن تساعدهم على تفتحهم الكامل”. 

 إن رسالة المسيحي الزمنية هي في تجديد العالم، لأنها تعانق الإنسان بأكمله، روحا وجسدا. أنها تهدف إلى جعل المدينة الأرضية أكثر عدلا وإنسانية، وتعمل على تامين حاجات حياة الروح والجسد وتدعو إلى النضال من اجل احترام الشخص البشري وإحياء العالم بروح المسيح الذي هو حب وعدل وسلام.

” إن الترقي هو الاسم الجديد للسلام” يقول البابا بولس، ولكنه ليس ثمة اقتصاد مسيحي أو تقنية مسيحية يقيان العالم ويلات الدمار ويبعثان فيه مصل الحياة والرقي. إنما هناك طريقة مسيحية لاستخدامها تقوم على إدخال روح التطويبات الإنجيلية في استعمالنا خيور العالم. وهذا لا يكون من دون  الم ومجازفة: فالأسهل، مثلا، الاستغناء كليا عن مشاهدة التلفزيون أو السينما من ان نستعملهما بقناعة وفطنة كأداة في خدمة ثقافتنا الإنسانية. فعلينا، إذن نحن المسيحيين، أن نكون حاضرين في العالم ونتحلى بروح الإنجيل ونشارك بكل قوانا في بناء مجتمع الغد، ولكن من دون أن ننجرف في تيار ماديته وإغرائه. 

انتم بنو القديسين 

أن اضطرام قلبنا للشهادة للمسيح وتنصير المجتمع بروح التطويبات الإنجيلية عقيم إذا لم نعن فوق كل شيء بمعرفة المسيح  معرفة شخصية ورؤيته بأعين قلبنا وجعله منبعا لحياتنا. وحينئذ فقط سنصبح شهود حق لان شهادتنا ستكون مبنية على الرؤيا ونابعة من الاتصال المباشر بكلمة الحياة، كما كان الأمر مع الرسل:” إن ما سمعناه، وما رأيناه بأعيننا، وما تأملناه وما لمسته أيدينا في شان”كلمة الحياة” به نبشركم انتم أيضا   لتكون لكم شركة معنا وشركتنا نحن، إنما هي مع ألآب ومع يسوع المسيح ابنه” (يوحنا 1: 1 – 3).

فالخير الذي بودنا أن نفعله لا يتم إلا بدرجة اتحادنا بالمسيح اتحاد الأغصان بالكرمة. وعن طريق نمونا الروحي في المسيح سنستطيع  أن ننمي وجوده في العالم المعاصر و”نصوره” في نفوس إخوتنا، حسب تعبير القديس بولس ؛ فشارل دي فوكو يقول:” إننا نصنع الخير، ليس تبعا لما نقول أو نفعل، بل تبعا لما نحن عليه ووفق النعمة التي ترافق أعمالنا، ووفق ما يسري فينا من حياة يسوع، وبنسبة انصهارنا بأعمال يسوع، الذي يعمل فينا وبواسطتنا”. إن المسيح أحوج إلى رسل يحيون حياته، منه إلى رسل يتكلمون عنه، انه أحوج إلى رسل يتغذون به، منه إلى أناس يتحمسون له.

 وبكلمة واحدة نحن مدعوون إلى القداسة قبل الشروع بالتبشير، وتلك دعوة عامة – لاسيما للمجاهدين – وقد افرد لها المجمع المسكوني الأخير فصلا كاملا في دستور”الكنيسة” يقول فيه:” الجميع في الكنيسة، سواء كانوا من ذوي السلطة أم كانوا من الخاضعين لهم، مدعوون إلى القداسة على حد قول الرسول:” اجل أن ما يريده الله إنما هو تقديسكم،. وقداسة الكنيسة تتجلى على الدوام، ويجب أن تتجلى، بثمار النعمة التي ينتجها الروح في المؤمنين. أنها تظهر بوجوه شتى في كل واحد ممن يصبون إلى المحبة الكاملة في تهج حياتهم الخاص، ويبنون الآخرين”.

والقداسة ليست في الأعمال الخارقة، إنما هي في مطابقة حياتنا، بصغيرها وعظيمها، على حياة الفادي وتسلط نور إنجيله على صفحة أيامنا لتنطبع عليها صورة المسيح دقيقة وواضحة، كما يحدث للرسم الفوتوغرافي أمام الأشعة الكهربائية. قداستنا تكمل في التمثل بيسوع المسيح وتبني أحكامه ومواقفه وأفكاره على الصعيدين الروحي والدنيوي، كما يجري بين صديقين حميمين حيث يكون حضور الواحد مصدر الهام وفرح للآخر. فالقداسة، بالتالي، صداقة حقيقية مع المسيح. والصداقة” حياة” تتطور وتتفتح كأي كائن حي، فتغتذي من الأحداث وتتقوى في الشدائد.

وما يحدث في الطبيعة بين البشر يحدث أيضا بيننا وبين المسيح الذي اتخذنا أصدقاء له، وهذه الصداقة مع المسيح تقودنا إلى تخطي طبيعتنا البشرية الذليلة لنحيا من الحياة الإلهية، ونكشف بنور النعمة، ما نحن عليه في الواقع: أولاد الله، فتهيب بنا إلى أن نعيش بمنطق هذه البنوة، وننطلق إلى إخوتنا لندعوهم بمثال إيماننا الحي وكلامنا أيضا إلى قبول دعوة الله إلى أن يكونوا له أصدقاء، فتكونون لهم معه شركة أبدية. 

غذائكم هو الإنجيل 

قلنا بان القداسة المسيحية، بالنسبة إلى لعلمانيين والمكرسين، تكمن في التمثل بشخص يسوع المسيح وتبني أفكاره وأحكامه ومواقفه، وأين يا ترى نكتشف مواقف المسيح وأحكامه وأفكاره اصفي مما في الإنجيل؟  ففي الإنجيل نرى كيف عاش المسيح التزامه الفدائي والبنوي نحو أبيه السماوي فنستقي منه نهج حياتنا الخاصة وعليه ننسق التزامنا المسيحي نحو الله والتزامن ألرسولي نحو المسيح وإيصاله إلى إخوتنا. في الإنجيل  نرى كيف تصرف المسيح مع كبار هذا الدهر ووضعائه وكيف حنا على الشاردين منه، لنتصرف نحن على نحوه. في الإنجيل نلمس مدى حب المسيح للبشر، وبذلك نضطرم بحب اكبر له ولإخوتنا البشر. في الإنجيل نقرا أقوال المسيح لنطابق حياتنا عليها ونتشبع منها، كما لو كنا نقرا رسالة منتظرة من صديق عزيز.

على هذا النسق نجعل من الإنجيل دستور حياتنا وشرعة أحكامنا فنستلهمه في كل أمر، ونتغذى بتعاليمه، ونعود إليه كالينبوع، وننظر إليه كالمرأة، فهو يعكس لنا ما بنا من جميل لنستزيد منه، ومن قبيح لنقومه.

وإذا كانت نفسنا تتغذى بصورة جوهرية من الإنجيل، فهي تلقى لبنا ودسما روحيين في سائر أسفار العهدين. لاسيما في رسائل بولس الرسول، وفي بعض الكتب المعاصرة التي تعكس بأسلوب عملي حي وجذاب مبادئ الإنجيل. فالمطالعة الروحية المسيحية عنصر هام جدا في بناء حياتنا الباطنية، لأنها احتكاك بيننا وبين المسيح الذي هو محورنا.

… والأسرار

… والقداسة صداقة مع المسيح ولقاء. وهذا اللقاء يحدث بصورة خاصة في قبول الأسرار. فالأسرار جميعها ينابيع نعمة وطاقة روحية تتسرب إلى نفسنا عبر رموزها المادية. فالعماد يجعلنا بنين الله وشركاء مع المسيح في ميراثه، ومن ثم في الفداء، أما التثبيت فيثبتنا في وسمنا المسيحي ويقيمنا حماة للإيمان وشهودا له، ومسحة المرضى تزود الراحل بالجهد الأخير للعبور إلى الحياة الدائمة بسلام ومحبة وطمأنينة. وسر الكهنوت يخول الشعب المسيحي، في من اقتبله، أن يقرب لله صلوات وقرابين مرضية، ويجعل من الكاهن مسيحا آخر يدأب، مع إخوته العلمانيين وباسمهم، لكونه الوسيط بينهم وبين الله، على تحقيق ثمار الفداء في كل نفس.

أما سر الزواج فيربط نفسين وجسدين أمام الرب ليتعاونا في الحب على العيش السعيد، بمقتضى شريعة الله، وعلى تربية الأولاد تربية قويمة. ويتقدمان بالحب الذي وحدهما إلى محبة جميع الناس، ورائدهما في ذلك مثال العائلة المقدسة في الناصرة. فالعائلة المسيحية منارة للناس ومدرسة قداسة للزوجين وللأولاد. ولكن ليعلم الزوجان إن الزواج، إذ هو طريق قداسة فهو طريق وعر، لذا عليهما أن يحققا كمالهما وما  يصحبه من التكاليف والحب الباذل معا ويدا بيد.

وفي سر التوبة ينال المؤمن النادم غفران التعسة.بعد أن يحتكم إلى ضميره وينال عفو الله بفم الكاهن. فالاعتراف ليس هو مجرد سرد وقائع الحياة التعسة. انع فعل تواضع وإيمان يرتكز على التوبة والندامة والقصد بعم العودة، بنعمة الله، إلى الخطأ، انه عمل ثقة يشهد على الرغبة الصادقة في الإصلاح والسعي المستمر للبقاء في صداقة المسيح والتقدم فيها. ومن هنا نشعر بضرورة العودة إليه مرارا عديدة في السنة، وحبذا لو زاولناه كل شهر أو بتواتر أكثر.

أما سر القربان الأقدس فيتم أعمق لقاء بين النفس والمسيح. فالمناولة عربون القيامة ومعين الحياة الروحية الأغزر لأنها تضمنا مباشرة إلى المسيح، وهي الغذاء الرئيسي لإيماننا الحي شريطة أن ننسجم مع رغبة المسيح في تبريرنا وتقديسنا. لذا لا يجوز لنا الاكتفاء بتناول جسد الرب مرة في السنة أو في بعض المناسبات الكبرى وكان التناول طعام الأعياد أو لباس الحفلات. لاشك إن الحياة ممكنة بهذا الحد الأدنى كما يحدث أثناء المجاعة، إذ يكتفي المرء بغذاء دون الضروري، ولكن أين هذه الفاقة من الحياة الزاخرة؟

والقداس، الذي فيه نأخذ جسد الرب، مورد نعمة لا حد لها، لأنه يضمنا إلى ذبيحة المسيح الوسيط بيننا وبين الأب؛ ومع الكاهن نهتف في أعماق نفوسنا بأننا نقبل هذه الوساطة ونرغب في أن يطهرنا المسيح برش دمه. فنحن إذن مشتركون في الذبيحة، لا متفرجون، لذا ينبغي لنا أن نأتي إلى القداس فارغي الأيدي، بل علينا أن نقرب لله، مع الكاهن الذي يجدد ذبيحة المسيح عنا وباسمنا، كياننا كله: عقلنا، إرادتنا، فشلنا آلامنا، توبتنا، سجودنا، وآمالنا في الحياة، ولا يكن  حضورنا القداس لمجرد تنفيذ  الشريعة، لان من اكره نفسه على فريضة لا يقتنع من فائدتها، لن يلب ثان يضجر منها ويلفضها.

… والكنيسة هي أسرتكم 

إلى جانب الأسرار والإنجيل وسائل أخرى لتقديسنا ومد إيماننا بالحياة كالصلاة والتأمل والاسترشاد. ففي الصلاة  نرتفع فوق متاهات الدنيا ونؤدي لله واجب السجود، فهي حوار الأبناء مع أبيهم، سواء كانت جماعية كالصلوات الطقسية وغيرها، إن تأملا فرديا صامتا نسمع في سكونه صوت الله الذي يخاطب وجداننا. وفي الاسترشاد ننفتح إلى توجيهات الكنيسة،  الأم والمربية، من خلال خبرة الكاهن الذي اخترناه كدليل لنا في مسيرتنا الروحية. إن الاسترشاد خطوة مهمة لمن أراد الكمال، فهو بمثابة”مراجعة حياة” على ضوء الإنجيل مع كاهن يفهمنا ويستطيع مساعدتنا ؛ وبقدر ما يكون الاسترشاد حوارا وانفتاحا، بقدر ذلك يكون لنفسنا عونا وتعبئة وانسجاما مع تيار القداسة الذي يجري في كنيسة المسيح التي نحن أعضائها.

وعضوينا في الكنيسة تحتم علينا التضامن معها في السراء والضراء، فهي أمنا وهي أسرتنا وهي وريثة المسيح وطريق انضمامنا إليه. فتضامننا معها تضامن مع المسيح، ومحبتنا لها محبة للمسيح، وإنعاشا لحياتنا بقداسة سيرتنا، ومساهمتنا في رسالتها، إنعاش لجسد المسيح السري كله ومساهمة في توسيع إشعاع المسيح وإنجيله.

ولكن الكنيسة هي نحن أبنائها، وكما أن البيت قائم بساكنيه وحي بأصحابه، وكذلك بيت الكنيسة قائم بنا وحي بقداستنا، وإلا  لكان  متحفا جميلا لا تسكنه إلا ذكريات الرسل والأولياء وتعاليمهم. فالعالم يحكم على الكنيسة بحسب سيرة المسيحيين وأعمالهم، كما يحكم البستاني  على شجرة بحسب ثمارها، رغم أن هذه الثمار تستمد طعمها وشكلها من طبيعة الشجرة. هكذا المسيحيون بالنسبة إلى الكنيسة، إذ أن صلاحهم لا يتحقق وإيمانهم لا ينبض بالحياة إلا فيها وبها، لأنها مستودع نعم الله وحضيرة الخلاص” وعمود الحق وقاعدته” حسب قول بولس الرسول، وهذا العمود يرتكز على من قال عن نفسه بأنه” السراط  والحق والحياة”.

   

                                                الأب جرجس القس موسى

 

 

 

 

كيف تقرأ الكتاب المقدس

كيف تقرأ الكتاب المقدس

دخلت عليه ذات مساء ممطر فرايته مقوسا فوق مجلد ضخم وضعه على ركبتيه بإجلال، وأحاطه بقماشة قرمزية وهو ماض في مطالعة خشوعية ألهته عن مرح الصبية الذين كانوا يثرثرون في الطرف الآخر من الغرفة. ووقفت بتهيب أمام هذا المشهد أتأمل القنديل النفطي يرسم أشباحا على تجاعيد وجه الشماس إبراهيم وينير درب أعينه على صفحات الكتاب. انه كان مهيبا في جلسته، وقورا قي شاربيه الكثين العاجيين وكان هذا  دأبه كل مساء بعد العشاء إذ يمتطي كرسيا ليأخذ مجلده الحبيب من على رف في زاوية الغرفة ويجلس القرفصاء مع سفرة وكأنه يقوم برتبة طقسية.

     فبادرته بالتحية وانأ أكاد ألوم نفسي على انتشالي إياه من خلوته. وجلست بجانبه معتذرا أتطلع إلى هيئته باستغراب. فحد جني من وراء نظارتيه البيضويتين وقال لي بنبرة تشبه العتاب 

ألا يستحق الكتاب كل هذا؟

                                                        قاعدة المدنية

  الحق  كل الحق مع الشماس إبراهيم. فالكتاب المقدس الذي أصبح عمر أسفاره الأولى أربعة آلاف سنة، وكان أول كتاب طبعه غوتنبرغ مخترع الطباعة وأول ما تشرفت بطبعه الحروف العربية، ناهيك  عن عدد لا يحصى من الترجمات والمجلات والكتب التي تفسره وتعلق عليه وتحلله وتقارنه وتدرسه. كتاب كان ولا يزال شرعة حياة ملايين من البشر من كل لون وارض، ومورد لا ينضب يستلهمه الشعراء في ملجماتهم، ومنه من يغرق الرسامون والنحاتون أصل روائعهم ويعتمد عليه عباقرة عظام. كتاب كهذا هو، بلا منازع، قاعدة المدنية وفنار البشرية ولولاه لما كان التاريخ  ما هو.

وفيما يلي نرسم بعض خطوط تعيننا على فهمه.

                                                        كتاب نودي به

إن معظم أجزاء الكتاب المقدس أعلنت شفهيا، قبل أن تدون كتابة، وتناقلها الآباء عن الجدود في صيغة تقاليد قبلية أو عائلية موروثة نثرا أو شعرا، كقصة أيوب (ايوب1: 1). ونبوءات ارميا التي ذاعت طيلة 22 سنة قبل أن يسجلها تلميذه باروك  (ارميا 36: 1 – 4). وهكذا القول عن نبوءات كثيرة ومعظم المزامير والقطع الشعرية التي تليت قبل أن تدون. ولنا مثال جلي عن ذلك في العهد الجديد في مقدمة إنجيل لوقا (1: 3 – 4).

                                                         …قبل أن يدون

ليس لدينا براهين جازمة تبت في متى تم إنشاء أجزاء الكتاب المقدس بصورته الحالية. ألا إننا نرى إسفارا مستقلة متفرقة متداولة منذ عهد حزقيا  الذي ملك في أورشليم سنة 716 ق م حسب شهادة سفر الأخبار:

       “وبقية أخبار حزقيا وإحسانه  مكتوبة في رؤيا اشعيا بن أموص النبي وفي سفر ملوك يهوذا” (2 أخبار 31: 32). وقد جمعت هذه الوثائق الخطية إلى غيرها شفوية من الجنوب إلى الشمال. وبعد اكتشاف سفر تثنية الاشتراع في عهد الملك يوشيا، وضعت النسخة الجامعة الأولى من التوراة اعني الأسفار الخمسة الاولى. إلا أن العمل لم يظهر بأكمله إلا بعد العودة من الجلاء على يد عزرا الكاتب الحكيم في منتصف القرن الخامس ق م، واشتمل على الأجزاء المدونة سابقا والمصادر المتوارثة، وأضيفت إليها النبوءات اللاحقة وسفر الحكمة الذي كتب في منتصف القرن الأول ق م. فأمسى عددها 46 سفرا يضاف إليها 27 سفرا التي تكون العهد الجديد.

     ودون الكتاب المقدس بثلاث لغات هي العبرية، لغة الشعب الأصلية، وفيها كتب معظم الأسفار؛ والآرامية وكتبت فيها أجزاء من أسفار عزرا ودانيال وارميا بالإضافة إلى إنجيل متى؛ واليونانية وكتب فيها سفر المقابيين الثاني وسفر الحكمة وأسفار العهد الجديد جملة.

                                                                     كتاب أعمال الله

الكتاب المقدس رواية أعمال الله وموجز تاريخ الكون منذ الخلقة (تكوين 1: 1- 3) وحتى الدينونة الأخيرة( رؤيا 22: 2.) مرورا بالحدث العظيم محور الطرفين: التجسد (يوحنا 1: 14). وأعمال الله أخذت تظهر منذ أن أعلن الله إرادته لإبراهيم فمنذ ذلك الحين أمسى إبراهيم خليل الله ؛ وابرم معه الله، وبه مع ذريته، عهدا ليس الكتاب المقدس سوى تتميمه المنطقي.

    والله في تدخلاته المتتابعة في حياة الشعب لا يشترط سوى الأمانة. وقد وضع هو نفسه أسس هذه الأمانة برسمه الشريعة (يشوع23:4-5). وما الأنبياء إلا أبواقه الغضبى أحيانا كثيرة حيال خيانات العهد، وصوته المعلن البشائر الذي اعد القلوب لتتميم الموعد بالمسيح.

والكتاب المقدس إذ ينقل ألينا وجوها لم تكن دوما قدوة يحتذى بها – كيعقوب في احتياله على أخيه (تكوين 27: 19) وإخوة يوسف الحساد، وشاول الناقم،وداود في خطيئته مع امرأة قائده اوريا (2ملوك 11) – لا يجعل من هؤلاء كلهم قديسين: أنهم أناس ضعفاء اختارهم الله لتتميم مخططه ويتحتم على نعمته أن تسندهم وتقومهم.

   فالكتاب المقدس يبقى كتابا يشهد عن عمل اله يحدب على البشر ويقيس عمله معهم بمقياس ضعفهم (متى19:8). فليس بالغريب أن نجد في أخلاق هذا الشعب وعاداته أمورا مستهجنة تصدمنا وتشككنا بل يجب أن تولد فينا مطالعتنا الكتاب شعورا بان شيئا ما لابد منه بعد، وبأننا معه في سير مطرد نحو أخلاقية الكمال التي أتى بها إنجيل التطويبات.

                                                        … كتب بوحي والهام منه

    إذا كان الكتاب المقدس  كتاب أعمال الله، فهو أيضا كتاب يحوي كلامه وإرادته التي أملاها على البشر ألهمهم بنور روحه القدوس أن يدونوا، أو سندهم في تدوين ما أوحي به إليهم من حقائق خفية تتصل بذاته أو بعلاقاته مع الإنسان من خلال حياة الشعب. وان كان تقليد الكنيسة وتعليمها يدعواننا إلى التمسك بهذا المعتقد، فلأنهما يبنيان دعوتهما هذه على تعليم الأنبياء والرسل والتقليد الإسرائيلي بأكمله:

    إننا نرى في مفتتح سفر ارميا هذه العبارة: “كلام ارميا الذي كانت إليه كلمة الرب:” ثم مد الرب ولمس فمي وقال لي الرب هاأنذا قد جعلت كلامي في فمك” (1: 2- 9). فهذا تعبير رمزي واضح يشير إلى تدخل الرب وإملائه ارادتة باطنيا على النبي. فالمسيح لا يعلمنا غير ذلك: “فأجابهم يسوع: أفما قرأتم في سفر موسى كيف خاطبه الله قائلا…: (مرقس 12:26). ورسوله بولص يقول “بأنواع كثيرة وطرق شتى كلم الله آباءنا على السن الأنبياء قديما ؛ وفي هذه الأيام الأخيرة كلمنا بابنه” (عبرانيين 1: 1).

   والوحي كما حدده البابا لاون الثالث عشر في رسالته “العناية الإلهية”: حركة فائقة الطبيعة، بها الروح القدس أثار ودفع مؤلفي الكتب المقدسة وأعانهم بينما كانوا يكتبون” بنوع أنهم كانوا يفكرون بدقة، ويريدون أن ينقلوا بأمانة، ويبينوا بتعبيرهم، بصدق معصوم عن الخطاء، كل ما كان الله  يأمرهم بكتابته، دون سواه”.

