Posted by: abu faadii | 2013/08/26

الفكر المسيحي 1984

الفكر المسيحي1984

 

مجلة الفكر المسيحي 1984

72

المسيحية في المغرب العربيملف                  

193

آذار

1984

73

دير مار بهنام واخته سارة   تحقيق     

190

ك1

1984

المسيحية في المغرب العربي

ملف/ اذار1984 

       هل انتظرت المسيحية بواخر المستعمرين الفرنسيين أو الايطاليين لتبحر إلى ارض إفريقيا؟

       وإذا كانت فيها قبلهم، فكيف أتت وكيف تطورت؟

       وإذا أرست قدمها فيها بمجيئهم، فماذا بقي منها اليوم بعد أن غادرها الاستعمار؟

       هذا الملف يحاول الاب جرجس القس موسى الإجابة إلى هذه الأسئلة – وقد اعتمد في هذه الدراسة زيارة ميدانية لبعض اقطار شمال افريقيا العربية ورؤية الشواهد الشاخصة لتلك الكنيسة الحية حتى دخول الاسلام، الى جانب مصادر مكتوبة قديمة وحديثة. 

                                                كنيسة شمال إفريقيا، اليوم

        كانت الجزائر أول قطر من المغرب العربي تحتله فرنسا (1830)، ثم تبعته تونس (1881)، ومراكش (1912). وفي السنة ذاتها دخل الايطاليون ليبيا، بينما كانت اسبانيا تحتل بعض المدن الساحلية المراكشية (سبتة، طنجة) والصحراء الغربية التي كانت تضم قسما من جنوب المغرب وموريتانيا الحالية.

      من هنا نرى أن حصة الأسد كانت بيد فرنسا، ليس من حيث المساحة وحسب، بل من حيث الإمكانيات الطبيعية والبشرية والأهمية الستراتيجية والتاريخية للأقطار التي احتلتها، ومن حيث الفترة الزمنية التي بقيت فيها (132 سنة في الجزائر، 75 في تونس، 42 في المغرب ). وكانت سياسة فرنسا في هذه الأقطار ذات منحي استيطاني – ثقافي، حيث جعلت من اللغة الفرنسية قناة التعليم والتداول الرسمية الوحيدة، تاركة في الظل – فوق ما كانت عليه إبان الاستعمار العثماني – اللغة العربية. كما شجعت فرنسا الهجرة من “الوطن إلام” وأوربا إلى شمال إفريقيا، ولا سيما الجزائر. لذا فقد غطى المستعمرون المدنيون الفرنسيون سفوح جبال وهضاب مقاطعات وهران والجزائر وقسنطينة وعنابة بالكروم والأشجار المثمرة وحقول الحنطة. بينما اهتم الأسبان – وبعضهم ينحدرون من اسر أندلسية بدلالة أسمائهم العربية الأصل – والايطاليون بصيد الأسماك. أما المالطيون – وتكاد تسمع إحدى اللهجات العربية عندما تسمعهم يتكلمون – فيمتهنون التجارة في منطقة عنابة وفي ليبيا. إلى كل هؤلاء يضاف عدد لا يستهان به من الحرفيين والإداريين والعسكريين وكوادر التعليم والاقتصاد.

وافدون مقيمون

        وهؤلاء الذين ندعوهم “مستعمرين” كانوا يعتبرون أنفسهم بكل راحة بال، بل باعتزاز، مواطنين  جزائريين أو ليبيين، على قدم المساواة مع المواطنين الأصليين المسلمين. وقد قطع معظمهم فعلا، منذ الجيل الثاني، لاسيما في الجزائر كل صلة مع الوطن إلام، وتجذر  في الأرض وبنوا بيوتا وقرى وكنائس الى جانب أو وسط التجمعات السكنية العربية. وعندما نعلم أنهم تقلوا معهم إلى أوطانهم الجديدة كل تقاليدهم الاجتماعية والفكرية ومؤسساتهم الثقافية والدينية، وان الكنيسة نظمت خدمنها تجاه رعاياها ومارست نشاطاتها الدينية والاجتماعية والثقافية بصورة طبيعية.. عندما نعلم كل هذا، ونأخذ بعين الاعتبار العناصر السابقة يمكننا تكوين فكرة عن طبيعة المسيحية في أقطار شمال إفريقيا العربية إبان الوجود الفرنسي وعن كثافتها العددية والجغرافية وتركيبتها الاجتماعية. أما كوادر الكنيسة فكانوا فرنسيين –إلا ماندر– وفي فرنسا نالوا تنشئتهم، لذا كان وجه الكنيسة كاثوليكياً –لوفود إتباعها  من أقطار كاثوليكية في أكثريتها الساحقة– وفرنسيا أيضا، ليس في الأشخاص حسب، وإنما في الارتباط الفكري والمعنوي بكنيسة فرنسا.

     وقد تعززت مكانة الكنيسة الكاثوليكية ومؤسساتها المختلفة بصورة متميزة في الجزائر، لضمها اكبر عدد من المؤمنين ولتميز السياسة الفرنسية فيها حيث كانت تعتبرها إقليما فرنسيا. فنشأت الأبرشيات والخور نيات والمدارس، وأقبلت الرهبانيات المختلفة، بل تأسس بعضها فيها، ومنها انطلقت، كرهبانية الآباء البيض التي أسسها الكردينال لا فيجري عميد كنيسة شمال إفريقيا ورئيس أساقفة الجزائر عام 1916 للعمل في إفريقيا العربية؛ ومن وحي العلاقات المسيحية الإسلامية وعلى خطى الفيكونت المتنسك شارل دي فوكو لدى قبائل الطوارق في أقصى جنوب الصحراء الجزائرية تأسست رهبانية إخوة وأخوات يسوع الصغار(1932 و 1939).

       فحين تتجول في أقطار المغرب العربي اليوم، لا يمكن ألا تجذب نظرك – أنت المشرقي – هذه الكنائس الفخمة والبارزة، حتى بعد الاستقلال، مثل نوتردام دافريك (سيدة إفريقيا) المطلة على البحر من إحدى قمم مدينة الجزائر بشموخ، وكاتدرائية الاغواط في الصحراء، وكنيسة العذراء وتمثالها على جبل سانتاكروز المطل على خليج وهران، وكاتدرائية تونس ببرجيها الجبارين في شارع بورقيبة وهو الشريان الرئيسي للعاصمة، وكنيسة القديس اوغسطينوس الفخمة في اعلي خرائب قرطاجة بين تونس العاصمة وسيدي بوسعيد… وحتى الكنائس الريفية التي لازالت شاخصة –وان فارغة– في بعض القرى المبعثرة في سلاسل الأطلس الشمالي الجزائري. ناهيك عن المؤسسات الكنسية التربوية والمهنية والصحية والمعاهد الثقافية والمتخصصة بالدراسات العربية التي كانت تشغل –ومنها ما لا يزال قائما– أبنية واسعة وجذابة.

       كل هذا يعكس وجه كنيسة قوية البنية، ذات إشعاع معنوي وجغرافي لا يستهان به. 

o       البقية الباقية

      ولكن ماذا بقي بعد الاستقلال؟

      إن نقطة الضعف الوحيدة –وهي كبيرة وضخمة– في هذه الكنيسة “القوية البنية” هي أنها كانت مرتبطة أولا وأساسا بالرعايا الأوربيين الوافدين، ولم يكن لها جذور وطنية بشرية تعتمد عليها في المستقبل الا نفر قليل، يعدون على الأصابع من القبائل اعتنقوا المسيحية وبقوا على الهامش، لذا فقد وجدت نفسها بين ليلة وضحاها، بعد الاستقلال، كباخرة فرغت بغتة من ركابها على احد السواحل ولم يبق فيها إلا طاقم ملاحيها ونفر من العنيدين. فقد غادر الجزائر وحدها -وكانت تضم القسم الأكبر من المستوطنين المسيحيين المتجذرين من ثلاثة أو أربعة أجيال– مليون وربع المليون من المزارعين والتجار والحرفيين والإداريين أضافة إلى العسكريين، عام 1962 (1). أما ما بقي فأعداد قليلة ممن فضلوا “أرضهم الجزائرية” على العودة إلى بلد لم تعد لهم به أية صلة، وبضعة ألاف من “المتعاونين الثقافيين والفنيين”. أما البنية الكنسية فقد تقلصت إلى الحد الأدنى، مع احتفاظها بشخصيتها القانونية الرسمية أمام الدولة، وبأبرشياتها الرئيسة – وان مبتورة في مراكزها الثقافية والرهبانية ومقاماتها الدينية.

كنيسة إفريقيا

       هذه الكنيسة، الوافدة وحديثة الانتشار، ليست غريبة عن تراث هذه الأرض وتاريخها، فجذورها تمتد إلى أعماق التاريخ الميلادي، وقد لعبت دورا بارزا ومتميزا في تطور المسيحية ككل في الأجيال الأولى، ولمع فيها أكثر من اسم.

o       البدايات.. والانتشار

       المسيحية في إفريقيا يرجح أن تكون قد دخلت منذ القرن الأول، فقد ذكر كتاب أعمال الرسل (2: 1) إن من بين الذين سمعوا الرسل يوم العنصرة أناس جاؤوا من “نواحي ليبيا المتاخمة لبلاد القيروان”. فتفترض أن من بين هؤلاء من حمل معه البشرى الإنجيلية. وقد تكون تلك الخميرة تغذت بجماعات مسيحية اولى قدمت من فلسطين بعد خراب أورشليم سنة 70 واضطهاد تيطس. غير إن الشواهد تتعدى الافتراضات عندما نتغلغل في القرن الثاني لنرى انتشار تكريم الرسولين بطرس وبولس في كنيسة قرطاجة، مما يشير إلى الصلة الخاصة بروما – وكان شمال إفريقيا كله مستعمرة رومانية منذ سقوط قرطاجة الفينيقية عام 146 ق م على يد سيبيون اميليانس. أما أول شاهد مكتوب ومؤرخ فهي أخبار استشهاد الشهداء ألاثني عشر في سيللي عام 180م، ولاسيما قصة استشهاد الفتاتين بيريتوا وفيليسيتا في ملعب قرطاجة في 7 آذار 203.