    إننا نستنتج من هذا التحديد إن الوحي ليس ضربا من الإنزال وان الكتاب المقدس ليس نسخة أمليت عن مصحف سماوي، بل هو في آن واحد عمل الله والإنسان ؛ فالله يظهر إرادته بصورة باطنية للمؤمنين دون أن يسلبهم حريتهم، فهو لا يمسك القلم عوضهم ولا يحرك أيديهم إنما ينير أذهانهم، فكلاهما مشتركان: الله كمؤلف رئيسي والإنسان كمنفذ عاقل حر يشعر بان السفر له وقد سنده اللهفيه من الشطط كما يقول بطرس الرسول: “لم تأت نبوة قط عن إرادة بشر، بل إنما بالهام الروح القدس” (2بطرس1: 21). وبناء على هذا العمل المشترك احتفظ كل كاتب مقدس بشخصيته واستخدم مواهبه وطاقاته التعبيرية واهتم، مستنيرا بنور الوحي، في إيجاد صيغة بشرية لرسالته فاستفاد مما خلفه له الأسلاف من كتابات ومصادر وتقاليد، كما يذكر سفر المقابيين الثاني: “لم يكن تكلفنا لهذا الاختصار أمرا سهلا وإنما تم بالعرق والسهر (2: 25،27).

     ولا بد أن العرق والسهر ذاقهما مؤلف سفر التكوين عندما كان أمام مصادر عديدة وتقاليد متجانسة، فجمع الكل وصهره في سفر واحد ونتج عن ذلك نصان عن الخلقة (ف 1 – 2:4) و (ف2: 4 – 3: 24) ونصان متداخلان عن قصة الطوفان (ف6 – 8) وغير ذلك من ضروب التكرار.

                                                             …فهو معصوم

بما أن الله  نفسه هو الهم الكتاب المقدس إذ اثأر أذهان مؤلفيه، فالنتيجة هي انه منزه عن الغلط إذ لا يمكن لله أن يلهم ما ليس فيه حق وحاشاه أن يغشنا. وقد عبر عن ذلك العلامة الكتابي الأب بنوا بقوه” إن الله إذا دفع أنسانا إلى أن يكتب باسمه لا يمكنه أن يسمح بان يعلم الغلط. فمن المحتم إذا أن تقترن هبة الوحي بإنعام العصمة من الخطأ”. والمسيح نفسه يؤكد ضمنا هذا الاستنتاج المنطقي كل مرة يستشهد بالكتاب (متى 22: 31، 41 – 44) وكذلك الرسل (أعمال 2: 16 – 36) وقد كتب بولس:” إن الكتاب كله قد أوحى به الله، وهو مفيد للتعليم والحجاج والتقويم والتهذيب في البر لكي يكون رجل الله كاملا” (2 طيمثوس 3: 16 – 17). فهل يعقل أن يهذب في البر والكمال كتاب يعلم الخطاء؟ وهذه العصمة تشمل النص الأصلي بجميع أجزائه التي تسلمتها وأقرتها الكنيسة. لا الترجمات مهما دقت.

   وإذ نقول ذلك لا نقصد الخطاء العلمي أو الفلكي ولا التاريخي أيضا، إنما نقصد التعليم الديني والعقائدي والأخلاقي والتوجيه الروحي الذي يعلمه أو ينقله الكتاب إلى البشرية من خلال العلاقات الفائقة الطبيعة التي تربط الإنسان والكون والخالق.

                                                                إنشاؤه ومؤلفوه

إن أقلاما عدة  ومن أجيال متفاوتة وثقافات مختلفة عملت في إنشاء الكتاب المقدس. والعديد من مجهولي الهوية أضافوا إلى أسفاره، تحت نور الوحي الإلهي، نتاج تفكيرهم وحصيلة حوارهم الباطني مع الله، ففيهم العبقري الجريء كالنبي اشعيا  والشاعر الجياش بالعاطفة الدينية كداود والمجنح الخيال كمؤلف سفر نشيد الاناشيد. فيهم المفكر الفيلسوف كمؤلف سفر أيوب، والحكيم كابن سيراخ، وحامل الرسالة الذي لا يلوي ولا ينثني كا رميا وبولس، إن هؤلاء وغيرهم من أرباب الأدب الكتابي تتجلى شخصياتهم من وراء كتاباتهم حتى وان لم يشأ التاريخ  أن يبلغنا أسمائهم بأسرهم.

    ومؤلفو الكتاب المقدس، إذ يكتبون لإبلاغ رسالة أو تعليم أو لنقل خبر أو لإنذار ملك جانح أو للتبشير بمجيء”المشيح” الموعود به، يفعلون ذلك كأنبياء حقيقيين لجيلهم متأثرين بعقلية زمانهم وبيئاتهم التاريخية والجغرافية والاجتماعية وحتى العائلية. فارميا الكاهن يعبر عن أفكاره بغير أسلوب ميخا الذي كان ريفيا رأى في المدينة بؤرة الفساد. وكذا القول عن اشعيا ذي الثقافة والحس المرهفين وعاموص البقار. وبولس إذ يكتب إلى القورنثيين المولعين بالألعاب الرياضية يشبه المسيحي بعداء يركض لنيل قصب السبق:” أما تعلمون أن الساعين في الميدان كلهم يسعون. ولكن واحد ينال الجائزة، فاسعوا هكذا حتى تفوزوا” (1قورنثية 9: 24) ويعقوب الشاهد على ظلم الأغنياء في أورشليم يخاطبهم بلسان يفهمونه:”ها إن أجرة الحصاد ين الذين حصدوا حقولكم، تلك التي بخستموهم إياها تصرخ”(5: 4).

     وقد استقوا معلوماتهم أيضا من التيارات الفكرية المعاصرة لهم واستخدموا المصادر المتوارثة لدى قومهم أو لدى جيرانهم. فعزرا مثلا استخدم وثائق فارسية (عزرا6:1-2)وسفر الأمثال ينقل حكما مصرية جارية (امثال23:23) وبولس استلهم شعراء اليونان… كما قال احد شعرائكم:” إنا نحن ذريته..” (اعمال17: 28). ولوقا، قبل أن يكتب إنجيله بحث وسال واستقصى (1: 1 – 3).

                                                         علاقته بالتاريخ العام 

إن الكتاب المقدس يسرد لنا قصة شعب امتزج تاريخه بتاريخ الشعوب المجاورة فقد كانت الأرض التي يسكنها ملتقى طرق لا بل موطئ قدم لكل الشعوب القديمة من مصريين وأشوريين وللدانيين وفينيقيين وفرس ويونانيين. لذا فان للدروس التاريخية والتنقيبات أهمية كبرى في استقراء غوامض الكتاب المقدس، ووضعه في إطاره الطبيعي، ما ينير دربنا في فهمه. فقد كشفت لنا حفريات أور وبابل ونينوى كنوزا عن حياة الشعوب المعاصرة لشعب الكتاب وعلاقاتهم به. كالمسلة السوداء التي اكتشفت التي اكتشفت في أشور سنة 1847 وهي تمثل الملك الإسرائيلي الياهو ساجدا أمام الملك الأشوري شلمنصر الثالث (859 ق م). او   ق.م)قصة الاحتفال بتدشين قصره، ويذكر منسى، ملك يهوذا من المدعوين. والأمثلة كثيرة على تناغم معطيات الكتاب المقدس والتاريخ العام.

                                                                       ولكن…

ولكن هناك، رغم هذا التناغم، أخطاء تاريخية وردت في الكتاب المقدس وقد كشفت عنها المصادر البابلية والأشورية والمصرية. فسفر يهوديت مثلا يذكر أن نبوكد نصر” كان مالكا على نينوى المدينة العظيمة” (1: 5) بينما لم يضع رجله قط فيها. وسفر يونان يتكلم عن اهتداء هذه المدينة بينما لا نجد كلمة واحدة عنه في المخلفات الأشورية.

   ولكن مهما كان من أمر، فكلمة”تاريخ”ليس لها المفهوم ذاته اليوم وفي تلك العصور الغابرة. وطريقة كتابة التاريخ لدى شعب الكتاب كانت غير تلك التي دون فيها الأشوريون والمصريون أخبار انتصاراتهم. كان هؤلاء محور مسلاتهم التذكارية، بينما محور الحوادث التي ينقلها الكتاب المقدس هو الله نفسه. اجل إن الكتاب مؤسس على حقائق تاريخية، ولكن دقة الحوادث كما جرت ليست دوما غاية الكاتب. ولم تكن غايته كتابة تاريخ إمبراطوريات زمانه بذهنية زماننا نحن، بل سرد الوقائع على ضوء علاقة شعب الكتاب بالله.

    وكذا القول عما ينسب إلى الكتاب المقدس من أخطاء علمية كإيقاف يشوع بن نون الشمس ودورانها حول الأرض. إن الكتاب المقدس ليس كتاب فيزياء أو كيمياء ولا هو دليل رصد النجوم. انه يعلمنا كما قال الكاردينال بارونيوس” كيف نذهب إلى السماء وليس كيف حال السماء”. فمن البديهي أن يكتشف رواد الفضاء العصريون سذاجة المعلومات الكتابية عن الفلك ويبتسم الجيولوجيون من حكاية تنظيم الكون أو الخلقة. ولكن لنعلم أن قصة الخلقة كتبت لشعب طفل يحتاج، كي يفهم، إلى صور محسوسة، فهي ليست شرحا علميا لتكوين الإنسان واصل الخلقة ولا هي مقال في التاريخ الطبيعي. إنما غاية المؤلف أن يعبر بأسلوب صوري عن حقيقة لاهوتية وهي علاقة الإنسان بالله ودوره في الكون المنظم وسموه على سائر الموجودات.

                                                                الأساليب الأدبية

 إن معرفة البيئة التي كتب فيها الكتاب المقدس مهمة لفهم النص الإلهي، وما لا يقل عناه أهمية هو الاطلاع على الأساليب الأدبية التي استخدمها المؤلف في سياق إنشائه. وقد حرض البابا بيوس الثاني عشر في رسالته”الجنس البشري” بوجوب الأخذ بها. فأسلوب النبوة غير أسلوب التاريخ، ومن كتب شعرا لا يستخدم أصول النثر وان عبرا عن حقيقة واحدة، وقد تتداخل وتتزاحم هذه الأساليب في نص واحد. واهم هذه الأساليب هي:

الأسلوب التاريخي

ويعانق معظم أجزاء الأسفار المسماة بالأسفار التاريخية. وهو نفسه لا يتسم بطابع واحد. فهناك تاريخ شعبي بدائي في الفصول الأولى من سفر التكوين. وتاريخ تشريعي قانوني في سفر الأحبار والعدد وتثنية الاشتراع. وتروي هذه الأسفار مع سفر الخروج حوادث وتقاليد متتالية عن أصل الحياة والموت وقصص الآباء والتشريع وتكوين الأمة على يد موسى، والكل يتمازج في إطار تاريخي قبلي لا يهتم فيه المؤلف كثيرا بربطه بالتاريخ العام، إلا انه يتوقف في كل عطفه ليشير إلى إصبع الله التي تسير الأمور، وهو لا يعير كبير اهتمام الأسباب الثانوية.

  وهناك في سفر يشوع وسفر القضاة وسفري صموئيل تاريخ رجال عظام عرفوا بشجاعتهم وتدينهم من أمثال دبوره وجدعون ويفتاح وشمشون وصموئيل، وفي سفري صموئيل يبرز وجه داود الملك النبي القديس (1 – 17:32). وما سفر الملوك إلا تتمة لهذين الكتابين. فيبدأ الأول بشخصية سليمان باني الهيكل (8: 17 – 2.)وينتهي الثاني في سقوط أورشليم سنة 586 ق م على يد نبو كد نصر ملك بابل (25: 1 – 21). ويجب أن نقرا هذه الأسفار قراءتنا لكتاب يحوي تاريخ الفداء حيث يصطدم التصميم الإلهي بخيانات الملوك أو الشعب المتتالية. إلا أن”بقية” صغيرة مكثت أمينة”للعهد” الذي أراد الله تتميمه في نسل داود، لذا ينتهي السفر بوميض رجاء عندما ينقل خبر العطف على ملك يهوذا في منفاه ببابل (25:27 – 3.). والى هذا القسم ينتمي سفر المقابيين اللذان ينقلان ألينا حالة الشعب تحت الحكم السلوقي (166ق م).

     وتحمل أسفار الأخبار وعزرا ونحميا طابع تاريخ دفاعي يذكر الشعب بان كيانه المفقود رهين بأمانته لله وتجديد هيكله.

 وهناك أسفار امتزج فيها الأسلوب التاريخي بالأسلوب الأخلاقي، لان الغاية منها هو استخلاص عبر للحياة، كسفر راعوث وطوبيا ويهوديت واستير: فان فيها نواة تاريخية نسجت حولها قصص ذات مغزى.

الأسلوب الشعري الغنائي والحك

        نجد أقدم آثار الشعر الغنائي عن الحرب (1صموئيل18: 7) وعن الرثاء في (2صموئيل1: 17 – 27) وعن الحب في اشعيا (33: 16) إلا انه بلغ أوجه في سفر نشيد الأناشيد، هذا الشعر الرفيع عن الحب العذري رمز حب الله لشعبه ومن ثم للنفس المؤمنة، وفي سفر مزامير داود الذي هو شبه مغناة تتفاعل فيها جميع الإحساسات البشرية من حب وثقة وفرح…

      ونجد آثار الأسلوب الحكمي على شبه أمثال شائعة منذ (صموئيل 1.: 12)أو الغاز (قضاة 14: 12) ولكنه بلغ القمة في أسفار الأمثال وابن سيراخ والحكمة والجامعة، وهي كلها حصيلة تفكير أجيال تعكس حكمة الشعوب وخبرة الشيوخ ولكن في إطار حياة مشبعة بروح الشريعة والتدين لإله واحد مصدر كل شيء (حكمة1.).

الأسلوب النبوي

وينفرد هذا الأسلوب بغناه الشعري والنثري الزاخر بالألوان.

ويستخدم مختلف سبل التعبير كالتحضيض (اشعيا44: 21 – 22) والقصة الرمزية (حزقيال4: 1-13) والمثل(حزقيال15) والرؤيا(اشعيا6: 1 – 1.) والحوار(ارميا1:4-14) والحكمة( باروك3: 9 – 19) والرثاء(مراثي) والصلاة(ميخا7: 18 -2.) والاعتراف(ارميا15: 1. – 21)والرسالة(باروك)5:1.والانشودة(اشعيا 48: 2-21) والترجمة(هوشع)والوصف(زكريا9)  

       ونجد هذا الأسلوب حيثما أتى ذكر نبوة  في الكتاب وخاصة لدى الأنبياء الذين خلفوا أسفارا وهم عاموص نبي العدل الإلهي، وهوشع بشير حب الله، وميخا نبي الحكم على إسرائيل وصديق الفقراء، واشعيا نذير الإيمان ونبي المسيح”عمانوئيل” وصفنيا المخبر بيوم الرب، وناحوم معلن خراب نينوى، وحبقوق معلن الحياة للصديق والموت للأثيم، وارميا الذي شهد إبادة أمته، نبي الديانة القلبية والاتكاء على الرب وحده، وباروك نبي الجلاء، وحزقيال الكاهن المنفي ونبي عظمة الله وبوق العودة، وحجاي الحاث على تجديد الهيكل، وزكريا منذر التجدد المسيحاني، وملاخي وعوبديا الداعيان إلى التوبة، ويوئيل نبي العبادة ومعلن نهاية العالم.

       هذا ولا يخلو احد منهم من النبوءات والرؤى المسيحانية.

أسلوب الرؤيا

وهو أسلوب نبوي راج في القرنين السابقين للمسيح، ويرتكز على الرموز والإيحاءات المتزاحمة من دون تجانس ولا تقيد بحدود الزمان والمكان. وقد شق هذا الطريق حزقيال وزكريا، إلا أن سفر دانيال ورؤيا يوحنا نبغا فيه، هذا في رؤى الحمل وذاك في رؤى ابن البشر، وكلاهما كناية إلى المسيح. 

الأسلوب التهذيبي التعليمي

وهو نوع من المد راش أي تأمل ديني في حدث أو تقليد لدعم حقيقة إيمانية أو تعليم. وازدهر خاصة في سفر يونان الذي يعظ امة وثنية بالتوبة ويبشرها بالغفران، وفي سفر أيوب الذي يعالج مشكلة الألم المجسدة في رجل ادومي تناقلت الألسن خبره منذ عهد الآباء. وفي السفرين انفتاحية متعمدة على غير بني إبراهيم.

                                                                   العهدان

        بين العهدين تقارب وتكامل وامتداد، ولا مبرر للقديم  من دون الجديد إذ حقق نبوءاته وأكمل ما كان يتوق إليه بمؤرخيه وأنبيائه وشعبه:”لم آت لانقض الناموس أو الأنبياء بل لأكمل،(متى5: 17). فالعهد القديم منذ فقراته الأولى حيث يعد الله بالمخلص (تكوين3:15)إلى آخر نبوة نطق بها آخر سفر (ملاخي4:5 – 6) يحن إلى المسيح المحرر الحقيقي لإسرائيل (لوقا24:21)؛ فهو محور الكتاب (يوحنا1:45) وحجة الوعود (لوقا 1: 68 – 75) ومنتظر الشعوب (تكوين49:1.)ومتمم النبوءات(متى 26:56) ومفسر الكتب (لوقا24: 27)ووريث عرش داود(لوقا 1: 32)والملك اللاتي باسم الرب (يوحنا12:13– 16) والزعيم الموعود به(أعمال 7:37)وحية النحاس الفدائية( يوحنا3:14– 15)هذا غيض من فيض.

                                                    الجوع لاستماع كلمة الله

لا يلج عتبة الكتاب المقدس إلا من يؤمن حقا بأنه كلمة الله الموجه إلى البشرية، ويقترب منه كما إلى”ارض مقدسة” (خروج 3: 5) بروح التواضع والصلاة. فيرقى بنفسه المتجردة إلى القيم الرفيعة التي يدعونا إليها الكتاب، كمحبة الله لنا والدعوة إلى الارتباط به ومخطط حبه في البشرية وفينا. والعهد الجديد والأنبياء أخصب حقل لذلك.

     ويلقننا أيضا روح الصلاة الحقيقي اعني به الاتجاه بكليتنا إلى الله مصدر

كل شيء (يوحنا 1:16 – 17). هذا علاوة على صلوات مدهشة يقدمها لنا الكتاب في السجود والتوبة والشكر… والمزامير جنينه نجد فيها كل ذلك وأكثر. والكنيسة، منذ ولادتها، جعلت من الأسفار المقدسة مائدة لبنيها بجانب مائة المذبح، فزخرت طقوسها وتعاليم أبائها بروح الكتاب ونصوصه.

 لذا ندعو وبإلحاح إلى مطالعة الكتاب المقدس بشغف وإيمان، لاسيما العهد الجديد، وجعله مرجع العائلة في سهراتها، فيتغذى بتعاليمه الشيخ والشاب، وليكن اعز كتاب على المسيحي يضعه في اعز موضع من منزله، كصديقنا الشماس إبراهيم.

  

اما العملة فقليلون

…اما العملة فقليلون

…اما العملة فقليلون

الدعوات الكهنوتية والرهبانية

       لابد ان نسهر هذه الليلة في دار هذا اللعين ونشرب تخب نجاحه! وتناقلت الايدي الجريدة بلهفة للاطلاع على نتائج الامتحانات وتعالت ضحكات الفرح في غرفة عادل الصغيرة،وارتسمت بسمات عريضة على الثغور وتشابكت الايدي مصافحة مهنئة.

        كان ذلك عصر يوم احد من ايام تموز المحرقة، عندما تجمهرت قبضة من الشباب بعد صدور النتائج الوزارية المكتوب لها ان تخط مستقبلهم وتكون قاعدة الوثوب للطامحين منهم.

        وكما تواعدوا هكذا اجتمعوا مساء في منزل زميلهم يوسف. واخذوا يتجاذبون اطراف الحديث، ويكشفون النقاب عما صمموه هم او ذووهم لمستقبلهم، فقال عادل وهو يناول سيكارة لوالده الذي رافقه الى السهرة:

 -سادخل انا، كلية الصنائع العسكرية، وان لم لقبل فيها فسوف اتجه شطر كلية الزراعة.

وقال ناصر، وهو تلميذ ذكي: -اما انا فسوف اكمل دراستي في كلية الهندسة.

واستمر الطلاب يسجلون انفسهم، وهم جلوس، في كليات الطب والحقوق والاداب، ومنهم من اكتفى بمنبر التعليم الابتدائي. وظل يوسف وحده صامتا لايعلن عن عزمه الى ان سئل فاجاب مبتسما:

-اما انا، فلقد كشفت لوالدي عن الرغبة التي تراودني منذ سنوات في ان اصير كاهنا، واني ذاهب غدا لمقابلة مدير الاكليريكية. وعلت الدهشة جميع الوجوه الا وجهه هو. فقال له عادل:

-اانت جاد فيما تقول ام مازح كعادتك؟ فاجاب

– كل الجد. ثم اضاف مبتسما: -انا الذي سوف ازوجكم واعمد اولادكم!

فضحك البعض وتاسف البعض الاخر على الذكاء والشباب اللذين سيطمرهما يوسف تحت الثوب الاسود، وكاني بهم يوجهون عتابا الى الله لكونه دعا الى خدمته زميلهم النشط، ولم يطرق باب هذا او ذاك من رفاقهم القليلي الذكاء!

                                                       ماذا يقول الناس عن الكاهن؟

        هكذا يفكر الكثيرون ويعتبرون ان السعادة في التهافت على المال والرخاء او هي في التربع على اريكة احدى الوظائف في الدولة او في نيل كاس السبق في مباراة او مصارعة. فينظرون الى الكاهن نظرتهم الى شخص خدعه ذووه عندما كان فتى، وادخلوه في سلك يعيش المنتمون اليه على حساب الغير، ويرون فيه شابا اخفق في الحب فاسودت الدنيا في عينيه، ويحكمون عليه بانه قليل الذكاء اراد ان يخفي قلة ذكائه وراء جبته السوداء!

وغالبا ما يتندر المسيحيون على حساب الكاهن، ويستعرضون شريط نقائصه وعيوبه على شاشة سينما سكوبية من دون رحمة او انصاف. يرون فيه عميلا للاغنياء ومداهنا لذوي الجاه، او موظفا يتقاضى ثمن خدمته، ويجعلون منه مثال الجشع والطمع، ويتهمونه بان  امر رعيته لايهمه الا بقدر ماتزود جيوبه من المال. وان اختلط بالشبيبة وكيف مباديء الانجيل بمقتضى العصر، او ان قام بسفرة تريحه من اتعابه الرسولية  انتقدوه واستنكروا عله تطرفه واندفاعه، واذا مال الى التزهد والبساطة في عيشة قالوا انه “درويش” يصلح للصومعة لا لعصر التقدم.

                                                                   الكاهن في نظر الايمان

        ان الكاهن في نظر الايمان هو “مسيح اخر” لانه يواصل عمل المسيح في العالم،  وقد انتدبه المسيح لحمل رسالته الى كل البشر.فكهنوته امتداد لكهنوت المسيح.