         ففي نهاية القرن الثاني يبدو إن الكنيسة منتشرة ليس فقط في نوميديا (تونس وشرق الجزائر)، بل في المغرب وموريتانيا وفي بعض الواحات الصحراوية الشمالية أيضا. فقد كتب ترتليانس الإفريقي عام 197 عن انتشار المسيحية في بلاده مخاطبا السلطة الرومانية بتحد، إن دل على شيء، فإنما يدل على كنيسة ذات قاعدة واسعة قادرة أن ترفع رأسها بوجه القوة: “… المسيحيون في الحقول، وفي المدن المحصنة، وفي الجزر، في كل مكان… عمرنا لا يتعدى البارحة ومع ذلك فنحن نملا كل مكان… إننا لم نترك لكم سوى الهياكل. إن عددنا كبير، ونكاد نشكل الأكثرية في المدن “.

o       الحالة الاجتماعية

       أما الجذور الاجتماعية لمسيحية إفريقيا فتبدو في غالبيتها من الطبقة الوضيعة، وخصومها يعيبون عليها ذلك، مثل سلسيوس الذي يضع هذا الكلام في فم المؤمنين: “إذا وجد إنسان خشن، أو جاهل، أو معدم فليأت إلينا بكل ثقة”. غير إن الدين الجديد ما فتئ أن تسرب إلى الطبقات العليا تدريجيا. فالكنائس الفخمة والواسعة التي تكشف لنا عنها الآثار ومستواها المعماري والفني يعكسان وضعا اقتصاديا وحضاريا متقدما.

       فهذه بقايا كنائس قرطاجة وقسنطينة، وتيبازا التي تحتوي مقبرة مسيحية كبيرة دفن فيها مؤمنون من ايطاليا ولبنان ومن مناطق افريقية أخرى، كما تكشف شواهد القبور، تيمنا برفات القديسة سلسة. وشرشال التي وجدت فيها منحوتات تحمل رموزا مسيحية قديمة مثل الحمامة وغصن الزيتون والعنجر. ومدينة الأصنام حيث أزيحت الأتربة عن فسيفساء كنيستها الضخمة المبنية عام 324. وجميلة قرب سطيف التي لازال معبد المعمودية فيها قائما وبالإمكان استخدامه كما هو الآن. وتبسه وتيمغاد اللتان تشهد أعمدة كنائسها الشاخصة حتى اليوم بعظمتها التليدة. وبسكرى، والجزائر، وهيبون التي يردد أديم كنائسها المكسو بالحشائش صدى تعاليم أسقفها الشهير اوغسطينوس… وغيرها من الآثار واللقى المسيحية وبلاطات الفسيفساء الممتدة على طول الساحل من موريتانيا وحتى ليبيا: كلها شواهد على ذلك الماضي الثري.

o       كنيسة نشطة ووجوه لامعة

        كانت هذه المسيحية تتمحور إداريا حول كرسي قرطاجة –وهي أم وعمدة كنائس إفريقيا-. وكانت قرطاجة عاصمة إفريقيا مما يشير إلى مكانتها السياسية ومركزا ثقافيا وكنسيا يختلج بالحركة، فيه عقدت مجامع كنسية إقليمية عديدة ومنه انطلقت تيارات فكرية وجدلية. وإذا أردنا تكوين فكرة أولية على بنية الكنيسة الإفريقية في تلك الأزمنة الغابرة يكفينا أن نعرف أن مجمعا إفريقيا عاما عقد سنة 240 ضم لا اقل من 90 أسقفا إفريقيا، إلى رسوخ قدم المسيحية الإفريقية وتنظيمها. كما اشتركت كنيسة إفريقيا في مجامع مسكونية خارج حدودها الجغرافية، نذكر منها على سبيل المثال المجمع المسكوني الأول في نيقية عام 325، الذي اشترك فيه كما يذكر المؤرخ اوسابيوس “خيرة خدام الله قادمين من أوربا كلها وليبيا واسيا”، ومجمع القسطنطينية عام 533 حيث يرد اسم أسقف كويكول (جميلة). هذا وكانت منطقة قسنطينة غنية بالأبرشيات، ومدينة ايكوسيا (الجزائر) تقدس ذكرى ثلاثة من أساقفتها هم كريشنتس (411)، ولورنتس (419)، وفيكتور (484). ويذكر إن ثلاث باباوات أفارقة جلسوا على كرسي روما هم فيكتور الأول (189 – 199)، وملكياد (311 – 314)، وجيلاسيوس الأول (492 – 496).

        كنيسة إفريقيا، هذه، وَسَمتْها طبيعةُ أرضها ومناخها بطابع الاندفاع والحماس، بل الغلو أيضا، وقد انعكس ذلك ليس في الانحرافات المذهبية العاصفة وحسب، بل حتى في أسلوب الدفاع عن الحقيقة، لاسيما إبان الصراعات العقائدية وظهور البدع المونتانية(2) والدوناتية (3)  والبيلاجية(4). وقد تجسدت هذه الحدة والأمانة للمبادئ في إن واحد في كوادر تلك الكنيسة، اعني بهم الأساقفة بصورة خاصة. من بين تلك الأسماء نقتصر على ذكر أسماء ثلاثة تعد من ابرز وجوه كنيسة إفريقيا وهي: ترتليانس المجاهد الناري، وقبريانس أسقف قرطاجة، وأعظمهم طرا اغسطينوس أسقف هيبون  الذي لعب دورا قياديا ليس في كنيسة إفريقيا وحدها، بل في الكنيسة الجامعة بأسرها، وفي الكنيسة الغربية خاصة.

        ترتليانس:  ولد في قرطاجة نحو 160 م من أب ضابط  وثني، وبعد دراسة متعمقة في القانون الروماني وحياة صاخبة تنصر وهو في الثلاثين من عمره، واقتبل الكهنوت وهو متزوج، فوضع طاقاته وحماسه في خدمة الكنيسة. غير إن حدة طباعه وغلوه دفعا به دون هوادة في معارك جدلية طاحنة ضد الوثنيين واليهود المرتدين والهراطقة الذين وصفهم جميعا في سلسلة واحدة باسم “الأفاعي”. وما فتئ في تطرفه أن سقط في بدعة المونتانية ليجعل من المسيحية ديانة الكاملين وإبطال التقشف والتشدد الأقصى وحدهم. فارتد على إخوانه يصب جام غضبه على من لا يرحمهم في اندفاعه وصلابته ضد الضعفاء الذين كبوا أثناء الاضطهادات. ولكن إذا كان ترتليانس من طباع البراكين، فشخصيته تبقى جذابة، وقد أتحف اللاهوت الغربي، قبل انحرافه، بأسس فكرية ومنطقية متينة، وهو يعد من ابرز الكتاب المسيحيين الأوائل. وسنبقى نذكر عبارته الشهيرة: “دم الشهداء بذار المسيحيين”.

        قبريانس: هو أيضا من أصول ارستقراطية افريقية ولد نحو 210 م. مارس المحاماة ثم اعتنق المسيحية واقتبل الكهنوت وانتخب بشبه الإجماع أسقفا لقرطاجة. كان من معدن ترتليانس علما وحماسا ولكنه تميز عنه بروح الحلم والقداسة والرعاية حتى تألب حوله أساقفة إفريقيا. وحتى في مجابهته مع بابا روما بشان المرتدين عن الإيمان وشرعية عمادهم بقي أمينا لروح الإنجيل ولوحدة الكنيسة التي يعد منظرها الأول. وتكلل جهاد هذا الأسقف العظيم بالاستشهاد عام 258،

      اوغسطينوس: ركن من امتن أركان الكنيسة. ولد في سوق اهراس الحالية شرقي الجزائر عام 354 من أسرة برابرية عريقة. درس فن الخطابة وقضى شبابا متسكعا بين مادور وقرطاجة بإفريقيا وميلانو بايطاليا حيث اقتبل العماد من يدي أسقفها القديس امبروسيوس (387) –وكان لامه المسيحية دور في هذا الانقلاب-. بعد اهتدائه عاد إلى وطنه ليؤسس جماعة رهبانية في داره بمدينة تاغاست. وفي كاتدرائية هيبون المجاورة بايعه الشعب بالصوت الحي كاهنا ومساعدا لأسقفها، وبموت هذا الأخير عام 396 انتخب خلفا له.

        وعندما اقتبل اوغسطينوس الأسقفية كانت المسيحية الإفريقية عرضة لهزة عنيفة من جراء البدعة الدونانية التي لم تقتصر على الجدل الفكري، بل تعدته إلى إثارة الاضطرابات وشن الملاحقات الدامية ضد أتباع الكنيسة الرسمية. فجند أسقف هيبون طاقاته كلها للدفاع عن الحقيقة، وحماية وحدة الكنيسة، وتنظيم الحياة الكهنوتية، وتعميق الإيمان المستقيم وتطهيره من الشوائب الوثنية بالخطابة والتعليم والكتابة (232 كتابا وبحثا من ضمنها “اعترافاته” الشهيرة و “مدينة الله” في تنظيم المجتمع المثالي، إلى جانب مئات المواعظ والرسائل). هذه الغزارة والتنوع واسلوبه المتميز بالحيوية والعمق والوضوح تجعله في المقام الأول من الكتاب المسيحيين في جمع الأجيال. كما جعلته شخصيته الفذة واستقامة عقيدته وقوة حجته وقداسة سيرته يمارس أولوية أدبية في الواقع الكنسي الإفريقي على سائر زملائه الأساقفة، وزعامة حقيقية على شعبه طيلة 35 سنة التي قضاها على كرسي هيبون. وقد تجلى ذلك بأقسى صورة أثناء حصار مدينته على يد الفاندال. وتوفي الأسقف الكبير في آب 430 في الشهر الثالث للحصار.

o       عواقب الاضطهادات والهرطقات… او القمة والانحدار

       في السنة ذاتها التي صدر فيها “بيان ميلانو” الشهير (313) في الحرية الدينية لجميع رعايا الإمبراطور و “حق المسيحيين الكامل في أن يمارسوا ديانتهم من دون خوف”، شجب قسطنطين المتنصر حديثا زعيم الدوناتية وخلعه، وحرمه بابا روما والمجمع الملتئم حوله من أساقفة أوربيين وأفارقة. غير أن خروج النشاط المسيحي إلى وضح النهار لم يزد إلا من صلابة المجابهة، وبقي التناحر ينخر جسم كنيسة إفريقيا زهاء قرن كامل حيث قامت كنيسة دوناتية منافسة مستقلة بأساقفتها واكليروسها ومعابدها.