         ان الكاهن يعمل على مثال الرسل من اجل بناء ملكوت الله في النفوس وتوطيده فيها. وهو بفض كهنوته يوزع على البشر نعم الخلاص التي تفجرت من قمة الصليب فهو يلدهم للحياة االالهية بواسطة المعمودية،  وهو الذي يقوي ايمانهم ويدخلهم في حلبة الجهاد بالروح القدي الذي يمنحه لهم في سر التثبيت. واذا فقدوا صداقة الله يعيدهم اليها بواسطة سر التوبة، ويغذيهم بجسد المسيح في سر الاوخارستيا. وهو الذي يبارك اتحادهم في سر الزواج ويدهنهم بزيت القوة ليعدهم للسفر الاخير ويرافقهم الى باب الابدية ليلجوه بسلام وطانينة. 

       فما اعظم الكاهن وما اسمى درجته انه ذلك الوسيط بين الله والبشر، يرفع الى الله بتفويض سماوي دعاء البشرية  واشواقها وينزل عليها نعمة والاءه فهو كليم كموسى يستشفع الله عوضا عن الشعب الموكل اليه ويرفع الى عزته صراخه ومطاليبه.

          وهو مبشر كبولسيخبر اخوته بانجيل السلام ويعلن للجميع بشارة الخلاص.  انه مؤتمن على كنوز الله وخادم لها، اقيم لترتفع يداه ابدا نحو السماء فتحمل، مع البرشانة البيضاء، البشرية بامالها والامها، بطموحها وضعفها، بانتصارها واخفائها.

                                                                الكاهن بعد القداس…

        لا تقتصر مهمة الكاهن على اقامة القداس وان كان القداس اسمى اعماله، ولا تنحسر رسالته بين جدران الكنيسة وان كانت الكنيسة منطلق نشاطاته. فان خيل الينا بان الكاهن موظف يجلس كل يوم لتسجيل الزيجات  والوفيات ولمنح شهادات عماذ، لكن رسالته تمتد الى كل ميادين الحياة المسيحية، فهو لا يني يلقن الصبية مباديء الديانة وينقش على صدورهم فضائل الانجيل ويغرس في قلوبهم الايمان  ويقود شبابهم في نموهم وتفتحهم   ويقيهم المخاطر التي يتمخض بها عمرهم ويعضدهم في محاولاتهم من اجل التوفيق بين ايمانهم وثقافتهم. ويستحث هممهم للانضمام الى حركات رسولية، ويدعوهم الى التضحية في سبيل مشاريع اجتماعية.

وهو بالنسبة الى رعيته ذلك الاب الذي يتفقد رعاياه ويتفهم مشاكلهم ويحاول ان يعطي لها الحلول الشافية. انه ذلك الراعي الذي يحمل التعزية الى كل من نكبته المصضائب فيبعث فيه الامل والرجاء، ويزور الفقراء ليعضدهم في بؤسهم، ويتفقد المرضى ليبعث في نفوسهم  العزاء وكان لسان حاله كلمات الرسول بولس:” من يمرض ولا امرض انا. من يتالم ولا احترق انا”.

                                                 ماذا يقول الناس عن الراهب والراهبة؟

         هناك كثير من الناس استولت المادة على تفكيرهم واخذت كل اهتمامهم فلم يعودوا يشعرون باهمية القيم الروحية، فينظرون الى الراهب والراهبة نظرة اشفاق ان لم نقل نظرة احتقار. انهم يتوهمون ان ذلك الراهب لم يدخل الدير الا لان طرق المعيشة قد سدت في وجهه، او لانه لم يوفق في مهنة او تجارة، او لان صدمة عاطفية حدثت له واخفق في الحب فاتجه شطر الدير ليدفن فيه شقاؤه! ويرون في تلك الراهبة فتاة لم يمد اليها شاب يدا فطرقت باب الدير لتطمر فيه شبابها، او فتاة منطوية على ذاتها ابت ان تتحمل مسؤوليات الزواج فانعزلت عن العالم تهربا من الحياة، او غبية غشها اهلها ليتخلصوا من اعالتها! ويابى مثل هؤلاء ان يروا في الحياة الرهبانية دعوة الى الكمال تلبيها النفوس السخية.

      وقد يفهم البعض المعنى من حياة رهبانية اذا كانت هذه الرهبانية تحمل رهبانها او راهباتها الى العمل الرسولي والى عمل من اعمال الرحمة كتثقيف الشبيبة العلمي والمهني والعناية بالمستشفيات  ومعالجة البرص والاهتمام بالعميان والبكم والصم.. ولكنهم لا يفهمون المعنى من حياة كلها صلاة وصمت كالسكوتين والكرمليات، ويابون ان يروا في هذا النوع من الحياة دعوى الى البطولة تحمل النفوس الكبيرة الى تخصيص حياتها كلها لله مدفوعة بمحبة وسخاء لا يعرف الحدود.

                                                                     الدعوة…                                     

     في احدى جولات يسوع الاولى على شاطيء بحيرة جناشار، راى سفنا راسية، فتوجه نحوها وطلب الى احد الملاحين ان يعيره سفينة ليصعد ويعلم الشعب. وكان ينظر الى هذه النفوس الماخوذة بسح كلماته، وراى فيها قطيعا بلا راع فاشفق عليها واحبها. ولما فرغ من الكلام توجه بطرس الصياد واشار اليه ان يلقي شبكته في البحر، فالقاها رغم تعبه ومحاولاته الفاشلة طوال الليل قائلا: “بكلمتك القي الشبكة”، فامتلات سمكا من كل نوع. فلوح الصياد الى زميله يعقوب ويوحنا فاسرعا الى نجدته وقد اخذنهما الدهشة. هينئذ هتف بطرس:

–تباعد عني يارب فاني رجل خاطيء.

    لكن المسيح ربت على كتف الصياد ونظر في عينيه فاحصا. وقال:

          –سمعان،  لاخف. انت منذ الان صياد للناس. اتبعتي.

          ولما بلغ الشركاء الثلاثة بسفنهم الى البر، تركوا كل شيء وتبعوه، مازال يسوع، منذ الفي سنة، يجوب السواحل والحقول والقرى والمدن باحثا عمن يتبعه ليجعل منه صادا بل رسولا الى العالم و “قائما باعمال البشر” لدى الله! الا ان صوته، مذ ارتفع الى السماء،  مازال يرن في القلوب ومازال الكثيرون يسمعون صداه في اعماقهم، من بويس الذي سمعه على طريق دمشق الى الالاف من النفوس السخية التي تسمعه كل يوم فتذهب ملببية من دون ان تنظر الى الوراء. ان معظم الدعوات تنشا  هكذا، وليست من اقلها رسوخا كما تنبيء هذه الشهادة الصادرة عن راهبة شابة: “ان الدعوة الرهبانية صوت داخلي،ناعم نادرا ما ندرك كنهه ونتاكد منه لاول وهلة. غير انه يجعل في القلب قوة لا سبيل الى مقاومتها. فكثيرل ما تتردد في قلبنا وعلى شفاها هذه العبارة: “اريد ان اكون راهبة” انها جملة لسيطة تختلج في اعماقنا من دون ان نشعر بمعناها الحقيقي. بيد انها تكون شيئا فشيئا، بامتزاجها بالنعم التي نجهلها، قوة جبارة في نفوسنا  تدور حولها حياتنا، ومنها ينبعث شةقنا الى الكمال.  هذا ما حدث لي بعدما نضجت في قلبي جملة “اريد ان اكون راهبة”.

                                                         …الى حياة مخصصة بالله

في هذا العالم الذي يتهافت فيه الناس على اللذات تهافتا لا احد له، والذي فيه طغى سلطان المال على القلوب بحيث نسي الناس القيم العالية، وما زال صوت المسيح يدوي في النفوس الابية ليرتفع بها شطر البطولة ويدعوها الى حياة الفضيلة والكمال:”كونوا كاملين كما ان ابائكم كامل”. ومازال الالوف من الشباب  والشابات يجيبون على نداء المعلم ياقدام لايعرف التراجع  وعطاء لايعرف البخل وسخاء ى يقف عند حد، تدفعهم محبة كبيرة لتخصيص ذواتهم كلها بذاك الذي احبهم الى الغاية، زاهدين في العالم وافراحه.  

          ان صوت المسيح يجلجل في اعماق تلك النفوس الفنية المتدفقة بالطاقات،     وهاهي تلبي ندائه، موقفة حياتها له، ومجندة طاقاتها في سبيله وفي سبيل نشر ملكه على الارض من خلال حياتها التي تريدها شبيهة بحياة المسيح. فهذه النفوس الكبيرة التي ضحت بكل شيء هي شاهدة الانجيل وسط العالم، وما حيتها الا استنكار ام في العالم من انحراف وانحطاط، واعلاء لاخلاقية الانجيل وللفظائل السامية التي يدعو اليها.

                                                     المناخ الذي تنمو فيه الدعوة

        ليست الدعوة دوما نداء مدويا يوحهه الروح القدس، ولا كلاما سحريا يسبي سامعه، انما هي في الغالب رغبة دفينة تخضع للتاثيرات الخارجية فيلزمها ومن ثم، لكي تتفتح، مناخ مؤات. ولا شك ان العائلة المسيحية هي منبع الدعوات، وفي وسع الوالدين ان يخلقا جوا عائليا يتاح فيه للدعوة ان تنبت وتنمو وتتوطد. وتدل الاحصائيات بان اغلبية الدعوات نبتت من تربة العوائل المسيحية المتدينة. وقد تنشا الدعوى في الفتى اوالفتاة على اثر كلمة عابرة او موعظة مؤثرة او على اثر حادث او سؤال فجائي كهذا: هل تريد ان تكون كاهنا؟ او هل تريدين ان تصبحي راهبة؟. ولاشك ان لمثال كاهن غيور متفان اشد الاثر في نفس الفتى، وات لتفاني راهبة في خدمة ما ابلغ الاثر في قلب الفتاة.

        ولا زلنا نذكر حادثا جرى مع الاكليريكي نظم رياضة روحية لفرق الاخوية المريمية في قريته خلال العطلة الصيفية، وهو ان فتى في الثانية عشر من عمره لحق به، اثر احدى محاضرات الرياضة وبادره قائلا:”مالذي علي ان اصنعه لاصير كاهنا؟” هذا ما يدل على ان المثال الذي يقدمه الكاهن او الاكليريكي هو ابلغ نداء الى الكهنوت.

                                                                     علاماتها الفارقة

       لاشك ان الظروف التربوية والنفسية دورها الكبير في توجيه فتى الى الكهنوت او الى الحية الرهبانية، الا انها لا تكفي للتاكد من صحة دعوة ما، فهناك علامات ثلاث يجب ان تتوفر فيمن يتقدم من الكهنوت او من الحياة الرهبانية، وهي الرغبة الصادقة والنية المستقيمة والمؤهلات.

        الرغبة هي الشرط الاول  والاساسي لكل دعوة، ويجب ان تكون وليدة اختيار حر، الا انه لا يمكن البتة زج احد قسرل ىفي حياة لايميل اليها، فلا معنى لامنية ام نذرت ابنها او ابنتها للكهنوت او للرهبتة مادام هما لا يرغبان فيهما، وليس من الضروري ان تكون هذه الرغبة عارمة، بل يكفي ان تظهر كميل، وان طفيفا، نحو الكهنوت او نحو احد انواع الحياة الرهبانية.

ولكن الرغبة لاتكون علامة الدعوة الاكيدة ان لم تقترن بالنية المتقيمة. فليس الكهنوت او الرهبنة اداة لنيل منصب او نفوذ ولا وسيلة سهلة للرزق والعيش او ملجا للنفوس الضعيفة او المتهربة نت الحياة. بل ينبغي ان تدفع الراغبين الى هذه الحياة غاية فائقة الطبيعة في تخصيص الذات لخدمة الله وخدمة النفوس. ومن البديهي ان تشوب هذه الرغبة، في باديء الامر، اعتبارات بشرية، الا ان سني التجربة خليقة بان تنقى هذه الرغبةمن الشوائب، وتضفي عليها مسحة من الصفاء والاستقامة وتكشف عن عمق الدعوة وثباتها.

اما المقصود بالمؤهلات فهو الاستعداد العقلي الذي يتيح للمنخرطين في سلك الكهنوت او الرهبنة ان يحصلوا على دراسة جدية فلسفية ولاهوتية تؤهلهم لرسالتهم في المستقبل. لذا يجب على الراغب او الراغبة ان يتحليا بذكاء وسط، يمكنها من الحصول على قسط وافر من الثقافة. وهناك ايضا الاستعداد الادبي، وقوامه في ان يكون الراغب او الراغبة على مستوى عال من الاخلاق وحين السيرة، ويجب ان تتوفر فيهما صفات البذل والخدمة والغيرة والنشاط وقوة الارادة، وغني عن القول ان هذه الصفاة لا تتوفر كلها منذ البدء انما تكتسب شيئا فشيئا. وينبغي للراغبين في الحياة الكهنوتية او الرهبانية ان يتمتعوا بصحة جيدة تمكنهم من اداء رسالتهم، كما ينبغي ان يكونوا خالين من العاهات الجسمية.

                                                       عندما يطرق الرب ابواب بيوتكم

       لو اجرينا استفتاء بين العئلات المسيحية فيما لو تتمنى ان يكون احد ابنائها كاهنا او احدى بناتها راهبة،  لاتتنا اجوبة ايجابية كثيرة. ولو سالناه ما الذي تعمله لذلك، لهبطت النسبة الى ما يدهش اذ ان موقفها احيانا كثيرة هو الحياء خوفا منها، كما تزعم، في الا تسلب حرية اولادها. اننا لاندعو  الاهل الى اكراه اولادهم الى اعتناق الحياة الكهنوتية او الرهبانية، انما نتمنى ان يسهموا في اعداد اولادهم اليها  اذ ما لمسوا فيهم رغبة تدفعهم الى اختيار الكهنوت او الرهبنة، فعليهم حيتذاك ان يتعهدوا هذه العوة الفتية ويحرصوا على نموها ورسوخها من دون ان يعماوا شيئا لقتلها وهي بعد في مهدها. وعليهم ان يتركوا لهم فيما بعد حرية الاختيار النهائي الذي يقرر مستقبلهم. كما ينبغي على الاهل ان يوقظوا الدعوة في نفوس اولادهم وذلك باطلاعهم على حاجة الكنيسة الى كهنة، وخاصتا البلاد البعيدة الى رسل والمدارس الى راهبات. وعليهم ان يعودوا اولادهم على الصلاة من اجل الدعوات، كي يمنح المسيح كنيسته كهنة وراهبات، فقد تكون هذه الصلاة فرصة لايقاظ رغبة اولادهم في تخصيص ذواتهم للمسيح.

                                                             حذار من ان…

ورب اب يعترض قائلا: “وما ادرى صبيا في الثانية عسر نت عمره بمتطلبات الكهنوت؟.وما ادرى فتاه صغيرة بابعاد الحياة الرهبانية؟”. اننا لا ننكر اهمية دعوات البالغين وجزيل قيمتها، بل نتمناها  وندعو الى السعي في ايقاظها، انما لا يجوز الاستهانة بدعوات الفتيان ومنعهم من اتباعها، ففي ذلك بالذات اكراه وخنق للحرية. ان الصبي هو عمر النقاوة  وتفتح الشخصية على معالم الحياة الخيرة. فحذار من ان تحبط عزائمهم في غمرة اندفاعها.

          ولكن هناك اجراما يرتكبه الاهل بحق اولادهم حين يقفون عقبة كاداؤ في سبيل دعوتهم، ويحولون دون رغبتهم في تلبية نداء الرب. فنرى ذاك الاب يتصلب في رفضه طلب ابنه ان يصير كاهنا، ونرى تلك الام تتنمر لدى سماعها بان ابنتها يممت شطر الرهبنة، لاسيما اذا كانت البكر او كانت على شيء من الذكاء او الجمال او حائزة على شهادة ما، وكاني بها ترى مبالغة من قبل الرب في خطبة ابنتها الجميلة والمثقفة، وكان الاحرى ب هان يدعوا تلك الفتاة العانس التي لم يتقم احد للاقتران بها!

       ان هؤلاء الاهل يقدرون غيرة الكهنة وتفاني الراهبات والمرسلين، لكن لا يودون ان يطرق هذا التفاني ابوابهم. فكم من ماسي ذاقتها نفوس  ابية كلفت بحياة كهنوتية او رهبانية لتجد فيها منفذا لسخائها، ثم اخمد جذوتها حنان في غير محله او نصائح هزيلة هبطت بها الى مستوى الاهداف العادية. فليست الدعوات في عصرنا اقل مما في السابق، انما هناك دعوات كثيرة تقتل وهي بعد في مهدها، ولا يفطن اولئك الاهل بانهم بذلك يتحدون حرية اولادهم ويجرمون الى الكنيسة، لانهم يحرمونها من خير كبير.

                                                                            في سني التجربة

        ان الدعوة الكهنوتية تجدد في الاكليريكية تربة صالحة تنموا فيها، وكذلك تجد الدعوة الرهبانية في الدير جوا تتفتح فيه، وكلاهما يتيحان للمدعوين الى الحياة الكهنوتية او الرهبانية ان يختبروا دعوتهم ويعملوا على نموها وترسيخها في نفوسهم. فليست الاكليريكية”قالبا” يصوغ الداخلين فيها كهنة حتما، كما ان سني الابتداء لاتصبغ الداخلين فيه رهبانا وراهبات لا محالة! فالحياة الاكليريكية التي يعيشها الفتى مدة سنين طوال، هي زمن تجربة، يبحث فيها بمساعدة مرشدين خبيرين عن مدى جذور تلك الرغبة التي ساقته الى هذا المسلك، فكما اتى الاكليريكية حرا يمكث فقيها حرا وفي وسعه ان يتركها بملء حريته. وكذلك الحياة الرهبانية التي يعيشها الراهب او الراهبة هي بالنسبة لهما زمن تجربة، يكتشفان خلالها عمق دعوتهما وما تتطلبه منهما من تضحيات وما تفرضه عليها من التزامات، الى ان ياتي اوان النذور المؤبدة. فلا يحق ان نهزا بمن تركو  الدير او الاكليريكية بعد ان اكتشفوا ان دعوتهم ليست هناك وانهم لم يخلقوا لها. انما ننكر على اولئك اللذين جاءو على اثر رغبة انية   وبعد ان علموا ان دعوتهم ليست هناك، لم يجراوا على اتخاذ موقف حازم، وراحوا يجرون اذيالهم وراء القافلة في حياة لم يدعوا اليها!

                                                                     ازمة القلب

                لا ينبغي ان نعجب اذا ما تفتحت  طاقات الفتى والفتاة في سني المراهقة

 فمن الطبيعي ان ينعطف قلب الفتى الى هذه او تلك من الفتيات، ومن الطبيعي ايضا ان تبتسم للفتاة احلام السعادة: فليس في وسع الاكليريكية او الدير ان يوقفا تدفق هذه الطاقات الكامنة في القلوب الفتية: وليس في الامر ما يقلق، امها ازمة القلب التي لابد ان يمر فيها كل فتى وفتاة، ولا بد للدعوة ان تدخل في هذه التجربة لنخرج منها وقد اكتيبت مناعة  وازدادت رسوخا، انما ينبغي ان يصمد ازاء التجربة، ويقوما بعد كل كبوة اكثر اقداما، محاواين ان يملا قابهما من حب المسيح الذي في وسعه ان يروي عطشهما. فاذا عرفا ان يقاوما التجربة بعزم وشجاعة سارا في طريق النصر    اما اذا لم يلجما  انعطاف قلبهما فالاحرى بهما حينذاك ان يتجها الى طريق اخر.

        ان للكاهن والراهبة قلب ينبض بالحب ويدرك كل معاني الحب.لكنهما جعلا المسيح موضوع حبهما الوحيد،وارادا ان يصبا من فيض هذا الحب على البشر الذين ينصرفان الى خدمتهم بكل سخاء وتضحية. لقد اقدما على هذه الخطوة الجريئة مضحين بشرعية الافراح العائلية وعذوبة الحياة الزوجية، وعالمين انك فاحمها سيكون مستمرا، وانهما سيشعران في بعض الايام بالحاجة الى ايداع افراحهما ومشاكلهما قابا اخر، لكنهما ضحيا بكل ذلكعا قابهما لحب المسيح، وفي المسيح البشرية جمعاء. فكلاهما يدركان جيدا بانهما تخليا عن شيء عظيم لشيء اعظم، وانهما زهدا في العالم ليكونا بكليتهما للعالم.

                                                                    نداء الى الضمائر

    فيما كان يسوع يطوف القرى والمدن، هالة منظر الجموع المقبلة من بعيد لتسمع كلامه وكانوا “مثل غنم لا راعي لهما” فقال: ان الحصاد كثير وما العملة فقليلون. مازال هذا المنظر المؤلم قائما اليوم. فبينما نرى دعاة الشر يطوفون في كل مكان، نشاهد ضالة تلاميذ المسيح وقلة المؤمنين به. انه لامر يبعث الالم في قلوبنا عندما نفكر ان ثلثي البشر مازالوا حتى الان يجهلون المسيح، وان هناك مساحات شاسعة في اسيا وافريقيا لم تحمل اليها بشارة الانجيل، لا لشيء الا لقلة الفعلة!

      وان الكنيسة لاتشكو من هذا النقص في الكهنة بالنسبة الى غير المؤمنين حسب، انما تعانيه في عقر دارها. ففي الفلبين حيث 21 مليون كاثوليكي، يحصل كل ستة الاف مؤمن على كاهن واحد. وفي ميندانا احدى جزرها، لا يوجد لخدمة 7.. الف مؤمن سوى 3. كاهنا. اما في اوغندا بافريقيا فيحصل كل 11 الف مؤمن على كاهن واحد، وفي اميركا اللاتينية كلها حيث ثلث كاثوليك العالم، يحصل كل 5 الاف مؤمن على كاهن واحد!

    فالكنيسة بحاجة الى كهنة ورهبان وراهبات، لكي يحملوا رسالة المسيح في العالم، ويعملوا على انعاش الحياة المسيحية في كل الاماكن التي هي بحاجة الى حركات ومشاريع رسولية واجتماعية.

                                                             المسيح ينتظر الجواب منكم ايها الوالدون ينتظر المسيح ان تجيبوا الى ندائه، بالسخاء باولادكم لخدمة الانجيل: منكم ايها الشباب والشابات ينتظر المسيح ان تجيبوا الى ندائه، بتضحية حياتكم في سبيل نشر ملكه على العالم. ان العالم بحاجة الى رواد يرشدونه الى ميناء الحقيقة والسلام، الا تبحثون في قلوبكم عن متسع لمحبة المسيح ومحبة النفوس. الا تشعرون بفقر الكنيسة فتسدوه بتضحيتكم، وبجوع النفوس فتشبعوه بتفانيكم، وبهطش العالم فترووه بمحبتكم. ان سهولنا وجبالنا وقرانا ومدننا تصرخ اليكم صراخ الاستنجاد: الا انقذونا،  وتردد على مسامعكم كلمات المسيح:

                     الحصاد كثير واما العملة فقليلون.