        وإذا كانت الاضطهادات المتواصلة منذ أواسط القرن الثاني وحتى بيان ميلانو قد حصدت ألاف الرؤوس المسيحية وخلفت بضعة مئات من أسماء الشهداء، فالبلاء الأكبر الذي ابتليت به كنيسة إفريقيا  وخلخل  كيانها كان من دون شك الارتداد والبدع. فالارتداد عن الإيمان الناتج عن الاضطهاد مع ما تبعه من معارك جانبية طاحنة وتطرفات في العقيدة والمسلك، والبدع مع ما رافقها من تناحر دموي ومن انشقاقات، فعلت فعل التدمير الذاتي في كنيسة إفريقيا. وإذا كان عهد اوغسطينوس يمثل القمة، فقد مات هذا من دون أن يقتلع البدع تماما، ولم يبلغ بالمسيحية الإفريقية عافيتها الكاملة عندما انقض عليها الفاندال القادمون من اسبانيا. وكان الفاندال هراطقة على المذهب الاريوسي، فانضموا إلى الدوناتيين في التصدي لحكم روما المدني والديني وملاحقة الكاثوليك وإضعافهم. ودام ذلك حتى 533 حين عاد الإمبراطور جوستينيان إلى إفريقيا وهزم الدويلات الفاندالية وانتصر للكنيسة الرسمية، وبذلك دخلت إفريقيا عهدها البيزنطي.

        ولكن يبدو أن العملية البيزنطية لم تكن أكثر من عملية طلاء لم تعد البلاد ولا المسيحية إلى سابق تألقها، لان أسباب الانحلال كانت لا تزال قائمة. فالبدو يتربصون بالحدود الجنوبية، والنزعة الاستقلالية تعتمل في نفوس البرابر، والمسيحيون انساقوا في مشاحنات دينية جديدة قادمة من المشرق. هذه الأسباب وما سبقها جعلت الإسلام عندما اقبل بقيادة عقبة بن نافع عام 670 أمام مسيحية منهوكة القوى. وإذا استطاع القائد المسيحي قصيلة أن يحقق نصرا عابرا بجيش بيزنطي – محلي على المسلمين فقد دحر عام 788 واستكمل فتح شمال إفريقيا بأسره. ولما انهارت المؤسسات الرومانية انهارت معها المسيحية كمؤسسة، لارتباطها العضوي بها، وانطفأت تدريجيا بالاختناق وبالعبور إلى دين الفاتحين، ولربما بالهجرة أيضا، على مدى أربعة قرون، هي المدة التي تمت فيها اسلمة شمال إفريقيا وتعريبها الكامل.

o       خاتمة

       ماذا بقي الآن من كل ذلك، وماذا نقصد عندما نتكلم عن “كنيسة شمال إفريقيا” أو “الكنيسة في المغرب العربي” اليوم؟

        إن كنيسة شمال إفريقيا تتكون حاليا من عناصر أربعة:

      1 – ما بقي في الأرض من لقى وآثار مسيحية رومانية – بيزنطية من عصور ما قبل الإسلام.

      2 – بقايا المسيحيين المنحدرين من أصل أوربي (من عهد الاستعمار) الذين اتخذوا جنسية أوطانهم بالتبني بعد الاستقلال، وقد انظمت اليهم مجموعات “المتعاونين الفنيين” لاسيما من فرنسا، بعقود ثابتة أو زمنية، لدفع حركة التحديث الوطنية بالزخم.

      3 – المسيحيون العرب الشرقيون الذين قدموا من سوريا ولبنان والعراق ومصر ليساهموا في حركة التعريب.

       4 – أفراد قلائل من القبائل المتنصرين.

        فالحديث عن “الكنيسة في المغرب العربي” اليوم هو حديث عن هذه “العناصر”، عن هذه “البقايا”.. وهو حديث أيضا، وبصورة خاصة، عن عدد من كهنة الرعايا المتبقين والأساقفة، وعلى رأسهم الكردينال دوفال رئيس أساقفة الجزائر السابق –وقد لعب دورا هاما في استقلال الجزائر– الذين اتخذوا الجنسية الجزائرية، وعن عدد لا باس به من الرهبان والراهبات.. كل هؤلاء الذين أحبو هذه الأرض وتعلقوا بشعوبها ويعتبرون بكل حق كوادر كنيستها في عهدها الجديد. كنيسة لازال المواطنون العرب والبرابر الأصليون يعتبرونها “غريبة” عن تقاليدهم وهامشية، ولربما بدت للبعض “طفيلية” أو مجرد “ضيف” في ذمتهم ولكنها، هي، تبذل جهودا جادة ومخلصة كي لا تكون “متغربة” عن هذا المجتمع الذي تبنته لها شعبا، طامحة إلى أن يتبناها هو بدوره جزءا منه.

      لا شك إن تلك “البقايا” لا ترتبط دوما مصائرها لتشكل مجموعة موحدة ثابتة القدم ودائمة. فرهان المستقبل، كي تصبح حقا “كنيسة المغرب العربي”، هو التجذر والاندماج الحضاري والبشري في الأرض – وذلك مشروع طويل الأمد وقد يكون للعنصر المسيحي العربي الشرقي ولهذه الخميرة القبائلية الوطنية، على ضالتها، دور الجسر الواصل. وما اتخاذ رعاة الكنيسة في الجزائر، مثلا، الجنسية الجزائرية إلا برهان على هذه الرغبة، مضاف إلى جهود الكنيسة ككل في الاستعراب والانفتاح ودور الخدمة الذي رفعته شعارا ومنهاجا للعمل.