رسالة العلمانيين

رسالة العلمانيين

     لقد كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن كهنوت العلمانيين وخاصة في أعقاب إثارة موضوع “العلمانيين” في جدول أعمال المجمع المسكوني ودخول بعضهم قاعة المجمع، واعتلى منابر الكنائس وملا أعمدة الصحافة أساقفة وكهنة ومؤمنون ينادون بإسهام العلمانيين أكثر فأكثر في حياة الكنيسة ونشاطها، لا لأنهم أبنائها وأعضاؤها فحسب، بل لكونهم يشتركون في الكهنوت اشتراكا حقيقيا. فالشعب المسيحي، باتحاده المكين بالمسيح، يقدم معه وفيه، إلى الله، حياته الروحية وتسابيحه وتضحياته وعمله ألرسولي بمثابة فعل عبادة حقيقي.

      إن “كهنوت العلمانيين” ليس مفهوما جديدا إضافته كنيسة القرن العشرين إلى تعاليمها بل هو حقيقة تجد أصولها في الكتاب المقدس. فقد أعلن الرسول بطرس للمؤمنين الأولين قائلا: “أما انتم فجيل مختار، كهنوتي ملوكي، امة مقدسة، وشعب مقتنى لتشيدوا بحمد الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب   انتم الذين لم يكونوا من قبل شعبا، وإما ألان فشعب الله (1 بطرس 2: 9 – 1.).

    يدخل المسيحيون في شعب الله ويشتركون في كهنوت ابنه منذ أن يسيل ماء العماد على هاماتهم ويلمع زيت الميرون على جباههم. فلإنسان يحيا ولكن لا ثمن لحياته من دون أهداف تتعدى مقاييس هذا العالم الضمان إلى ما يسمو على متاهاته، فمن يا ترى يرويه سوى الإنجيل؟ ومن ذا الذي يقوده إلى هذا المعين إلا ذاك الذي مسحه عماده مبشرا وشاهدا فأصبحت الرسالة فرضا طبيعيا عليه وضرورة موضوعة على عاتقه كما قال بولس الرسول: “إن التبشير بالإنجيل ضرورة موضوعة علي فالويل لي أن لم ابشر”.

مسؤولية المسيحي تجاه الإنجيل

     كتب سيادة المطران دي سميدت، أسقف بروج في بلجيكا، “كيف تتجاسر جماعتنا الكهنوتية أن تقدم قربانها إذا لم تعمل كل ما بوسعها لإعلان بشرى المسيح للبشرية وتحيا هذه البشرى كي تكون حياتها مرضية من الله”. لا جرم في أن المسيحي لا يستطيع أن يجوب أقاصي الأرض ويمد في أيامه إلى يوم الحشر كي ينشر الإنجيل، إلا أن طموحه لا يجوز أن يكون اقل اتساعا، إذا أن عليه أن يعانق العالم بأسره، لان الذي دعاه لينطق باسمه فتح ذراعيه واسعا على الصليب ليضم شعوب الأرض قاطبة على قلبه. إن الفرد في شعب الله تترتب عليه واجبات تجاه دستور إيمانه، فهذا الإيمان الذي تلقاه في سكون عماده عليه الآن، وهو بالغ  أن يعلنه وينادي به على السطوح، وإلا أمسى عضوا عليلا، إن لم اقل ميتا، في جسم يحتاج إلى كل أعضائه سليمة نشطة. وان هذا الجسم لا يكون سليما إلا بسلامة جميع أعضائه فكذا جسد المسيح السري لا يكون كامل الحيوية إلا إذا كان جميع اعضائه صحيحة حية. ولكي تكون الأعضاء حية لا يكفي إلا تكون سقيمة، بل ينبغي ان تزخر بالنشاط والحركة لتنعش الجسم كله.

حياة المسيحي شهادة وتبشير

     ما أن حل يوم العنصرة حتى انطلق الرسل من مخبئهم ونزلوا إلى الميدان يعلنون قيامة المسيح ويبشرون الجموع الآتية من أقطار الإمبراطورية الرومانية بالعتق والخلاص، ويدعونهم إلى نور الإنجيل الذي بيسوع، فقد طال عليكم السكوت عما عرفوه ورأوه واني للبشير أن يسكت أو للشاهد أن يصمت.

    لازالت هذه رسالة مؤمني كل عصر وجيل إذ ليس للمسيح صوت آخر غير صوتنا ولا كيان غير كياننا ليستمر في حمل بشراه إلى المسكين والمناداة بالتخلية للمأسور، كما قال بيوس الثاني عشر: “اذهبوا يا أولادنا وبناتنا الأعزاء، اذهبوا إلى الوضعاء والفقراء، إلى المتألمين والتعساء والمنبوذين، اذهبوا وانشلوهم من شقائهم، كونوا فداة لهم ومعزين، أعضدوهم وارفعوا عزائمهم في وسط الشبيبة، كونوا معلمين ورفاقا وروادا لتجذبوهم جميعا إلى المسيح، ولكي يشعروا من خلال قلوبكم، بلطف المسيح وقبلته الإلهيين”. إن تراثنا الإنجيلي الذي يبقى جديدا على مر الأيام، وإيماننا المسيحي الذي الهم البطولات واروي الأجيال عدلا وحقا وسلاما، لا زالا اليوم كما في الأمس، الجواب الوحيد لعالم يفتش عن ذاته ويتلمس علة وجوده.

     فمن هذه الأغنام الراتعة في مراع غير مراعي الإنجيل، من هذه الخراف التي هجرت مرابض المسيح وراحت تقتات بإعشاب يابسة وترد أبارا جوفاء ترن في أذاننا أصوات مستحثة تطلب النجدة. اجل، على المسيحي أن يعلن أن المسيح هو الطريق والحق والحياة، ولا يغيبن عن باله أمر يسوع الأخير: “اذهبوا وبشروا وعلموا…”. إن هذا الأمر ليس وقفا على الرسل والكهنة حسب، بل هو إلى جميع المؤمنين لا لقلة الكهنة أو الراهبات، بل لان المعمودية نفسها تدعو كل مسيحي إلى الرسالة. لعمري من الذي بشر بالمسيح أولا؟ أليس هؤلاء العلمانيون المتنصرون حديثا من الجنود الرومانيين ويهود الشتات الذين غرسوا الكنيسة في جنبات العالم المتوسطي؟ أليسوا هم التجار الذين انطلقوا من بلاد مابين النهرين محملوا الدين المسيحي إلى أقصى الشرق فركزوه في الهند والصين؟ على العلماني، إذا، لن يفهم خطورة دعوته. فهو مسؤول أمام المسيح عن كل عتمة وفقر روحيين ينتجان عن إهماله أو تغاضيه.

خطيئة الصمت

    لقد أخطا من قال بان العالم غي مستعد لقبول الرسالة المسيحية، فالواقع هو أننا نحن لسنا مستعدين لإبلاغها إليه.

    إن إيماننا الضعيف وحبنا للراحة بنسيانها أحيانا واجبنا المسيحي الكبير إلا وهو إشراك غيرنا في كنوز عمادنا، كما أن “رفاهيتنا الروحية”، ورتابة ممارساتنا التقوية، التي نحسبها الدين المسيحي كله، تصور لنا الأعلم مقسما إلى فريقين “خراف الحظيرة” فريقنا، وفريق الآخرين المقدر لهم أن يبقوا”في الظلمة البرانية”.

    كم من المسيحيين هذا منطقهم؟ في حين إن ثلثي البشر لا يعرفون المسيح. وحتى من بين الذين تشملهم”لائحة” المسيحيين، كم هو عدد الفاترين واللامبالين والذين لا يعلمون من المسيحية سوى أنها دينهم الرسمي في هوياتهم الشخصية!

    إن أنانية هؤلاء المسيحيين لتشل أيدي العمل المسيحي وتجعل من الإنجيل، لكثير من البشر، كتابا جامدا، ومن المسيح شخصا تاريخيا مضى وانطفأ تعليمه معه، فاندرات بشراه. وينضم الخجل والحياء البشري إلى الأنانية، فهناك من يستحوذ عليه الحياء حين التكلم عن الإنجيل، ويتحاشى إظهار مسيحيته وكأنها شيء مشين، بينما يأتيه الكلام عفوا إذا ما تحدث عن الصواريخ والأقمار والمركبات الفضائية أو الأزياء والسينما ونجومها أو عن هذا أو ذاك من الشخصيات السياسية. لقد غاب عنه ما كتب رسول الأمم إلى تلميذه طيموثاوس: “لا تخجل من تأدية الشهادة لربنا كجندي صالح للمسيح يسوع، فان من تجند لا يرتبك في شؤون الحياة إرضاء للذي جنده”. ليت شعري كيف يسمع غير المؤمنين والمسيحيون الفاترون رسالة الحب والفداء إن لم تعلن لهم!

لقد حان للمسيحيين أن يستفيقوا

   ليسمح لنا أن نورد هنا صفحة من أروع ما كتب الكردينال سواننس، عميد مصف أساقفة بلجيكا واحد شهب المجمع، بشان الرسالة: “إن المسيحي الحقيقي ليس هو من حفظ إيمانه مثل كنز مخفي في الأرض، فالمسيح لم يعطنا الإيمان أنخفيه بل لننشر أريجه لعمري أي معنى لإنجيل لا يبشر به كخبر سار؟ وما هي قيمة كتاب لا يبلغ إلى المرسل إليه. اجل، ما فائدة نار لا تلتهب أو لسان يظل صامتا أبكم”؟

   ” في سبيل اكتشاف المسيح كان الأولون يذهبون مسرعين إلى إخوانهم. كما فعل اندراوس إذ هرع إلى بطرس وقال له “لقد وجدنا المسيح”. وفي عصرنا، لأوال المهتدون يفعلون كذلك، لأنهم لا يفهمون –ويحق لهم ألا يفهموا– كيف أن كنزا كهذا، أي المسيح، يبقى مخفيا! إن ردة الفعل الطبيعية عند المهتدي هي أن يعلن اكتشافه على وجه الدنيا، أما نحن الذين”عتقنا” في المسيحية وأصبح الإيمان لدينا شيئا عاديا فمخطئون، وخطانا لا يغفر. لقد آخذنا نصوغ فلسفات مبسطة لتبرير موقفنا من عدم التدخل، بينما ذهب بعض المؤلفين إلى التخفيف من قوة بعض النصوص الإنجيلية الآمرة بإعلان الحقيقة على السطوح، لأنهم يرون في ذلك قلة ذوق وتدخلا سافرا في حرية الضمائر. إن من يدعو إلى الاكتفاء بواجب الحالة الذي يبتلع أوقاتنا ونشاطنا يتجاهل إن واجب الحالة الأولى لكل مسيحي هو ذاك الذي يمليه عليه عماده، اعني به انه مسؤول عن خلاص قريبه”،.

      هذه الأسطرهي بمثابة صرخة تطلقها الكنيسة، بفهم احد أقطابها،                      إلى جميع أبنائها لينبذوا الحياة الهادئة الرتيبة فيجندوا طاقاتهم ومواهبهم لخدمة”الكلمة”.

مسؤولية المسيحي تجاه المجتمع

     يتحتم أن يكون المسيح حاضرا في جميع مرافق الحياة. فرسالة الكنيسة، وبالتالي رسالة المسيحي، ليست سجينة المعبد: أنها رسالة تربوية، اجتماعية. ودور الكنيسة في المجتمع البشري هو أن تكون “عنصر حياته” و”دم عروقه”. أنها القلب وهو الجسم، لذا يلزم أن لا ينبض هذا القلب إلا بالحياة. وعنصر الحياة هذا لا ينتعش وينعش إلا إذا مد جذوره وازدهر وأثمر ضمن المجتمع الذي يعيش فيه كل فرد مسيحي، فالمسيحي، بحسب دعوته الخاصة، يشرك من حوله بما عنده من الحب، والحب يهتم بغيره لأنه عطاء وبذل. وهذان، أي العطاء والبذل، يبدأن بالعائلة وينتهيان بالمجتمع على اختلاف طبقاته.

العائلة، خلية المجتمع الأولى

      إن المبدأ الكشفي القائل “واجب الكشاف الأول يبدأ في البيت” ينطبق على كل رسول، إذ عليه أن يكون شاهدا وبشيرا بادئ ذي بدء في عائلته. فالعائلة هي الخلية الأولى للكنيسة والمجتمع؛ لو كانت هذه الخلية مشبعة بمائية الإنجيل ومتفتحة على قضايا الكنيسة والعالم لكانت المعركة بين الخير والشر سهلة الخوض.

     إن الزواج المسيحي سبيل قداسة ودعوة إلهية، وكل دعوة تشترط مسؤولية، ومن ذا الذي يستضعف مسؤولية الزوجين المسيحيين تجاه بعضهما وتجاه هذه الأغصان التي تنبت من جذعيهما. إن الأولاد يقراؤون علم الحياة على والدهم اثني عشر شهرا في السنة وعلى ما يرون أمامهم سيشبون ويكبرون ويبنون مستقبلهم. سوف يطبعون على الأخلاق الكريمة والتضحية وحب الواجب إذا ما كان بيتهم مسرحا للحب الحقيقي والتعاون المشترك والاحترام المتبادل.

إذا طرق الرب الباب…

     إن كان جو العائلة جوا مسيحيا، يحاول الأبوان، بحلم ومحبة وفطنة أن يوجها أولادهما إلى التقوى والاقتناع بإيمانهم، بحيث يصبح إيمانا شخصيا، فلا بد لهؤلاء لبنين أن يقتسموا، منذ فتوتهم خبزهم مع الجائع وخميرة إيمانهم مع المحتاجين في رسالة علمانية أو في حياة كهنوتية أو رهبانية. ولكن حذار من أن يقف الأهل عقبة كأداء في وجه النعمة. فالأب الذي مهد لابنه مستقبلا باسما وخصه بدراسة عالية يجب أن يفهم إن الرب أحق به منه، إذا ما دعاه. وإلام التي هيأت لابنتها عريسا “حسب ذوقها” أولى لها أن تسكت إذا طرق المسيح باب قلب ابنتها. كم من ماس تلاقيها نفوس أبية كلفت بحياة كهنوتية أو رهبانية أو “رسوليه علمانية” لتجد فيها منفذا لسخائها، ثم اخمد جذوتها حنان في غير محله أو نصائح هزيلة هبطت بها إلى مستوى الأهداف العادية!

المسيحي، خميرة في عجين العالم

    “ليس غريبا عن قلب الكنيسة، فكل ما هو بشري وأنساني يعنينا. بيننا وبين البشرية اشتراك في الطبيعة، أي في الحياة بجميع هباتها وقضاياها. إن هذه الكلمات التي خطها قداسة البابا بولس السادس في رسالته العامة الأولى هي انعكاس لروح الانجيل المنفتح على كل إنسان. والمسيحي هو ابن هذا الكون وعليه أن يشترك في بنائه بقطرات دمه وعرق جبينه متعاونا مع كل ذوي الإرادات الصالحة فعالم الثقافة وعالم الاقتصاد والصناعة عالمه تماما كما أن عالم الروح موطنه. وهكذا تخترق حرارة جديدة وقيم إنجيلية حقيقية الفكر والعائلة والمصنع، المدرسة والجامعة، الحقل والمختبر، المكتب والنادي اللعب والتسلية وسائر وسائل الراحة دروب الحياة المجتمعية.

      من البديهي إن المسيحي لن يستطيع أن يحول العالم إلى فردوس ارضي، ولكنه ينتظر منه أن يجد في جعله واديا اقل دموعا وعالما يسود العدل والمحبة والسلام حسي أمنية البابا يوحنا الثالث والعشرين الذي قال: “كل واحد مدعو لان يسهم بسخاء في الحياة الثقافية والاقتصادية والحركات والأنظمة السياسية والتشريع وأي مظهر أخر من مظاهر الحياة الاجتماعية وتطورها الدائم”.

المسيحي، أمام مشاكل العالم واحتياجاته

      إن للمسيح كلمته في كل هذه القضايا وهو لا يلفظها إلا بلسان الكنيسة، وبلسان العلمانيين من أبنائها. إن رأي المسيحي في القومية يتصف بطابع الشمول والتضامن دون التنكر للقوميات الأخرى. أما التمييز العنصري فلا وجود لهم في تعليم الانجيل، وعلى المسيحي إن يكون رسول اندماج سلمي وتآخ حقيقي إذ “ليس بعد يوناني ولا يهودي، لا ختان ولا غرلة، لا أعجمي ولا أسكوتي، لا عبد ولا حر، بل المسيح، الذي هو كل شيء وفي كل شيء” حول قول القديس بولس. لن يرى المسيحي في الحرية انفلاتا أو انطلاقا لعنان الجشع وحب السيطرة بل اختيار الأنسب لكماله وتفتحه وخدمته المجتمع دون النيل من حقوق غيره. انه ينشر السلام كمنة من الله ويعمل كل ما في طاقته ليسود البشر، ويمقت الحرب كنقمة ويجاهد قدر استطاعته لإبعاد شبحها. انه ينظر إلى أحداث العالم ومشكله ويحكم إذاك متخذا طرق معالجتها ثم يعمل لإصلاح ذات بينها وإدخال المسيح في حلولها.

       على المسيحي الرسول إن يكون متأهبا لتلبية كل نداء، لا بل إن يسبق النداء ويمد ذراعيه لمساندة الفقير، ويجود بقلبه لمأساة البائس، وبعقله لخدمة الرقي والعلم، وبصوته لإغاثة من لا صوت له يسمع، وبقلمه للدفاع عن الضعيف. عليه إن يجند جميع أساليب الإعلام لخدمة قيمه العليا فيستخدم، لنشر الحق، النشرة السنوية والفصلية، المجلة الشهرية والمصور الأسبوعي، الجريدة والكتاب، الاسطوانة والسينما، الراديو والتلفزيون، المسرح والمنبر، الندوة والفن على اختلاف أشكاله.

  *  *   *

      إن نداء الرسالة موجه إلى الجميع إلا انه يتخذ مداره حول الشبيبة بنوع اخص، حول هذه القلوب السخية العطاء، الزاخرة بالآمال والطاقات. لذا تشعبت المنظمات الرسولية العلمانية، ومعظم أعضائها شباب، تهدف كلها إلى إنزال المسيح في كل ميدان. ولكننا سنكتفي يذكر بعض منها في هذا العدد لتكون بمثابة شهب تنير الدرب تحو التضحية ومهماز يستحث الهمم للشهادة وإعلان بشرى الإنجيل:

العمل المسيحي

   “العمل المسيحي هو تجنيد وإشراك العلمانيين في الرسالة الروحية التي تقوم بها الكنيسة لنشر ملكوت السيد المسيح، وذلك خارجا عن العنعنات والتفرقات السياسية”. بهذه الكلمات الوجيزة حدد البابا بيوس الحادي عشر حركة العمل المسيحي التي منها تشعبت سائر المنظمات الرسولية الآرامية كلها إلى إشعاع فردي وجماعي لقيم الإنجيل في الأوساط العلمية والمهنية والأدبية. فحيث لا يستطيع الكهنة إن يلجوا سليج العلمانيون  ومعهم خميرة الإنجيل، وسيحملون إلى كل الطبقات الاجتماعية ونور المسيح ومحبته. وهذا الإشعاع لا يتم إلا بعد اطلاع واقعي على حاجات البيئة التي ينتمون إليها لذا أنشئت منظمة العمل المسيحي على مبدأ”معالجة البيئة بالبيئة” وجعلت طريقها في العمل على ركائز ثلاث هي النظر أو درس واقع البيئة والحكم عليه على ضوء الإنجيل ثم العمل على تحقيق ما يمكن تحقيقه. وعلى هذا المبدأ نفسه نسجت المنظمات التالية المنبثقة من روحها.

الشبيبة العاملة المسيحية J. O.C

     كان كاهن شاب من بلجيكا يتألم، منذ سني دراسته الاكليريكية، للهوة التي تفصله عن رفاق البارحة، إذ كان عاملا صغيرا، وفكر فيما عسى إن يفعله لإعادة هؤلاء العمال إلى قلب الكنيسة وانتشالهم من الماركسية التي تستهويهم. وما إن عين مسؤولا عن الحركات الاجتماعية والنقابات المسيحية في بروكسل حتى اخذ يتجول في الأحياء الفقيرة وينتظر العمال على أبواب مصانعهم ليتحدث إليهم ويتعرف إلى مشاكلهم وقبل إرساء أسس المنظمة التي حلم بجهات شرع بجمع بعض فتيات عاملات ليلقنهن أصول القراءة والكتابة ويمرنهن على الرسالة بالتحقيقات التي يجرينها في محيطهن العمالي تمهيدا لإعادته إلى حظيرة الإنجيل. هذه كانت النواة الوضيعة التي منها نشأت سنة 1925 منظمة “الشبيبة العاملة المسيحية” والكاهن الشاب، رائدها، هو جوزيف كاردين، ابن أب محام وأم خادمة، وقد رقي إلى رتبة الكاردينالية في ربيع هذا العام.

     فالشبيبة العاملة المسيحية حركة بين العمال الذين يقدرون دعوتهم المسيحية والإنسانية والشخصية والجماعية، تعمل على إيجاد حلول للمشاكل العمالية وإعادة الكرامة الإنسانية للعامل لئلا يكون عبدا للآلة والاستغلال. وهكذا تصبح عنصرا في بناء مجتمع أفضل يرتكز على العدل والحرية واللام. أنها تحمل رسالة الكنيسة لتحياها في المعمل وتعلنها بلغة العمال والكسبة عملا بتعليم بيوس الحادي عشر القائل: “إن رسل العلمانيين سيكونون من العمال”.

ولقد انتشرت المنظمة في بلدان العالم وباتت الكنيسة تلمس الخير الذي ينتج عنها.

الشبيبة الطالبة المسيحية J. E.C

     ولم تمر سنتان على الشبيبة العاملة وإذا بالشبيبة الطالبة تنطلق عام 1927 نحو المحيط الطلابي بعين الأسلوب وعين الأهداف. وهذه المنظمة هي حركة مختصة من العمل المسيحي تهدف إلى خلق شباب يعون مسؤولياتهم الرسولية في الكنيسة ليحملوا إلى إخوانهم الطلاب نور الإنجيل. وهذه الحركة لا تنتزع الشبيبة من محيطها، إنما تخلق فيها  وعيا بضرورة التعرف على مقومات المحيط في واقعه بما فيه من عقليات ومشاكل وحاجات، فتدفعها إلى استغلال القيم الإنسانية فيه لتجعل منها من ثم قيما مسيحية، وهكذا تعمل على تطوير البيئة وتحريرها من قيودها فتساهم في بناء ملكوت الله.

    إن المنظمة كما يحددها الدليل:” هي جماعة من الشباب من بيئة واحدة وقد وعوا مسؤولياتهم ورضوا برسالتهم وتبنوها. هم شباب يربطهم حب واحد وصداقة واحدة للمسيح، أرادوا إن يشتركوا معا في تهيئة نفوسهم بالصلاة والخدمة والجهاد”. فهي تدعو إذا الطلاب الذين تجد فيهم استعدادا لتلبية نداء المسيح في إن يكونوا رسلا له في محيطهم

      فتخرجهم من جو اللامبالاة وتنمي فيهم روح المسؤولية وتخلق منهم طلابا يعيشون ايمانهم كاملا فيكونون لإخوانهم نورا يضيء وملحا يصلح وخميرة تخمر العجنة، وهكذا تساعد على تغلغل الإنجيل في المحيط الطلابي وتمهد الطريق لدخول المسيح فيه.

    وتتبنى الشبيبة الطالبة أسلوب: انظر، احكم، اعمل. وتحاول إن تحقق أهدافها بواسطة منهج العمل ومراجعة الحياة والتأمل في الإنجيل. ففي كل اجتماع يحاول المجاهدون في المنظمة إن ينكبوا على دراسة لمشكلة من مشاكل الحياة فيسلطون عليها نور الإنجيل ويستخلصون منها مقاصد العمل. وفي مراجعة الحياة يستقون أحداثا من صميم الواقع الذي يعيشونه فيحاولون إن يكتشفوا على ضوء الإنجيل قيمة الأحداث ليتسنى لهم إن يتخذوا منها موقفا مسيحيا. وفي التأمل بالإنجيل يحاولون إن يعكسوا تعاليم المسيح على حياتهم الشخصية وحياة زملائهم.

الشبيبة المزارعة المسيحية J.A.C

    حينما اجتمع العمال في منظمة توجه طاقاتهم الرسولية نحو المحيط العمالي، وحين انشأ الطلبة حركة يجدون فيها منفذا لغيرتهم الرسولية في المحيط الطلابي. كان لابد للشبيبة المزارعة والفلاحية إن تحذو خذوهم وتتكاتف معهم في أفق الفلاحة والزراعة لجعل المسيح محور حياتها اليومية. وهكذا تأسست “منظمة الشبيبة المزارعة المسيحية” سنة 1929 لإعادة جذوة الإيمان وحب المهنة إلى الشباب الفلاحين ومكافحة النزوح إلى المدن.

    “فالشبيبة المزارعة” حركة رسولية تتجه إلى جميع المزارعين من كلا الجنسين، وغايتها تكوين مزارعين مستعدين إن يفهموا ويعيشوا إيمانهم المسيحي وسط المشاكل اليومية، المؤقتة أو المزمنة، في حياتهم الفلاحية، لاشك إن إمكانيات الطلبة أغزر واطلاعهم على احتياجات الكنيسة أوسع إلا إن إخوتهم المزارعين ليسوا اقل متهم سخاء إذا ما اقتنعوا بمسؤولياتهم المسيحية ؛ فهم الرسل الأصليون لزملائهم وهم  وحدهم يتقنون اللغة التي يجب إن تعبر خلالها مبادئ الإنجيل إلى رفاق الحقل والحراثة والحصاد.

    إن هذه الحركة الفلاحية ليست رسولية دينية فحسب، بل تهتم أيضا بثقافة أعضائها المهنية والإنسانية وتمل لزيادة معلوماتهم في سائر المجالات الحياتية وتطوير سبل مهنتهم متخذة الوسائل الفعالة لتستجيب إلى مختلف ميول المزارعين، وهكذا نشأت في حضتها سنة 1962 ثلاثة فروع أخرى تلاؤم اختصاص المنتمين وهي فرع الشبيبة المسيحية لمنتسبي المهن الزراعية وفرع الشبيبة المسيحية للمهن اليدوية والمصالح الصغرى وفرع الشبيبة المسيحية المزارعة للمهن الصناعية.

الليجيو ماريه (الأخوية المريمية)

    حركة رسولية أخرى نبتت في تربة ارلندا سنة 1921 عندما أحاطت نخبة من الشباب بتمثال العذراء وسيطة جميع النعم إحاطة الهالة بالقمر، مستلهمة السماء عما يمكنها فعله لنشر ملك المسيح وإيصال إشعاعه إلى كل حي ومنزل. ومنذ ذلك الحين نشأت بين مريم ومنظماتها رباطات الأمومة وتراصت الصفوف حول “موزعة النعم” وكأنها جيش روحي جرار كلمة سره “مريم والرسالة” وشعاره العمل الحثيث لربح الجموع للمسيح بواسطة أمه القديرة.

    إن اللجيو ماريه منظمة علمانية غايتها وبنيانها روحي محض وهي تدعم القوى الأخرى العاملة في الكنيسة لجعل الإنجيل دستورا لحياة المسيحيين وجعل الإيمان الكنز المتوارث اقتناعا شخصيا مكتسبا، تنعكس أضواءه على الحياة اليومية والعلاقات والتفكير. فالإشعاع المسيحي لا يتم إلا بنسبة هؤلاء “العلمانيين الفضلاء المستنيرين ألثابتي العزم ذوي الإقدام والجرأة الرسولية الحية”. حسب قول البابا بيوس العاشر.

    تمتاز اللجيو ماريه بدقة تنظيمها ومناهج أعمالها الرسولية وتوجب على كل أعضائها، كفريضة جوهرية رئيسية، إن يقوموا كل أسبوع بعمل رسولي نشيط ويؤدوا عنه حسابا في اجتماعهم الأسبوعي. والمشاريع الروحية التي تتبناها الفرق المريمية تختلف باختلاف البيئات فهناك فرقة تعمل في الإنعاش الروحي لمنطقة معينة واخرى تختص بزيارة المرضى والفقراء. هذه تتفانى في سبيل إدخال التعزية والثقة إلى قلوب السجناء وتلك تجاهد لانتشال المغرورين من الحانات والمواخير الليلية، وتلقي بذور الصلاح بنشر الكتب الصالحة، أنها كلها تسعى لرفع المستوى الروحي إلى صعيد من الكمال اسمي وتهدف إثارة الاهتمام الجدي بالمواضيع الدينية، جاهدة إن تحقق الأمنية التي تطلقها حناجر أعضائها كل يوم:” امنحنا يا رب إيمانا جريئا يدفعنا إلى إن نباشر ونحقق بلا تردد أعمالا جليلة لأجل الله وخلاص النفوس”. وينتمي إلى المنظمة المريمية في مختلف أنحاء العالم أكثر من عشرين مليونا.

لجان التعليم المسيحي

    بجانب هذه المنظمات المتجهة صوب الشباب نمت حركات أخرى للاهتمام الديني بالأحداث والفتيان نذكر منها لجان التعليم المسيحي التي نشهد منها في بعض مدننا العربية كبغداد وحلب والموصل وبيروت. إن أعضاء هذه اللجان شباب وفتيات متطوعين يسترقون من أوقات راحتهم وعطلهم الأسبوعية أو الصيفية لتلقين أصول الدين المسيحي للأولاد الذين لم يحظوا بتعليم ديني في مدارسهم وإعدادهم للمناولة الأولى.

    أنها لرسالة جليلة تشيد الأسس لمسيحية واعية. وتتضاعف ضرورتها في بلاد الرسالات حيث الكهنة لا يستطيعون ذلك والمسافات شاسعة.

فرق السيدة للعيال المسيحية FOYERS  N. D.

    تجاه خطر الانكماش وصعوبات الحياة وتجاه التفسخ الذي ينخر في المجتمع نخرا اتحدت بضع  عشرات من العيال منذ سنة 1947، تحت  راية مريم شفيعة كل العوائل  في فرق منظمة كي تعمل متكاتفة لتحيا إيمانها المسيحي.

تتكون كل فرقة من 4 إلى 6 عوائل تختار إحداها كمسؤولة عن الفرقة كلها. وقبل إن تدخل العائلة في صلب الفرق تقضي سنة تمهيدية قبل إبراز وعدها. أما عدد العيال المنتمية إلى هذه الفرق سنة 1965 فهو 12…عائلة منتشرة في 32 بلدا ويديرها مجلس رئاسة مكون من كهنة مرشدين وعوائل. ومن أهم واجبات العوائل المنتمية إلى الفرق القيام برياضة روحية سنوية وتلاوة صلاة مشتركة في العائلة وذلك علاوة على حضور الاجتماع الشهري الذي يستهل عادة بغداء مشترك في إحدى العوائل. وبعد الغداء يتلو المجتمعون صلاة مستقاة أو مستوحاة من المزامير والليتورجيا  على نيات الكنيسة وعلى نياتهم الخاصة  ثم يجلسون لتبادل الآراء على ضوء حياتهم العائلية ومتطلبات إيمانهم المسيحي أو التعمق في روحية الأسرة. ويتطرقون في السنين الثلاث الأولى إلى المواضيع التالية: الزواج المسيحي وهبة الحياة وسبل الاتحاد مع الله. وهكذا تجد العائلة  المسيحية الأبعاد الخلقية بدعوتها السامية وتحقق رسالتها كمركز حرارة واشعاع لمبادئ الإنجيل.

أمنيتنا

    أمنيتنا هي إن نرى مثل هذه الحركات الرسولية وغيرها تنتشر في أوساطنا المسيحية الشرقية. وليسمح لنا إن نوجه إلى شبابنا النداء الذي قاله البابا بيوس الثاني عشر لإحدى فرق الشبيبة: “ولكي تستطيعوا القيام بهذه المهمة – مهمة بث روح المسيح في ميادين الحياة – كونوا انتم أنفسكم متشبعين بهذه الروح وعائشين من مائية حياة يسوع بتقدمكم المتواتر من الأسرار وملازمتكم الصلاة. كونوا راسخين في عقيدتكم وطائعين لكل من أقامه الروح القدس على رعاية كنيسة الله.

    وهكذا تصبحون وسط شبيبة بلادكم هذه الخميرة التي تخمر العجنة كلها باختلاطها الكامل معها.

                                         الأب جرجس القس موسى

صراع مع النعمة

صراع مع النعمة

جوريس كارل ويسمانس

                              (1848 – 1907)

        في صباح 28 أيار 1891 دخل كنيسة مار توما الاكويني، في باريس، رجل طويل القامة، عريض الكتفين، غريب الأطوار، مقطب الجبين وبادر الكاهن قائلا له مع قليل من الدهاء: “جئت أسالك” بياضا “لابيض به نفسي، فهل لك أن تجيب طلبي؟”

       نظر الكاهن إلى هذا العملاق الذي تبدت ملامح الكهولة على وجهه وقرا على محياه قلقا باطنيا عميقا دفعه إلى اتخاذ هذه الخطوة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على رغبة ملحة في الإيمان.

السنون الأولى

    من هو هذا الرجل الذي أتى ملتمسا عطف الكاهن في مثل هذه الساعة المبكرة، بعد القداس الإلهي؟

–         انه جوريس كارل ويسمانس.

       ولد في باريس في 5 شباط 1848 من أب فنان، هولندي المنشا والجنسية، اسمه كودفروا ويسمانس كان قد نزح إلى عاصمة الفن والجمال ليلتحق بزوجته الفرنسية مالفينا بادين، حفيدة فنان بارع آخر نال جائزة روما للنحت. فلا عجب، والحالة هذه، وان ورث الصبي من والديه محبة الجمال بكل مظاهره وألقى بنفسه المرهفة بين أحضان الفن.

     ولقد ورث جوريس من والده شيئا آخر لازمه طيلة حياته، هو التشاؤم. وكان قد بلغ هذا التشاؤم حدا كبيرا عند كودفروا بحيث اعل صحته واقعدة عن العمل، فسبب ذلك متاعب جديدة للعائلة إذ أمست بلا معيل، ونشبت بين الزوجين التعيسين سلسلة من المشاجرات انتهت بموت كودفروا.

     كان لذلك الموت المبكر الذي طوى رجلا عاش يائسا ومات يائسا، أسوأ الوقع على قلب فتى أمسى بين عشية وضحاها فريسة أهواء أم قاسية، ومما زاد في الطين بلة هو زواج ثان عقدته الارملة المتعطشة إلى الحنان، بعد بضعة أشهر فقط من وفاة زوجها الأول، فكظم الصبي ألمه وعاش منكمشا على ذاته مبتعدا عن صخب اقرأنه في المدرسة.

      بعد الدراسة الابتدائية دخل جوريس معهد لويس الكبير ليتلقى علومه الإعدادية هناك. وعلى أمل الشهادة التي ستمكنه من خوض معركة الحياة   انكب على كتبه يلتهمها بنهم وهمه الوحيد أن ينال قصب السبق بين أقرانه. ولقد تفوق عليهم، لا في ترؤسه الصلوات حسب، بل في دروسه كلها أيضا وخاصة الشعر، فكان يحفظ على ظهر قلبه عشرات القصائد ويتلوها بحماس أمام أساتذته الأمر الذي جلب عليه نقمة بعض الطلبة واستهزاء البعض الآخر، كيف لا وهم يرون أنفسهم لوطا منزلة من هذا اليتيم المعدم الذي لم يتسن له أن يلبس بدلة جديدة، بل كان يرتدي ثياب أخواله التي هجروها، ولا أحذية سوى المرقعة.

     بعد ذلك الجهد تزود الطالب الذكي بشهادة البكلوريا وبدء حياته العملية في إحدى دوائر وزارة الداخلية الفرنسية. ولكن سرعان ما ناداه العلم المثلث الألوان في تموز 187.، فانضم إلى قوات بلاده في الحرب الألمانية – الفرنسية.

 أديب وفنان

     غادر جوريس ويسمانس ساحة الحرب بعد أن ترك تقهقر جيشه جرحا بليغا في جبين عزته الوطنية، وانصرف إلى الفن مقتفيا خطوات أبيه وجده في هذا المضمار، فكان يتنقل من متحف إلى متحف ليبحث عن نماذجه، وكانت لوحته الرمزية تعكس أسلوبه الأدبي الزاخر بالألوان الشعرية الجريئة.

      إن من قراء كتب ويسمانس، وخاصة الأولى منها، لا يسعه إلا أن يتذكر اميل زولا الكاتب الماجن، الذي ذهب في تصويره دقائق الأشياء إلى أقصى حدود الواقعية العارية من كل ظلال، لا جرم في ذلك  فان ويسمانس تلميذ لزولا، وفضلا عن ذلك فان قلبا سريع التأثر كقلب ويسمانس كان المأوى الأمثل لرومانطيقية القرن التاسع عشر.

يقظة الضمير

      ولكن ويسمانس مل هذه الواقعية السافرة واستيقظ من أحلامه الخيالية، فوجد نفسه جريحا يتخبط في حماة الأهواء وقد سقط في مزالق اللحم والدم، فهتف من عمق ليلة الدامس في الكتاب الذي نشره سنة 1884 بعنوان “رأسا على عقب”: “يا رب ارحم مسيحيا يتردد في إيمانه، ارحم جاحدا يروم العودة إلى الإيمان، ارحم محكوما عليه بالإشغال الشاقة يبحر وحيدا في دجنة ليلة حالكة، تحت سماء كالحة، انطفأت عنها منارات الرجاء. “ومن ذلك اليوم هجر مدرسة زولا” لان لم يعد يطيق السير في الدرب الملطخ بأبشع أنواع الأهواء البشرية التي يرتشفها روادها بطمأنينة، لا يبكتهم ضمير ولا يردعهم رادع”.

     في هذا الكتاب الذي كان دليلا واضحا على يقظة ضمير الرجل، ينجلي لنا يأسه من الحياة التي خدعته وهوت به إلى حضيض المادة “فألقى نفسه ظمآن إلى اللامحدود في مجتمع لم يعد يؤمن إلا بالمحدود” حسب قول صديقه باربي دورقيلي الذي وصف كتاب ويسمانس “رأسا على عقب” “بحقل محصور لم يبق فيه إلا جذور الصليب”.

     إن هذه الجذور نبت”.أورقت عندما وجدت مياه النعمة إليها مسلكا، تماما كما تمتد أغصان الكرمة يانعة متمايلة بعد أن ينقضي نصف عمرها وكأنها عيدان مبعثرة لا خير فيها يرتجى.

    “يائس يجهل ذاته”. أنها الكلمة الوحيدة التي تنطبق على واقع ويسمانس آنذاك، فقد كان بالحقيقة يجهل نفسه ويجهل أين بلغ به طريق الحياة لان البصيص الذي اكتحلت به عيناه لم يدعه يرى سوى الأوحال التي اكتنفته منة كل جانب.

إن النار الخامدة ما أن تلفحها أنفاس لهواء حتى يشعر أوارها، ما حدث ليسمانس، فانه بعد أن خمدت جذوة إيمانه سنسن طويلة استيقظت نفسه ظمأة إلى الحياة وبهرتها أنوار المسيحية” لأنه تعشق جوها المعبق بالبخور وأخذت حبات فؤاده بمزاميرها وترانيمها.

     ولكن الكنيسة وان استهوته، إلا أنها أرعدت فرائصه أيضا في آن واحد: استهوته لأنه رأى فيها الدواء الوحيد لإسقامه والملجأ الحصين لهمومه والمعقل الآمن ضد هجمات العدو. ولكنه هابها من اجل الصراع الذي تتطلبه من قلب أن يستقر بين أحضانها، لان ويسمانس لم يكن ليرضى بالحلول الوسط. انه يتوق إلى الإيمان بيد أن هذا الإيمان يدعوه إلى إجراء تغيرات جذرية في حياته، فقد قال في كتابه “على الدرب” الذي ضمه قصة اهتدائه: “لو أمنت واعتنقت الكثلكة لا يمكنني أن ارضي بإيمان فاتر وسطحي لا تدفئه سوى أنفاس غير زائفة. إن الحلول الوسط والمهادنات لا تروق لي ويا لتعسي لو اسمررت انتقل من المجون إلى التناول ومن فترات دعارة إلى لحظات تقوى، اجل على أما أن اقلب حياتي رأسا على عقب أو ابقي لا أحرك ساكنا”.

متهتك تائب يتعشق الليتورجيا

     في مساء ذات يوم   بعد نهار قضاه ويسمانس بالتسكع في الشوارع لقتل الوقت وإبعاد الكرب عن نفسه المتعبة، دخل منهوك القوى إلى كنيسة سان لويس الشهيرة لينال قسطا من الراحة ويصلي بصمت، بعيدا عن ضوضاء باريس ومغرياتها، فجلس في زاوية معتمة ينصت إلى مزمور المساء “من الأعماق صرخت إليك يا رب” فإذا به يسمع نفسه تئن مع ذلك “اللحن البطيء الذي تتناوبه أصوات تحت قباب المعبد الشاحب”.

     في غضون سنة 1892 كان دورتال وهو الاسم الذي انتحله لنفسه في كتابه “على الدرب” يرتاد عددا كبيرا من كنائس باريس ويقضي فيها ساعات طويلة واجما يصلي ويشترك من بعيد في الحفلات الطقسية فيتذوق عذوبة الليتورجيا التي يشبهها “بعكاز سحري تتوكأ عليه نفسه”. إننا لا نعجب من ذلك فان شخصا أولع بالفن كويسمانس لا يمكنه أن يمر أمام الهياكل التي تتحدى الأجيال، دون أن يعير اهتماما لما تحويه بين ثناياها من ضروب النحت والتصوير والهندسة، ولابد لنفسه المتعطشة إلى غذاء روحي دسم أن تقتات من”موائد الليتورجيا”.

     وقد خص ويسمانس إحدى هذه المعابد بمحبته وهو معبد الراهبات البندكتيات في شارع “مسيو” حيث شعر لأول مرة بشوق إلى التناول عندما رأى أمامه صفوف الراهبات يتقدمن ويتقبلن خبز الحياة، فقال في نفسه:” لو أكلت أنا أيضا من هذا الخبز لعدت إلى الحياة!”.

صراع هائل

    تحولت حياة ويسمانس إلى صراع مستميت بين النعمة والشيطان، بين قوى الخير والشر. انه يكافح بلا هوادة” ليهدم حصن الخطيئة” الذي يقف عقبة كأداء في مسيرته نحو المسيح ولكن أني للمسكين أن يخرج بمجرد رغبات ومقاصد من الديجور الذي يتخبط في ظلماته منذ صباه. عليه أن يجابه العدو بقبضة المصارع ويتدرع بإرادة فولاذية لئلا يباغته المارد من حيث لا يدري.

    في العراك الهائل كم من مرة هوى ويسمانس إلى الحضيض مثخنا بجراحات دامية، لان أهواءه العارمة كانت تراوده في كل مكان وتعيد إليه لذة لياليه الفاجرة، فتقوده قدماه، من دون مقاومة، إلى بيوت النساء اللواتي  لعبن بقلبه وعبثن بحياته، ولكن سرعان ما تتخمه كاس إغرائهن فيعود أدراجه تنتابه سهام الندم إلى أن يأتيه النعاس فتتقاذفه الأحلام مرعبة… ويستيقظ الرجل الحائر ليقضي من جديد بضع ساعات في الكنائس يناجي ربه بقلب منكسر ويسترحمه على حياته الخاطئة ساردا وقائع ليله السابق أمام ساكن القربان ليقبل توبته ويدفئه بنظرة من حبه. إلا انه ما أن يودع الكنيسة حتى تتبخر مقاصده كما صرح هو نفسه: “إني اضطرم حماسا في الكنيسة ولكن عزيمتي تفتر حين خروجي إلى رواقها لتتجمد عند مغادرتي إياها”.

    كانت عوامل اليأس والرجاء تتناوب ويسمانس في تلك الفترة المضطربة من حيته، فينتقل من الكنيسة إلى الأرصفة ومن خلوة المعابد إلى صخب العاصمة اللاهية   يهيم على وجهه في شوارعها الطويلة مدة ساعات، ولكنه كان من وقت إلى آخر، يلقي نظرة حنان وثقة بنوية على مريم أم الرحمة وملجأ التائبين فيدعوها بعينين دامعتين: “يا من لم تقومي بمعجزة واحدة في حياتك الأرضية، ما أغزر عجائبك اليوم. أنت ضياء الصلاح الذي لا تدركه الظلمة، أنت ملجأ لمنكسري القلب، يا مريم أم الرحمة والشفقة”.

خطوة جريئة

     إن العذراء لا تخيب أمل قاصديها ولم يسمع قط أنها نبذت من التجأ إليها، لذا أصبحت لحياة ويسمانس نجمة هادية وإما ساهرة تقود خطواته المتعثرة، فألهمته أن يتجه إلى كاهن يرشده وينير دربه الوعر هو الأب مونييه P.Mugnier، والأب مونييه كاهن فاضل ذو حياة روحية عميقة “ووجه متزهد ونفس اقرب إلى السماء منها إلى الأرض” حسبما تخيله ويسمانس في اللقاء الأول.