((((((((((())))))))))

ديرمار بهنام الشهيد وأخته سارة ورفاقه الأربعين 

تحقيق /كانون الاول 1983

       دير مار بهنام  يستهويك في كل الفصول، وإذا زرته مرة تقودك خطاك إليه مرات.. فإذا قصدته ربيعا فرش أمامك “تله” المزدهر بورد “البيبون” وشقائق النعمان وأسكرك بشذى حقوله الخضراء على مد النظر. واذا عدته صيفا احتضنك في ظل أروقته كما تحتضن الواحة الضمان ومسح جبينك بنسيم سروِه وزيتونه. وإذا جئته خريفا رحب بك بأسراب الحمام التي تسبح في فضائه فتاتي لتحط عند قدميك أو تتغازل أمام ناظريك. وإذا وافيته شتاء كان في انتظارك على صهوة جواده في أعلى برج المدخل وبسط لك ذراعيه وقال: ادخل، فالداخلون عندي يجدون الدفء والسلام والمحبة.

       في كل الأيام بابه مشرع للاستقبال، ناره لا تنطفئ “كمضيف” شيخ عربي. وإذا كانت “دلة” القهوة لا تغادر كانون شيخ العشيرة، فشاي “مار بهنام – خضر الياس”  حاضر بين يديك   لذيذا معطرا، حال وصولك، يقدمه لك الأب الرئيس فرنسيس جحولا مع حبّه –أو أكثر–  من المصقول الناعم. ومع الشاي والمصقول يأسرك بحرارة استقباله وبشاشته.. قبل أن يضعك في أجواء “المقام” الذي أنت قاصده. ذلك إن جمال “مار بهنام” الحقيقي هو في الداخل، في داخل قلبه الواسع، بين جدرانه التي ترجع صدى مزامير الرهبان في الأجيال الغوابر، في حنايا كنيسته الأثرية التي تحكي قصة الإيمان والأمل في هذه الديار، في رهبة “الجب” الذي يأوي رفات شباب لازال تراب هذه الأرض يحمل عطر دمائهم المسفوكة من اجل المسيح.. بذارا للحياة والعطاء.

       لقد سكت الرهبان اليوم وصارت صوامعه. تستقبل الزوار من كل وصوب حدب..

      هذا ليوفي نذرا عليه، وذاك ليعمد طفلا مطلوبا بشفاعة بهنام أو سارة، وآخر ليستكمل بحثا من بطون مخطوطات المكتبة، ورابع ليريح النفس من عناء العمل والحياة، وغيره ليصلي ويتعبد كهؤلاء الكهنة الشباب الثلاثة الذين رأيناهم يذرعون الرواق ذهابا وإيابا وقد جاءوا ليقضوا ثلاثة أيام في الخلوة للتأمل والصلاة.. أما نحن فقد جئنا لنقرا صفحات من “سفر” هذا الدير ونكتب صفحة عن الحياة والإيمان اللذين نشا هنا ولا زالت تنبض بهما هذه الأرض.

 في قديم الزمان..

في  قديم الزمان –في القرن الربع يقول تاريخ الرهاوي المجهول–  فارسي في منطقة أشور، ولدان، بهنام وسارة، اعتنقا المسيحية على يد راهب من جبل مقلوب يدعى متي الشيخ، فقتلهما والدهما لنكرانهما الإلهة وأصبح موضع استشهادهما مع رفاقهما حجة للمؤمنين. وبعد تلك الأيام مر بذلك المقام تاجر مؤمن في طريقه إلى القدس نال شفاء عبده بشفاعة الشهيدين فابتنى كنيسة أوى فيها رفات الشهداء وديرا للرهبان عرف “بدير الجب”. 

.. وفي العهود العربية

       عن “دير الجب” هذا تكلم ياقوت الحموي والقزويني وغيرهما فيما بعد. وقد ذكرا أن “الناس يقصدونه لدفع الصرع فيبرا منهم كثيرون”(1).

      وقد تقلبت يد الحدثان بهذا الدير بين مد وجزر إلى أن انبعث مجددا على يد التكريتيين النازحين منذ القرن العاشر إلى الموصل وقرة قوش وبرطلة وبعشيقة، ودخل عصره الذهبي في العهد الاتابكي (القرن 12 – 13) الذي إليه تعود معظم الآثار الشاخصة والزخارف المحفورة أو البارزة في المرمر الأسود أو الجبس، وفي المقرنصات المتساقطة من السقوف أو المتدلية من رتاج الأبواب، وفي الكتابات الرائعة بالسريانية – الاسطرنجيلية والعربية وحتى الارمنية والايغورية، أي التترية، التي تزين الأبواب والحنايا وتحكي أحداثا من الزمان الغابر أو ترسم أسماء فنانيها أمثال أبو نصر وأبو الفضل والأخ حسن وأبو البركات وأبو عيسى… أو تلتمس رحمة من الرحمن وتحتمي بحمى بهنام.

     غير إن نجم الدير أفل مرات ولمع مرات، بحسب تقلبات الأيام، وعبث به المغول والتتر ولا زالت آثار التخريب بادية على بعض الصلبان ورؤوس التماثيل، وانتقل  من يد إلى يد فاستولى عليه الأكراد وضبطه اليزيدية وهجر مرارا.. قبل أن يعود فيصبح قلبا نابضا للسريان، عامرا بالرهبان، ومقرا لمفارنتهم بعد تكريت في القرن 15 وقد دفن ثلاثة منهم فيه، أولهم ديوسقورس الثاني المعروف ببهنام شتي الاربوي المتوفي في قره قوش عام 1417. وفي أواسط المئة 17جعل مقاما أسقفيا تسمى أحباره “بمطران دير مار بهنام وبيث خديدا” (أي قره قوش الحالية). ومنذ ذلك التاريخ ارتبط الاسمان معا في السراء والضراء، وكثير من الرؤساء الذين تعاقبوا على إدارة الأبرشية والدير كانوا قره قوشيين. ولما اعتنق أهالي البلدة الكثلكة انتقلت ملكية الدير أيضا إلى السريان الكاثوليك. 

.. واليوم

     عن هذا الأثر الجليل الذي ظل شاخصا كالطود المارد بوجه الأعادي والغزاة وسط سهل فسيح على مسافة 35 كم جنوب شرقي الموصل في زاوية التقاء الزاب الكبير بدجلة، بجوار قرية خضر – البساطلية  مركز ناحية النمرود حاليا، كتب المستشرق الفرنسي بونيون الذي زاره عام 1893: “انه ليس في الشرق اثر عربي للقرن 12 أجمل من الكنيسة”. والانكليزي لوك قال: “إن هذا الدير هو احد الآثار المسيحية الأكثر أهمية في العراق”. ونقول نحن انه متحف حقيقي للفن المسيحي المشرقي في الريازة والزخرفة والنحت المتداخل. وذلك “سجل الدير الذهبي” يعج بما يختلج في نفوس زواره من إعجاب بروعة الآثار “وهمة الأجداد، موعظة للأبناء”.

      يتألف الدير من بنائين منفصلين: الجب والدير يحيط بهما بستان واسع معظم أشجاره من الفستق والزيتون. ويقع الجب في سفح تل اثري ينزل إليه الزائر بدرجات عبر نفقين منخفضين متوازيين من الآجر المتآكل. أما الدير فيتألف من فنائين فسيحين، يأوي الخارجي منهما في ضلعه الشرقي كنيسة الدير الأثرية ويحتوي على 25 غرفة لاستقبال الزائرين وعلى صهريجين لخزن مياه الشرب. أما الداخلي –وكان يسكنه الرهبان في السابق–  فيتصدره جناح جديد وقد هيأه الرئيس الحالي لاستقبال الجماعات التي تنشد خلوة الدير للرياضات الروحية، من كهنة وعلمانيين، ويحتوي على مكتبة نفيسة وغنية بالمخطوطات تعتبر ثروة علمية نادرة. وقد وضع الأب بهنام سوني فهرسا تفصيليا لمخطوطاتها ينتظر الطبع. 

رسالة الدير وإشعاعه

      كانت الساعة تقترب من العاشرة مساء عندما عاد ألينا الأب الرئيس بعد أن فرغ من استقبال أو توديع الزوار، أو استكمال تلبية حاجات من سيقضون الليلة في الدير –ولا يخلو منهم على مدار السنة-. الم يأتِ  دورنا  نحن؟ حدثنا، إذن، عن رسالة الدير وإشعاعه، قبل أن يخطفك منا زائر مفاجئ!

     ابتسم الأب فرنسيس ومر بيده على جبينه العريض ثم قال بكلمات هادئة وكأنه يؤدي امتحانا:

لن أحدثكم عن إشعاع الدير في الماضي البعيد، فذلك تجدونه في الكتب. وإنما اقتصر على السنوات المتأخرة اليوم. وراح الأب يربط بين الإشعاع ألرهباني الذي انطلق من هذا الدير في العصور الماضيات حيث عاش أناس تغذوا من حضور الله وتعبدوا له في حياة الزهد والشهادة للايمان، وبين تجربة الدير في الربع الاول من هذا القرن وحتى الخمسينات حيث اخذ على عاتقه تهيئة التلاميذ الراغبين في الكهنوت وإعدادهم لتكميل دراستهم في الاكليريكية السريانية في القدس والشرفة بلبنان أو في معهد مار يوحنا الحبيب بالموصل. ثم أوى ميتما لبضع سنوات. أما اليوم وقد أصبح الأب الرئيس الكاهن المقيم الوحيد والمشرف الأوحد على إدارة شؤونه وأوقافه وخدمته الروحية، فجل وقته يصرفه في استقبال الزوار وشرح معالم الدير لهم والإشراف على أعمال الصيانة والتطوير. غير أن الأب فرنسيس لا يرغب في أن تكبله هذه المهام في وجهها المادي الصرف: ففي استقباله يضع اللطف والطيبة وروح الخدمة – وتلك أيضا رسالة إنجيلية – ويلتقي بالأسر التي تمكث في الدير بضعة أيام فيجيب إلى تساؤلاتهم الدينية ويغني أحاديثهم بخبرته الروحية.. وقد اطلعنا على تجربة جديدة ساعدته فيها شقيقته الراهبة في الصيف الفائت وهي إعداد 12 طالبا وطالبة من مرحلتي الابتدائية والمتوسطة من الأسر الساكنة بجوار الدير لأول حفلة تناول أول تقام في الدير.