    بعد مدة طويلة عن لويسمانس أن يعود إلى صديقه الكاهن، فسار بخطى بطيئة قاصدا منزلة وهو يتساءل في ذهنه عما سيقول له الرجل تجاه ما تراكم على ضميره، هو المتحرر الطليق الذي لم يلجم عنان حواسه وثورة جسده الملتهب. أيخضع لأفكار شخص لا يعرف منه سوى عينين صارمتين وابتسامة داهية تسبر عمق كيانه؟ توقف الكهل المارد ورفع قبضته ليطرق بابا عتيقا نبت على جوانحه الطحلب، ولكن دقات قاله تسارعت ولم تطاوعه يده فعاد القهقرى كالفارس المغلوب.

    على إن النعمة لم تتركه ينزلق مرة أخرى في ظلماته الحالكة، فخيل له إن عيني الكاهن تحدجانه وقرا فيهما التأنيب تارة والرقة والحنان طورا. وبعد صراع داخلي مرير كانت الكلمة الأخيرة لعنصر الخير الكامن في هذه الإرادة التي زعزعت كيانها هجمات العدو المتكررة. وعاد أدراجه وقد أعياه التعب. وبينما هو في الطريق تزاحمت عليه الأفكار ثانية واخذ يحوك الحجج تلو الحجج لتبرير عودته إلى الكاهن بعد هجر طال أمده.

    وتوقف فجأة أمام منزل الكاهن وأقصى عنه مخاوفه وقال في نفسه: “علي أن أكون صريحا، فذلك أولى. سأقول له دون تردد: “هوذا سبب مجيئي: إني أتيتك مسترشدا، إلا إني لست عازما على إتباع إرشاداتك. إني بحاجة ماسة إلى التحدث إلى غيري وإطلاق العنان لنفسي، ولذا استحلفك أن تتصدق علي بساعة من وقتك”    عندئذ قرع الباب قرعات خفيفة وكأني به لا يريد إشعار الأب مونييه لئلا تلتقي عيناه بعيني الكاهن الفاحصتين، وبلمح البصر ظهر شبح الشيخ الوقور على الباب واستقبل التائب ببشاشة ولطف. وبعد الاستماع إليه طويلا ناوله رزمة من الكنب الروحية كغذاء لنفسه الظمأى وأشار عليه بمعالجة أسقامه وتصوراته الشائنة بالصلاة كل صباح وكل مساء وأوعز إليه أن لا يكف عن التردد إلى الكنائس، وخص بالذكر منها مزار سيدو الانتصارات الواقع في قلب الحي التجاري، لان هذه الكنيسة تعج بالمصلين فور فتح أبوابها وتظل غاصة بالمؤمنين إلى حين إغلاقها. ومثل هذا الجو، حيث مشعل الإيمان لا ينطفئ ودموع الشموع لا تنفك تسيل مع عبرات الخطاة الباكين على آثامهم، لا بد له من أن يلين في صلاة خاشعة أكثر القلوب صلابة.

     وقبل أن يودع الكاهن زائره القلق، وعده بان يطلب من اجله صلوات راهبات محصنات كي يساعدنه على حمل صليبه الثقيل وغادر ويسمانس الدار وهو يردد في ذهنه كلمات الكاهن الأخيرة التي قالها وهو يوصد الباب قبل أن يعود إلى خلوته: “اذهب بسلام وقلل من عدد خطاياك”.

إلى دار الاستراحة

     تكررت زيارات ويسمانس للكاهن الذي اخذ نفسه بحكمة ودراية، وقد تم التجاوب بينهما. وبعد مدة طويلة رأى الأب مونييه إن الوقت قد حان ليرسل ويسمانس إلى مصح روحي ليرحض في نفسه الملوثة ويلبس ثوب البرارة خلعه منذ أمد بعيد، فكتب إلى رئيس دير سيدة اتري للرهبان السكوتيين يطلب إليه السماح لويسمانس في قضاء رياضة تستغرق أسبوعا في ديره. والمعروف إن أديرة السكوتيين تخصص جناحا كاملا للمرتاضين كهنة كانوا أم علمانيين.

    وفي انتظار الجواب، اخذ ويسمانس يتذرع بحجج واهية لدعم موقفه السلبي من عرض الأب مونييه: “إني لا استطيع مطلقا أن أعيش في الدير حيث لا ياكل ساكنوه إلا بقولا مطبوخة بالزيت أو بالحليب”. ثم أثار المجرب في مخيلته شبح الدخان الذي قد لا يسمح له أن يصعده في فضاء الدير. وارتعدت فرائصه بغتة حين تصور ذاته جاثيا أمام الكاهن ليعترف بخطاياه، لأنه لم يشك قط في أن نية الأب في إرساله إلى الدير هي أن يعترف ويتناول. أن يرى الحماة التي هو فيها غائص، فكيف يمكنه أن يقدم على هذه الخطوة، أيتقدم من سر المحبة والطهارة وهو الذي لم يترك مستنقعا إلا وألقى بنفسه فيه؟

    بيد أن الأب الوقور كان يشجع التائب ويقدم له امثولات عن رحمة الله ومحبة المسيح للخطاة التائبين فسرد له قصة المجدلية الخاطئة وقصة بطرس هامة الرسل ودعاه إلى الاعتصام بالله الذي هو احن الآباء وارحمهم وقال له بأنه هو نفسه يشعر بوهنه وعدم استحقاقه عند ارتقاء المذبح كل صباح ليقدم الحمل الطاهر محرقة إلى أبيه السماوي. وأشهر ويسمانس آخر سهم في جعبته، فبادر الأب قائلا بأنه لا يملك ذرة من حب الله فكيف له أن يختلي في دير لا هم لساكنيه سوى حب الله. فأجابه الأب بهدوء ورقة: “ولكنك أنت أيضا تملك هذا الحب بمجرد رغبتك في اقتنائه واسفك على أن لم تمتلكه بعد. انك تحب الرب لكونك تريد أن تحبه”.

     وجاء جواب رئيس الدير مرحبا بالمرتاض. فحزم ويسمانس حقائبه وتزود بعشرات الكتب الروحية والتصوفية   ثم توجه إلى خزانة الثياب ليختار له منها ما يكفي سفر سنة كاملة! ووضع في جيوب سراويله وبطانة ثيابه علبا من السكر والحلويات المتنوعة والسكاير وأعواد الثقاب وأشياء أخرى كثيرة، وأخفى الكل تحت رزم من الأوراق خوفا من أن تفتش حقائبه لدى دخوله الدير.

     واقبل المساء الأخير. وقبل أن يغلب النعاس أجفانه ركع ويسمانس أمام سريره وتمتم صلاة حارة أخرجها من أعماق فؤاده وقال مخاطبا المسيح: “إن نفسي ارض صلدة ومستنقع نتن. أنها لم تتعشق حتى الآن سوى الفساد، وقد أرغمت جسدي التعس على دفع الجزية لقاء متعها الموبوءة وأفراحها المحرمة. إن قيمتها الضئيلة حقا، لا بل ليس لها قيمة تذكر. ولكنك يا رب، إن ساعدتني هناك – في الدير – فانا موقن باني سأذللها، أما إذا كان جسدي عليلا، فلا يسعني أن أرغمه على طاعني! لأنك يارب إن لم تعضدني أنت فانا اعزل، انظر إلى ضعفي يارب… فاني إن كنت لا املك حبا خليقا بك فاني أقدم لك هذا الضعف، لأني عالم بأنه البرهان الوحيد الذي استطيع أن أقدمه لك دليلا على رغبتي وإيماني ورجائي فيك… فاعضدني إذا يارب!”.

    وفي اليوم التالي –وكان ذلك في تموز 1892- ركب ويسمانس القطار باكرا جدا وما هي إلا سويعات حتى وجد نفسه أمام باب الدير فقرعه، بعد أن تردد، بيد مرتجفة وانتظر هنيهة ظنها دهرا، وإذا بوقع أقدام تقترب من الداخل ببطء وانفرجت زاوية صغيرة من الباب، فرحب بالمرتاض الجديد وجه باش، أضفت اللحية الكثيفة على تجاعيده هيبة ووقارا. فتبعه ويسمانس في تلك الأروقة الطويلة بصمت وهو يكاد لا يصدق بأنه في دير السكوتيين بالذات. وقاده الأب إلى الغرفة التي أعدت له وهي عبارة عن قلاية حقيرة ذات سقف عال على هيئة “فوهة مدفع” حسب تعبيره، يتوسطها باب واطئ وكوة تسمح لخط من نور الشمس أن يضيء منضدة متواضعة القيت  عليها لائحة مغبرة وقد كتب عليها منهاج أيام الرياضة.

     ولما أتى المساء خرج ويسمانس إلى إحدى شرفات الدير ليطلع إلى القمر المتهادي فوق رأسه، فشعر بسلام عميق يغمر كيانه كله، فخال نفسه في “دار استراحة” روحية  وفي “ارض مقدسة”. إن كل ما في هذه “الواحة” يدعوه إلى التفكير بالله والتأمل بجماله الذي ينعكس في النجوم المتألقة وصداح الطيور الليلية المتعششه على ذرى الأشجار الباسقة، وفي هذا الصليب الضخم الذي يتموج ظله في البركة الهادئة. انه يرتفع عاليا ليضم إليه الدير وساكنيه بذراعيه المفتوحتين.

     وبعد ساعة عاد إلى غرفته وألقى بنفسه على مركعة وفاضت دموع الندم والحب من مآقيه، سكبها أمام المصلوب وهو يقول له بصوت خافت متقطع: “أيها الأب، إني قد طردت أعداء نفسي الذين كانوا يشبهون صغار الخنازير بضراوتهم فوطئوني بأرجلهم ولطخوني بأوساخهم. ألطف بي يارب، لأني عائد من بعيد، ارحم يارب شريدا يلتمس مأوى! إني دخلت بيتك فلا تطردني بل أحسن وفادتي واغسلني!”.

أنا اعترف…

     وأخيرا اقبل يوم الاعتراف المرهوب فاخذ ويسمانس كتابا صغيرا ليتعلم فيه كيف يعترف. وانتصبت أمام مخيلته وقائع حياته الماضية بماسيها، بأهوالها وأوحالها، واستعاد شريط شبابه التعيس وكهولته النتنة وكاد يغمى عليه من شدة الهول.

    كيف يقص كل هذا على الكاهن؟

   أو يمكنه أن يسرد حوادث حياته الأثيمة على رجل غريب؟

    وبكى المسكين وقال بصوت تخنقه العبرات: “يأرب، يارب، إن جرائمي لكثيرة حقا!”

    وعاد ثانية ليفكر فيما تراكم على ضميره منذ اعترافه الأول، وهالته الهوة التي سقط فيها، فجف ريقه وسال عرقه مدرارا. ونظر إلى ساعته فعلم انه لم يبقى سوى خمس دقائق لموعد مجيء الأب المعرف، فتوجه إلى الغرفة المعينة وهو يترنح ذات اليمين وذات اليسار وكأنه ثمل، وألقى بنفسه على كرسي ثم استقام فجأة كبهيمة طريدة اكتشف مخبأها وساورته تجربة الهرب ففكر في حزم أمتعته والوثوب إلى القطار. وبينما هو على هذه الحال، دخل عليه رجل حليق ترتسم الرزانة على خطوط وجهه المتزهد، وتمنى ويسمانس لو وافته المنية قبل أن يبوح بشيء له. ولكنه بالرغم من تخوفه جثا إزاءه، إلا انه ظل صامتا لا ينبس ببنت شفة.  وأخيرا حل عشيء،سانه فقال متلعثما: “إني ارتكبت كل القبائح… قد فعلت كل شيء، كل شيء!”. وانفجرت عيناه بالدموع وصمت.

ولما رأى الكاهن ذلك، أشفق على التائب المسكين وقال له:

“إن نفسك تعبة الآن ولا أود إعياءها أكثر. اذهب وعد غدا”.

وعاد ويسمانس في اليوم التالي.

    وشرع يسرد خطاياه للكاهن مبتدئا بالصغيرة كالنميمة والدينونة الباطلة والكذب والغضب. واستطرد يقول بنبرة آسفة تنم عن ندامة حقيقية بأنه ترك كل ممارسة وهجر الكنيسة وجحد الإيمان بالله منذ تناوله الأول. ثم توقف بغتة كمن يريد تجنب صفعة لأنه، بعد أن انتهى من الجهر بخطاياه العادية، انتصبت أمامه خطايا الجسد. وكانت الدموع أقوى منه فانهارت أعصابه ثانية وسكت. فهرع الكاهن إلى نجدته وساعده على متابعة قصة حياته.

     وبعد ساعة صمت على ويسمانس، شرع المعرف يرشده قائلا: “انك كنت مريضا، وكانت علتك من الأزمات بحيث وجب أن يقال عن نفسك ما قالته مرتا لعازر: “انه قد انتن”. ولكن المسيح قد اقامك الآن بعد أن دفنت حياتك السالفة”. وواصل الأب كلامه محرضا إياه إلى الاستمرار في الحرب ضد حواسه، لأنه ما زال في دور النقاهة ولم يشف بعد تماما. وحين خرج ويسمانس من منبر الاعتراف أحس براحة لم يشعر بها قط من قبل، وقضى ما تبقى من نهاره في الاستعداد للتناول وملاقاة فاديه، بعد غياب طويل في سر الاوخارستيا، سر المحبة والاتحاد، سر الغفران والرحمة.

العودة إلى العالم

    سرت قوة الاوخارستيا في عروق ويسمانس، وأولته إرادة فولاذية وسط عواصف التجربة ولم يعد النكوص أو التراجع ممكنا لان الرب نفسه اخذ قيادة سفينته: “وكان هدوء عظيم”. وبعد انقضاء الرياضة، عانق ويسمانس الأب المضيف وغادر الحصن عائدا إلى العالم وقد خلع إنسانه العتيق واخذ يعيش في ذكريات الدير.  وظلت كلمات الأب الرئيس الأخيرة عالقة في ذهنه، في مكتبة ومع أصدقاءه الأدباء والفنانين: “إن العالم ر يعتقد بان تقشفات الأديرة تفيده شيئا لأنه يجهل نمام الجهل عقيدة التعويض السري. ولا يمكنه أن يتصور بان تضحية البريء عن مجرم يستحق العقاب، هي أمر ضروري؛ فأنى له أن يفهم الرهبان الذين يتألمون من اجل غيرهم يوقفون غضب السماء ويقيمون ميثاقا ضد اتحاد قوى الشر. ما أعظم الويلات التي تهدد العالم اللاهي لو تلاشى هذا التوازن باختفاء مفاجئ لجميع الأديرة”.

     وبين أعماله الأدبية وفي الكنائس، حيث كان يقضي ويسمانس معظم أوقاته بعد رجوعه من الدير، كانت تتجدد في مخيلته صورة راهب هرم، اسمه سمعان، تقوس ظهره في العناية بماشية الدير وملاطفتها رغم أوساخها، وكان يستعيد في ذاكرته تجاعيد ذلك الوجه النسكي الذي طالما رآه مخطوفا في صلاة صامتة وعيناه عالقتان بيت القربان، فيردد ويسمانس في قلبه: “آه يارب، ما أسعدني لو عشت تحت ظل صلوات الأخ المتواضع سمعان!”.

ولي من أولياء الله يموت

     عاد ويسمانس إلى باريس لينكب من جديد على التأليف والنشر، فجند طاقاته لخدمة الكنيسة المقدسة وأصبح مسيحيا مثاليا ونبراسا هاديا لجميع أصدقائه الذين نال إعجابهم، وقربهم مثل حياته القشفة، من الإيمان الذي فقدوه. ولكن الأمراض والأسقام لم تمهله كثيرا، فقد انتابت جسمه قروح مميتة وأوجاع قاسية، احتملها بصبر وصمت مقتفيا آثار سيده على قمة الصليب. وعلى فراش الألم تذكر مقطعا من كتاب قراه إبان رياضته في الدير: “أيها الإنسان الخاطئ، انك ستموت، فكن مستعدا، اسهر وصل دوما ولا تنس العواقب الأربع الأخيرة:

“الموت الذي هو باب الأبدية،

“والدينونة التي توجهك نحو الأبدية،

“والجحيم، موطن التعاسة الأبدية،

“والفردوس، مقر السعادة الأبدية”

    لم يكن لويسمانس في نهاية حياته التي قضاها متنقلا من مصح إلى مصح، سوى أن يستعد لدخول هذه الأبدية التي ارتسمت أمامه  في الأفق، ورأى في مرضه الأخير يد الله تزين نفسه بجمال النعمة، وترصع ناج مجده السماوي بجواهر الصبر والاحتمال، حتى دهش أصدقاءه ومعارفه أنفسهم من استسلامه المطلق لإرادة الله، ورأوا فيه وليا من أوليائه.

    وفي سنة 1905 أصيب ويسمانس بالعمى، وذلك على اثر داء عضال جديد شوه جسده بالبثور. إلا أن ذلك لم يكن ليفيء الشعلة الوهاجة التي ألهبتها النعمة في نفسه، حين عادت بها من عتمة الشك والإثم إلى ضياء اليقين والفضيلة. فقد كان يردد لمن يأسف الحالة: “لعلي حاصل جمع لعملية حسابية. فمن يدري لأجل من اتالم؟” ثم يستطرد وقلبه طافح بالسرور لدى تفكيره بالقيمة الفدائية التي يملكها الألم: “إن هذا المرض وسيلة لاستحقاق النعمة”.

    ومكث ويسمانس يتألم من العمى فوق ما انتابه من الأوجاع المبرحة طيلة سنتين كاملتين، واحتمل ذلك بثقة بنوية تامة  ليعوض عن تهورات الشباب ويميت الحواس التي عبثت به يوما. وفي مستهل عام 1907 بلغ المرض أوجه واخذ الانحلال يدب في جسمه فتهرأت شفتاه ولم يقوى عللا ابتلاع الطعام مطلقا لما صار إليه الفم من تشويه، وقطع كل أمل من شفائه. وبعد أسابيع من تلك الحالة المؤلمة تزود بالأسرار الأخيرة لتسنده في سفره الطويل، وفي إحدى أمسيات الشتاء القارس من سنة 1907 اسلم ويسمانس نفسه بيد خالقها بثبات وثقة.

    بموت جوريس كارل ويسمانس، توارى وجه نير من جوقة ابناء النعمة بعد أن صار مثالا رائعا للتائبين وصوتا يشدو بمراحم الله ورغبته في خلاص الخطاة، فكم من نفس قلقة وجدت السلام في قراءة كتبه، وكم من خاطئ، أوشك أن ييئس من رحمة الرب، اهتدى بنور حياته وسار على خطاه نحو ينبوع الرحمة ومعين المحبة

                                     الأب جرجس القس موسى

لوثر وحركة الإصلاح

        لوثر وحركة الإصلاح

إن الحوادث التاريخية، مهما كان مقياس أهميتها، لا تقع فجأة كما تقع النيازك من السماء، بل هناك أسباب بعيدة أو قريبة تهيؤ دخولها مسرح الوجود، ومعرفة الظروف المعاصرة أو المحيط الذي فيه نمت فكرة أو حركة تلقي أنوارا كشافة لفهم الأحداث فهما واقعيا موضوعيا لا تحيز فيه.

ذلك هو الواجب أن نسير عليه في بحثنا لنهتدي إلى الأسباب الموجبة “لحركة الإصلاح” التي وسمت كلا التاريخين الديني والمدني بطابع جديد. وبما أن البروتستنت – ومعنى الكلمة “المحتجون” على الأوضاع القائمة – ظهروا أول الأمر في ألمانيا، نرى لزاما علينا معرفة جو هذا البلد في تلك الحقبة دينيا وسياسيا واجتماعيا، لأنه لم يكن إلا صورة تعكس ما كانت عليه سائر دول أوربا.

امة في فوضى…

كادت عجلة التاريخ تطوي القرن الخامس عشر ووضع ألمانيا السياسي والاجتماعي يرثى له: امة بلا رأس مدبر تنازعها مطامع الأمراء الإقطاعيين الجشعة وتتقاذفها أمواج الفوضى، الطبقة العاملة تغلي كالبركان ضد أسيادها من ذوي ألقاب الدوق والكونت وقد أمسى الشعب الألماني بأسره. والحق يقال، جماعة من الثوار الحاقدين خوذهم على رؤسهم ومطارقهم بأيديهم ليحطموا الأمراء والأساقفة والكهنة وشعارهم قوة الفتك التي تقول: ” اليوم أقوياء وغدا أشلاء”.

هكذا أصبح الجميع، وخاصة المفكرون والفنانون، تهزهم رغائب جديدة ويتوقون إلى دساتير وأنظمة  للحياة أكثر ملائمة مع روح النهضة الحديثة التي اتسمت بطابع الوثنية: فعشق الناس للجمال الوثني وانزلوا الإيمان عن عرشه ليتوجوا العقل عوضه. وذهب يعظهم إلى القول بان الوحي أمر يستسمجه العقل السليم وان الكنيسة مؤسسة عاتية لم يعد لها حق في الحياة. واخذوا يسخرون من الكهنة والرهبان وجعلوهم أضحوكة في كتبهم وموضوع مزاح في محادثاتهم.

غيوم قاتمة في سماء الكنيسة

لازال الإيمان راسخا – وان سطحيا – ونسخ الكتاب المقدس في رواج، الكنائس تزدحم بالجماهير الغفيرة لسماع المواعظ والمياتم والمستشفيات تعج بالمنبوذين وذوي الأسقام.

 بجانب هذه الأنوار الخابية كانت ظلمات قاتمة تحجب وجه الكنيسة الصحيح وتلقي عليه غشاوة من الفساد والرجعية فقد كان سواد الشعب يجهل ابسط الحقائق المسيحية ويلقي بنفسه في عالم السحر والشعوذة فكانت الاعتقادات الخرافية تلقي سوقا رائجة بين مختلف طبقات المجتمع وتزاحم العبادة لا بل تمتزج بها لا سيما فيما يتعلق بإكرام القديسين وذخائرهم وكان الفلاحون يئنون من استغلال بعض رجال الكنيسة لاسيما الأساقفة الذين كانت ممتلكاتهم الواسعة تدر عليهم الأموال الطائل فيعيشون في صروحهم عيشة البذخ واللامبالاة.

إن هذا الانحلال كان بأمس الحاجة إلى زعيم محبوت ومحترم يصلحه ويضمن للمجتمع النضوج والاستقرار في الحقلين الديني والسياسي. إلا أن المسيحية حرمت ذلك الزعيم في تلك البرهة الحاسمة. فلا الإمبراطور استطاع أن يفرض كلمته لان سلطته لم تكن سوى اسمية منذ أن تجزأت ألمانيا إلى دويلات على اثر النزاع الطويل بين الإمبراطورية والبابوية، ولا البابا قدر أن يحرك ساكنا لأنه لم يعد محبوبا كاب إذا قام أعضاء الاكليروس انسهم ينافسون سلطة الكنيسة. هذا وان كرسي بطرس يحمل باباوات بعيدين كل البعد عما أراده السيد المسيح من خلفائه. فكان منهم من تاجر بالوظائف الكنسية طمعا في حليف أو خشية من منافس، والانكى أن الانحطاط الخلقي كان قد اسر بعضهم.

 الثورة الدينية ولوثر

كانت الثورة الإصلاحية تنتظر فرصة لتندلع، وكانت الفرصة السانحة في 31 تشرين الأول 1517 في مدينة ويتنبرغ حيث كان المؤمنون يتوافدون للتبرك بمجموعة من ذخائر القديسين ولربح الغفرانات الطويلة الأمد المتعلقة بتكريمها. استفاق الناس صباح ذلك اليوم وشاهدوا على باب معبد قصر ويتنبرغ لائحة ب 95 بندا وقعها لوثر تندد بتعليم الكنيسة عن الغفرانات. وكان هذا بمثابة نداء إلى المبارزة وإعلان الحرب ليس على استغلال رجال الكنيسة لسذاجة الشعب وحسي بل على مبدأ سلطة الكنيسة بالذات.

صكوك الغفران

كثيرون يتكلمون عن صكوك الغفران وابتسامة السخرية على شفاههم لأنهم لا يذكرون سوء استعمال المبدأ من قبل بعض الرهبان والوعاظ الذين كانوا يوهمون الناس بان الخلاص صفقة تجارية. وقد تفاقم الشر عندما أرسل البابا لاون العاشر رهبانا أشهرهم الدومنيكي يوحنا تتز لجمع التبرعات لمواصلة بناء كنيسة القديس بطرس في روما لقاء غفرانات تمنح لمن يساهم في المشروع. إن الغفرانات في الحقيقة هي تخفيف العقوبات المطهرية المترتبة على الخطايا المغفورة يربحها يقوم أو يعمل من أعمال البر والإحسان بروح التوبة والانسحاق. إن رئيس الكنيسة أراد إن يكافئ المتبرعين بشيء من كنوز واستحقاقات المسيح الروحية   وليس من فائدة لتلك الغفرانات الممنوحة إن لم تلق نفسا تائبة ومستحقة. فلا العذاب الأبدي، إذا، ولا الزمني يزول بالدراهم، وليس هناك أراض تباع في الجنة بالذراع أو المتر. والبابا يمنحه الغفرانات للمتبرعين كان يحثهم أيضا على إصلاح السيرة والرجوع إلى الله بندامة صادقة، وبهذا لم يقم بعمل مناف للدين أو لتعليم إباء الكنيسة.

إنني لا أخال لوثر نسي ذلك إلا أن واقع ناشري الغفرانات كان يدعو إلى الاشمئزاز وهذا هو ما حدا به إلى إنكار حق البابا بمنح الغفرانات رغبة منهفي استئصال حبل المبالغات وتحرير المؤمنين من نير روما كما كان يعظ: ” لماذا لا يبني البابا كنيسته بدراهم خزينته التي تفوق بغناها أكير الأثرياء”. إن لوثر كان قد رأى شيئا من بذخ البابوية لدى زيارته روما كحاج متواضع. أما بخصوص التبرير فكان يقول: ” إذا ندم المسيحي ندامة حقيقية على خطاياه فله الحق أن ينال مغفرتها دون اللجوء إلى صك الغفران”. لو توقف لوثر هنا لكان خير مصلح لأخطاء العصر إلا انه تعدى ذلك إلى القول ببطلان الأعمال الشخصية وأنكر مبدأ الثواب.

 راهب شاب يتقد ذكاء وحماسا

قبل أن نبحث تطور لوثر الديني علينا أن ندرس مراحل حياته وصراعه النفسي مع ذاته.

ولد مارتن لوثر في 1. تشرين الثاني 1483 في مدينة آيسلبن من أبويين نشيطين وتقيين. وبعد أن أكمل دراسته الابتدائية بتفوق درس الحقوق في جامعة ارفرت فبرز بين اقرأنه بنبوغه وتقواه ومرحه. إلا إن حادثا فجائيا غير مجرى حياته: ذلك انه بينما كان عائدا من مدرسته إذا بصاعقة تسقط على مقربة منه فصاح مذعورا:” إذا نجتني القديسة حنة أصير راهبا”. وأنجز نذره بعد 15 يوما ودخل رهبنة الاوغسطينيين ورسم كاهنا سنة 15.7 فكان الراهب المثالي والكاهن التقي الذي تنتابه القشعريرة عند تقدمه من المذبح ليحمل على كفيه جسد ودم المسيح. وقد قال هو عن نفسه:” خلال عشرين عاما كنت راهبا تقيا أضنني جسدي بالاصوام والصلوات”. وبعد نيله درجة الدكتوراه اسند اليه تعليم الكتاب المقدس في جامعة ويتنبرغ. وكانت مواعظه ومحاضراته تجذب زرافات من المؤمنين والطلاب فأمسى، وهو بعد في التاسعة والعشرين من عمره، احد أعلام رهبنته”.

نفس قلقة تبحث…

ولكن تلك النفس الملتهبة كانت تنتابها عواصف داخلية عنيفة. وكان حلم حياة لوثر الرهبانية إن يبلغ الكمال ويحطم فيه الأهواء الثائرة. انه كان من طينة هؤلاء الرجال الذين يودون التوفيق بين إيمانهم وحياتهم. إلا أن اصوامه الكثيرة وصلواته الطويلة لم تغير طبيعته البشرية التي وصمتها الخطيئة الأصلية بجذور الأهواء والكبرياء فاستولى عليه الاضطراب بسبب تمكن “الأفكار السمجة من ذهنه والحقد على الله والكفر واليأس من خلاص نفسه” ما شد هو نفسه، وأصبح يتصور إن الحكم النهائي بالهلاك يهوي عليه في كل ساعة. وهنت أعصابه واخذ يشك شيئا فشيئا في حرية الإنسان ويعتبره مسيرا عاجزا عن أي عمل أدبي صالح وان من المحال ألا يقع في الخطيئة لأنه مسوق إليها حتما ولذا فلا ذنب له فيها لأنه دفع إلى ارتكابها دفعا.

وظل لوثر تتلاطمه الهواجس والشك من الخلاص إلى أن اهتدى إلى رسالة القديس بولس إلى أهل رومية (1: 17): “البار بالإيمان يحيا”. عملت تلك الآية عمل السحر في نفسه القلقة ولكنه تنكر لتعليم مار يعقوب القائل بان “الإيمان من دون أعمال ميت” وأعلن: “اجل لقد ولد الإنسان خاطئا بطبيعته لكن الله يبرره دون أن يقوم هو بعمل ما ويكفيه أن يؤمن فقط”.

من الاحتجاج إلى القطيعة

وصلت إنباء لوثر إلى أذني البابا لاون العاشر فأرسل يدعو أستاذ ويتنبرغ إلى التمسك بالعقيدة الكاثوليكية فأجاب لوثر باحترام: “لك أن توافق أو ألا توافق فسأعتبر صوتك صوت المسيح  وان استحققت الموت فلن ابطىء في قبوله”. كان لوثر مقتنعا من انه على حق ولم تكن رغبته في بادئ الأمر أن ينشق عن الكنيسة ولكن الأمور تعقدت فرأى نفسه بين معسكرين، معسكر يتسع يوما فيوما ويقتات من مقاطعات وأمراء وأساتذة يدينون بآرائه ويدفعونه إلى القطيعة مع روما، ومعسكر يكن له العداء ويكيد له المكائد لكونه يناهض العقيدة الموروثة. وبعد تردد طويل أعلن لوثر: “لقد ألقيت القرعة ولم يعد لي رغبة مطلقا في المصالحة مع روما إلى الابد”. واصدر بعده ثلاثة كتب تبسط تعاليمه في حرية فهم الكتاب المقدس والمطالبة بزواج الكهنة وبطلان الغفرانات. وقال أيضا بان الإنسان مسير غير مخير وخلاصه منوط بأمانه  فقط  لا بأفعاله أيضا فليقرا الكتاب المقدس لأنه الأساس المتين الوحيد لكل الحقائق، وليتبع الهام الروح القدس مباشرة دون التقيد بتعليم ما يسمى الكنيسة أو التقليد، ومن ثم، بما أن علاقة الإنسان بالله هي مباشرة، فلا مبرر للأسرار التي يعتبرها  اللاهوت الكاثوليكي اقنية النعمة. وعلم بكفاية سر العماد  وحده. أما التشفع بوالدة الله والقديسين أو تكريم صورهم فأمر مشين.

اثر ذلك دعاه البابا مرة أخرى عن العدول عن أرائه فأجاب البابا بحرق براءته أمام جمهور غفير. وحينئذ أتاه الحرم النهائي في 3 كانون الثاني 1521 وتوسع الخرق بين لوثر والكنيسة الكاثوليكية وانتشر أنصاره يدعون إلى خلع البابا ويدعون إلى ديانة فردية متحررة. أما هو فاستمر يكتب وينشر ترجمته الألمانية للكتاب المقدس وفق ما يدعم به تعليمه. وكان تلاميذه يدعونه  “رسول الحقيقة وبوق الإنجيل وبولس زمانه”. لا عجب من تلك التسميات فان لوثر كان ذا سلطة كبيرة وجاذبية كلامية وطبيعية ممتزجتين بعبقرية فذة وإرادة صلبة وحاقدة أحيانا. ووقع انشقاقه عن الكنيسة رسميا عندما خلع ثوب الرهبنة سنة 1524 ليتزوج بعد عام براهبة هجرت ديرها لتلتحق به وتنجب له ستة أولاد.

نتائج الثورة الدينية

                                                               حرب الفلاحين

إن فوضى الأفكار والمبادئ تحولت إلى فوضى مسلحة عندما نشبت “حرب الفلاحون” ضد الإقطاعيين واستبداد الملاكين. اخذ الفلاحون يعيثون خرابا في ألمانيا وينبذون كل سلطة روحية وزمنية واجتاحوا المدن وهدموا ألف قصر ودير إلا أن افتقارهم إلى زعماء أشداء مكن منهم الأمراء فنكلوا بهم وارووا سيوفهم من دمائهم. وكان لوثر يحرض على تلك المذابح في خطبه قائلا: “ألا هبوا أيها الأمراء الأعزاء وأنقذونا. أبيدوا واذبحوا”.

                                                     بعد لوثر لوثرون كثيرون

مات لوثر فجر يوم 18 شباط 1546 بعد ليلة قلقة قضاها بين اليأس والرجاء ولفظ أنفاسه الأخيرة وسط الآم مبرحة تتخللها متناقضات من الثقة بصلاح الله والحقد على أعدائه فكانت كلماته الأخيرة مسبات لشخص البابا تتناوب مع اية القديس يوحنا يرددها بصوت أجش: “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يلك كل من يؤمن به بل  تكون له الحياة الأبدية”.

ولكن لوثر لم يبق زعيم البروتستنتية الوحيد إذ تبنى مبادئه تلاميذ كثيرون وأضافوا إليها ما ألهمهم “الحكم الحر” فتعددت المعتقدات ليس في ألمانيا فقط بل في أوربا بأسرها. ونخص بالذكر من هؤلاء ميلينكتون الذي نظم البروتستنتية الألمانية ووضع أسس إدارتها وزوينكل الذي نشرها في سويسرا بعد أن خلع ثوب الكهنوت وتزوج.

                                                        كالفن في فرنسا

تغلغلت البروتستنتية في فرنسا بمساعي ارستقراطي متبحر في علوم زمانه اسمه يوحنا كالفن وضمن مبادئه في كتاب “قواعد الدين المسيحي” تلك المبادئ التي حاول تطبيقها في جنيف بسويسرا حين أصبح واليها الصارم الأحكام، لا أن الكاثوليك الفرنسيين قاوموا بكل ما أوتوا من قوة تسرب أراء كالفن ولم يفلحوا تماما فكان التخريب والقتل والتعذيب وكانت الجماجم تتكدس من كلا الطرفين. وخلفت تلك الإحداث صفحات قاتمة من أبشع صفحات الحروب الدينية. وكفانا مثالا ما دعي “بمجزرة سان برتلمي” التي أمرت بها الملكة كاترين أم ملك فرنسا شارل التاسع مساء عيد مار برتلماوس سنة 1572(1) وسقط فيها ما يقارب الألفي بروتستنتي. ولم تكن هذه المجزرة إلا جوابا غريبا على” مذبحة ما ميخائيل”. التي دبرها من قبل لتباع كالفن ضد مئات من الرهبان والراهبات والكهنة وأحرقت فيها الكنائس ونهبت الأديرة.

                                                  وهنري الثامن في انكلترا

ظهرت البروتستنتية في ألمانيا كحركة إصلاح وكذا الأمر في فرنسا، أما في انكلترا فقد كان ظهورها المباشر نتيجة لمطامع ملك أراد أن يشغل الكرسي ألرسولي. كان هنري الثمن “حامي الإيمان” ابنا خضوعا للكنيسة إلا انه تقلب في أمره عندما رفض البابا السماح له بان يطلق امرأته الشرعية ليتزوج وصيفتها فشق عصا الطاعة عليه وأرغم مجلس العموم البريطاني على الإقرار بان”الملك هو الرئيس الأعلى لكنيسة انكلترا” و” لا سلطة لأسقف روما على مملكة الانكليز”.

لكن هنري لم يمس العقيدة  بشيء، في البدء، بل اقتصر على تدمير الأديرة وقتل مناوئيه وأشهرهم المطران الطوباوي فيشر ووزير عدليته القديس توما مور. بعد موته ظلت الكثلكة بين مد وجزر إلى أن استولت على العرش ابنته اليزابيت (1558 – 16.3) فعزمت بإدارة صلبة على توطيد البروتستنتية واستئصال الكثلكة على الرغم مما لاقت من مقاومة ولم تنج من تلك الحملة إلا ايرلندا التي بقيت كاثوليكية.

     هكذا توسعت البروتستنتية على سواعد الملوك الأمراء وبسرعة هائلة انسلخت بلاد برمتها عن الكنيسة بمجرد أن ملكها بروتستنتي، وذلك عملا بمبدأ “الأمم على دين ملوكها”.

إصلاح الإصلاح

أخذت الكنيسة درسا قاسيا من الحدث البروتستنتي ودفعت ثمنه باهضا. وإذا بها تستفيق جريحة، مستنزفة الدماء وبأمس الحاجة إلى إصلاح يقيها شر هجمات جديدة. واتخذت تدابير حازمة ورشيدة لعقد مجمع مسكوني يصلح ما فسد ويضع الأسس المتينة لربيع مقبل ونهضة شاملة “وعودة إلى الينابيع” كما يقال اليوم. وعقد المجمع في مدينة تورنتو في ايطاليا  وسمي بالمجمع التريدنتيني. استمر هذا المجمع 17 سنة مواصلا عمل جمع غفير من الأساقفة الذين كانوا قبل انعقاده بغير قليل قد باشروا تجديد نظم كنائسهم. ووجدت سفينة بطرس ربان في شخص البابا بولس الثااليوم. التجديد يجب أن يبدأ من الداخل، من روما قلب الكثلكة، فشن حربا إصلاحية حقيقية على بلاطه أولا ثم شكل “لجان الإصلاح”(2) وبذلك تيسر للمجمع أن يعمم النهضة الدينية على أسس عقائدية وكتابية متينة. ولا زالت مقررات هذا المجمع نافذة المفعول حتى اليوم.

                                                         النهضة الخلقية والنظامية

تمخض المجمع التريدنتيني  من الناحية العملية عن إصلاحات جمة منها انه حدد مسؤوليات الأساقفة وذكرهم بأنهم رعاة مؤتمنون على قطيع المسيح وعليهم أن يتفانوا في خدمته تاركين جانبا السياسة وحب المال وفرض عليهم الوعظ وزيارة رعاياهم والإقامة في مراكز أبرشياتهم. كما أمر المجمع بفتح مدارس اكليريكية لإعداد الكهنة بالعلوم الدينية والفلسفية والطبيعية وبهذا أجاب إلى إحدى أمنيات كالفن. وأوصى الكهنة، شركاء الأساقفة في حفظ وديعة الإيمان، أن يشرحوا التعليم المسيحي للمؤمنين مستندين على الكتاب المقدس والأسرار والليتورجيا. وعمت هذه النهضة الرهبانيات التقليدية التي كانت أحوج ما يكون إلى تجدي. ولمعت في سماء الكنيسة نجوم شهب قادت الحركة الإصلاحية بحكمة منهم البابا القديس بيوس الخامس منفذ قرارات المجمع التريدنتيني، والقديسة ترازيا الكبيرة والقديس يوحنا الصليبي مجددا الكرمل ومنشطا الحياة التأملية. أما  أهم الرهبنات التي انبثقت عن تلك النهضة فهي التي أسسها القديس اغناطيوس دي لويولا  باسم الرهبنة اليسوعية وغايتها رفع مستوى المسيحيين الديني والتبشير بالإنجيل في البلاد النائية أسوة برهبنة الدومنيكيين والفرنسيسكان. ولا زال اليسوعيين إلى اليوم في طلائع متطوعي الإنجيل تأوي معاهدهم وجامعاتهم المنتشرة في اغلب أقطار العالم بضعة ألاف  من خيرة الشباب الذين يصبحون، بفضل أساتذتهم، رواد بلادهم دينيا واجتماعيا وعلميا.

كلمة لا بد منها

قد توخينا في هذا البحث الأمانة التامة للواقع التاريخي فذكرنا، دونما تحيز، الأخطاء التي ارتكبها الكاثوليك والبروتستنت على حد سواء، ولمسنا أن المحبة التي جعلها المسيح وصيته العظمى والأخيرة ثلمها كلا الطرفين وكلاهما اشتركا في تمزيق ثوب المسيح: البعض بصلابتهم  وعدم تفهمهم والبعض الآخر بجهلهم وتماديهم، ويضاف إلى هذه العوامل عوامل غيرها كان للسياسة والمطامع الشخصية وسوء الإدارة قسط وافر جدا فيها. والكنيسة الكاثوليكية، اليوم أكثر من أي وقت مضى، تشعر بهذا الألم وتعترف بتوزيع المسؤوليات. وبهذا تفتح عهدا مسكونيا فريدا دعائمه المحبة والصفح ونسيان الماضي، لان ما مضى قد مضى وعلينا الآن أن نبني للمستقبل كما قال مار بولس: “لننسى ما ورائنا، ولنمتد إلى ما أمامنا، ساعين إلى الهدف، لأجل الجعالة التي دعانا الله لإحرازها في المسيح يسوع (فيليبي 3: 13 – 14).

إن كلمة البابا بولس السادس للمراقبين في المجمع الفاتيكاني الحالي أجلى برهان على ما تقول:” إننا نستمد المغفرة من الله بتواضع عن الأخطاء التي تنسب ألينا في هذا الانقسام ونتلمس الصفح من الإخوة الذين يشعرون بننا أسانا إليهم. ونحن مستعدون أن نصفح عن الاهانات التي احتملتها الكنيسة الكاثوليكية”.

اجل، لو كان بولس السادس ذو البصيرة الثاقبة أو يوحنا الثالث والعشرون ذو القلب الكبير يدير دفة الكنيسة، عوض المتردد لاون العاشر، لما صار ما صار. لو تحقق الإصلاح التريدنتيني قبل وقوع الكارثة لما تمزقت المسيحية الغربية إلى شطرين. ولو جعل لوثر ذكاءه وكالفن مواهبه في خدمة إصلاح سلمي لا ينال من العقيدة لكنا بغنى عن هذا التجزؤ الأليم في قطيع يسوع.

ولكن لا نياس لان المحبة اقوي من الحقد والحنين إلى الوحدة سيتغلب على القطيعة لا محالة. فحركة إعادة الوحدة المسيحية قائمة منذ قرن أو نيف، والجو المسكوني المعاصر هو”فرصة التاريخ” و”علامة الأزمنة” ولا سبيل   من ثم، إلى التراجع لأنها إرادة المسيح أن يكون جميع المؤمنين به واحدا.

                                                    الأب جرجس القس موسى

(1)  يزعم البعض إن البابا هنا الملكة على هذه المجزرة أما الواقع فهو انه هنأها بنجاتها من مؤامرة بروتستنتية. ولما اطلع على جلية الأمر أرسل يؤنبها على هذه المظالم.

(2)  أما”محاكم التفتيش” فنشأت لترسيخ الإيمان الكاثوليكي إلا أن السلطة المدنية استخدمتها أحيانا لأغراضها الدنيئة رغم إرادة الكنيسة.


ليكونوا واحدا

 ليكونوا  واحدا

ليكونوا  واحدا

بمناسبة أسبوع الصلاة لأجل وحدة المسيحيين 18 – 25 كانون الثاني 1964

منذ أن أعلن قداسة الراحل العظيم البابا يوحنا الثالث والعشرين نيته على عقد مجمع مسكوني، اجتاحت المسيحية، من أقصاها إلى أقصاها، موجة عارمة من النشاط المسكوني بعثت في القلوب الهاجعة تيارا هزها لتستفيق من غفوتها التي طال أمدها ولتسعى متضافرة لتحقيق أمنية يسوع الأخيرة في جمع شمل العائلة المسيحية الكبرى ضمن بيت واحد، وانبرت الأقلام والحناجر تبشر بفجر جديد يقارب بين القلوب المتباعدة ويمحو الترسبات التي خلفتها الأجيال.

وقد قفزت الآمال إلى الذروة حين أعلن قداسة البابا بولس السادس عزمه على زيارة الأراضي المقدسة، في مستهل العام الجديد، للصلاة من اجل الوحدة المسيحية، والاجتماع بأقطاب الكنائس المسيحية للتباحث معا في أنجع الوسائل لاستعادة الوحدة. ولكي يمسنا هذا التيار المسكوني، لنلق نظرة على هذا الجو من التآخي والتقارب الذي تعيشه المسيحية اليوم.

رسول المصالحة

في 8 آذار سنة 194. انطفأت حياة رائد من رواد الوحدة المسيحية هو (الأب بول وتسن) مؤسس أسبوع الصلاة لأجل وحدة المسيحيين الذي أضرم في كنيسة الله مشعلا وحدويا وهاجا انتقل لهيبه من قارة إلى قارة حتى عم العالم المسيحي بأسره.

ولد الأب بول وتسن في 16 كانون الثاني 1863 في مدينة ميتينكتون في الولايات المتحدة الأميركية وقد كان أبوه راعيا انكليكانيا تقيا من أنصار حركة أكسفورد الوحدوية. وحين كبر الفتى بول دخل المدرسة الاكليريكية ورسم “قسيسا” على الكنيسة الأسقفية عام 1886 وأسندت إليه إحدى رعايا نيويورك فاظهر الأب في خدمتها كل غيرة وتفان داعيا المؤمنين إلى سماع “القداس” واقتتال “الاوخارستيا” بتواتر ومزاولة “الاعتراف” لرسوخ اعتقاده آنذاك إن “لكنيسة المسيح” فروع ثلاثة هي الكنيسة الانكليكانية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية إلا أن الشك دب إلى نفسه حين اكتشف تباعد العقيدة عن الفئات الثلاث، فشرع يدرس بإخلاص ونزاهة تاريخ الكنيسة الكاثوليكية وتقاليدها، وتمخضت أبحاثه عن هذه النتيجة: “انه لغنى عن البرهان، إن المؤسس الإلهي للدين المسيحي لم يشأ أن يؤسس فرقا بروتستنتية عديدة بل كنيسة واحدة جامعة”. ومن ذلك الحين بدأت مرحلة مضطربة من حياة بول وتسن تخللتها اكتشافات جديدة عن طبيعة الكنيسة وضرورة اتحاد المسيحيين وفي تلك الفترة كان الأب وتسن على اتصال بالمراسلة مع راهبة انكليكانية تشاركه رغبته بالعمل من اجل الوحدة المسيحية، فتعاقدا على إنشاء رهبنة يكون يكون شفيعها القديس فرنسيس الاسيزي وهدفها العمل على تحقيق الوحدة المسيحية الشاملة. وهكذا نشأت رهبنة المصالحة بفرعيها النسوي (تشرين الأول 1899) والرجالي (25 كانون الثاني 19..) “لتصحيح الفجوات التي أحدثتها الانقسامات بين المسيحيين” وانبرى الأب وتسن يرفع صوته عاليا في شوارع نيويورك داعيا إلى ملء الثغرة القائمة بين كنيسة انكلترا والكنيسة الكاثوليكية، بعد أن حذر عليه اعتلاء المنابر الانكليكانية.

وكان إشعاع مجلته الجديدة المصباح يتعدى حدود أميركا فكانت تحمل دعوة ملحة إلى مد القناطر بين الفئات المسيحية المختلفة، واخذ يكثر اتصالاته مع الشخصيات البروتستنتية والكاثوليكية في أميركا وفي الشرق.

وبع سنين طويلة من الجهاد الوحدوي دخل الأب بول وتسن والأم لورانا، رئيسة راهبات المصالحة مع 15 أخا وأختا في حظيرة الكنيسة الكاثوليكية. وفي 16 حزيران 191. اقتتل المجاهد الكبير الرسامة الكهنوتية وواصل جهوده المسكونية من دون كلل أو ملل بالرغم مما لاقاه من الانتقاد اللاذع والمعاكسات العنيفة.

نشأة أسبوع الصلاة لأجل وحدة المسيحيين

لم يكتف الأب بول وتسن بنشاطه الفردي وجهود رهبانيته الفتية لتعجيل الوحدة بل أراد أن يجند لهذه القضية اكبر عدد ممكن من المسيحيين فأطلق سنة 19.8 نداء إلى صفحات المصباح دعا فيه جميع المسيحيين إلى تخصيص أسبوع في مستهل كل عام لرفع الصلوات إلى الله كي حقق رغبة ابنه الأخيرة في أن يكون من يؤمن به واحدا. وجعل الأب وتسون هذا الأسبوع بين ذكرى جلوس القديس بطرس على كرسي روما (18 كانون الثاني) وذكرى اهتداء القديس بولس(25 كانون الثاني). وما عتم  ذلك النداء أن لاقى أصداء مشجعة من مختلف الأوساط، فكتب إليه رئيس أساقفة بوسطن الكردينال اوكونيل قائلا: “اوكد لك بأنني أنا وكهنتي وأبناء شعبي سنقرن صلواتنا مع صلواتكم من اجل النية التي تعرضونها علينا”.

وقد راجعت هذه الحركة بنوع مدهش، ليس بين البروتستنت فحسب، بل عمت الكنيسة جمعاء، وهكذا اخذ المسيحيون يبدؤون عامهم الجديد باجتماعات وصلوات مشتركة لأجل الوحدة المسيحية. وقد ظهرت بوادر تآخ حقيقي في بلدان عديدة حيث يحتفل المسيحيون، على مختلف طوائفهم ومللهم، بهذا الأسبوع، كل يوم في إحدى الكنائس حيث يجتمع الكل باسم المسيح ليندموا على خطيئة الانفصال.

نماذج

عن أسبوع الصلاة لأجل الوحدة المسيحية

الإسكندرية 

منذ 1959 تشترك جميع الطوائف المسيحية في الإسكندرية بهذا الأسبوع بنوع خاص. ونكتفي هنا بنقل وقائع الاحتفال الختامي لعام 1963:

التام الرؤساء الروحيون والمؤمنون في كنيسة سيدة البشارة لليونان الأرثوذكس وافتتح الاحتفال بقراءات كتابية بلغات مختلفة عقبتها صلاة طقسية بيزنطية انشدها الكاثوليك والأرثوذكس معا. ثم تكلم عدد من ممثلي الطوائف في “ضرورة الثقة بالله” (لآتين) وفي “ضرورة طهارة القلب والتواضع” (أرمن أرثوذكس). وبعد ذلك دوت الصلاة  الربية منطلقة من ألف حنجرة تناشد ألآب لكي يحقق رغبة المسيح. وانصرف الجميع فيما الجوقة الارمنية الأرثوذكسية تنشد الأناشيد الكنسية بخشوع. (عن مجلة الوحدة في الإيمان)

القاهرة

اشتركت ست مدارس كاثوليكية في احتفال فريد من نوعه في كنيسة القديس مرقس: دخل الطلاب وهم ينشدون “أيها السيد  اجمع في كنيستك كل أمم الأرض”. وبعد أن استقروا في محلاتهم تليت عليهم قراءة من سفر أعمال الرسل عن ألفة المسيحيين الأولين. وبينما هم كذلك إذا برهط من الشباب مؤلف من 25 شابا و 25 فتاة  يدخلون الكنيسة وينقسمون إلى ست فرق رمزا إلى انقسامات المسيحيين، فوجه إليهم الأب رئيس الاحتفال كلمات الرسول بولس إلى أهل كورنثس بخصوص الخصومات، فقاطعته جوقة بقولها: “أنا لبولس” وانطلقت أصوات أخرى هاتفة: “وانأ لأبولس” فرددت جوقة ثالثة بحنق وصخب: “وأنا للمسيح” فرفع موجه الاحتفال يديه يهدي الأحقاد الثائرة: “العل المسيح قد تجزأ؟ العل بولس قد صلب لأجلكم؟”. وكأني بالمتخاصمين قد أذعنوا لدعوة الرسول إلى السلام فشرعوا ينشدون بصوت واحد متلاحم الأنغام: “نؤمن بكنيسة واحدة، جامعة، مقدسة، رسولية” وفي نشوة من الفرح صعدت القلوب والأفواه  نشيد النصر “نحن لك يا مخلص…” مظهرين بذلك رغبتهم في أن يكونوا واحدا في المسيح.

صيدا

في العام المنصرم اشتركت الجمعيات المسيحية كالشبيبة الدارسة المسيحية والليجو مارية وفرسان المسيح بتنظيم ساعات سجود وصلوات وقراءات من الكتاب المقدس في العوائل.

اسطنبول

احتفل المعهد الاكليريكي الأرثوذكسي في خلكي بأسبوع الوحدة للمرة الأولى في سنة 1963، فكانت تفتتح صلاة المساء بدعاء “لأجل سلام العالم وثبات كنائس الله المقدسة واتحاد الجميع”. ثم كان يتلو احد الشمامسة قراءة حول نية الصلاة المعينة كل نهار ويلي ذلك تأمل صامت يختتم بالصلاة الربية باليونانية، ويعيد تلاوتها كل بلغة بلاده، وبالانكليزية والعربية والفرنسية والحبشية والأوغندية. (عن مجلة الوحدة في الإيمان)

الوحدة دعامة الكنيسة

كل مسيحي يشعر بضرورة وحدة الصف المسيحي لان الانقسامات شاهد على إن رغبة الرب الأخيرة لم تتم بعد. وشوق المسيحيين إلى استعادة الوحدة التي تمتعت بها الكنيسة في الأجيال الأولى ولا تستند على مرامي بشرية بل تجد أصولها في الإيمان بالمسيح وفي الأمانة للإنجيل. فان كنا مخلصين للمسيح ولضميرنا لا يمكننا أن نرضى بالانقسام كواقع لابد منه، تلك خيانة عظمى لذلك الذي أراد أن تكون كنيسته مكملة في الوحدة: “أيها الأب القدوس أحفظ باسمك الذين أعطيتهم لي ليكونوا واحدا كما نحن واحد” (يوحنا 17: 11). إن الوحدة، إذن، من مقومات الكنيسة ودعامة من دعائم ثباتها، فالرغبة الملحة التي تجتاحها هي رغبة يمليها الروح القدس وتجد جذورها في صلاة يسوع الأخيرة وليس في تكتلات الدول المعاصرة. فاتحادات الدول ضمن معاهدات واتفاقيات، اتحادات واهية غالبا ما تبطل مفاعيلها  بغياب موقعيها من مسرح السلطة أو الحياة. أما الاتحاد الذي نصبوا إليه فهو مرتكز على طبيعة انتمائنا إلى المسيح كما شهد بذلك مرارا، الرسول بولس: “اجتهدوا في حفظ وحدة الروح برباط السلام: فان الجسد واحد، والروح واحد، كما إنكم بدعوتكم، قد دعيتم إلى الرجاء الواحد. وان الرب واحد والإيمان واحد، والمعمودية واحدة، والإله واحد، والأب واحد للجميع، وهو فوق الجميع وخلال الجميع وفي الجميع”.(افسس 4: 3- 6).

إن الرسول بولس، إذ يشبه الكنيسة بالجسم، يريد أن يفهمنا بأنه كما أن الجسم واحد مع تعدد الأعضاء كذلك الكنيسة يجب أن تكون واحدة بالرغم مما تحويه في حضنها من مختلف الجنسيات واللغات والقوميات، فالفوارق الاجتماعية، والتقاليد التاريخية، والتيارات الروحانية، والطاقات التي ينفرد بها كل شعب أو طقس لا تتعارض مع طبيعة الوحدة التي ننشدها. إن كنيسة المسيح ليست سجينة تقاليد أو لغات معينة لان كل الأعضاء والمواهب تنسجم في وحدة الجسم الواحد. فالكنائس المسيحية، وفي مقدمتها الكنيسة الكاثوليكية، لا ولن ترغب من دعوتها إلى الوحدة الشاملة تكتلا سياسيا أو صهر كنيسة في أخرى فذلك مناف لروح المسيح. وقد أشار إلى ذلك قداسة البابا بولس السادس في الكلمة التي وجهها إلى المراقبين غير الكاثوليك في المجمع الفاتيكاني، لدى زيارتهم له في 17 تشرين الأول 1963: “إننا نؤكد لكم احترامنا وتقديرنا ورغبتنا بالرب في أن نعقد معكم أطيب العلاقات. وكونوا على ثقة من أن رغبتنا هذه لا تبطن أي كمين ولا تنوي أن تتجاهل العقبات التي ستسبق الاتفاق النهائي”.

وعورة الطريق

اجل أن الوحدة ستتحقق لا محالة، لأنها أمنية المخلص، بيد انه لا يجوز للعاطفة أو التفاؤل أن يحجبا عن أعيننا العقبات الكثيرة التي تقف حيال الهدف الذي نصبو إليه بكل جوانحنا. قال الأب بول وتسن: “إن آكاما من الصعوبات تنتصب في طريق “المصالحة” ولا بد من إيمان سام جدا ومحبة كبيرة لقلع هذه العوائق وزجها في البحر. ولكن الله قادر على كل شيء، فصبرا،لان الصبر سيحوك لابن الله ثوبا وحدويا لا مثيل لجماله”   (مجلة المصباح، شباط 19.3).

إن قضية الوحدة، بالرغم من الحنين الذي توقضه في قلوب المسيحيين قاطبة، تبدو للباحث المتنبه مشكلة خطيرة لما تداخل فيها من العوامل اللاهوتية والنفسية والتاريخية، فعلينا إلا نغض النظر عن ذلك لان أي اتفاق ارتجالي يتجاهل العوائق، نتيجته العقم.

العامل اللاهوتي

كان العامل اللاهوتي اثر كبير في قضية الانقسام، فمعظم المجامع المسكونية التأمت لتحديد عقائد إيمانية ولرشق البعض بالهرطقة والحياد عن المعتقد القويم فنتجت عن ذلك انقسامات وتحزبات منا ضحيتها ولا زلنا نتحمل عواقبها. إن كنيسة القرون الأولى لم تكن كذلك. فقد بقي الشرق والغرب متحدين أجيالا وقد اشتركا معا بأساقفتهما وبطاركتهما في المجامع التي حددت أهم العقائد الإيمانية وأننا لا نغالي إذا ما قلنا بان الحرص على سلامة هذه العقائد لولد الفلسفات المختلفة والطرائق المتباينة لعرض الحقيقة فكان التصادم في الآراء والإفراط في إضاءة وجه منها على حساب الوجه الأخر. وقد وصل التصلب المذهبي في بعض الأحيان إلى نكران عقائد لم تفهم على حقيقتها ولو فهمت لما أنكرها  ناكروها!.

إن هذا التصدع الذي الم الكنيسة طيلة قرون لا يمكن إصلاحه من دون التفاهم والحوار بشان تلك المشاحنات اللاهوتية التي ورثنا حنظلها. وما الاتصالات المسكونية في عصرنا إلا محاولة لفتح باب هذا الحوار اللاهوتي الذي هو عنصر لابد منه لإعادة وحدة الكيان المسيحي. فمن حق البروتستنت أن يدعوا إخوتهم الأرثوذكس إلى محادثات عقائدية ضمن هيئة عالمية، ولا احد يستنكر رغبة الكنيسة الكاثوليكية في إقامة حوار مع الكنيسة الأرثوذكسية. إن قداسة البابا بولس السادس، رأس الكنيسة الكاثوليكية نفسه، أنجز خطوة كبرى في طريق الحوار حين عزم  أن يزور الشرق بعد أن دعا إلى هذا الحوار في دير “كروتا فيراتا” لليونان الكاثوليك في 18 / 8 / 1963: “هلموا ولنحطم الحواجز التي تفصلنا. لنتباحث في القضايا الايمانية التي نختلف فيها، لنعمل متكافئين لتوحيد قانون إيماننا وإعطائه شكلا متناسقا، ولنجد في تحقيق اتحادنا الرئاسي”. أما قداسة البطريرك المسكوني أثينا غوراس فكان قد صرح من قبل: “إننا ننتمي إلى كنيسة واحدة ونعتقد بحقائق واحدة وبمبادئ واحدة وإيمان واحد. إننا نؤمن سوية بيسوع والثالوث الأقدس والعذراء مريم. إننا إخوة فلماذا نحن منفصلون؟”.

العامل السيكولوجي

في هذا التقارب المسكوني علينا أن لا ننسى العامل التاريخي والسيكولوجي، فالبناء الذي هدمته أجيال لا يعاد رونقه بأيام. ولعل ساءلا يقول: “والمجمع المسكوني، ألن يوقع صك الوحدة؟” – كلا، لان المجمع الفاتيكاني لا يستطيع أن يوقع صك الوحدة بمعزل عن الكنائس المسيحية الأخرى. إن رسالته هي إن يفتح أفاقا جديدة لتحقيق ما نصبو إليه، وليس هذا بالشيء اليسير. وقد لمس ذلك المجلس المسكوني للكنائس، وهو هيئة عالمية تضم (201) كنيسة أرثوذكسية وبروتستنتية تعمل متكاتفة لأجل الوحدة، حين أعلن بان المجمع الفاتيكاني الثاني فتح أبوابا ونوافذ جديدة لحوار أساسه الوحي الواحد الذي أتانا من الله بواسطة المسيح الواحد.

إن ابلغ مثال لذلك “النوافذ الجديدة” التي فتحها المجمع هو موقف التواضع الذي أبداه قداسة البابا بولس السادس نحو الكنائس غير الكاثوليكية في خطابه الافتتاحي للدورة المجمعية الثانية، حين اتجهت أنظاره نحو المراقبين قائلا: “إننا نستمد المغفرة من الله بتواضع عن الأخطاء التي تنسب ألينا في هذا الانقسام، ونلتمس الصفح من الإخوة الذين قد يشعرون بأننا أسأنا إليهم. ونحن مستعدون أن نصفح عن الاهانات التي احتملتها الكنيسة الكاثوليكية، وننسى الآلام التي قاستها في سلسلة الجدالات والانقسامات الطويلة”.

 قد أصبح لزاما على المسيحيين أن يبدؤوا بإزالة أحقاد الماضي وترك المعاتبات والادعاءات التقليدية جانبا  متحلين بالمحبة التي على أساسها يمكن للوحدة أن تتحقق وتثبت. وتبعة الانفصال تقع على المسيحيين قاطبة  فان أخطا هذا ضد الحقيقة فقد أخطا ذاك ضد المحبة. إن الماضي قد مضى وليس لنا فيه طريق العودة إنما علينا الآن أن نفتح صفحة جديدة من تاريخ علاقتنا فنمد أيدينا إلى إخواننا ونسير معا نحو المسيح الذي باسمه اعتمدنا كلنا. وهذا التسامح وتلك المحبة يجب أن يتعديا العواطف والمجاملات والتصريحات الرسمية ليظهرا من ثم، في العلاقات اليومية والأحاديث والزيارات. يجب على الأرثوذكسي أن يتعود النظر إلى أخيه الكاثوليكي نظرة محبة وإخلاص، وكذلك يترتب على الكاثوليكي أن يبتعد عن كل طعن أو تقليل من شان الإخوة غير الكاثوليك. لنوسع آفاقنا إلى البعيد ولنخرج من دائرة محيطنا الضيق الذي عودنا منذ الصغر أن ننظر إلى من لا يقاسمنا كنيستنا أو طائفتنا أو تقاليدنا كأنه هرطوقي ممقوت ومنشق عن الإنجيل، فنقول: “هذا أرثوذكسي فما صلتي به؟” ونرشق الآخر بعبارة هزئ وتحقير ونقول: “انه كاثوليكي، فلا علاقة لي به”. إن عبارات كهذه يستنشق منها رائحة التعصب وهي تثلم المحبة وتترك جرحا لا يلتئم.

التسامح والمحبة يخدمان قضية الوحدة إن اقترنا بالصلاة والتضحية، فعلى كل مسيحي، إذا، – أن يطلب إلى الروح القدس ليلهم جميع المسؤولين الطرق اللازمة لتسوية الخلافات. ليصل المسيحيون بعضهم لبعض على أنهم إخوة منفصلون، وليضرعوا إلى المسيح أن يضمهم في حظيرة واحدة.

آمال مشرقة

إن تباشير الأفق المسيحي تنبئ بانبثاق عهد وحدوي جديد، والطريق التي نحن فيها سائرون لابد من أن تلقينا بين أحضان الأب الواحد، إنما علينا أن نسير بفطنة ومحبة ولا ندع كلمة منا أو تصرفا يعكر صفو الجو المسكوني الذي نحيا فيه.

لقد حقق هذا الجو المؤاتي، بفعل الروح القدس، حركات ومراكز وحدوية في جميع الأوساط المسيحية. وفي ختام بحثنا نود أن نردد بعض أصداء تنطق بهذه البوادر التي تعد بمثابة قناطر أمل ورجاء في طريق الوحدة المسيحية الشاملة:

قال قداسة بولس السادس في افتتاح الدورة الثانية للمجمع: “إننا نتوجه باحترام بليغ إلى ممثلي الجماعات المسيحية المنفصلة عن الكنيسة الكاثوليكية، ونحييهم من عميق فؤادنا، ونشكركم على حضوركم، ونبعث بواسطتهم تحياتنا الابوية والأخوية إلى الجماعات المسيحية الموقرة التي يمثلونها. إن وجودهم بقربنا اليوم يبعث فينا قوة خارقة وأمالا عذبة لان الحواجز التي تفصلنا لا زالت قائمة وهي تؤلمنا حقا”. (29 أيلول 1963)

صرح نيافة الكاردينال جبرائيل تبوني بطريرك السريان الكاثوليك: “إن

أسباب الانفصال لا تحصر في الخلافات العقائدية، فان فيه للملابسات الكلامية حول العقيدة والمداخلات السياسية شانا كبيرا… إن الأساقفة السريان يأتون إلى المجمع بأمنيات خاصة: أن يخفف من صرامة نظام “الاشتراك في القدسيات” مع إخوتنا الأرثوذكس الذين عندهم كل الأسرار كما عندنا”. (من مقابلة مع نيافته في روما 2. ت2 1962).

جاء في رسالة للأخ ماكس توريان، نائب رئيس جمعية تيزي الرهبانية

البروتستنتية: “إن أعظم شك للذين يجهلون المسيح هو أن يكون المسيحيون، الذين يدعون بأنهم يعيشون في المحبة، منقسمين على ذواتهم وبعيدين عن هذه الشركة الواحدة التي طالما  تمناها ربنا نفسه. فرسالة المسيحيين لا تثمر في عالم اليوم من دون أن تتوق الفرق المسيحية المختلفة إلى العودة إلى هذه الوحدة…”.

جاء  في حديث لسيادة المطران كاسيانوس مدير معهد القديس سرجيوس في باريس واحد المراقبين الروس المقيمين في المهجر، الذي دعي لحضور المجمع المسكوني: “ستتم الوحدة عندما يكون الحوار بين اللاهوتيين قد مهد السبيل لالتقاء الأساقفة. وعندما تكون الطريق قد حررت من هذه العوائق اللاهوتية وغيرها من الصعوبات، يمكن أن تتلاقى القلوب وتتفق الأفكار وتتحد الأيدي وتتفتح الأذرع للعناق الأخوي”. (عن مجلة الوحدة في الإيمان)

هذه بعض خيوط الأمل التي ترصع أفق الكنيسة وتبشر بأننا في طريق الوحدة سائرون. فهذا يعمل بالكلام والآخر بالحوار، هذا يتبادل الزيارات وذاك بعقد المؤتمرات، هذا يكتب والآخر يعظ والكل يصلي، وهكذا يضع الجميع حجرتهم في تكميل بناء جسد المسيح السري. وكما قال قداسة البابا بولس السادس: “سنستمر، بالرغم من الصعوبات والعقبات، نثق ونصلي ونحب إلى أن تتم الوحدة المنشودة”

                             الأب جرجس القس موسى

سلسلة الفكر المسيحي

سلسلة الفكر المسيحي

سلسلة الفكر المسيحي العدد الاول

سلسلة الفكر المسيحي

سلسلة الفكر المسيحي 19641970

ت

المقال

العدد

الشهر

السنة

1

 ليكونوا  واحدا       

2

سلسلة

1964

2

 لوثر وحركة الإصلاح     

6

سلسلة

1964

3

      صراع مع النعمة   

12

سلسلة

1965

4

 رسالة العلمانيين  

18

سلسلة

1965

5

أما العملة فقليلون   

25

سلسلة

1966

6

كيف تقرأ الكتاب المقدس 

32

سلسلة

1967

7

 عقيدة وحياة         

42

سلسلة

1968

8

 المسيحي والوطن    

55

سلسلة

1970

9

الاشتراك في القداس   

60

سلسلة

1970