     ولمسنا من حديث الأب المسؤول إن الدير صار في الآونة الأخيرة يقدم صيغة جديدة من الإشعاع الروحي باستقباله مجموعات من الشبان والشابات بقيادة كاهن أو راهبة لقضاء يوم أو أكثر في الصلاة والتأمل، ويوفر لهم جوا مؤاتيا من الخلوة والخدمات في الجناح الداخلي الذي زوده بمطبخ مستقل وغرفة مؤثثة وماء حار وبارد. كما يحاول الأب بالتعاون مع كهنة آخرين وشمامسة إن ينعش الاحتفالات الدينية في مواسم الميلاد والقيامة وعيد مار بهنام (10 ك1) حيث يتضاعف عدد الزوار فيشكلون مهرجانا حاشدا وصاخبا. ويجدر بالذكر الاحتفال الكبير الذي نظمته في الدير كنائس الموصل بمناسبة السنة المقدسة في ت2 الماضي وقد ناهز المشتركون فيه الإلف.

      لعل هذه الصيغة من الإشعاع الروحي للدير هي شرط مصداقية رسالته وضمان ديمومة دوره الكنسي، فينبغي التركيز عليها، برأينا. 

الوجه الجديد للدير

       إن من يذكر دير مار بهنام  يذكر للحال رئيسه الأسبق الخوراسقف المرحوم افرام عبدال (+1965). فقد عمل في عمرانه وتجديده مدة 30 سنة وجعل منه أثرا عالميا يحج إليه القاصي والداني وعمل على إدراجه رسميا كأثر قومي في مديرية الآثار العراقية. ووضع له دليلا سياحيا مصورا بالعربية والانكليزية والفرنسية والألمانية، وطبع مجموعة من البطاقات البريدية تمثل روائعه الفنية، ونشر عنه كتاب “اللؤلؤ النضيد في تاريخ دير مار بهنام الشهيد” مقدما إياه كصفحة لامعة من أروع صفحات الآثار المسيحية العراقية، إضافة إلى كناب آخر في سيرة الشهيد ورفاقه وصور كبيرة ملونة تمثل الشهيدين.

       الأب فرنسيس جحولا – وقد تعين رئيسا للدير في 11 نيسان 1982 وتثبت في 20 ك2 الماضي – تلميذ ذاك الرجل، ما أن استلم مهامه حتى شمر عن ساعد الجد ليضع لبنته في خطى أسلافه وباشر بإجراء الترميمات والإصلاحات في كافة أقسام الدير الفسيحة. فأعاد تقسيم شبكات الماء والكهرباء وصبغ الغرف من الداخل والخارج وزودها بأسرة وفرش جديد وبمغاسل ومرافق حديثة وجدد مطبخ الدير المركزي ونظم الجناح الداخلي بكل الخدمات. وها هو منهمك الآن –بهمة احد المحسنين–  في ترميم وبناء الجب وإكسائه بالحجر الأبيض المنحوت مع واجهة الكنيسة الخارجية.

       إذا كان الدير جميلا وجذابا فسيكون إشعاعه الروحي والثقافي اكبر. هذا ما يفكر به الأب الرئيس. لذا كان من مشاريعه المستقبلية أيضا:

       تطوير المكتبة واغناؤها بكتب حديثة لتتناسب ومركز الدير الثقافي والتاريخي ونقلها إلى بناء أوسع واهدأ.

       تنظيم “رهرهة” الدير الكبرى الداخلية كقاعة للندوات والمحاضرات واللقاءات وتزويدها بالأجهزة السمعية والبصرية.

      إعادة طبع الدليل السياحي وكتاب سيرة مار بهنام والبطاقات البريدية وإصدار فولدر سياحي عن الدير.

      إعداد استمارات خاصة للأسر التي تقصد الدير.

      الاهتمام بالتثقيف الديني لأبناء الأسر المسيحية الساكنة في الجوار.

       استثمار البستان بعد انجاز مشروع الماء الموحد.

       يا لطموحات الأب الرئيس الشاب (مواليد 1937)! ولكن هل يكفي كاهن واحد لكل ذلك؟ اوليس بالإمكان العثور على شخص أو أكثر لمساعدة الرئيس –براتب–  في الشؤون المادية والعمرانية والتموينية؟ أليست صيغة مرغوبة من صيغ التعاون الإنجيلي أن يكون الدير ملتقى لنشاطات ومبادرات روحية (رياضات، لقاءات الشباب) ومهرجانات دينية بتنسيق بين الكهنة أو الراهبات ورئيس الدير، وبمبادرة من هذا أو أولئك؟

      كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل عندما سكت الأب الرئيس عن الكلام المباح. ولكنه استدرك وهو يصب آخر قدح شاي وقال: لا تنسوا أن تذكروا القراء في تحقيقكم بحرم الدير وقدسيته، فهو ليس موضع لهو، مما يوجب على الزوار احترام الجو العام وعدم تشويه الجدران والمعالم الأثرية بالكتابات وتسليم الغرف والأثاث بالنظافة ذاتها التي استلموها.. 

                                  (شاركت الأخت سانت آتيين في إعداد التحقيق وكتابته) 

—————–

(1) “اللؤلؤالنضيد” للخوري افرام عبدال/ ص67- وللمزيد عن اخبار الدير طالع هذا الكتاب، فمنه استقينا فذلكتنا التاريخية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: